ولا يكون مثل هذا للرسول ﷺ إلا إذا كان معصومًا لا ينطق عن الهوى، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣ - ٤:النجم) . وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٥٢ - ٥٣: الشورى) .
وفى آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول ﷺ والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله ﷾ أنزل الكتاب والحكمة، وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي السنة، والآيتان هما قوله تعالى:
﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١١٣: النساء)، وقوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢٣١: البقرة) . وإذا كان القرآن الكريم وحيًا منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة.
وروى عن الرسول ﷺ ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته.
فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول ﷺ قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " وفى رواية لهم أيضًا " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثى فيقول:
[ ١ / ٦٢٦ ]
بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " (١) .
وفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه (٢) .
وروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال: " كان جبريل ﵁ ينزل على رسول ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " (٣) .
وروى الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال: " كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن " (٤) .
_________________
(١) انظر الروايتين وبيان الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد في الرسالة ص ٨٩: ٩١.
(٢) راجع الخطبة في السيرة النبوية لابن اسحاق التي جمعها ابن هشام ٤ / ٦٠٣ – ٦٠٤ والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا ووصله ابن عبد البر (انظر تنوير الحوالك ٢ / ٢٠٨) ورواه الحاكم عن ابن عباس وعن أبى هريرة وبين صحة الحديث ووافقه الذهبى (انظر المستدرك وتلخيصه ١ / ٩٣) .
(٣) انظر قواعد التحديث للقاسمى ما روى أن الحديث من الوحى – ص ٥٩ وراجع حكم مراسيل أبى داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه ص ٢٤ – ٢٥، ٣٢.
(٤) سنن الدارمى ١ / ١١٧. وهذه الروية من المراسيل عن حسان أيضًا، وهو ثقة. قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعى: حسان بن عطية عن من قال؟ فقال لى: مثل حسان كنا نقول له: عن من؟ (انظر تهذيب التهذيب ٢ / ٢٥١) . والحديث ذكره السيوطى في كتابه مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة – ص ٣١ وقال: أخرجه البيهقى بسنده عن حسان بن عطية وأخرجه الدارمى. * *وفى الحاشية أضاف المعلق: نعيم بن حماد في زوائده، وابن نصر في السنة، والخطيب في الفقيه والمتفقة، وفى الكفاية، وابن عبد البر في الجامع وغيرهم. ثم قال: وإسناده صحيح.
[ ١ / ٦٢٧ ]
ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية (ص١٢) بسنده عن حسان بن عطية أيضًا.
[ ١ / ٦٢٨ ]