فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْجَواب عَن الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد ﵁ فِي قَول الَّذِي ذكره السَّائِل فِي هَذَا السُّؤَال وَذكر أَنهم لم يفهموه وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا أعلم أهل زمانهم عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ مَا فهمنا غَرَضه فِي هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه النَّاقِل لكَلَامه ومعترف بفضله
وَذكر السَّائِل أَنه ضجع بِهِ فِي الرَّد على الْمُعْتَزلَة هَكَذَا قَالَ ضجع بتَشْديد الْجِيم بعد الضَّاد الْمُعْجَمَة
وَفسّر ذَلِك بِأَنَّهُ تكلم بِكَلَام لَا يفهم وَهَذَا التَّفْسِير الَّذِي ذكره لَا يشْهد لَهُ من جِهَة اللُّغَة وضع وَلَا من جِهَة الِاصْطِلَاح سمع
وَلَكِن لهَذِهِ اللَّفْظَة معنى صَحِيح وَإِن لم يذهب فهمه إِلَيْهِ وَهِي كلمة حق جرت على لِسَانه لَيست لَهُ بل
[ ٦٠ ]
عَلَيْهِ أَي أقعدهم بِالرَّدِّ عَلَيْهِم وصيرهم مضطجعين غير قَائِمين بِحجَّة وَأَنِّي تقوم حجَّة للمبتدعين
قَالَ أَبُو حَامِد الْمَذْكُور الطَّبْع قَابل وَالْعقل باعث والمعجز مُمكن وَالرَّسُول مبلغ
قلت وَهَا أَنا أنبه على معنى هَذَا الْكَلَام بِعِبَارَة وَاضِحَة للأفهام اجْمَعْ فِيهَا بَين تفهيمهم مَا لم يفهموه من الْمَعْنى وَدفع الْإِلْزَام الَّذِي ألزموه لنا
اعْلَم أَن كَلَامه هَذَا ﵁ فِي غَايَة الْحسن والمناسبة لما نَحن بصدده من مَسْأَلَة الْمعرفَة اللَّازِم فِيهَا الإفحام للُزُوم الدّور الْمَذْكُور وَذَلِكَ أَنه ﵁ مثل الْمُكَلف الْقَائِل للرسول المستدعي النّظر فِي المعجز المتحدى بِهِ الشَّاهِد بِصدق رسَالَته الْمُشْتَملَة على معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة شَرعه الَّذِي يَدْعُو بِهِ عباده لَا يلْزَمنِي النّظر فِي معجزك حَتَّى أعلم صدقك وَلَا أعلم صدقك حَتَّى أنظر فِي معجزك بِمن قَالَ لَهُ مُنْذر نَاصح مُشفق تحذيرا لَهُ وَرَاءَك أَفْعَى فاحذر مِنْهَا أَن تلدغك أَو سبع ضار فاحذر مِنْهُ أَن يفترسك وَإِن الْتفت وَرَاءَك وَنظرت عرفت صدقي فَقَالَ لَا ألتفت ورائي وَانْظُر مَا لم يثبت صدقك وَلَا يثبت صدقك مَا لم الْتفت وَأنْظر فَهَل قَائِل هَذَا القَوْل إِلَّا أَحمَق حَيْثُ عرض نَفسه للهلاك وعظيم الْخطر بترك نظر لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كلفة وَلَا ضَرَر وَلَو كَانَ لَهُ عقل لبعثه على النّظر فِي ذَلِك وَقَالَ فِي نَفسه يُمكن أَن يكون هَذَا الْمُنْذر صَادِقا فَإِن قبلت نصحه وَنظرت فِيمَا قَالَ وأنذر وحذر واحترزت من الْعَدو الَّذِي ذكر نجوت وَإِن لم أقبل نصحه وتقاعدت عَن الِاحْتِرَاز فَلم أنظر نزل بِي الْهَلَاك من حَيْثُ لَا أشعر وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَمَا يضرني النّظر والاحتراز فِي أَمر مُمكن هُوَ عَليّ غَائِب وَلَا يورثني ذَلِك شَيْئا بل زينا إِذْ الِاحْتِرَاز وَالنَّظَر فِي الْأُمُور وَمَا تؤول إِلَيْهِ العواقب من
[ ٦١ ]
شِيمَة الْعُقَلَاء أولي الحزم والعزم والحذر من الْغدر والوقوع فِي المعاطب
وَقد قَالَ فِي ذمّ التَّغْرِير الْقَائِل الْخَبِير وَمَا المغرر مَحْمُود وَإِن سلم
قلت وَأما قولي فِي بعض القصائد
(فَمَا فَازَ بالمجد الأثيل من الورى سوى من لَدَى الْأَهْوَال بِالنَّفسِ يسمح)
(فَأَما جبان عزت النَّفس عِنْده فَذَاك الَّذِي بالذل يُمْسِي وَيُصْبِح)
وَقَوْلِي فِي أُخْرَى
(فمجد الْعلَا مَا ناله غير ماجد يخاطر بِالروحِ الخطير فيظفر)
فَإِن هَذَا تغرير بالنفوس فِي طَاعَة الْملك القدوس وفيهَا النجَاة وسعادة الْأَبَد والفوز الْعَظِيم بالنعيم المخلد وَلَيْسَ ذَلِك التَّغْرِير كَذَلِك بل موقع فِي الْهَلَاك
قلت فَإِذا فهم هَذَا الْمثل الْمَذْكُور فليفهم مَا نَحن بصدده من كَون الْعَاقِل يحْتَرز من هَذَا الْمَحْذُور لاحْتِمَال صدق الْمخبر والوقوع فِي الْهَلَاك وَالثُّبُور فَكَذَلِك يَقُول الرَّسُول ﷺ (وراءكم الْمَوْت وَمَا بعده من الْأَهْوَال والشدائد وَالْعِقَاب والوبال وَالْعَذَاب الشَّديد الْأَلِيم وخلود الدَّهْر فِي دَار الْجَحِيم إِن لم تَأْخُذُوا حذركُمْ وتحترزوا مِمَّا أَنْذَرْتُكُمْ وتعرفون صدقي بالالتفات إِلَى معجزتي فَمن الْتفت إِلَيْهَا عرف صدقي وَاحْترز وَنَجَا وَمن لم يلْتَفت إِلَيْهَا لم يعرف صدقي وَلم يحْتَرز من الْمَحْذُور حَتَّى ينزل بِهِ الْهَلَاك والردى)
قلت فقد علم من هَذَا التَّمْثِيل والإيضاح أَنه لَا يتْرك الِاحْتِرَاز بِالنّظرِ فِي المعجز بِسَبَب الدّور من فِيهِ فلاح فَإِن الَّذِي تحدى بِهِ الرَّسُول يُمكن أَن يكون معجزا دَالا على صدقه فِيمَا أخْبرته أَعنِي مُمكنا فِي نفس الْأَمر قبل أَن ينظر فِيهِ غير مَقْطُوع بصدقه وَلَا كذبه
فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِيهِ لاحْتِمَال الصدْق الْمَذْكُور خوفًا من الْوُقُوع بترك النّظر فِي الْمَحْذُور فَإِذا نظر فِيهِ حصل لَهُ الْعلم بِكَوْنِهِ معجزا خارقا
[ ٦٢ ]
للْعَادَة شَاهدا بصدقه فبادر إِلَى التَّصْدِيق ونيل السَّعَادَة فَهَذَا معنى قَول الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْمُحَقق المتقي والمعجز مُمكن