تفسير العياشى: منزلة العياشى كالقمى
تلك أهم آثار الإمامة في تفسير القمي الذي يمثل جانب الغلو والتطرف في هذه العقيدة كتفسير العسكرى.
والتفسير الثالث الذي طالعنا به القرن الثالث هو تفسير العياشى، لمحمد بن مسعود العياشى، المتوفى في حدود سنة ٣٢٠ هـ، والذى يعد من الثقات عند الشيعة الاثنى عشرية (٢) .
_________________
(١) ٢ / ٣٨٤. ذكرنا من قبل عند الحديث عن التحريف قول السيد أبى القاسم الخوئى - المرجع الأعلى للجعفرية بالعراق: إن الروايات التي ذكرها القمي في تفسيره صحيحه، فهى ثابتة وصادرة من الأئمة المعصومين، وانتهت إليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة! ولا ندرى كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات الصحيحة في نظر السيد الخوئى وبين ما ذهب إليه هو من القول بعدم تحريف القرآن الكريم، وغير ذلك مما يتعارض مع هذه الروايات؟ !
(٢) هو أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمى السمرقندى، المعروف بالعياشى - انظر ترجمته في تنقيح المقال، وهدية العارفين ٢/٣٢، ومعجم المؤلفين ١٢/٢٠. وفى كتاب " بهجة الآمال في شرح زبدة المقال " ذكره المؤلف ضمن علماء الجعفرية الذين يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل، وقال عنه: " جليل القدر، واسع الأخبار، بصير بالرواية، مطلع بها، ثقة صدوق، من عيون هذه الطائفة وكبارها إلخ " انظر ص ٤٣.
[ ١ / ٥١٨ ]
وفى صدر التفسير كتب محمد حسين الطباطبائى (١) مقدمة حول الكتاب ومؤلفه، قال فيها:
" وقد بعث الله رجالًا من أولى النهى والبصيرة، وذوى العلم والفضلة، على الاقتباس من مشكاة أنوارهم – أي الأئمة – والأخذ والضبط لعلومهم وآثارها، وإبداع ذخائرها في كتبهم، وتنظيم شتاتها في تأليفهم، ليذوق بذلك الغائب من منهل الشاهد، ويرد به اللاحق مورد السابق.
وإن من أحسن ما ورثناه من ذلك كتاب التفسير المنسوب إلى شيخنا العياشى ﵀، وهو الكتاب القيم الذي يقدمه الناشر اليوم إلى القراء الكرام.
فهو لعمرى أحسن كتاب ألف قديمًا في بابه، وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور.
أما الكتاب فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألّف إلى يومنا هذا – ويقرب من أحد عشر قرنًا – بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف.
وأما مؤلفه الشيخ الجليل أبو النضر محمد بن مسعود بن العياش التميمى الكوفى السمرقندى، من أعيان علماء الشيعة، وأساطين الحديث والتفسير بالرواية، من عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية.
أجمع كل من جاء بعده من أهل العلم على جلالة قدره وعلو منزلته وسعة فضله، وإطراء علماء الرجال متسالمين على أنه ثقة عين صدوق في حديثه، ومن مشايخ الرواية، يروى عنه أعيان المحدثين: كشيخنا الكشى صاحب الرجال وهو من تلامذته، وشيخنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشى وهو ولده إلخ ".
منهج العياشى وأهدافه كالقمى:
من هذا نرى أن العياشى وتفسيره عند الشيعة في منزلة تشبه منزلة القمي وتفسيره.
_________________
(١) صاحب كتاب الميزان في تفسير القرآن – سيأتى الحديث عن كتابه.
[ ١ / ٥١٩ ]
بدراسة تفسير العياشى يظهر لنا أنه كان يسير مع القمي في طريق واحد، فلا فرق بينهما في المنهج والأهداف، والغلو والتطرف والضلال، وما أخذناه على تفسير القمي يتسم به أيضًا تفسير العياشى، وإليك البيان:
أولًا: القول بتحريف القرآن الكريم
يشترك العياشى مع القمي في محاولة التشكيك في كتاب الله العزيز، والدعوة إلى القول بتحريفه. ولذلك وجدنا صاحب كتاب " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " يذكر العياشى مع القائلين بالتحريف، ويقول بأنه روى في أول تفسيره أخبارًا عامة صريحة في التحريف، وأن نسبة القول بالتحريف إلى العياشى كنسبة القول به إلى على بن إبراهيم القمي، بل صرح بنسبته إلى العياشى جماعة كثيرة (١) .
وينقل عن العياشى بعض الأخبار التي استدل بها على التحريف.
منها ما رواه عن الإمام الصادق أنه قال: " لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين " (٢) .
ومنها ما رواه عن الإمام الباقر أنه قال: تنزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ في علي بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللهُ «٣)
وفى تفسير العياشى نجد كثيرًا من مثل هذا الضلال:
فتحت عنوان " ما عنى به الأئمة من القرآن " (١/١٣) يذكر عدة أخبار، منها الخبر السابق عن الإمام الصادق، ويرويه أيضًا عن الإمام الباقر، كما يروى
_________________
(١) انظر فصل الخطاب ص ٢٦.
(٢) المرجع السابق ص ١٤.
(٣) المرجع نفسه ص ٢٣٢، والآية الكريمة هي رقم ٩٠ من سورة البقرة، وحرفها بزيادة " في علي ".
[ ١ / ٥٢٠ ]
عن الإمام الباقر أنه قال أنه قال: " لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفى حقنا على ذى حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن ".
وعن الإمام الصادق: " إن القرآن قد طرح منه أي كثيرة، ولم يزد فيه إلاَّ حروف، وقد أخطأت بها الكتبة، وتوهمتها الرجال ".
وفى أول سورة البقرة يروى العياشى عن الصادق أنه قال: (كتاب على لا ريب فيه) .
وعن عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فقال: كذبوا، ما هكذا هي! إذا كان ينسى وينسخها أو يأتى بمثلها لم ينسخها. قلت: هكذا قال الله. قال: ليس هكذا قال ﵎. قلت: فكيف قال؟ قال: ليس فيها ألف ولا واو، قال: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها مثلها، يقول: ما نميت من إمام أو ننسه ذكره نأت بخير منه من صلبه مثله (١) .
وفى تفسير العياشى لسورة النساء يذكر الرواية التالية:
عن جابر قال: قلت لمحمد بن على: قول الله في كتابه ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ (قال: هما والثالث والرابع وعبد الرحمن وطلحة، وكانوا سبعة عشر رجلًا. قال: لما وجّه النبي ﷺ علىّ بن أبى طالب ﵁ وعمّار بن ياسر ﵀ إلى أهل مكة قالوا: بعث هذا الصبى، ولو بعث غيره يا حذيفة إلى أهل مكة؟ وفى مكة صنايدها، وكانوا يسمّون عليَّا الصبى لأنه كان اسمه في كتاب الله الصبى لقول الله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
_________________
(١) الآية الكريمة هي رقم ١٠٦ من سورة البقرة، وحرفها ليصل إلى تأويله الذي يعد تحريفًا آخر.
[ ١ / ٥٢١ ]
وهو صبى وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فقالوا: والله الكفر بنا أولى مما نحن فيه، فساروا فقالوا لهما، وخوَّفوهما بأهل مكة، فعرضوا لهما وغلَّظوا عليهما الأمر، فقال علىّ صلوات الله عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضى، فلما دخلا مكَّة أخبر الله نبيه بقولهم لعلىّ وبقول علىّ لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه، وذلك قول الله ﴿ألم تر إلى الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «٢) إلى قوله:
﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ وإنما نزلت ألم تر إلى فلان وفلان لقوا عليُّا وعمارًا فقال إنَّ أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وهما اللذان قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ ‘إلى آخر الآية، فهذا أول كفرهم.. والكفر الثاني قول النبي عليه وعلى آله السلام: يطلع عليكم من هذا الشعب رجل فيطلع عليكم بوجهه؛ فمثله عندالله كمثل عيسى، لم يبق منهم أحد إلاَّ تمنى أن يكون بعض أهله، فإذا بعلىّ قد خرج وطلع بوجهه وقال: هو هذا، فخرجوا غضابًا وقالوا: ما بقى إلاَّ أن يجعله نبيَّا، والله الرجوع إلى آلهتنا خير ممّا نسمع منه في ابن عمّه، وليصدّنا علىّ إن دام هذا، فأنزل الله ﴿وَلَمَّا ضرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى آخر الآية فهذا الكفر الثاني. وزاد الكفر بالكفر حين قال الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ
_________________
(١) الآية ٣٣ من سورة فصلت، وحرفها بزيادة " وهو صبى ".
(٢) ١٧٣: آل عمران، وتبدأ بقول ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ﴾ بدون: ﴿ألم تر إلى﴾، وقول العياشى " وإنما نزلت " فيه تحريف يذكرنا بكلام مسيلمة الكذاب.
[ ١ / ٥٢٢ ]
هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ فقال النبي ﷺ: يا علىُّ أصبحت وأمسيت خير البريَّة، فقال له الناس: هو خير من آدم ونوح ومن إبراهيم ومن الأنبياء، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قالوا: فهو خير منك يا محمد؟ قال الله: ﴿قُلْ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ولكنَّه خير منكم وذريَّته خير من ذريتكم، ومن اتَّبعه خير ممَّن اتبعكم، فقاموا غضابًا وقالوا: زيادة الرجوع إلى الكفر أهون علينا مما يقول في ابن عمه، وذلك قول الله ﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا (.
وفى تفسير سورة النحل يروى العياشى عن أبى جعفر أنه قال: نزل جبرائيل هذه الآية هكذا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ في على قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (١)
ويروى عن إسماعيل الحريرى قال: قلت لأبى عبد الله: قول الله:
«إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (قال البغى: اقرأ كما أقول لك يا إسماعيل ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى حقه ﴾ قلت: جعلت فداك إنَّا لا تقرأ هكذا في قراءة زيد، قال ولكنّا نقرأها هكذا في قراءة علىّ، قلت، فما يعنى بالعدل؟: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، قلت: والإحسان؟ قال: شهادة أن محمدًا رسول الله،
_________________
(١) ٢/٢٥٧، والآية الكريمة رقم ٢٤ من سورة النحل، وحرفها بزيادة " في على ".
[ ١ / ٥٢٣ ]
قلت: فما يعنى بإيتاء ذى القربى حقّه، قال: أداء إمامة إلى إمام بعد إمام، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ قال: ولاية فلان وفلان (١) .
ثانيًا الطعن في الصحابة الكرام:
الرواية التي ذكرتها دون اختصار من تفسير العياشى لسورة النساء لبيان موقفه من تحريف القرآن الكريم توضح أمرين آخرين، هما طعنه في خير أمة أخرجت للناس، الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى الأخص من بشر منهم بالجنة غير على ﵁، كالشيخين، وذى النورين، وطلحة والزبير، والأمر الآخر موقفه من أسباب النزول، ومفتريات هذا الضال الممجوجة ليتفق سبب النزول مع ضلاله.
وإذا كانت الرواية وضعها العياشى ليقول بأن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من خيرة الصحابة، كفروا في حياة الرسول ﷺ، فإنه يرى ويروى أن الصحابة الكرام جميعًا ارتدوا عن الإسلام بعد الرسول ﷺ إلاَّ ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسى (٢) .
وتفسيره مملوء محشو بالطعن في الصحابة وتكفيرهم، ونذكر بعض الأمثلة:
يروى عن جابر قال: سألت أبا عبد الله ﷺ عن قول الله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ قال:
_________________
(١) ٢/٢٦٧، والآية الكريمة هي التسعون في سورة النحل، وحرفها بزيادة " حقه "، ثم جاء التأويل الذي ذهب إليه ليكون تحريفًا آخر، وطعنًا في الصديق والفاروق، والصحابة الكرام لأنهم بايعوا كلًا منهما، وهو قول هذا الضال: " ولاية فلان وفلان ".
(٢) انظر تفسير الصافى ج ١ ورقة ١٤٨.
[ ١ / ٥٢٤ ]
فقال هم أولياء فلان وفلان (١)، اتخذوهم أئمة من دون الإمام الذي جعل الله للناس، فلذلك قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَاب إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ قال: ثم قال أبو جعفر: والله يا جابر هم أئمة الظلم وأشياعتهم (٢) .
وفى رواية أخرى: أعداء على هم المخلدون في النار أبد الآبدين، ودهر الداهرين (٣) .
وروى عن عبد الله النجاشى قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعنى والله فلانًا وفلانًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إلى قوله ﴿تَوَّابا رَّحِيمًا﴾ يعنى والله النبي وعليًّا بما صنعوا، أي لو جاءوك بها يا علىّ فاستغفروا مما صنعوا، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ثم قال أبو عبد الله: هو والله
_________________
(١) يقصد الخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن بايعهم.
(٢) تفسير العياشى ١/٧٢، والآيات الكريمة في سورة البقرة من ١٦٥/١٦٧، ومن الواضح أنها تتحدث عن المشركين عبده الأوثان " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا . "، فجعلها العياشى: من دون الإمام.
(٣) تفسير العياشى ١/٧٢، والآيات الكريمة في سورة البقرة من ١٦٥/١٦٧، ومن الواضح أنها تتحدث عن المشركين عبده الأوثان " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا . "، فجعلها العياشى: من دون الإمام.
[ ١ / ٥٢٥ ]
على بعينه ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ على لسانك يا رسول الله يعنى به ولاية علي ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ لعلى بن أبى طالب (١) .
وروى عن أبى عبد الله قال: والله لو أن قومًا عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم لم يسلموا إلينا لكانوا بذلك مشركين (٢) .
وروى عن جابر عن أبى جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: اَّلذين يدعون من دون الله الأول والثاني والثالث، كذَّبوا رسول الله ﷺ بقوله: والوا عليًا واتبعوه، فعادوا عليًا ولم يوالوه، ودعوا الناس إلى ولاية أنفسهم، فذلك قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ قال: وأما قوله: (لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ فإنه يعنى: لايعبدون شئيًا، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾، فإنه يعنى وهم يعبدون، وأما قوله ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ يعنى كفارغير مؤمنين، وأما قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فإنه يعنى أنهم لا يؤمنون، أنهم
_________________
(١) و(٢) ا /٢٥٥، والآيات الكريمة من سورة النساء: من ٦٣ إلى ٦٥، وقبل هذه الآيات جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، فجعل العياشى النفاق لخير الناس بعد الرسول - ﷺ -، وهما أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
[ ١ / ٥٢٦ ]
يشركون، ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإنه كما قال الله، وأما قوله ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فإنه يعنى لايؤمنون بالرجعة أنها حق، وأما قوله ﴿قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ فإنه يعنى قلوبهم كافرة، وأما قوله: ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ فإنه يعنى عن ولاية على مستكبرون، قال الله لمن فعل ذلك وعيدًا منه ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عن ولاية على﴾ (١) .
ثالثًا جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:
في أصول التفسير عند العياشى نجد العنوان التالي (٢) "في ما أنزل القرآن " وتحت هذا العنوان يذكر روايات منها:
عن أبى جعفر قال: نزل القرآن على أربعة أرباع. ربع فينا، وربع في عدونا، وربع فرايض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن.
وعن أمير المؤمنين قال: نزل القرآن أثلاثًا: ثلث فينا وفى عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرايض وأحكام.
ونجد عنوانًا آخر، وهو: " ما عنى به الآئمة من القرآن " (٣) وأشرنا إلى هذا العنوان من قبل، وذكرنا بعض رواياته لبيان التحريف.
_________________
(١) ٢/٢٥٦: ٢٥٧، والآيات الكريمة في سورة النحل: من ٢٠إلى ٢٣، وحرفها بزيادة " عن ولاية على " ويقصد بالأول والثاني والثالث: الخلفاء الراشدين المهديين، وبدلًا من أن يستحل دم هذا العياشى أجمعت طائفته على توثيقه وعلو منزلته!! وما وجدنا أحدًا من دعاة التقريب يطعن فيه! فماذا يراد بالتقريب إذن؟!
(٢) تفسير العياشى ١ / ٩.
(٣) ١/١٣.
[ ١ / ٥٢٧ ]
وأضيف بعض الروايات الأخرى:
عن أبى عبد الله قال: من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن.
وعن أبى جعفر قال: لنا حق في كتاب الله المحكم من الله، لومحوه فقالوا ليس من عندالله، أو لم يعلموا، لكان سواه.
وعنه أيضًا: إذا سمعت الله ذكر أحدًا من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قومًا بسوء ممن مضى فهم عدونا.
وعن على بن أبى طالب ﵁ قال: سموهم بأحسن أمثال القرآن، يعنى عترة النبي ﷺ: هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاجتنبوا.
وعن عمر بن حنظلة، عن أبى عبد الله، عن قول الله ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾؟ فلما رآنى أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك، كل شئ في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة عنى به.
هذه بعض الأصول التي وضعها العياشى، ونسبها للأئمة الأطهار حتى يحكم فريته. وفى ظلماتها يمكن معرفة ما عليه هذا التفسير من جعل الأئمة هم المراد من كثير من كلمات القرآن الكريم، وحصر هذا يطول ذكره، ويكفى أن نذكر بعض الأمثلة:
يروى العياشى عن سلام عن أبى جعفر في قوله: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ قال: إنما عنى بذلك عليَّا والحسن والحسين وفاطمة، وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول من الله في الناس فقال: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ﴾ يعنى الناس ﴿
[ ١ / ٥٢٨ ]
بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ﴾ يعنى عليَّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم ﴿فَقَدِ اهْتدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (١) .
وعن أبى عبد الله في قول الله ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين بالولاية في الميثاق (٢) .
وعن بريد بن معوية العجلى عن أبى جعفر قال: قلت له ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال نحن الأمَّة الوسطى، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجّتْه في أرضه (٣) .
وعن أبى عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: أتمهن بمحمد وعلى والأئمة من ولد على (٤) .
وعن أبى جعفر أن الولاية هي المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (٥)
_________________
(١) ١ / ٦٢، والآيتان الكريمتان في سورة البقرة: ١٣٦، ١٣٧، وقبلهما ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
(٢) ١/٦٢، والآية الكريمة هي رقم ١٣٨ من سورة البقرة، أي بعد الآيات السابقة.
(٣) ١/٦٢، والآية الكريمة هي رقم ١٤٣ من السورة نفسها.
(٤) ١/٥٧، الآية الكريمة هي رقم ١٢٤ من السورة نفسها أيضًا.
(٥) ١ /٣٣٠، والآية الكريمة هي رقم ٦٦ من سورة المائدة.
[ ١ / ٥٢٩ ]
وعن أبى عبد الله، وعن أبيه، أن أصحاب القائم - أي الإمام الثاني عشر-هم الأمة المعدودة التي قال الله في كتابه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ (١) .
وعن أبى جعفر أن عليًا هو المراد من كلمة النور في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ (٢) .
وعن أبى عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، قال: هم الأئمة (٣) .
وعن أبى جعفر: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: وهو محمد، ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: وهو على، ﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾: وهو قرابتنا. أمر الله العباد بمودتنا وإيتائنا، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر: من بغى على أهل البيت، ودعا إلى غيرنا (٤) .
والعياشى يرفع الأئمة لمرتبة الألوهية كالقمى:
فعند تفسير قوله تعالى ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ يروى العياشى عن أبى عبد الله أنه قال: يعنى بذلك: ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد (٥) .
_________________
(١) ٢/١٤٠، ١٤١، والآية الكريمة الثامنة من سورة هود.
(٢) ٢ / ٣١، والآية الكريمة هي رقم ١٥٧ من سورة الأعراف.
(٣) ٢ / ٢٥٦، والآية الكريمة هي رقم ١٦ من سورة النحل.
(٤) ٢ / ٢٦٧، وسبق من قبل ذكر رواية أخرى عن أبى عبد الله في التحريف لهذه الأية.
(٥) ٢ / ٢٦١، والآية الكريمة هي رقم ٥١ من سورة النحل.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وعند قوله ﷿: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، بقوله: طائعين للأئمة.
وفى قوله سبحانه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، يروى العياشى أن العمل الصالح: المعرفة بالأئمة، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: التسليم لعلى، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك، ولا هو من أهله (٣) .
هذه نماذج كافية لبيان أن العياشى كالقمى في هذا الضلال، وكل ما قيل عن القمي يمكن أن نراه من خلال هذه النماذج، وأختمها بما ختمت به دراستى عن العياشى في كتاب " أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله: ص ٢٠٨، ٢٠٩ ":
وفى سورة هود يتحدث عن سبب نزول آيات من ١٢ إلى ٢٤ فيقول: دعا رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين في آخر صلاته، رافعًا بها صوته يسمع الناس، يقول اللهم هب لعلى المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (٤) بنى أمية. فقال رمع (٥)
: والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلى مما سأل محمد ربه، أفلا سأله ملكًا يعضده؟ أو كنزًا يستظهر به على فاقته؟ فأنزل الله فيه عشر آيات من هود
_________________
(١) ٢٣٨: البقرة.
(٢) ١١٠: سورة الكهف.
(٣) انظر ما سبق في كتابى: أثر الإمامة في الفقه الحعفرى وأصوله – ص ٢٠٥.
(٤) ٩٦، ٩٧: سورة مريم.
(٥) قال المجلسى: " رمع كناية عن عمر لأنه مقلوبه " بحار الأنوار ٣٦/١٠١ "
[ ١ / ٥٣١ ]
أولها ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ إلى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ولاية على ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ إلى ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ في ولاية على ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ لعلى ولايته ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ يعنى فلانًا وفلانًا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ رسول الله ﷺ ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أمير المؤمنين ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾ قال: كان ولاية على في كتاب موسى ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ في ولاية على ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ ﴿هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) .
*****
_________________
(١) بحار الأنوار ٣٦ / ١٠٠-١٠١، والآيات ثلاث عشرة لا عشر آيات.
[ ١ / ٥٣٢ ]