ننظر في الآية الكريمة الأولى، آية الولاية كما يسميها الجعفرية والتي يعتبرونها نصًا صريحًا في إمامته، فنجد أنهم يروون أنها نزلت في على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فأومى بخنصره اليمنى إليه فأخذ السائل الخاتم من خنصره.
وقالوا في المعنى: إن الله تعالى بين من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم، وتجب طاعته عليهم فقال:
_________________
(١) أول سورة المعارج.
(٢) الغدير ١/٢٤٠.
[ ١ / ٥٢ ]
"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ" أي الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم هو الله تعالى ورسوله ﷺ، " وَالَّذِينَ آمَنُواْ " ثم وصف الذين آمنوا فقال: " الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ " بشرائطها "وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" أي يعطونها في حالة الركوع.
ثم قالوا: هذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة على بعد النبي ﷺ بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظ وليكم تفيد من هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته، وثبت أن المراد بالذين آمنوا على، ثبت النص عليه بالإمامة، ووضح. الذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة، فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، ولا يجوز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة، لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، ولفظة " إنما " تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور. والذى يدل على أن المراد بالذين آمنوا على الروايات الكثيرة. فهو وحده الذي تصدق في حال الركوع، كما أن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه (١) .
هذا ما ذهب إليه الجعفرية، ولكن أهل التأويل - كما يقول الطبري (٢) .
-اختلفوا في المعنى بقوله تعالى:
"
_________________
(١) راجع تأويلات الجعفرية للآية الكريمة، والروايات التي ذكروها لتأييد ما ذهبوا إليه في المراجع التالية: التبيان ٣/٥٥٨ - ٥٦٤. ومجمع البيان ٦/١٢٦ -١٣٠، والميزان ٦/٢ -٢٤، وزبدة البيان ص ١٠٧ -١١٠، وكشف المراد ص ٢٨٩، ومصباح الهداية ص ١٧٩ -١٨١، وتفسير شبر ص١٤١
(٢) انظر تفسير الطبري، تحقيق شاكر ١٠/٤٢٤ - ٤٢٥
[ ١ / ٥٣ ]
وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"، فقال بعضهم: عنى به على بن أبى طالب، وقال بعضهم: عنى به جميع المؤمنين.
وذكر الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه القائلون بأن المعنى به جميع المؤمنين، وفى بعضها تعجب ممن سأل عن المراد بالذين آمنوا، لأنه يسأل عن شيء لا يسأل عن مثله. ثم ذكر روايتين:
الأولى: عن إسماعيل بن إسرائيل قال: حدّثنا أيوب بن سويد قال، حدّثنا عتبة بن أبى حكيم في هذه الآية " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ " قال: على بن أبى طالب.
الثانية: هي حدثني الحارث قال: حدثني عبد العزيز قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ " قال: نزلت في على ابن أبى طالب، تصدق وهو راكع.
والرواية الأولى في سندها أيوب بن سويد، وعتبة بن أبى الحكيم: فأما أيوب فقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال البخاري في الكبير " يتكلمون فيه " (١) وأما عتبة فقد ضعفه ابن معين، وكان أحمد يوهنه قليلًا، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات (٢) .
فهذه الراوية إذن ضعيفة السند. والرواية الثانية في سندها غالب بن عبيد الله وهو منكر الحديث متروك (٣) فراويته لا يؤخذ بها.
والحافظ ابن كثير عند تفسير الآية قال (٤): "
_________________
(١) انظر المرجع السابق ج ٥ حاشية ص ٢٢٤.
(٢) نفس المرجع ج١٠ حاشية ص ٤٢٦.
(٣) الموضع السابق من المرجع ذاته.
(٤) انظر تفسيره ٢/٧١.
[ ١ / ٥٤ ]
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ " أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله:
"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقامة الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهى له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله "وَهمْ رَاكِعُون"َفقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال في قوله: "وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى. وحتى أن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن على بن أبى طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.
وذكر ابن كثير الروايات التي تشير إلى هذا، ثم بين أنها لا يصح شئ منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم قال: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت - ﵁ - حيث تبرأ من حلف اليهود، ورضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: " وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"
كما قال تعالى: "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
فكل من رضى بولاية الله ورسله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة. "
[ ١ / ٥٥ ]
وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"
وبعد هذا كله نذكر بعض الملاحظات:
بدراسة روايات الطبري، ومما ذكره الحافظ ابن كثير، نجد أن رواية التصدق في حالة الركوع لا تصح سندًا، يضاف إلى هذا أن كتب السنة التي رجعت إليها لم أجد فيها ذكرًا لمثل هذه الرواية (١) .
الروايات مرفوضة كذلك من ناحية المتن كما أشار ابن كثير وغيره، فالفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، سواء أكانت كثيرة أو قليلة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة، ولكن تؤثر قصورًا في معنى لإقامة الصلاة ألبتة (٢) .
قال ثعلب: الركوع الخضوع، ركع يركع، ركعًا وركوعًا: طأطأ رأسه. وقال الراغب الأصبهانى: الركوع الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها. وكانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعًا إذا لم يعبد الأوثان، ويقولون: ركع إلى الله، قال الزمخشري: أي اطمأن، قال النابغة الذيبانى:
سيبلغ عذرًا أو نجاحًا من امرئ إلى ربه رب البرية راكع
وتقول: ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له، ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) راجع أيضا ما ذكر عن الإمام على في مفتاح كنوز السنة، فلا توجد إشارة لمثل هذه الرواية
(٢) انظر تفسير الآلوسى ٢/٣٣١.
[ ١ / ٥٦ ]
بيعت بكسر لئيم واستغاث بها من الهزال أبوها بعد ما ركعا
يعنى بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة.
ومنه كذلك: لا تهين الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه
وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضًا كما قيل في قوله سبحانه: " وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"، إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع. وكذا في قوله تعالى " وَخَرَّ رَاكِعًا " إلى غير هذا (١)
فقوله تعالى: - " وَهُمْ رَاكِعُونَ " يعنى به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره، متواضعون متذللون في أدائهم للصلاة وإيتائهم للزكاة، فهو بمعنى الركوع الذي هو في أصل اللغة بمعنى الخضوع.
وأرى تأييد لهذا المعنى مجئ الآية الكريمة بالفعل المضارع، فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة حدثت وانتهت، وإنما تدل على الاستمرار والدوام، أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم الصلاة والزكاة وهم راكعون، ولا يستقيم المعنى - بغير تكلف - أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة.
_________________
(١) انظر مادة ركع في لسان العرب، وتاج العروس، وأساس البلاغة، وانظر كذلك تفسير الطبري ١/ ٥٧٤ –٥٧٥، وتفسير الألوسى ٢ / ٣٣٠.
[ ١ / ٥٧ ]
ذكر الشيعة أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جميعًا! وهنا يرد تساؤل: إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتدح بها أبو الأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه؟ وكذلك سائر الأمة؟
٥. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: " وَهُمْ رَاكِعُونَ" ما يأتي:
" الواو فيه للحال: أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذ صلوا وإذا زكوا. وقيل هو حال من يؤتون الزكاة بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في على كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه كأنه كان مرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.
فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلى ﵁ واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلًا واحدًا ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير في الصلاة لم يؤخروه إلى الفرغ منه " (١)
والزمخشرى هنا ذكر أولًا المعنى المفهوم من النص، ثم ما قيل في سبب النزول دون تمحيص، وقد ظهر أن سبب النزول هذا غير صحيح، فلا ضرورة للتأويل الذي ذهب إليه. ثم ما هذا الأمر الذي لا يقبل التأخير وهم في الصلاة؟ ألم يكن الأفضل أن يصلى السائل مع المصلين؟ أو أن ينتظرهم حتى تنتهى الصلاة؟ وكيف يذهب لراكع يسأله الصدقة ويشغله عن الصلاة؟ ولو وجد مثل هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأ جسيم كهذا؟
٦.
_________________
(١) الكشاف: ١/٦٢٤، ولزهم إلى كذا: اضطرهم.
[ ١ / ٥٨ ]
سبق قول الإمامة بأن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وهذا نوع من الجدل العقيم، لأن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضًا لا أن يكون كل واحد منهم ولى نفسه. كما أن الخطاب موجه كذلك إلى أولئك الذي تبرءوا من ولاية اليهود فأولياؤهم المؤمنون، وهم أيضًا أولياء لغيرهم من المؤمنين، وفى مثل قوله تعالى: -
" وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ " خطاب للمؤمنين جميعًا أفمعنى هذا أنه نهى لكل مسلم أن يلمز نفسه؟! قال الألوسى: كيف يتوهم من قولك مثلًا: أيها الناس لا تغتابوا الناس أنه نهى لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه؟! (١)
٧. من المعلوم لدى جميع العلماء - شيعة وسنة - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلوصح ما ذكر في سبب النزول لا نطبق على كل من يتصف بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع كما ذكروا، أو الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء كما أوله الزمخشري.
٨. كلمة الولى تأتى بمعنى المتولى للأمور والمستحق للتصرف فيها، وتأتى بمعنى الناصر والخليل، والسياق يحدد المعنى المراد، والقرآن الكريم عندما يأمر بموالاة المؤمنين، أو ينهاهم عن موالاة غير المؤمنين من الكفار وأهل الكتاب تأتى الموالاة بمعنى النصرة والمحبة كقوله تعالى: - " وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا" (٢)
_________________
(١) راجع تفسيره ٢/٣٣٢.
(٢) سورة النساء – الآية ٨٩.
[ ١ / ٥٩ ]
وقوله ﷿: " الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " (١)
وقوله سبحانه: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ " (٢)
ولم يخرج عن هذا المعنى إلا حالات خاصة كولاية الدم وولاية السفيه. ولكن حالة من هذه الحالات لم تأت بمعنى الولاية العامة على المؤمنين (٣) أفآية الولاية شذت عن هذا النسق القرأنى؟
وقبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (٤) . فهذا نهى عن موالاة من تجب معاداتهم. ثم بينت الآية الكريمة - آية الولاية - من تجب موالاتهم، ثم جاء النهى مرة أخرى في قوله ﷾: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (٥)
_________________
(١) نفس السورة – الآية ١٣٩.
(٢) سورة التوبة – الآية ٧١.
(٣) راجع الآيات القرآنية التي تبين ما ذكر مستعينًا بما جاء في مادة " ولى " من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
(٤) سورة المائدة – الآية ٥١.
(٥) السورة السابقة – الآية ٥٧.
[ ١ / ٦٠ ]
ولا شك أن الذي جاء قبل الآية الكريمة وبعدها ينهى عن المالاة في الدين والمحبة، فإذا جاء الأمر بالموالاة بين نهيين فإنه قطعًا لا يخرج عن هذا المعنى إلا بدليل آخر.
فكلمة " وليكم " ليست دليلًا على أن الإمامة العظمى لأبى الحسن - كرم الله وجهه. وإنما هي في حاجة إلى دليل يظهر أنها خرجت على الاستعمال القرآنى العام، وعلى المفهوم الخاص لتلك الأيات الكريمة المتتابعة في سورة المائدة.
٩. لا خلاف في أن لفظة " إنما " تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور، ولكن الجعفرية بنوا على هذا عدم جواز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر.
وهذا الاستدلال أيضًا لا يستقيم، فالموالاة مختصة بالمؤمنين جميعًا دون غيرهم ممن تجب معاداتهم، وليست لمؤمن دون مؤمن، بل إن هذا التخصيص يقتضى عكس ما ذهبوا إليه " لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة (١) .
١٠. أمر الله تعالى للمؤمنين بموالاة أقوام، ونهيه إياهم عن موالاة آخرين، كل هذا صدر في حياة الرسول ﷺ ونفذ في حياته، فكيف يكون إمام المسلمين الأعظم عليًا مع وجود الرسول ﷺ؟
هذه بعض الملاحظات، وأعتقد بعد هذا أن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة لا تدل بحال على أن إمام المسلمين بعد الرسول ﷺ يجب أن يكون على بن أبى طالب. على أن هذه الآية الكريمة تعد أهم دليل قرآنى يستندون إليه. فلننظر بعد هذا في باقي الأدلة.
_________________
(١) تفسير الآلوسى ٢/٣٣٠.
[ ١ / ٦١ ]