بعد المناقشة السابقة نقول: -
ظهر أن عقيدة الإمامة عند المذهب الجعفرى لا تستند إلى شىء من القرآن الكريم، واستدلالاتهم تنبنى على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شئ من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلًا يؤيد مذهبهم.
قال أحد مفسرى الجعفرية عن أسباب النزول:
" ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية، بمعنى أنهم يردون غالبًا الحوادث التاريخية، ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول، وربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة، أو آيات ذات سياق واحد، ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقر وإن أوجب ذلك اختلال نظم
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٥٠٨-٥٠٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
الآيات وبطلان سياقها. وهذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول (١) .
وما ذكره هذا المفسر الجعفرى يكاد ينطبق على جميع الآيات الكريمة التي استدلوا بها.
ومن قبل قال الإمام أحمد بن حنبل:
ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازى (٢) .
ويروى " ليس لها أصل " أي إسناد، لأن الغالب عليه المراسيل.
يرى الجعفرية أن الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثنى عشر ركن من أركان الإيمان، والقرآن الكريم - تبيان كل شيء - كيف لا يبين هذا الركن بنصوص ظاهرة من آياته البينات.
غلاة الجعفرية لم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة، ووضع الروايات كأسباب للنزول، وإنما أقدموا على ما هو أشنع من هذا وأشد جرمًا، ذلك أنهم قالوا بتحريف القرآن الكريم، وحذف اسم على منه في أكثر من موضع، وسيأتي لهذا مزيد بيان في بحث التفسير عندهم في الجزء الثانى من هذه الموسوعة، والذي جرفهم إلى هذه عقيدتهم في الإمامة، وجعلهم إياها ركنًا من أركان الإيمان.
*****
_________________
(١) الميزان ٤/٧٦-٨٨.
(٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٠.
[ ١ / ١٠٧ ]