الجعفرية الاثنا عشرية - وهم أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة - لهم عقيدة خاصة في الإمامة أحب بيانها بشئ من التفصيل، فأقول:
يعتقد الجعفرية أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحي، فالقول فيه مخلتف، ولذلك قالوا (٢) .
_________________
(١) انظر الملل والنحل ١/١٩١-١٩٢.
(٢) انظر أقوالهم في المراجع الآتية: عقائد الأمامية ص ٨٠:٦٥ - أصل الشيعة وأصولها ص ٤١:٣٣ - كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد: المقصد الخامس: الإمامة ص٢٨٤ وما بعدها - بحار الأنوار: باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة ٢٥/١١٥: ١٧٥ وباب أنه جرى لهم (أي للأئمة) من الفضل والطاعة مثل ما جرى للرسول - ﷺ - وأنهم في الفضل سواء. انظر نفس الجزء من ص ٣٥٢ إلى٣٦٣.
[ ١ / ٣٩ ]
إن الإمامة أصل من أصول الدين: -
لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، فمن لم يذهب مذهبهم في الإمامة فهم يجمعون على أنه غير مؤمن، وإن اختلفوا في تفسير غير المؤمن هذا: فمن قائل بكفره، إلى قائل بالفسق، وأكثرهم اعتدالا أو أقلهم غلوًا يذهب إلى أنه ليس مؤمنًا بالمعنى الخاص وإنما هو مسلم بالمعنى العام، ما لم يكن مبغضًا للأئمة وشيعتهم فضلًا عن حربهم فهو يعد كافرًا عند جميع الجعفرية.
ذكر الحلى - الملقب عند الجعفرية بالعلامة - بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة! حيث قال: " الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حى بخلاف الإماموإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص " (الألفين ١/٣) .
وعقب أحد علمائهم على هذا بأنه " نعم ما قال " وأضاف: وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبى شر من اليهودى. قيل: وكيف ذلك يا بن رسول الله؟ فقال: إن اليهودى منع لطف النبوة وهو لطف خاص، والناصبى منع لطف الإمامة وهو عام (انظر حاشية ص٤٣ النافع يوم الحشر) .
وفى مصباح الهداية (ص ٦١-٦٢) ذكر المؤلف أن الإمامة مرتبة فوق النبوة!
وقال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: " اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين على بن أبى طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد ﷺ (رسالته في الاعتقادات ص ١٠٣) .
وقال المفيد: " اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في
[ ١ / ٤٠ ]
النار" (بحار الأنوار للمجلسى ٢٣/٣٩٠، والمجلسى ذكر قول المفيد لتأييد رأيه) . والمفيد كان رأس الإمامية، وشيخًا لشيخ طائفتهم أبى جعفر الطوسي.
وإلى جانب ضلال هؤلاء القوم وغلوهم نجد غلوهم في جانب آخر، فهم يرون أن الفاسق منهم يدخل الجنة وإن مات بلا توبة! (انظر أجوبة المسائل الدينية - العدد الثامن-المجلد التاسع ص ٢٢٦وراجع كتابى: فقه الشيعة الإمامية ١/١٥) .
الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه: -
فالإمام يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدًا وسهوًا، كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطأ والنسيان!
ويجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق.
أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله.
وإذا استجد شئ فلابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شئ وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقى، لا يخطئ فيه ولايشتبه عليه، ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلي تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلًا للزيادة والاشتداد. وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده. ولم يصعد ليؤدى نفس وظيفته مع الأئمة بعد الرسول ﷺ (١) .
_________________
(١) (١» انظر أصول الكافى: باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة (١/٢٧١-٢٧٢) وباب الروح التي يسدد الله بها الأئمة (١/٢٧٣-٢٧٤) وهذا الباب فيه ستة أخبار منها عن أبى * *عبد الله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال: خلق من خلق الله ﷿ أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده. وفى الباب الأسبق ذكر أن روح القدس خاصة بالأنبياء، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار إلى الإمام. وروح القدس لاينام ولا يغفل ولايلهو ولا يزهو والإمام يرى به، وفيه الحاشية فسر الرؤية بقوله: يعنى ماغاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء! وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى! وانظر بحار الأنوار (٤٧/٢٥-٩٩) باب الأرواح التي فيهم (أي في الأئمة) وأنهم مؤيدون بروح القدس..وقال ابن بابويه القمي في رسالته (ص ١٠٨-١٠٩): " اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعانى، غير مختلفة، لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله ﷾ " وهذا القمي صاحب كتاب " فقيه من لايحضره الفقيه ": أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية. وقال المجلسى: أصحابنا أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم من الذنوب الصغيرة والكبيرة. عمدًا وخطأ ونسيانّا قبل النبوة والإمامة وبعهدهما، بل من وقت ولادتهما إلى أن يلقوا الله تعالى. ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخة ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام " (بحار الأنوار: ٢٥/٣٥٠-٣٥١) . وقال الطوسي: " لا يجوز عليهم- أي على الأئمة - السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله. فأما غير ذلك فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهوا عنه ما لم يؤد ذلك إلى الإخلال بكمال العقل. وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم. والنوم سهو، وينسون كثيرًا من تصرفاتهم أيضًا، وما جرى لهم فيما مضى من الزمن " (التبيان ٤/١٦٥-١١٦) . والطوسى يلقبونه بشيخ الطائفة، وهو صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة.
[ ١ / ٤١ ]
لابد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية
[ ١ / ٤٢ ]
العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فإن الإمامة استمرار للنبوة.
الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وهم الشهداء على الناس، وأبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه. فأمرهم أمر الله تعالى ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.
ولذا فالجعفرية يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير ماء أئمتهم، ولا يصح أخذها إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى، غيرهم، ولايطمئن بينه وبين الله تعالى إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم.
مادامت الإمامة كالنبوة فهى لا تكون إلا بنص من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو على لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه هاديًا ومرشدًا لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله تعالى، ولا يعين إلا بتعيينه.
ويعتقدون كذلك أن النبي ﷺ نص على خليفته والإمام في البرية من بعده، فعين ابن عمه على بن أبى طالب أميرًا للمؤمنين وأمينًا للوحى، وإمامًا للخلق في عدة مواطن، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم غدير خم. كما أنه ﷺ بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر، نص عليهم جميعًا بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم على من بعده.
[ ١ / ٤٣ ]
٦-الأئمة الاثنا عشرية الذين نص عليهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهم: -
١- ابو الحسن على بن أبى طالب (المرتضى) الذي ولد قبل البعثة بعشر سنوات، واستشهد سنة أربعين من الهجرة.
٢- أبو محمد الحسن بن على " الزكى " (٣-٥٠)
٣- أبو عبد الله الحسين بن على "سيد الشهداء " (٤-٦١)
٤- أبو محمد على بن الحسين " زين العابدين " (٣٨-٩٥)
٥-أبو جعفر محمد بن على " الباقر" (٥٧-١١٤)
٦- أبو عبد الله جعفر بن محمد " الصادق " (٨٣-١٤٨)
٧- أبو إبراهيم موسى بن جعفر " الكاظم " (١٢٨-١٨٣)
٨- أبو الحسن على بن موسى " الرضا " (١٤٨-٢٠٢ أو ٢٠٣)
٩- ابو جعفر محمد بن على " الجواد " (١٩٥-٢٢٠)
١٠-أبو الحسن على بن محمد " الهادى " (٢١٢أو ٢١٤-٢٥٠)
١١-أبو محمد الحسن بن على " العسكري" (٢٣٢-٢٦٠)
١٢-أبو القاسم محمد بن الحسن "المهدى " وهو الحجة في هذا العصر الغائب ليملأ الأرض عدلًا وقسطًا بعد ما ملئت ظلمًا وجورًا. قيل ولد سنة ٢٥٦ هـ، وغاب غيبة صغرى سنة ٢٦٠ هـ، وغيبة كبرى سنة ٣٢٩
[ ١ / ٤٤ ]