حجية الظواهر:
ذكرنا آنفًا موقف الإخباريين من ظاهر القرآن الكريم، ورد جمهور الجعفرية عليهم. فهم يرون حجية الظهور. قال مرجعهم السابق بالعراق عن حجية ظواهر القرآن:
" لاشك أن النبي ﷺ لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وأنه كلم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم، وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته، فيأتمروا بأوامره ويزدجروا بزواجره، وقد تكرر في الآيات الكريمة ما يدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ " ٤٧: ٢٤ " (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ " ٣٩: ٢٧ ".
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " ٢٦ / ١٩٢ ".
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين﴾ " ١٩٣: ١٩٤ ".
﴿بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ﴾ " ١٩٥ ". وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ " ٣: ١٣٨ ". وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ
_________________
(١) يقصد المؤلف بالرقم الأول رقم السورة وهى سورة محمد، وباقى السور التي أشار إلى أرقامها هي على الترتيب: الزمر، الشعراء، آل عمران، الدخان، القمر، النساء.
[ ١ / ٤٦٠ ]
يَتَذَكَّرُونَ﴾ " ٤٤: ٥٨ ". وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ " ٥٤: ١٧ ". وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾ " ٤: ٨٢ ". إلى غير ذلك من الآيات الداله على وجوب العمل بما في القرآن، ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره.
ومما يدل على حجية ظواهر الكتاب، وفهم العرب لمعانيه، أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي ﷺ قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا أن العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لأنهم ليسوا ممن يستطيعون فهمه، وهذا ينافى الغرض من إنزال القرآن، ودعوة البشر إلى الإيمان به إلخ " (١) .
وقال عالم آخر عن حجية الظواهر (٢):
"هي أوضح من أن يطال فيها الحديث مادام البشر في جميع لغاته قد جرى على الأخذ بظواهر الكلام، وترتيب آثارها ولوازمها عليها، بل لو أمكن أن يتخلى عنها لما استقام له التفاهم بحال، لأن ما كان نصًا في مدلوله مما ينتظم في كلامه لا يشكل إلا أقل القليل.
وبالضرورة أن عصر النبي ﷺ ما كان بدعًا من العصور، لينفرد به الناس في أساليب تفاهمهم بنوع خاص من التفاهم لا يعتمد الظهور ركيزة من ركائزه، وما كان للنبى ﷺ طريقة خاصة في التفاهم انفرد بها عن معاصريه، وإلا لكانت
_________________
(١) البيان للخوئىص ٢٨١: ٢٨٢، وراجعه إلى ص ٢٩١.
(٢) هو العالم محمد تقى الحكيم، أستاذ الأصول والفقه المقارن في كلية الفقه بالنجف بالعراق. انظر كتابه الأصول العامة ص ١٠٢: ١٠٧.
[ ١ / ٤٦١ ]
أحدوثة التاريخ، فالقطع بإقرار النبي ﷺ لطريقتهم في التفاهم كاف في إثبات حجية الظواهر.
وقد نزل القرآن بلغة العرب، وتبنى طريقتهم في عرض أفكاره، وكان لكلامه ظاهر يفهمونه ويسيرون على وفقه " (١) .
اللجوء للتأويل تأييدًا للعقيدة:
ومع القول بحجية الظاهر، إلا أنهم - كما رأينا من قبل - جعلوا للإمام ما للنبى ﷺ من بيان المراد من قول الله تعالى، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه. وفى الجزء الأول وجدنا أنهم لما لم يجدوا من ظاهر القرآن الكريم ما يؤيد عقيدتهم لجئوا إلى التأويل، وناقشناهم فيما ذهبوا إليه فلم نجد لهم دليلا يمكن الاحتجاج به. وإذا كانت العقيدة من أساسها ليس لها ما يؤيدها من كتاب الله تعالى فكيف بما يتبعها من عقائد وتفريعات؟
الباطن:
والشيعة الاثنا عشرية لم يقفوا عند حد التأويل الذي أشرنا إليه، فهم ينسبون للنبى ﷺ وللأئمة أنهم قالوا: إن للقرآن ظهرًا وبطنًا، ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن، أو إلى سبعين بطنًا! (٢) وهم لا ينفردون بالقول بأن للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا، فقد قيل به قديمًا وحديثًا. قال أستاذنا الجليل المرحوم على حسب الله تحت عنوان ظاهر القرآن وباطنه: " إذا سمع المرء كلامًا عربيًا تبادر إلى ذهنه ما يدل عليه الكلام بحسب وضعه العربى، فإذا تدبره فقد يفهم منه مقاصد مطوية وأغراضًا خفية، فالمتبادر الأول هو ظاهر الكلام، ويكاد يدركه كل عارف باللغة. والمفهوم الثاني هو باطنه وهو لا يدرك إلا بشىء من التدبر. وللقرآن ظاهر
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٠٢: ١٠٣ وانظر كذلك للجعفرية في حجية الظواهر: فوائد الأصول ٣ / ٤٧: ٤٨، وأصول الفقه للمظفر ١ / ٢٤، ٣٠: ٣٢، جـ ٣ / ١٢٩: ١٣٠، ١٣٤، ١٤١، والمعالم الجديدة للأصول ص ١٣٩: ١٤٥.
(٢) انظر الميزان ١ / ٥، وانظر الكافى ١ / ٣٧٤.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وباطن بهذا المعنى، وكلاهما مراد، غير أن الثاني لا يعتد به إلا إذا لم يكن مناقضًا للأول، وكان له شاهد من مقاصد الدين ومراميه " (١) .
والإمام الغزالى من قبل أفاض في الحديث عن الظاهر والباطن، وقسم الباطن إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الشىء في نفسه دقيقًا تكل أكثر الأفهام عن دركه، فيختص بدركه الخواص.
القسم الثاني: من الخفيات التي يمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها، ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين.
القسم الثالث: أن يكون الشىء بحيث لو ذكر صريحًا لفهم ولم يكن فيه ضرر، ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز.
القسم الرابع: أن يدرك الإنسان الشىء جملة ثم يدركه تفصيلًا بالتحقيق والذوق.
القسم الخامس: أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال، فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ويعتقده نطقًا، والبصير بالحقائق يدرك السر فيه (٢) .
_________________
(١) أصول التشريع الإسلامى ص ٢٥ - ٢٦.
(٢) راجع هذه الأقسام بالتفصيل، والحديث عن الظاهر والباطن في إحياء علوم الدين: ١ / ١٧١ - ١٨٠، والصوفية لهم حظ معلوم من التأويل! وانظر ما كتبه أستاذنا العلامة المرحوم أبو زهرة عن ظاهر القرآن وباطنه عند الجعفرية، والموازنة بين كلامهم وكلام الغزالى " الإمام الصادق ص ٣٠٥ - ٣١٥ ". وراجع الفرق بين قولهم وما ذهب إليه جمهور المفسرين في " التفسير والمفسرون ٢ / ٢٨ - ٣٢ ". وانظر كذلك أعلام الموقعين " ٤ / ٣١٠ - ٣٢٠ " ففيه بحث قيم عن التأويل، وراجع فيه رأى ابن رشد، ومهاجمته للغزالى ولغيره من المتأولة.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ثلث القرآن في الأئمة! ! وثلثه في عدوهم! !:
فالجعفرية إذن لم ينفردوا بالقول بالباطن جملة، ولكن أثر عقيدتهم في الإمامة - إلى جانب ما سبق - ظهر في التوسع في القول بالباطن إلى غير حد، حتى أن بعضهم - كما سيأتى - اعتبر ثلث القرآن فيهم، وثلثه في عدوهم، وبعضهم جعل الربع لا الثلث، وهؤلاء وأولئك نسبوا هذا الضلال للأئمة الأطهار افتراء عليهم، حتى يضلوا غيرهم، وبذلك أخضعوا كتاب الله تعالى لأهوائهم، وحرفوه ليصبح أقرب ما يكون إلى كتاب من كتب الفرق، ولم يفترقوا كثيرًا عن الإسماعيلية الباطنية (١) .
وعند تناولنا لكتبهم سنرى أنهم مختلفون، فمن ناشد للاعتدال نسبيا مقترب منه، إلى راغب في الضلال هابط إلى الغلو. وقبل الحديث عن هذه الكتب نتحدث عن موضوع جد خطير، حيث يتعلق بصيانة القرآن الكريم من النقص والتحريف.
_________________
(١) مما رواه الإسماعيلية عن النبي - ﷺ - أنه قال " ما نزلت على من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن " ومما رووه عن الإمام الصادق - وهو آخر إمام يجمعهم بالجعفرية - أنه قال " إنا نتكلم في الكلمة الواحدة سبعة أوجه، فقال الرجل متفكرًا: سبعة يا بن رسول الله؟ فقال: نعم.. وسبعين ولو استزادنا لزدناه ". " انظر أساس التأويل ص ٣٠، ٣٧ " وقالوا: " من معجزات وغرائب تأليفه - أي القرآن الكريم - أنه يأتى بالشىء الواحد وله معنى في ظاهره ومعنى في باطنه، فجعل عزوجل ظاهره معجزة رسوله، وباطنه معجزة الأئمة من أهل بيته، لا يوجد إلا عندهم، ولا يستطيع أحد أن يأتى بباطنه غير الأئمة من ذريته، وهو علم متوافر بينهم مستودع فيهم، يخاطبون كل قوم منه بمقدار ما يفهمون، ويعطون كل أهل حد منه ما يستحقون، ويمنعون منه ما يجب منعه، ويدفعون عنه من استحق دفعه ". " ص ٣١ - ٣٢ أساس التأويل ". وإذا كان هذا المنهاج مختصًا بالإسماعيلية الباطنية، فإنا سنرى من دراستنا لكتب الجعفرية أن منها ما لا يرتفع عن هذا الدرك الأسفل، وكل يخضع كتاب الله تعالى لهواه، هذا يجعله إسماعيليًا، وذاك يحرف مثله ولكن ليجعله جعفريًا اثنى عشريًا.
[ ١ / ٤٦٤ ]