القرن الثالث الهجرى يعتبر العصر الذهبى بالنسبة لتدوين السنة؛ فقد شهد ميلاد مسند الإمام أحمد والصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، والترمذى، وابن ماجه، والنسائى، وغيرها من كتب السنة.
ومع أننا رأينا التفسير علمًا قائمًا بذاته، إلا أن رجال الحديث كانوا يدونون الأخبار المتصلة بالتفسير مع غيرها من الأخبار، فكان هذا خيرًا عظيمًا بالنسبة للتفسير.
وإلى جانب هذا فإن أعظم كتاب في التفسير ظهر في هذا القرن، وهو تفسير أبى جعفر محمد بن جرير الطبري، المسمى " جامع البيان عن تأويل أي القرآن ".
الطبري: علمه وكتبه:
الطبري هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير. وهو - كما قال الذهبى - الإمام العالم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان. مولده سنة أربع وعشرين ومئتين، وطلب العلم بعد الأربعين ومئتين، وأكثر الترحال، ولقى نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علمًا، وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله (١) .
كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك (٢) .
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٦٧.
(٢) المرجع السابق ١٤ / ٢٧٠.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ونقل الذهبى وابن كثير وابن حجر قول الخطيب في تاريخه عن الطبري: كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره: فكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعانى، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في " أخبار الأمم وتاريخهم "، وله كتاب: " التفسير " لم يصنف مثله إلخ (١) .
وقال ابن كثير: روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع، ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار إلخ (٢) .
وقال السيوطي: رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره
ثم قال: وله التصانيف العظيمة، منها: " تفسير القرآن "، وهو أجل التفاسير، لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة، منهم النووى في تهذيبه، وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده.. إلخ (٣) .
_________________
(١) انظر المرجع السابق ١٤ / ٢٦٩، والبداية والنهاية ١١ / ١٤٥، ولسان الميزان ٥ / ١٠٠.
(٢) انظر البداية والنهاية ١١ / ١٤٥.
(٣) انظر طبقات المفسرين للسيوطي: ص ٩٥، ٩٦.
[ ١ / ٤١٠ ]
والطبرى - رأس المفسرين والمؤرخين - نجد في ترجمته (١) الحديث عن كتبه، ما تم منها وما لم يتم. وأهم كتبه التي مات قبل تمامها كتابه " تهذيب الآثار"، وهو مطبوع ميسر الرجوع إليه والحمد لله تعالى (٢) .
عقيدة الطبري:
الحديث عن الطبري وعن كتبه يطول كثيرًا، والذى يعنينا أساسًا هو تفسيره، ولكن ونحن في مجال التفسير المقارن بين الشيعة وأهل السنة نرى من اللازم بيان عقيدة هذا الإمام التي وقع ضجاج كبير حولها، حيث رماه بعضهم بأنه من الشيعة الإمامية، غير أن كتبه تثبت براءته.
لما بلغه أن أبا بكر بن أبى داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب: " الفضائل "، فبدأ بفضل أبى بكر، ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم، واحتج لتصحيحه، ولم يتم الكتاب.
وفى الباب السابق ذكرت الروايات المختلفة لهذا الحديث، وبينت ما هو صحيح منها، وما هو مختلف فيه، وما هو ضعيف أو موضوع مصنوع في دار الضرب بالكوفة. ولا أدرى ما الذي صح عند الطبري؟ وربما صحح ما بينت ضعفه أو وضعه. وعندما رجعت لتهذيب الآثار رأيت عدم استبعاد هذا الاحتمال:
ففى مسند على ﵁ يذكر حديث " أنا دار الحكمة وعلى بابها "، ويقول: " وهذا خبر عندنا صحيح سنده " ولكنه يضيف قوله " وقد يكون على
_________________
(١) انظر ترجمته في المراجع السابقه، وأخص سير أعلام النبلاء، وفى غيرها من المراجع مثل: تاريخ بغداد ٢ / ١٦٢، وطبقات المفسرين للداودى ٢ / ١٠٦.
(٢) طبع بتحقيق الدكتور ناصر الرشيد وآخر، ثم حققه شيخنا العلامة محمود محمد شاكر، محقق تفسير الطبري، جزاه الله خيرًا.
[ ١ / ٤١١ ]
مذهب الآخرين سقيمًا غير صحيح لعلتين " ثم يذكر تأييدًا له حديثًا عن ابن عباس: " أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها " (١) .
وتصحيح مثل هذه الآحاديث لا يعنى أنه من الإمامية وإلا لما تحدث عن فضل أبى بكر وعمر، فضلًا عن أن يبدأ بهما. ونراه في مسند على يروى أن قاتل الزبير استأذن على على فقال: ليدخل النار، سمعت النبي ﷺ يقول: " لكل نبي حوارى وإن حوارى الزبير بن العوام " (٢) ونحن نعرف تكفير الشيعة لمن قاتل عليًا، وما رواه الطبري ينقض قولهم. وكان الطبري يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر على ﵁، ثم قال الطبري: من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى، أيش هو؟ قال: مبتدع. فقال ابن جرير إنكارًا عليه: مبتدع! مبتدع! هذا يقتل، من قال إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامى هدى يقتل يقتل (٣) .
وقال الذهبى في ميزان الاعتدال " ٣ / ٤٩٨ " في ترجمة الطبري:. " ثقة صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر.
أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ، فقال: كان يضع للروافض، كذا قال السليمانى: وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعى عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغى أن يتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير، فلعل السليمانى أراد الآتى:
_________________
(١) انظر تهذيب الآثار ١ / ٨٩ - ٩٠ - والحديث الأول رواه الترمذى في الباب الخامس من مناقب على بن أبى طالب، وقال: " هذا حديث غريب منكر " والثاني قال عنه البخاري: " منكر " وقال بوضعه ابن معين وابن الجوزى والذهبى وغيرهم، وصححه الحاكم!! وافتى بحسنه ابن حجر - انظر فيض القدير ٣ / ٤٦ - ٤٧، والمقاصد الحسنة ٩٧، وكشف الخفاء ١ / ٢٣٥.
(٢) تهذيب الآثار ١ / ١٤٠.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٧٥، ولسان الميزان ٥ / ١٠١، وفيه زياده العبارة الأخيرة: " من قال إن ".
[ ١ / ٤١٢ ]
محمد بن جرير بن رستم، أبو جعفر الطبري. رافضى ".
وعقب ابن حجر فقال: " ولو حلفت أن السليمانى ما أراد إلا الآتى لبررت، والسليمانى حافظ متقن، كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل، والله أعلم. وإنما رمى بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم، وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليمانى " (١) .
هذه كلمة موجزة عن الطبري، وبعد حياة بارك الله تعالى فيها توفى سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ببغداد.
تفسير الطبري
الثناء على الكتاب:
ذكرنا آنفا بعض ما جاء في ترجمة أبى جعفر عن تفسيره القيم.
ومما جاء عن هذا الكتاب أيضًا أن ابن جرير قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة.
ولما أراد أن يملى التفسير قال لهم نحوًا من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.
وقال الحاكم: سمعت أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر بن خزيمة: بلغنى أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى، كتبته عنه إملاء. قال: كله؟ قلت: نعم. قال: أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ومئتين. قال: فاستعاره منى أبو بكر، ثم رده بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.
_________________
(١) لسان الميزان ٥ / ١٠٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
وقال أبو محمد الفرغانى: لو ادعى عالم أن يصنف من كتاب التفسير لابن جرير عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوى على علم مفرد مستقصى لفعل.
وقال أبو حامد الإسفرايينى: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا.
وقال السيوطي في الإتقان " ٢ / ١٩٠ ": ". . . وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبى حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حبان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ابن جرير؛ فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوقها بذلك ".
هذه بعض الأقوال التي تبين قيمة هذا الكتاب، ولكنها لا تغنى عن النظر في الكتاب نفسه لنبين منهجه وقيمته العلمية، فلننظر فيه.
بيان الطبري لمنهجه:
ذكر الطبري في مقدمة التفسير " ص ٦ " ما يلى:
" ونحن - في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء الله ذلك، كتابًا مستوعبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه، واختلافها فيما اختلفت فيه منه. ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأختصر ما أمكن من الاختصار فيه ".
وفى المقدمة أيضا " ص ٧٣ " نجد " القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن "، ويذكر تحت هذا العنوان ما يبين أن مما أنزل الله تعالى من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ، وأن منه ما لا يعلم
[ ١ / ٤١٤ ]
تأويله إلا الله الواحد القهار، وأن منه مايعلم تأويله كل ذى علم باللسان الذي نزل به القرآن.
ثم يذكر أبو جعفر بعد هذا بعض الأخبار التي رويت بالنهى عن القول في تأويل القرآن بالرأى، ويعقب عليها " ص ٧٧: ٧٩ " وبعده نجد " ذكر الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة " " ص ٨٠ ".
ثم نجد " ذكر الأخبار عن بعض السلف، فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذمومًا علمه به " " ص ٩٠ " وبعد الأخبار نجد ما يأتى:
قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:
أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يُوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.
فإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق - في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيلُ - أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته من أخبار رسول الله ﷺ الثابته عنه: إما من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة
[ ١ / ٤١٥ ]
نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبه على صحته؛ وأصحهم برهانًا - فيما ترجم وبين من ذلك - ممّا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان: إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة ". " ص ٩٢: ٩٣ ".
تفسير الطبري لختام فاتحة الكتاب:
هذا بعض ما جاء في مقدمته المستفيضة، ولعله يوضح المنهج الذي ارتضاه الطبري لتفسيره.
وأضيف هنا شيئًا من هذا التفسير قبل الحديث عنه، وقد يبدو ما أنقله غير مناسب لكثرة صفحاته، غير أنه تفسير آية كريمة واحدة هي الأخيرة من سورة الفاتحة، وما ذكره بعد تفسيرها، وأريد أن يشترك القارئ في الاستنباط حيث يجد نصًا بين يديه، ولهذا أهميته في مجال التفسير المقارن، وما أكثر ما في هذا النص من العلم والنفع!
كما رأيت أن أذكر في الحاشية تخريج الأحاديث للشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، ولكن سأكتفى بالنتائج دون التفصيل حتى لا يزداد المنقول. وإليك ما ذكره الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
القول في تأويل قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾: وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾، إبانة عن الصراط المستقيم، أي الصراط هو؟ إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد ﷺ:
[ ١ / ٤١٦ ]
قل يا محمد: أهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ " سورة النساء: ٦٦: ٦٩ ".
قال أبو جعفر: فالذى أمر محمد ﷺ وأمته أن يسألوا ربهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق، هو طريق الذين وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله ﷺ، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوى الخبر عن ابن عباس وغيره:
١٨٨ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (١) .
١٨٩ - حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، قال: النبيون (٢) .
١٩٠ ـ
_________________
(١) ضعبف الإسناد.
(٢) أبوجعفر هو الرازى التميمى: ثقة، تكلم فيه بعضهم.
[ ١ / ٤١٧ ]
حدثنى القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: المؤمنين (١) .
١٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، المسلمين.
١٩٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قوله ﴿صرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾، قال: النبي ﷺ ومن معه (٢) .
قال أبو جعفر: وفى هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه، لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَلا يسمعونه يقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟
فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر؟ وقد علمت أن قول القائل لآخر: ﴿ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ مقتض الخبر عما أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟
قيل له: قد قدمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض، إذا كان البعض الظاهر دالًا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ من ذلك. لأن أمرَ الله جل
_________________
(١) هذا الخبر منقطع بين ابن جريج وابن عباس.
(٢) عبد الرحمن بن زيد: متأخر من أتباع التابعين، وهو ضعيف جدًا.
[ ١ / ٤١٨ ]
ثناؤه عباده بمسألته المعونة، وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم، لما كان متقدمًا قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ ، الذي هو إبانه عن الصراط المستقيم وإبدال منه - كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم، هو المنهاج القويم والصراط المستقيم، الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفًا. فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنيًا عن تكراره.
كما قال نابغة بنى ذبيان:
كأنك من جمال بنى أُقْيشٍ يُقَعْقَعُ خلف رِجْليه بِشَن
يريد: كأنك من جمال أقيش، جمل يقعقع خلف رجليه بشن، فاكتفى بما ظهر من ذكر " الجمال " الدال على المحذوف، من إظهار ما حذف.
وكما قال الفرزدق بن غالب:
ترى أرباقَهُمْ مُتقَلدِيها إذا صَدِى الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ
يريد: متقلديها هم، فحذف " هم "، إذ كان الظاهر من قوله أرباقهم، دالًا عليها. والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ .
******
القول في تأويل قوله: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَليهِمْ﴾:
قال أبو جعفر: والقراءة مجمعة على قراءة " غير " بجر الراء منها والخفض يأتيها من وجهين:
أحدهما: أن يكون " غير " صفة لـ " الذين " ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان " الذين " خفضًا، وهى لهم نعت وصفة. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتًا لـ " الذين "، و" الذين "، معرفة و" غير " نكرة، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة الموقته كالأسماء التي هي أماراتّ بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك، وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل الرجل والبعير وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتها، وكانت " غير " مضافة إلى مجهول من الأسماء، نظير " الذين "، في أنه معرفة غير مؤقته، كما " الذين " معرفة غيرمؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ نعتًا لـ ﴿
[ ١ / ٤١٩ ]
الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ كما يقال: " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل "، يراد: لا أجلس إلا إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ معرفة موقتة، كان غير جائز أن يكون ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة موقتة بنكرة - أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعوت بها. خطأ في كلامهم أن يقال: " مررت بعبد الله غير العالم "، فتخفض " غير " إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مررت بعبد الله، مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهى الخفض في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ .
والوجه الآخر من وجهى الخفض فيها: أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة الموقتة، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت " غير " مخفوضةٌ بنية تكرير " الصراط " الذي خُفض " الذين " عليها، فكأنك قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وهذان التأويلان في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، وإن اختلفا في اختلاف معربيهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه بدينه الحق، فقد سلم من غضب ربه، ونجا من الضلال في دينه.
فسواء - إذ كان سبب قوله ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ غير جائز أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط غير غاضب ربهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضلآلا، وقد هداهم الحق ربهم. إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد - أًوُصِفَ القوم؛ مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرح وصفهم به.
هذا، إذا وجهنا ﴿غَيرِ﴾ إلى أنها مخفوضة على نية تكرير ﴿الصِّرَاطَ﴾ الخافض ﴿الَّذِينَ﴾، ولم نجعل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ من صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾، بل إذا جعلناهم غيرهم. وإن كان الفريقان لا شك منعمًا عليهما في أديانهما.
[ ١ / ٤٢١ ]
فأما إذا وجهنا ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ إلى أنها من نعت، ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾، فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل.
وقد يجوز نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، وإن كنت للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا، فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين متجانف. وإن كان له - لو كان جائزًا القراءة به - في الصواب مخرج.
وتأويل وجه صوابه إذا نصبت: أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في ﴿عَلَيهِمْ﴾، العائدة على ﴿الَّذِينَ﴾ . لأنها وإن كانت مخفوضة بـ ﴿عَلَي﴾ فهى في محل نصب بقوله ﴿ أَنعَمتَ﴾ . فكان تأويل الكلام - إذا نصبت ﴿غَيرِ﴾ التي مع ﴿المغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ ـ: صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم، غير مغضوب عليهم، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ، كالنصب في ﴿غَيرِ﴾ في قولك: مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد، فتقطع " غير الكريم " من " عبد الله "، إذ كان " عبد الله " معرفة موقتة، و" غير الكريم " نكرة مجهولة.
وقد كان بعض نحويى البصريين يزعم أن قراءة من نصب ﴿غَيرِ﴾ في ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، على وجه استثناء ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ من
[ ١ / ٤٢٢ ]
معاني صفة ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾، كأنه كان يرى أن معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ إلا المغضوبَ عليهم - الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق - فلا تجعلنا منهم. وكما قال نابعة بنى ذبيان:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابًا، وما بالربع من أحد
إلا أوارى لأيًا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
والأوارى معلوم أنها ليست من عداد " أحد " في شىء. فكذلك عنده، استثنى ﴿غَيرِ المَغضوبِ عَلَيهِمْ﴾ من ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شىء.
وأما نحويو الكوفيين، فأنكروا هذا التأويل واستخفوه. وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة، لكان خطأ أن يقال ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، لأن " لا " نفى وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا: لم نجد في شىء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء وبالجحد على الجحد، فيقولون في الاستثناء: قام القوم إلا أخاك وإلا أباك. وفى الجحد: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القوم إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا من كلام العرب، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا - إذ كان قوله ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ معطوفا على قوله ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ - أن ﴿غَيرِ﴾ بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجهها إلى الاستثناء خطأ.
فهذه أوجه تأويل ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، باختلاف أوجه إعراب ذلك.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجه إعرابه - وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل أي القرآن لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا، القول الأول، وهو قراءة ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ بخفض الراء من ﴿غَيرِ﴾، بتأويل أنها صفة لـ ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ونعت لهم - لما قدمنا من البيان - إن شئت، وإن شئت فبتأويل تكرير ﴿صِرَاطَ﴾ كل ذلك صواب حسن.
فإن قال قائل: فمن هؤلاء المغضوب عليهم، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟
قيل: هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ " سورة المائدة: ستين ". فأعلمنا جل ذكره ثمة، ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا، منة منه علينا، وجه السبيل إلى النجاة من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات، ورأفة منه بنا.
فإن قال: وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله، على ما وصفت؟
قيل:
١٩٣ ـ
[ ١ / ٤٢٤ ]
حدثنى أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقى، قال: حدثنا سفيان بن عيينه، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى ابن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: المغضوب عليهم، اليهود (١) .
١٩٤ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ: إن المغضوب عليهم اليهود (٢) .
١٩٥ - حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد ابن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى ابن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله ﷿ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم اليهود (٣) .
١٩٦ - حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، فقال: من هؤلاء الذين تحاصر يا رسول الله؟ قال: هؤلاء المغضوب عليهم اليهود (٤) .
١٩٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريرى، عن عروة، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.
١٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع
_________________
(١) إسناده صحيح.
(٢) إسناده صحيح.
(٣) صحيح الإسناد.
(٤) هذا الإسناد مرسل، وسيأتى مرسلًا أيضًا ١٩٧، ١٩٩، ولكنه سيأتى موصولًا ١٩٨.
[ ١ / ٤٢٥ ]
النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: المغضوب عليهم. وأشار إلى اليهود (١) .
١٩٩ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ، فذكر نحوه.
٢٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " غير المغضوب عليهم " يعنى اليهود الذين غضب الله عليهم (٢) .
٢٠١ - حدثنى موسى بن هرون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدى في خبر ذكره، عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، اليهود.
٢٠٢ - حدثنا ابن حميد الرازى، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ﴾، قال: هم اليهود.
٢٠٣ - حدثنا أحمد بن حازم الغفارى، قال: حدثنا عبد الله، عن أبى جعفر، عن ربيع: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، قال: اليهود.
٢٠٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين: قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: اليهود.
_________________
(١) إسناد صحيح، وسيأتى تفسير " الضالين" بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣.
(٢) لم يخرجوه.
[ ١ / ٤٢٦ ]
٢٠٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾، اليهود.
٢٠٦ - حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابن زيد عن أبيه، قال: المغضوب عليهم اليهود.
قال أبو جعفر: واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره:
فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ " سورة الزخرف: ٥٥ ".
وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ " سورة المائدة: ٦٠ ".
وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول.
وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾:
[ ١ / ٤٢٧ ]
قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن: " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، ويستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج:
ما كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فعلَهُمُ وَالطيبَان أبو بَكْرِ وَلا عُمَرُ
فجاز ذلك، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام.
قال أبو جعفر: وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه بـ " لا " التي معناها الحذف، ولا جائز العطف بها على " سوى " ولا على حرف الاستثناء. وإنما لـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة، أحدهما: الاستثناء، والآخر: الجحد، والثالث: سوى. فإذا ثبت خطأ أن تكون " لا " بمعنى الإلغاء مبتدأ، وفسد أن يكون عطفا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى " سوى "، وكانت " لا " موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها - صح وثبت أن لا وجه لـ " غير " التي مع " المغضوب عليهم "، يجوز توجيهها إليه على صحة، إلا بمعنى الجحد والنفى، وأن لا وجه لقوله " ولا الضالين " إلا العطف على " غير المغضوب عليهم ".
فتأويل الكلام إذا - إذ كان صحيحا ما قلنا بالذى عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.
فإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ونضل ضلالهم؟
قيل: هم الذين وصفهم الله في تنزيله فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ " سورة المائدة: ٧٧ ".
[ ١ / ٤٢٨ ]
فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟
قيل:
٢٠٧ - حدثنا أحمد بن الوليد الرملى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: " ولا الضالين "، قال: النصارى (١) .
٢٠٨ - حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث، عن عدى بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ إن الضالين النصارى.
٢٠٩ - حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال: سألت النبيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قول الله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: النصارى هم الضالون.
٢١٠ - حدثنا حميد بن مسعدة السامى، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريرى، عن عبد الله بن شقيق أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادى القرى، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضالون، النصارى.
٢١١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن الجريرى، عن عروة - يعنى ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله ﷺ، بنحوه (٢) .
_________________
(١) هذه الأحاديث والأخبار والآثار ٢٠٧ - ٢٢٠، في تفسير " الضالين "، سبقت أوائلها في تفسير " المغضوب عليهم "، مع تخريجها، في الأرقام ١٩٣ - ٢٠٦، مع شئ من التقديم والتأخير.
(٢) الحديث ٢١١ - سبق هذا الإسناد ١٩٧.
[ ١ / ٤٢٩ ]
٢١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلى، قال: أخبرنى عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادى القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بنى القين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: هؤلاء الضالون، يعنى النصارى.
٢١٣ـ حدثنا القاسم، قال حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا سأل النبي ﷺ وهو محاصر وادى القرى، وهو على فرس: من هؤلاء؟ قال: الضالون. يعنى النصارى.
٢١٤ - حدثنا محمد بن حميد: قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: " ولا الضالين " قال: النصارى.
٢١٥ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " ولا الضالين " قال: وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بِفِرْيَتهمْ عليه. قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود، ولا تضلنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك.
٢١٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الضالين، النصارى.
٢١٧ - حدثنى موسى بن هرون الهمذانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدّىّ في خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذانى، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: " ولا الضالين "، هم النصارى.
٢١٨ - حدثنى أحمد بن حازم الغفارى، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبى جعفر، عن ربيع: " ولا الضالين "، النصارى.
[ ١ / ٤٣٠ ]
٢١٩ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: اخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: " ولا الضالين "، النصارى.
٢٢٠ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، قال: الضالين، النصارى.
*****
قال أبو جعفر: فكلّ حائد عن قصد السبيل، وسالك غير المنهج. القويم، فضالٌ عند العرب لإضلاله وجه الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضُلالًا. لخطئهم في الحق منهج السبيل. وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم.
فإن قال قائل: أو ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟
قيل: بلى.
فإن قال: كيف خصَّ النصارى بهذه الصفة، وخصَّ اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟
قيل: كلا الفريقين ضلاّل مغضوبٌ عليهم، غيَر أن الله جل ثناؤه وسَم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسم ِّواحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه.
فيظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال، بقوله " ولا الضالين "، وإضافته الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون، كالذي وصف به اليهود أنهم المغضوب عليهم - دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلًا منه لسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه.
ولو كان الأمر على ما ظنّه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكونَ شأنُ كل موصوفٍ بصفةٍ أو مضاف إليه فعل، لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن
[ ١ / ٤٣١ ]
يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب، فالحق فيه أن يكون مضافًا إلى مسببه. ولو وجب ذلك، لوجب أن يكون خطأ قول القائل: " تحركت الشجرة "، إذْ حَّركتها الريح؛ و" اضطربت الأرض "، إذ حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكلام.
وفى قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ " سورة يونس: ٢٢ " بإضافته الجرى إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها - ما دل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله " ولا الضالين"، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى، تصحيحًا لما ادعى المنكرون: أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجله وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصًا في أي كثيرة من تنزيله، أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ " سورة الجاثية: ٢٣ ". فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره.
ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه - وإن كان مسببه غير الذي وجد منه - أحيانًا، وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجده الله جل ثناؤه عينًا منشأة؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه؛ كسبًا له، بالقوة منه عليه، والاختيار منه له - وإلى الله جل ثناؤه، بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا.
[ ١ / ٤٣٢ ]
مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن:
إن سألنا منهم سائل فقال: إنك قد قدمت في أول كتابك هذا في وصف البيان: بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة، أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه، وأبينه عن مراد قائله، كلام الله جل ثناؤه، لفضله على سائر الكلام بارتفاع درجته على أعلى درجات البيان، فما الوجه - إذ كان الأمر على ما وصفت - في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إذ كان لا شك أن من عرف ملك يوم الدين، فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. وأن من كان لله مطيعًا، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه متبع، وعن سبيل من غضب عليه وضل منعدل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة التي لم تحوها الآيتان اللتان ذكرنا؟
قيل له: إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد ﷺ ولأمته - بما أنزل إليه من كتابه - معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم قبلهم. وذلك أن كل كتاب أنزله جل ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوى جميعها كتابه الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ. كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير - لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ، يحوى معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال. وقد قدمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب.
ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله، نظمه العجيب ورصفه الغريب وتأليفه البديع؛ الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت كسورًا عن أن تأتى بمثله - لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم
[ ١ / ٤٣٣ ]
والإقرار بأنه من عند الواحد القهار. مع ما يحوى، مع ذلك، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب. وأمرٌ وزجرٌ، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
فمهما يكن فيه من إطالة، على نحو ما في أم القرآن، فلما وصفت قبل من أن الله جل ذكره أراد أن يجمع - برصفه العجيب ونظمه الغريب، المنعدل عن أوزان الأشعار وسجع الكهان وخطب الخطباء ورسائل البلغاء، العاجز عن رصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلاله على نبوة نبينا محمد ﷺ، وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه - تنبيه العباد على عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته، ليذكروه بآلائه، ويحمدوه على نعمائه، فيستحقوا به منه المزيد، ويستوجبوا عليه الثواب الجزيل؛ وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته، وتفضل عليه بتوفيقه لطاعته - تعريف عباده أن كل ما بهم من نعمة، في دينهم ودنياهم، فمنه، ليصرفوا رغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأمداد؛ وبما فيه من ذكره ما أحل بمن عصاه من مَثُلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوبته - ترهيب عباده عن ركوب معاصيه، والتعرض لما لا قبل لهم به من سخطه، فيسلك بهم في النكال والنقمات سبيل من ركب ذلك من الهُلاك.
فذلك وجه إطالة البيان في سورة أم القرآن، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان. وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة.
٢٢١ـ حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربى، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنى العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبى السائب مولى زهره، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: " حمدنى عبدى ". وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾، قال: " أثنى علىّ عبدى ". وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: " مجدنى عبدى. فهذا لي "
[ ١ / ٤٣٤ ]
وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إلى أن يختم السورة، قال: " فذاك له " (١) .
٢٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن اسحق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبى السائب، عن أبى هريرة ن قال: إذا قال العبد: " الحمد لله "، فذكر نحوه، ولم يرفعه (٢) .
٢٢٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الوليد بن كثير، قال: حدثنى العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرقة عن أبى السائب، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله (٣) .
٢٢٤ - حدثنى صالح بن مسمار المروزى، قال: حدثنا زيد بن الحُباب، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله الأنصارى، قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله عزوجل: " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، وله ما سأل ". فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: " حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾، قال: " أثنى على عبدي " وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: " مجدني عبدي " قال: " هذا لي، وله ما بقى " (٤) .
" آخر تفسير سورة فاتحة الكتاب "
_________________
(١) صحيح الإسناد.
(٢) و(٣) صحيح الإسناد، وهذا الحديث - بإسناديه الموقوفين - مرفوع حكمًا.
(٣) صحيح الإسناد.
[ ١ / ٤٣٥ ]
مدى التزام الطبري بمنهجه:
هذا هو تفسير الطبري للآية الأخيرة من سورة الفاتحة، وذكرنا من قبل بعض ما جاء في المقدمة عن المنهج الذي ارتضاه لتفسيره، وخلاصة هذا المنهج هو ما يأتى:
أولًا: الاستيعاب لكل ما بالناس إليه الحاجة بحيث يكون كتابه في التفسير جامعًا يكفى عن سائر الكتب غيره.
ثانيًا: نقل ما اتفق عليه المفسرون، وما اختلفوا فيه، وبيان علل كل مذهب من مذاهبهم، وتوضيح ما صح لديه من ذلك.
ثالثًا: ذكر الطبري أن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه.
الوجه الثاني: لا يعلم إلا ببيان الرسول ﷺ.
الثالث: ما كان علمه عند أهل اللسان.
والوجه الأول يدخل في نهى الطبري عن القول في تأويل القرآن بالرأى.
والوجه الثاني يعتمد فيه على صحة النقل.
والوجه الثالث: يعتمد فيه على الشواهد من أشعار العرب السائرة، ومنطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، ويضع الطبري هنا قيدًا له أهميته وهو ألا يخرج التأويل عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
هذا هو المنهج الذي رأى الطبري الأخذ به لتأليف كتابه في التفسير، فإلى أي مدى التزم بهذا المنهج؟
إذا نظرنا لتفسيره لختام فاتحة الكتاب نراه قسم الآية الكريمة ثلاثة أجزاء، وفى كل جزء يسترشد بكتاب الله تعالى لتوضيح المعنى، فالقرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا، ثم يسهب في ذكر الأخبار المسندة التي تؤيد هذا المعنى، وهذه سمة غالبة في تفسيره كله. ومن الإشارة إلى تخريج الأخبار وجدنا منها الصحيح وغير الصحيح. والطبرى عند اختلاف أهل التأويل نراه غالبًا يختار ويرجح، ويصحح
[ ١ / ٤٣٦ ]
ويضعف: مثال هذا ما نقلته من تفسيره في الباب الأول عند الحديث عن الغدير، فتعقيبًا على الروايات التي ذكرت في تفسيره لقوله تعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ قال الطبري: " وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روى عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، ووهى أسانيد غيره " (١) .
ونذكر مثلا آخر يبين هذا المنهج؛ ونراه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٢) .
حيث فسر الآية الكريمة، وقال: " وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".
ثم قال: " ثم اختلفوا في مدة الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع: ما هي؟ وما نهايتها؟ ".
وذكر الأقوال المختلفة، ثم عقب بقوله:
" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحد، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحته في الدنيا، ومنهم من علم حقيقته ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حد عند العرب للحين، لا يجاوز ولا يقصر عنه.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري للآية الثالثة من سورة المائدة في كتابه بتحقيق شاكر ٩/٥١٧ـ٥٣١، وراجع ما كتبته عن الغدير في الفصل الثاني من الباب الأول، وعبارة الطبري تجدها في ص ١٠٤.
(٢) الآية ٨٨ من سورة ص، وراجع تفسيرها في كتابه ٢٣ / ١٨٨ - ١٨٩ وانظر أيضًا تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ﴾ " ٥١: سبأ " فقد ذكر الأخبار المختلفة، ثم رجح الصحيح منها - انظر ٢٢ / ١٠٦ - ١٠٩.
[ ١ / ٤٣٧ ]
فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ".
وأيد ما ذهب إليه بخبر عن عكرمة.
ومع هذا نرى الطبري أحيانا يأخذ بأخبار غير صحيحة، ونرى هذا مثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (١)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: " ذكر ابن أبى حاتم وابن جرير ههنا آثارا. عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها، فلا نوردها " (٢) .
وأخذ الطبري بمثل هذه الأخبار لا يمثل المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وإنما يشير إلى الخطأ عند التطبيق.
ولقد حاول الطبري أن يلتزم بمنهجه، ومما يبين حرصه على الالتزام بالمنهج ما ذكره عند القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ " ٣٥: البقرة "، حيث قال:
" اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نهى عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السنبلة. ذكر من قال ذلك " (٣) .
وذكر الطبري اثنى عشر خبرا، ثم قال:
" وقال آخرون: هي الكرمة. ذكر من قال ذلك ".
وذكر عشرة أخبار، وقال:
"
_________________
(١) ٣٧: الأحزاب.
(٢) تفسير ابن كثير ٣ / ٤٩١.
(٣) تفسير الطبري بتحقيق شاكر ١ / ٥١٦، وانظره إلى ص ٥٢١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وقال آخرون هي التينة. ذكر من قال ذلك ".
وذكر خبرا واحدا، ثم عقب بقوله:
" والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجه أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بين الله جل ثناؤه لهما عين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطبين بالقرآن، دلالةً على أي أشجار الجنة كان نهيه آدم أن يقربها، بنص عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأى ذلك من أي رضا، لم يخل عباده من نصب دلالة لهم عليها يصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضا.
فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنى يأتى ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم، إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به " ا. هـ.
هذا كلام الطبري وهو يؤكد ما ذكره في منهجه.
وهذا يتصل بوجهين من أوجه التأويل الثلاثة التي ذكرها، وهما:
الوجه الأول: الذي لا سبيل إلى الوصول إليه.
والثاني: الذي لا يعلم إلا ببيان الرسول ﷺ.
أما الوجه الثالث، وهو ما كان علمه عند أهل اللسان، فيتضح في تفسيره السابق للآية الأخيرة من فاتحة الكتاب عندما تحدث عما يتصل بمحذوف وهو تمام
[ ١ / ٤٣٩ ]
الخبر عن النعمة التي أنعمها عليهم، حيث أشار إلى اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض، واستدل ببيتين، ثم قال:
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى.
ويتضح أيضًا في بيانه لقراءة " غير "، وذكره للخلاف بين أهل البصرة وبعض نحويى الكوفة في القول بإلغاء " لا ".
ومما يسترعى الانتباه أنه بعد أن ذكر جواز نصب كلمة " غير "، رفض القراءة بالنصب قائلا:
" وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرا مستفيضا، فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ متجانف. وإن كان له - لو كان جائزا القراءة به - في الصواب مخرج ́
وقول الطبري يؤيد التزامه بالقيد الذي ذكره في هذا الوجه الثالث، حيث اشترط لقبول التأويل ألا يخرج عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
ويؤيد هذا أيضا قوله في تأويل قول الله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (١) .
حيث قال: قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين.
وبعد أن بين الأوجه الأربعة قال: " والقراءة التي هي القراءة، الرفع دون النصب، لأنه ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين. وإذا قرئ نصبا كانت قراءة مخالفة رسم مصاحفهم " (٢) .
_________________
(١) ١٨: سورة البقرة.
(٢) تفسير الطبري بتحقيق شاكر ١ / ٣٣٠.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ونرى الطبري قبيل الانتهاء من تفسير آخر الفاتحة يرد على القدرية، ثم نراه بعد هذا يقول: " مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن "، ويذكر المسألة، ويرد على هؤلاء الطاعنين.
ويختم الطبري تفسير فاتحة الكتاب بذكر بعض الأخبار في فضلها. وهى أخبار صحيحة الإسناد.
ولعل هذا يرينا ما أراده من أن يكون تفسيره مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة، جامعا يكفى عن سائر الكتب غيره. ويبين ما نقلناه من قبل في فضل هذا الكتاب القيم، وقيمته العلمية.
موقف الطبري من الإسرائيليات:
وقبل أن نختم هذه الكلمة الموجزة عن تفسير الطبري نريد أن نعرف موقفه من الإسرائيليات.
ولعل أحسن ما نثبته هنا هو ما قاله أستاذنا العلامة الشيخ محمود محمد شاكر﵀، الذي قضى سنوات من عمره المبارك في تحقيق هذا الكتاب. فبعد أن وصل أستاذنا مع الطبري إلى الآية الثلاثين من سورة البقرة، وانتهى من قول الطبري في تأويل قوله تعالى " خليفة "، والأخبار التي ذكرها في هذا التأويل كتب أستاذنا الكلمة التالية:
" تذكرة "
تبين لي مما راجعته من كلام الطبري، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة. فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى " الخلافة "، و" الخليفة "، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى " الخليفة ". وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله. وهذا بين في
[ ١ / ٤٤١ ]
الفقرة التالية للأثر رقم: ٦٠٥، إذ ذكر ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، وما روى عن الحسن في بيان معنى " الخليفة "، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم. ومن أجل هذا الاستدلال، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر: ٤٦٥ عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص: ٣٥٣ " فإن كان ذلك صحيحا، ولست أعلمه صحيحا، إذ كنت بإسناده مرتابا "، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صح عنهما - أو ما فهمه الرواه الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير أي التنزيل الكريم، بل يسوق الطويل الطويل، لبيان معنى لفظ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآى كتاب الله.
فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارا للمعانى التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها. فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويا. ولما لم يكن مستنكرا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي يرتضيها أهل الحديث، والتى لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم.
وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارىء كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شىء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر. ولم يقصر أخى السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفى هذا مقنع لمن
[ ١ / ٤٤٢ ]
أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولا وآخرا. " ١ / ٤٥٣، ٤٥٤ ". ا. هـ.
وفى الآية الكريمة ذاتها عند قول الطبري في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ﴾ .
ذكر الطبري خبرًا فيه كثير من الإسرائيليات (١)، ثم نقده، فعقب أستاذنا بقوله: نقد الطبري دال أيضا على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل بالشعر. وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضا، ويبين الخطأ في سياقه، وتناقضه في معناه. وهذا بين إن شاء الله (٢) .
ثم قال الطبري: " وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على من رواه عنه من الصحابة " وبين الطبري بعد هذا تأويل الخبر، ثم قال:
" وهذا الذي ذكرنا هو صفة منا لتأويل الخبر، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية " فعقب أستاذنا أيضا بقوله:
" وهذا أيضا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار، ليس معناه أنه ارتضاها، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى؛ وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير " (٣) .
ومما يؤيد ما ذكره أستاذنا الشيخ شاكر ما يأتى:
_________________
(١) انظر الخبر رقم ٦٠٧ ج ١ ص ٤٥٨، ٤٦٠، وقول الطبري بعده.
(٢) ١ / ٤٦٢ بالحاشية.
(٣) تفسير الطبري - الحاشية ١ / ٤٦٢.
[ ١ / ٤٤٣ ]
في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (١)، نرى الطبري يذكر أخبارا، ولكنه لا يأخذ بها (٢) .
وفى تأويل قوله ﷿ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ (٣)، نرى الطبري في ذكره للمراد بالأمانة يثبت أخبارا مختلفة، ثم يأخذ بغير الإسرائيليات (٤) .
ومثل هذا ما ذكرناه من قبل عند بيان منهجه في قبول الأخبار أو رفضها.
ومع هذا كله نراه أحيانا يذكر الإسرائيليات ولا يرفضها، مثل الإسرائيليات التي ذكرها عند تأويل قول الحق ﵎ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدً ًا﴾ (٥) .
ويمكن أن يقال هنا ما قلناه عند الحديث عن زواج الرسول ﷺ، وأخذ الطبري بأخبار لا تصح.
والله ﷾ أعلم بالصواب.
******
_________________
(١) ٦٩: الأحزاب.
(٢) انظر تفسيره ٢٢ / ٥٠ وما بعدها.
(٣) ٧٢: الأحزاب.
(٤) انظر تفسيره ٢٢ / ٥٤ وما بعدها.
(٥) ٣٤: سورة " ص "، وانظر تأويلها في تفسير الطبري ٢٣ / ١٥٦ وما بعدها. ورفض الحافظ ابن كثير هذه الإسرائيليات - انظر تفسيره ٤ / ٣٤ - ٣٦.
[ ١ / ٤٤٤ ]