وَأما مَا ذكرت أَيهَا السَّائِل من شبه الْمُعْتَزلَة الثَّلَاث الَّتِي ذكرتها فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي الِاعْتِرَاض على قَوْلنَا إِن الْمعرفَة تجب بِالسَّمْعِ الْمُوجب دون الْعقل عندنَا للنَّظَر الَّذِي هُوَ طَرِيقه إِلَى مَعْرفَتهَا عندنَا وعندكم إِجْمَاعًا
فالشبهة الأولى وَهُوَ قَوْلك أَحدهَا أَن السّمع مفتقر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى مفتقرة إِلَى السّمع وَهَذَا دور مَحْض لأَنا لَا نَعْرِف السّمع حَتَّى نَعْرِف الله تَعَالَى وَلَا نَعْرِف الله تَعَالَى حَتَّى نَعْرِف السّمع فَلَا يحصلان وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا
هِيَ عين مَا حَكَاهُ أَصْحَابنَا عَن الْمُعْتَزلَة من قَوْلهم أَن الْوُجُوب لَو كَانَ من الشَّرْع لزم إفحام الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن الْمُكَلف لَا ينظر مَا لم يعلم الْوُجُوب وَلَا يُعلمهُ مَا لم ينظر
قلت وَقد ألزم أَصْحَابنَا مَذْهَبهم الإفحام أَيْضا فَقَالُوا فِي جوابهم وَلَو وَجب عقلا لأفحم أَيْضا لِأَن وجوب النّظر غير ضَرُورِيّ إِذْ هُوَ مُتَوَقف على مُقَدمَات مفتقرة إِلَى أنظار دقيقة
قلت لِأَن الْمُكَلف على هَذَا القَوْل لَا أنظر حَتَّى أعرف وجوب النّظر وَلَا أعرف وجوب النّظر حَتَّى أنظر
فَيلْزم فِي هَذَا من الدّور
[ ٥٩ ]
فِي طَرِيق الْمعرفَة على مَذْهَبهم على مَا ذكره السَّائِل من الدّور فِي طريقها على مَذْهَبنَا
قلت هَكَذَا صرح غير وَاحِد من أَئِمَّتنَا الْمُحَقِّقين
وَقَالَ بَعضهم الْعقل لَا يفحم بل هور دور لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ قَوْلنَا لَو وَجب عقلا لما وَجب نقلا فَعبر عَن هَذَا بالإفحام انْتهى
قلت وَلُزُوم الدّور كَاف فِيمَا رمنا من منع الْوُجُوب عقلا وَإِذا لزم الْأَمر مَذْهَبهم من الدّور مَا لزم مَذْهَبنَا فَمَا أجابوا بِهِ عَن ذَلِك بِهِ أجبنا وَمَا لَهُم عَن ذَلِك جَوَاب وَلَا مخرج عَن اللَّازِم الْمَذْكُور وَهَا نَحن على سَبِيل التَّبَرُّع نجيب عَن ذَلِك وَنخرج عَن الْمَحْذُور وَفِي هَذَا الْمَعْنى أنْشد وَأَقُول
(إِذا مَا فِي الوغى أوردتمونا فإننا سنوردكم مِنْهَا الَّذِي مِنْهُ يحذر)
(إِذا ضمنا يَوْمًا من الدَّهْر معرك صدرنا وَأَنْتُم مَا لكم عَنهُ مصدر)