أخبار الغدير تعتبر المستند الأول من السنة عند الجعفرية، فهم يرون أن الرسول ﷺ عند غدير خم، بعد منصرفه من حجة الوداع، بين للمسلمين أن وصيه وخليفته من بعده على بن أبى طالب، وذكرت من قبل أن كاتبًا جعفريًا ألف كتابًا يقع في ستة عشر مجلدًا ليثبت به صحة حديث وشهرته، وهذا الكتاب الذي أشرت إليه عنوانه " الغدير في الكتاب والسنة والأدب"! فالتأليف إذن كان من أجل واقعة الغدير، وإذا لم يثبت في القرآن الكريم شئ مما أراده المؤلف لم يبق إلا السنة، أما الأدب فلا حاجة لنا به في هذا المجال!
وقبل النظر في كتب السنة الثمانية التي حددت في منهجى الرجوع إليها، وهى: الموطأ، والمسند والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، نسترشد بما جاء في سيرة محمد بن إسحاق (١) التي جمعها ابن هشام.
تحت عنوان موافاة على في قفوله من اليمن رسول الله في الحج ورد ما قاله ابن إسحاق عما أمر به الرسول ﷺ عليًا من أمور الحج (٢) . ثم ورد ما يأتي:
"
_________________
(١) ولد في المدينة سنة ٨٥ هـ، ثم خرج إلى العراق وأقام ببغداد حتى توفى. ووفاته محصورة بين سنة ١٥٠ وبين ١٥٣ هـ. قيل إنه كان يتشيع، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، أخرج له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري في مواضع، وروى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. وقال الدارقطنى: اختلف الأئمة فيه وليس بحجة إنما يعتبر به. (انظر ترجمته في السيرة النبوية لابن هشام: مقدمة الناشرين ص ١٣: ١٧، وراجع ترجمته كذلك في تهذيب التهذيب) . وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعد أن ذكر ترجمته: فالذى يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق. وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا. وقد احتج به الأئمة، والله أعلم.
(٢) السيرة النبوية ٤/٦٠٢.
[ ١ / ١٠٨ ]
قال ابن اسحاق: وحدثنى يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن يزيد بن طلحة بن ركانة، قال: لما أقبل على ﵁ من اليمن ليلقى رسول الله ﷺ واستخلف على جنده الذي معه رجلًا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع على ﵁. فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل قال: ويلك؟ ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهى به إلى الرسول ﷺ. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.
قال ابن اسحاق: فحدثنى عبد الله بن عبد الرحمن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب وكانت عند أبى سعيد الخدري، قال: اشتكى الناس عليًا رضوان الله عليه، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا، فسمعته يقول: أيها الناس، لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يشكى.
خطبة الرسول في حجة الوداع
قال ابن اسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بيَّن فيها ما بيَّن، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، اسمعوا قولى: فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا الموقف أبدًا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من أئتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظَلمون ولا تظُلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان
[ ١ / ١٠٩ ]
مسترضعًا في بنى ليث، فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: إن النسىء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر (١)، الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقًا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن أن لايأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان (٢) . لايملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اشهد (٣) .
_________________
(١) ورجب مضر: إنما قال لأن ربيعة كانت تحرم رمضان، وتسميه رجبًا، فبين ﵊ أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وأنه الذي بين جمادى وشعبان.
(٢) عوان: جمع عانية وهى الأسيرة.
(٣) السيرة النبوية ٤/٦٠٣ -٦٠٤.
[ ١ / ١١٠ ]
وغير ما ذكره ابن اسحق من سبب تلك الشكوى، نجد سببًا آخر يذكر وهو أن الرسول ﷺ بعث جيشًا، واستعمل عليهم على بن أبى طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، ونجد رواية أخرى أنه أصاب الجارية عندما كان على جيش وخالد بن الوليد على جيش آخر، فأرسل خالد للرسول ﷺ يخبره لما فعله أبو الحسن.
والروايات كلها تشير إلى أن الرسول ﷺ دافع عن زوج الزهراء ﵉، والأقوال مختلفة، وسنبين الصحيح منه إن شاء الله تعالى.
وخطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي ذكرها ابن اسحاق، نرى معناها مبثوثًا في كتب السنة، ففي صحيح البخاري نجد شيئًا منها في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج، وفى آخر الباب " فطفق النبي ﷺ " يقول: اللهم اشهد وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع ".
ونجد كثيرًا منها في باب حجة النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كتاب الحج في صحيح مسلم. وهذه الحجة يرويها الإمام الصادق عن أبيه الباقر عن جابر رضي الله تعالى عنهم، كما أخرجها أيضًا غيرالإمام مسلم (١) .
وقد بينت في الفصل السابق أنه في يوم عرفة من حجة الوداع نزل قوله تعالى " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " ومن قبله: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ " ويرى الجعفرية أن استخلاف الإمام على كان يوم الغدير في الثامن عشر من ذى الحجة، وهنا يأتي تساؤل وهو: أفيمكن أن يترك ركن من أركان الإيمان لا يذكر، وقد أكمل الله تعالى دينه، وخطب رسوله ﷺ، وودع الناس في حجة الوداع؟
_________________
(١) انظر حجة النبي - ﷺ - لمحمد ناصر الدين الألبانى ص ٤٠-٤٥، ص ٧٧-٧٩.
[ ١ / ١١١ ]
أظن هذا مستبعدًا، ولكن ليس مستحيلًا!
ولم يَدُر جدل بين الجمهور والجعفرية حول معنى من معانى الخطبة كما ذكرها ابن إسحاق إلا في قوله ﷺ: " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينا، كتاب الله وسنة نبيه ". فالجعفرية يرون أن الرسول ﷺ أمر بالتمسك بالكتاب والعترة في خطبة الغدير، وأنه ترك الثقلين كتاب الله تعالى وأهل بيته.
وليس معنى هذا أن الجعفرية يرون عدم طاعة الرسول ﷺ، فليس بمسلم من يرى هذا، ولكنهم يرون أن الأئمة معصومون، وأقوالهم كأقوال الرسول ﷺ فهى تعتبر عندهم من السنة، فلابد من الرجوع إليهم حتى لا تضل الأمة!
وننظر في مفتاح كنوز السنة فنجده يذكر وصيته ﷺ بكتاب الله وسنة رسوله عن عشرة مراجع منها: الصحيحان، والمسند، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه (١) .
وفى صحيح البخاري نجد " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " ومما جاء في هذا الكتاب " وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوا إلى غيره، اقتداء بالنبي ﷺ.
وفى الموطأ يروى الإمام مالك قول الرسول ﷺ: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه " (٢) .
_________________
(١) انظر مفتاح كنوز السنة – باب الميم فيما ذكره عن محمد - ﷺ - .
(٢) كتاب النهى عن القول بالقدر، وهذا الحديث الشريف وصلة ابن عبد البر من حديث كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده (انظر تنوير الحوالك ٢/٢٠٨) . * *وقال ابن عبد البر كذلك: مرسلات مالك كلها صحيحة مسندة (١/٣٨) . وقال جلال الدين السيوطى: " ما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شىء " (نفس المرجع ١/٦) .
[ ١ / ١١٢ ]
ونجد في بعض هذه المراجع العشرة الوصية بكتاب الله تعالى دون ذكر السنة، من ذلك ما جاء في سنن الدارمى: حدثنا محمد بن يوسف، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف اليامى، قال: " سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى رسول الله ﷺ؟ قال: لا، قلت: فكيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بالوصية؟ فقال: أوصى بكتاب الله ". (انظر كتاب الوصايا. باب من لم يوص ج ٢ ص ٢٩٠-٢٩١)
وفى سنن النسائي رواية أخرى لهذا الحديث، وقال السيوطى في شرحه: " أوصى بكتاب الله أي بدينه، أو به وبنحوه ليشمل السنة ". (انظر كتاب الوصايا - باب هل أوصى النبي ﷺ؟ ج٦ ص ٢٤٠) .
وفى غير المراجع العشرة نجد مثلًا في كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك " باب في لزوم السنة " ويحتوى الباب على ثمانية أخبار.
وفى المسند لأبى بكر عبد الله بن الزبير الحميدى حدث المصنف قال: ثنا سفيان قال: ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبى أوفى: " هل أوصى رسول الله ﷺ؟ فقال: لم يترك رسول الله ﷺ شيئًا يوصى فيه. قلت: وكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله ". (انظر المجلد الثانى - حديث رقم ٧٢٢) .
وفى فيض القدير شرح الجامع الصغير، نجد رواية عن أبى هريرة ﵁ قال: خطب النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتى، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ".
[ ١ / ١١٣ ]
ومما قاله المناوى في شرحه:
إنهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما. واعتصم بحبلهما، وهما الفرقان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بالضرورة.
(راجع الجزء الثالث ص ٢٤٠-٢٤١، حديث رقم ٣٢٨٢ وشرحه، وانظر صحيح الجامع الصغير للشيخ ناصر الدين الألبانى جـ ٢، حديث رقم ٢٩٣٤) .
ولسنا في حاجة إلى أن نطيل الوقوف هنا، فلا خلاف بين المسلمين في وجوب التمسك والاعتصام بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
والخلاف حول شىء من السنة مرده إلى الخلاف حول الثبوت أو الدلالة، أما ما ثبت عن الرسول ﷺ، وكان واضح الدلالة، فلا خلاف حول الأخذ به ووجوب اتباعه، فقد نطق بهذا الكتاب المجيد في مثل قوله تعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " (١)
وقوله ﷿: " مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ " (٢)
وقوله ﷾: " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (٣)
_________________
(١) سورة الحشر – آية ٧.
(٢) سورة النساء – آية ٨٠.
(٣) سورة النساء – آية ٦٥.
[ ١ / ١١٤ ]
إلى غير ذلك من آيات الله البينات التي بينت أن من لم يتمسك بسنة الرسول ﷺ، فقد ابتعد عن الإيمان. وضل ضلالًا بعيدًا.
من الواضح إذن أن عصمة الأمة وعدم ضلالها في التمسك بما أنزل الله تعالى في كتابه العزيز، وبما بينه جل شأنه على لسان رسوله ﷺ في السنة المطهرة، دون حاجة إلى الرجوع إلى أئمة الجعفرية، أو غيرهم من فرق الشيعة، ولكنا نجد روايات أخرى تذكر أن الرسول ﷺ ترك الكتاب والعترة، وفى بعضها الأمر بالتمسك بهما حتى لا نضل.