[ ١ / ٤٤٩ ]
تحدثت في الجزء السابق عن عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية، رأيناهم يجعلون الإمام كالنبى ﷺ في عصمته وصفاته وعلمه، ويرون أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحى عند جمهورهم؛ حيث يقولون بأن الأئمة لا يوحى إليهم كالنبى ﷺ، وإنما يقوم الإلهام مقام الوحى في عصمة الإمام وعدم خطئه، وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ، ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده، ولم يصعد ليؤدى الوظيفة نفسها مع الأئمة. ومع هذا الخلاف في القول بالوحى، غير انهم لم يختلفوا في القول بعصمة الأئمة.
وبمراجعة التفسير عندهم، أصوله وكتبه، رأيت أن عقيدتهم في الإمامة كان لها أكبر الأثر في وضع الأصول، وفى تناولهم لكتاب الله تعالى، ولعل بيان هذا الأثر كاف شاف في مجال التفسير المقارن بين السنة والشيعة، فحيث لا يوجد أثر لعقيدتهم في الإمامة يصبح تفسيرهم كتفسير غيرهم، وبقدر وجود هذا الأثر بقدر افتراقهم عمن سواهم.
والشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء، فمنهم من ينهج منهجا فيه شئ من الاعتدال والابتعاد عن الغلو، وصيانة كتاب الله المجيد، ومنهم الغالى المفترى الكذاب، الذي حاول أن يؤيد عقيدته في الإمامة بتحريف كتاب الله تعالى نصًا ومعنى، وجعل القرآن العظيم كأى كتاب من كتب الفرق الضالة المضلة.
وفى هذا القسم الثاني من الجزء الثاني ننتقل للحديث عن التفسير وأصوله عند الشيعة: فنبين أولًا أصول التفسير عندهم ببيان دور الإمام بالنسبة للقرآن المجيد، ثم ننتقل للدراسة التطبيقية، فننظر في كتب التفسير عندهم. وما دام الشيعة ليسوا سواء فإن الدراسة تشمل الكتب التي تمثل الاتجاهات المختلفة، ونبدؤها بدراسة ثلاثة كتب ظهرت في القرن الثالث الهجرى تعتبر
[ ١ / ٤٤٩ ]
مصادرهم الرئيسة للتفسير المأثور، وإن كانت كلها تمثل أقصى درجة في الغلو والتطرف، والضلال والتضليل. ونتبع هذه الثلاثة نماذج من الكتب الأخرى التي تبين اتجاهات التفسير بعد القرن الثالث إلى العصر الحديث.
واستكمالًا للبيان والتوضيح رجعت إلى كتاب " الذريعة إلى تصانيف الشيعة "، فوجدت عشرات الكتب التي يدل العنوان نفسه على غلو المؤلف وضلاله، وكتبًا أخرى يظهر فيها هذا الأثر عندما يتحدث عنها صاحب كتاب الذريعة، فرأيت أن أثبت شيئًا مما جاء في كتاب الذريعة هذا.
فالقسم الثاني إذن يبين أصول التفسير الشيعى، ويقدم دراسة لبعض كتبهم، وهى ستة عشر كتابًا من القرن الثالث إلى العصر الحديث، ثم نشير إلى عشرات الكتب التي تبين تأثر أصحابها بعقيدة الإمامة.
فإذا ضممنا هذا القسم إلى القسم الأول اتضحت الصورة في مجال التفسير المقارن، والله عزوجل هو المستعان.
[ ١ / ٤٥٠ ]