وممن عاصر صاحبى الصافى والبرهان المولى محمد باقر المجلسى، المتوفى سنة ١١١١، وهو من أشهر علماء الجعفرية، وله مكانته عندهم. وللمجلسى موسوعته الكبرى " بحار الأنوار "، تحدث فيها عن أشياء كثيرة، يعنينا منها هنا ما يتصل بكتاب الله تعالى، وأثر الإمامة فيه والمجلسى لم يؤلف بحاره للتفسير، وإنما لخدمة المذهب الجعفرى الاثنى عشرى، فالحديث عن القرآن الكريم جاء من هذا الباب. وقد جعل كتابًا للإمام تحته مئات الأبواب، ضمتها مجموعة من أجزاء البحار. ومن هذه الأبواب " أبواب الآيات النازلة فيهم ": أي في الأئمة كما يزعم، وهى تقع في أكثر من ستمائة صفحة في جزأين (٣) . ومنها كذلك " أبواب الآيات النازلة في شأنه الدالة على فضله وإمامته "، أي في شأن الإمام على، وهى تقع فيما يقرب من أربعمائة وخمسين صفحة في جزأين كذلك (٤) .
ويكفى أن نذكر عناوين بعض هذه الأبواب ليظهر مدى غلو هذا الضال، فمن أبوابه:
_________________
(١) انظر ص ٥٣.
(٢) راجع أيضًا الخبر، الذي نقلناه من تفسير الميزان نقلًا عن هذا التفسير ص ٢٦٠.
(٣) الجزءان هما: ج ٢٣ من ص ١٦٧ إلى أخر الجزء ص ٣٩٣، وج ٢٤ كله وعدد صفحاته ٤٠٢.
(٤) ج ٣٥ من ص١٨٣ إلى آخر الجزء ص ٤٣٦، وج ٣٦ من أوله إلى ص ١٩٢.
[ ١ / ٥٥٧ ]
باب أنهم - أي الأئمة - آيات الله وبيناته وكتابه (١)، وأن الأمانة في القرآن الإمامة (٢)، وأنهم أنوار الله تعالى وتأويل آيات النور فيهم (٣)، وتأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغون واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم (٤)، وأنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس (٥)، وأنهم جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها (٦)، وأنه - أي الإمام عليًا - المؤمن والإيمان والدين والإسلام والبينة والسلام وخير البرية في القرآن الكريم وأعداؤه " الكفر والفسوق والعصيان" (٧)، وأنه أنزل فيه - صلوات الله عليه - الذكر والنور والهدى والتقى في القرآن (٨)، وأنه النبأ العظيم والآية الكبرى (٩) .
والمجلسى ينقل عن التفاسير الثلاثة الضالة التي ظهرت في القرن الثالث الهجرى، وعن غيرهما من كتب غلاة الشيعة، ولكنه لا يكتفى بالنقل، وإنما كثيرًا ما يذكر رأيه سواء في هذه الأجزاء أو في غيرها من كتابه البحار.
وإذا كان تأليف الأبواب على هذه الصورة يدل على فساد عقيدته التي تنزل به إلى درك الغلاة، فإن ذكر الآراء يكشف عن حقيقته بوضوح يمنع المماحكة وخلق الأعذار، وهاك بعض ما جاء في كتابه.
_________________
(١) باب ١١ ج ٢٣ ص ٢٠٦ - ٢١١.
(٢) باب ١٦ ج ٢٣ ص ٢٧٣ – ٢٨٣.
(٣) باب ١٨ ج ٣ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٤) باب ٢١ ج ٢٣ ص ٣٥٤ - ٣٩٠.
(٥) باب ٤٦ ج ٢٤ ص ١٥٣-١٥٨.
(٦) باب ٥٣ ج ٢٤ ص ١٩١- ٢٠٣.
(٧) باب ١٣ ج ٣٥ ص ٣٣٦ - ٣٥٢.
(٨) باب ٢٠ ج ٣٥ ص ٣٩٤ - ٤٠٧.
(٩) باب ٢٥ ج ٣٦ ص ١-٤.
[ ١ / ٥٥٨ ]
نقل عن الكافى ثلاث روايات عن الإمام أبى جعفر قال: نزل جبريل بهذه الآية على محمد ﷺ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ﴾ في على " بَغْيا"" وقال: نزل جبرائيل بهده الآية على محمد ﷺ هكذا: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ في على ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ وقال: نزل بهذه الآية هكذا: ﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا أنَزَّلْنَا﴾ في علىّ ﴿نُورًا مُّبِينًا﴾
وبعد هذه الروايات قال المجلسى (١):
بيان: قوله: " على عبدنا في على ع " لعله كان شكهم فيما يتلوه ﷺ في شأن على " ع "، فرد الله عليهم بأن القرآن معجزة، ولا يمكن أن تكون من عند
_________________
(١) انظر الروايات وبيانه في ج ٢٣ ص ٣٧٢ – ٣٧٣، ويظهر من السند المذكور أن الكلينى – صاحب الكافى – نقل هذه الروايات الثلاث عن شيخه على بن إبراهيم القمي. والتحريف الأول في الأية ٩٠ من سورة البقرة، والثاني في الأية ٢٣ من السورة ذاتها. أما الرواية الثالثة فإنها أخذت صدر الأية ٤٧ من سورة النساء مع وضع كلمة " أنزلنا " بدلًا من " نزلنا " ثم وضع التحريف، ثم كان الختام هو عجز الآية ١٧٤ من نفس السورة! ومع هذا فالقمى والكلينى والمجلسى من علماء الشيعة الاثنى عشرية الأعلام!! المعتدلون منهم والمتطرفون على السواء، يثنون على الثلاثة كل الثناء! حتى دعاة التقريب! ما وجدنا أحدًا منهم يقول في الثلاثة إلاَّ ما قاله شيعتهم! فكيف يكون التقريب؟ أنؤمن بهذا الكفر ونتبع هؤلاء الضالين؟!
[ ١ / ٥٥٩ ]
غيره. وأما الأية الثالثة فصدرها في أوائل سورة النساء هكذا: ﴿يَا أَيهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ وآخرها في آخر تلك السورة هكذا:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، ولعله سقط من الخبر شئ، وكان اسمه " ع " في الموضعين، فسقط آخر الأولى وأول الثانية من البين، أو كان في مصحفهم ﵈ إحدى الآيتين كذلك، ولا يتوهم أن قوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ في الأولى ينافى ذلك، إذ يمكن أن يكون على هذا الوجه أيضًا الخطاب إلى أهل الكتاب، فإنهم كانوا مبغضين لعلى " ع " لكثرة ما قتل منهم، وكان اسمه " ع" مثبتًا عندهم في كتبهم كاسم النبي ﷺ، وكذا قوله ﴿أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾، وإن احتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن.
وذكر المجلسى بعد هذا روايات أخرى عن الكافى أيضًا فيها آيات محرفة كذلك، وقال عن التحريف في بعضها:
" يحتمل التنزيل والتأويل "، واحتمل في موضع آخر وجود الآيات المحرفة في مصحف خاص بأئمتهم كما ذكر من قبل (١) .
ثم أورد المجلسى ثلاث روايات من الكافى عن الإمام أبى عبد الله جعفر الصادق هي (٢):
عنه في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قال: نزلت في فلان وفلان وفلان وفلان: آمنوا بالنبىصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول
_________________
(١) انظر ٢٣ / ٣٧٤.
(٢) راجعها في ٢٣ / ٣٧٥ – ٣٧٦.
[ ١ / ٥٦٠ ]
الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ﷺ: من كنت مولاه فعلى مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵁، ثم كفروا حيث مضى رسول الله ﷺ فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.
وعنه في قول الله تعالى " ٢٥: محمد ": ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين ﵁، قلت: قوله تعالى " ٢٦: محمد "
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال: نزلت والله فيهما وفى أتباعهما، وهو قول الله ﷿ الذي نزل به جبرائيل " ع " على محمد ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ في على ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال: دعوا بنى أمية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الأمر فينا بعد النبي ﷺ، ولا يعطونا من الخمس شيئًا، وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ، ولا يبالوا ألاَّ يكون الأمر فيهم، فقالوا: سنطيعكم في بعض الأمر الذي دعوتمونا إليه، وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئًا، وقوله " كرهوا ما نزل الله " والذى نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين، وكان معهم أبو عبيدة، وكان كاتبهم، فأنزل الله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ " ٧٩: ٨٠ الزخرف ".
[ ١ / ٥٦١ ]
والرواية الثالثة أنه قال في قوله تعالى " ٢٥: الحج ": ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، نزلت فيهم: حيث دخلوا الكعبة، فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم، وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين ﵁، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه، فبعدًا للقوم الظالمين.
وبعد هذه الرواية قال المجلسى:
بيان: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أقول: الآية في سورة النساء (١) هكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، وفى سورة آل عمران (٢) هكذا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾، ولعله - ضم جزءًا من إحدى الآيتين إلى جزء من الأخرى لبيان اتحاد مفادها، ويحتمل أن يكون في مصحفهم " ع " هكذا، والظاهر أن المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللسان فقط، وبالكفر الإنكار باللسان أيضًا، كما صرح به في تفسير على بن إبراهيم.
قوله: بأخذهم من بايعه بالبيعة: لعل المراد بالموصول أمير المؤمنين ﵁، والمستتر في قوله: بايعه راجع إلى أبى بكر، والبارز إلى الموصول، ويحتمل أن يكون المستتر راجعًا إلى الموصول، والبارز إليه، أي أخذواالذين بايعوا أمير المؤمنين يوم الغدير بالبيعة لأبى بكر، ولعله أظهر.
_________________
(١) الآية ١٣٧.
(٢) الآية التسعين.
[ ١ / ٥٦٢ ]
قوله: فلان وفلان وفلان: هذه الكنايات يحتمل وجهين: الأول أن يكون المراد بها بعض بنى أمية كعثمان وأبى سفيان ومعاوية، فالمراد بالذين كرهوا ما نزل الله أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إذ ظاهر السياق أن فاعل " قالوا " الضمير الراجع إلى " الذين ارتدوا " والثاني أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وضمير " قالوا " راجعًا إلى بنى أمية بقرينة كانت عند النزول، والمراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا، فيكون من قبيل وضع المظهر في موضع المضمر. نزلت والله فيهما: أي في أبى بكر وعمر، وهو تفسير للذين كرهوا. وقوله: وهو قول الله: تفسير لما نزل الله، وضمير " دعوا " راجع إليهما وأتباعهما، " وقالوا " أي هما وأتباعهما.
قوله، في بعض الأمر: لعلهم لم يجترئوا أن يبايعوهم في منع الولاية فبايعوهم في منع الخمس، ثم أطاعوهم في الأمرين جميعًا، ولا يبعد أن تكون كلمة " في " على هذا التأويل تعليلية، أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئا. وقوله: " كرهوا ما نزل الله " إعادة للكلام السابق لبيان أن ما نزل الله في على هو االولاية، إذ لم يظهر ذلك مما سبق صريحًا، ولعله زيدت الواو في قوله: " والذى " من النساخ، وقيل: قوله مرفوع على قول الله من قبيل عطف التفسير، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه، بأن النازل فيهما في أتباعهما كرهوا أم قالوا (١) .
وبعد أن انتهى المجلسى من بيانه السابق ذكر عشرات الروايات التي تحمل التحريف لكتاب الله تعالى، والتكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه من الصحابة الكرام البررة، ثم قال:
اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده " ع " وفضل عليهم غيرهم، يدل على أنهم كفار مخلدون في
_________________
(١) ٢٣ / ٣٧٦ - ٣٧٨.
[ ١ / ٥٦٣ ]
النار (١) . ثم أورد ما يؤيد به رأيه، فقال: " قال الشيخ المفيد قدس الله روحه - في كتاب المسائل: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار، وقال في موضع آخر: اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم، وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم، وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار ".
ومن هذا نرى أن كتاب بحار الأنوار للمجلسى يعتبر امتدادًا لحركة التضليل والتشكيك في كتاب الله العزيز، ويمثل جانب الغلو والتطرف عند الجعفرية الاثنى عشرية (٢) .