الإخباريون من الجعفرية - وهم قلة قليلة - لا علم لهم بمصطلح الحديث، فهم يتلقون بالقبول كل ما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث المعتمدة عندهم، بل يرون تواتر " كل حديث وكلمه بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية وترتيب الكلمات والحروف " (١) وكتب الحديث هذه أربعة ظهرت في القرنين الرابع والخامس، وأصحابها يرون صحة ما أثبتوا في كتبهم.
والجعفرية الاثنا عشرية ظلوا قرابة ثلاثة قرون بعد ظهور هذه الكتب لا يفترقون كثيرًا عن النزعة الإخبارية، فأول من وضع مصطلح الحديث وبين مراتبه عندهم هو الحسن بن المطهر الحلى الملقب بالعلامة الذى توفى سنة ٧٢٦ هـ (٢) .
والحديث عند جمهور الجعفرية ينقسم إلى متواتر وأخبار آحاد. وأثر عقيدتهم الباطلة يظهر في المتواتر باشتراطهم " أن لا يكون ذهن السامع مشوبًا بشبهة أو تقليد يوجب نفى الخبر ومدلوله " (٣) وندرك الأثر هنا عندما نراهم يقولون: " بهذا الشرط يندفع احتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين ﵁ - بالإمامة " (٤) فإذا ما نقل بالتواتر أن الرسول ﷺ لم ينص على إمامة أحد من بعده فالاتهام يوجه إلى السامعين، وبذلك يصلون إلى هدفهم
_________________
(١) تنقيح المقال في أحوال الرجال ص ١٨٣.
(٢) انظر ضياء الدراية: ص٢٣.
(٣) المرجع السابق: ص ١٧.
(٤) انظر حاشية الصفحة السابقة من نفس المرجع.
[ ١ / ٧٠٥ ]
بعدم حجية هذا النقل. وعلى العكس من هذا نراهم يذهبون إلى تواتر حديث الثقلين والغدير (١) .
فعقيدة الإمامة توجههم في رفض الأخذ بالتواتر أو رفع غيره إلى مرتبته، ما دام الخبر متعلقًا بهذه العقيدة.
وأخبار الآحاد عندهم تنقسم إلى أربع مراتب، هي أصول الأقسام وإليها يرجع كل تقسيم آخر، وهذه المراتب هي: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف. فأما الصحيح عندهم فهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامى عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة " (٢) .
وزاد بعضهم في التعريف أن يكون العدل ضابطًا، ورأى صاحب مقباس الهداية أن قيد العدل يغنى عن ذلك، فمن ليس ضابطا فليس بعدل (٣) أى أنهم متفقون على أن شروط الصحة هي: -
١. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.
٠٢ أن يكون الرواة إماميين في جميع الطبقات.
٠٣ وأن يكونوا كذلك عدولا ضابطين.
وأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوى، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات.
وأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله: " لا تقبل رواية الكافر، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب، لوجوب التثبت عند الفاسق، والمخالف من المسلمين، إن كفرناه فكذلك، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافًا لأبى الحسن لاندراجه تحت الآية، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم، ولأن
_________________
(١) انظر الأصول العامة للفقه المقارن: ص ١٩٦.
(٢) مقباس الهداية في علم الدراية ص ٣٣، وضياء الدراية ص ٢١.
(٣) انظر الموضع السابق من مقباس الهداية.
[ ١ / ٧٠٦ ]
قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين، فلا يقبل كالكافر الذى ليس من أهل القبلة. احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصرى وقتادة وعمر بن عبيد، مع علمهم بمذهبهم، وإنكارهم على من يقول بقولهم، والجواب المنع من المقدمتين، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة. والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضًا لاندراجه تحت اسم الفاسق " (١) .
ويقول الماماقانى (٢): " الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوى ". ويقول أيضًا: " وهو الذى اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقًا للأكثر لقوله تعالى: -
﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [(٣) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة ".
يستفاد مما سبق: أن الإيمان شرط في الراوى، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته، وغير الجعفرى كافر أو فاسق، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحًا، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة.
ويأتى بعد الصحيح: الحسن:، وهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامى ممدوح مدحًا مقبولا معتدًا به، غير معارض بذم، من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة، أو في بعضها. (٤)
_________________
(١) تهذيب الوصول إلى علم الأصول ص ٧٧ - ٧٨.
(٢) هو صاحب كتاب تنقيح المقال في علم الرجال، وكتاب مقباس الهداية في علم الدراية وله مكانته عند الجعفرية وعلى الأخص في هذا المجال، والنقل من كتابه الأول ص ٢٠٧.
(٣) ٦: الحجرات.
(٤) مقباس الهداية: ص ٣٤، ضياء الدراية: ص٢٣.
[ ١ / ٧٠٧ ]
ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن:
١. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع.
٢. أن يكون جميع الرواة إماميين.
٣. وأن يكون ممدوحين مدحًا مقبولًا معتدًا به، دون معارضة بذم، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به.
٤. ألا ينص على عدالة الراوى، فلو كان الرواة عدولًا لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح.
٥. تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه، أو في بعضها. يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتى العدالة، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسنًا.
ويقول صاحب ضياء الدراية (ص ٢٤):
" ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام ":
- ما له دخل في قوة السند، مثل صالح وخير.
- ما له دخل في قوة المتن لا في السند، مثل فهيم وحافظ.
- ما ليس له دخل فيهما، مثل شاعر وقارئ.
فالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا، والثانى ينفع في مقام الترجيح، والثالث لا عبرة له في المقامين، بل هو من المكملات ".
ويقول عن الجمع بين القدح والمدح (الصفحة ذاتها):
" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحًا من جهة، ومقدوحًا من جهة أخرى ".
وأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتى:
١. اشتراط إمامية الراوى.
[ ١ / ٧٠٨ ]
٢. قبول رواية الإمامى غير ثابت العدالة، ورفض رواية غير الإمامى كائنًا من كان، وبالغًا ما بلغ من العدالة والتقوى والورع.
٣. قبول رواية الإمامى الممدوح المقدوح أحيانًا بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفرى: فهذا قدح لا يغتفر (١) .
ويأتى بعد الحسن الموثق، وهو: " ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه، مع فساد عقيدته، بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامية، وإن كان من الشيعة، مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح " (٢) .
وهذا التعريف يفيد اشتراط ما يأتى:
١. اتصال السند إلى المعصوم.
٢. أن يكون الرواة غير إماميين، ولكنهم موثقون من الجعفرية على وجه الخصوص.
٣. أو يكون بعضهم كذلك، والآخرون من رجال الصحيح، حتى لا يدخله ضعف آخر، فيكفى أن دخل في الطريق من ليس بإمامى.
وأثر عقيدة الإمامة هنا يبدو فيما يأتى: -
١. جعل الموثق بعد الصحيح والحسن لوجود غير الجعفرية في السند.
٢. التوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم، ولذلك قال صاحب ضياء الدراية: (٣) " توثيق المخالف لا يكفينا، بل الموثق عندهم ضعيف عندنا، والمدار في الموثق إنما هو توثيق أصحابنا ".
_________________
(١) أنظر في ألفاظ الذم والقدح، والمذاهب الفاسدة في نظر الجعفرية: ضياء الدراية: ص ٥٠: ٥٣.
(٢) مقباس الهداية: ص ٣٥، وراجع ضياء الدراية: ٢٤ -٢٥.
(٣) حاشية ٢٤.
[ ١ / ٧٠٩ ]
ويوضح المامقانى توثيق أصحابه بقوله:
" يمكن معرفة غير الإمامى الموثق بأن يكون الإمام قد اختاره لتحمل الشهادة أو أدائها، في وصية، أو وقف، أو طلاق، أو محاكمة، أو نحوها، أو ترحم عليه أو ترضاه، أو أرسله رسولًا إلى خصم له أو غير خصمه، أو ولاه على وقف أو على بلدة، أو اتخذه وكيلًا، أو خادمًا ملازمًا، أو كاتبًا، أو أذن له في الفتيا والحكم أو أن يكون من مشايخ الإجازة (١) أو تشرف برؤية الإمام الثانى عشر الحجة المنتظر أو نحو هذا " (٢) .
فالتوثيق إذن لا يخرج عن النطاق الجعفرى الاثنى عشرى.
٣. مع هذا النوع من التوثيق لا يدخل السند مع الموثقين إلا رجال الصحيح، وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا القسم في المرتبة الثالثة.
وبعد الموثق يأتى: الضعيف، وهو " ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة، بأن اشتمل طريقة على مجروح بالفسق ونحوه، أو على مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضاع " (٣) .
وفى الحديث عن الصحيح رأينا كيف أنهم اعتبروا غير الجعفرى كافرًا أو فاسقًا فروايته ضعيفة غير مقبولة. ولا تقبل من غير الجعفرى إلا من نال توثيق الجعفرية.
_________________
(١) قد جرى على ألسنة أهل الفن وصف بعض الرجال بكونه شيخ الإجازة وآخر بأنه شيخ الرواية، وفرق صاحب التكملة بينهما بأن الأول من ليس له كتاب يروى ولا رواية تنقل، بل يجيز برواية كتاب غيره، ويذكر في السند لمجرد اتصال السند قال: فلو كان ضعيفًا لم يضر ضعفه. والثانى: هو من تؤخذ الرواية منه ويكون في الأغلب صاحب كتاب بحيث يكون هو أحد من تستند إليه الرواية وهذا تضر جهالته في الرواية وتشترط في قبولها عدالته، وانظر كذلك ضياء الدراية ص ٥٧: ٥٩.
(٢) انظر: تنقيح المقال: ص ٢١٠ - ٢١١.
(٣) مقباس الهداية: ٣٥، وراجع ضياء الدراية: ص ٢٥.
[ ١ / ٧١٠ ]
وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من أجلاء الصحابة، والتابعين، وأئمة المحدثين والفقهاء، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية. فالروايات التي يدخل في سندها أى من هؤلاء الصديقين الصالحين الأئمة الأعلام الأمناء، تعتبر روايات ضعيفة في نظر هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا (١) .
_________________
(١) وجدنا من شيعة اليوم من يرى النظر إلى ذوات الرواة لا إلى مذاهبهم ولكنهم لما يغيروا شيئًا. نسأل الله تعالى أن يوفقهم للعمل بما ينفع الإسلام والمسلمين.
[ ١ / ٧١١ ]