كتاب الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة للمحدث الفقيه أحمد بن حجر الهيتمى المكى، المتوفى سنة ٩٧٤ هـ.
والكتاب كما يظهر من عنوانه إنما هو للرد على هذه الفرقة وأمثالها، ولذلك قال في بداية الكتاب:
" سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقية خلافة الصديق، وإمارة ابن الخطاب، فأجبت إلى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجانب، فجاء بحمد الله أنموذجا لطيفا، ومنهاجا شريفا، ومسلكا منيفا. ثم سئلت قديما في إقرائه في رمضان سنة خمسين وتسعمائة بالمسجد الحرام لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة. . إلخ " (ص ٩) .
فالكتاب إذن لبيان بطلان مذهب الشيعة والرافضة ونحوهما، فكيف يستدل عبد الحسين بما جاء في هذا الكتاب لبيان صحة مذهبه لا بطلانه؟
لننظر إلى ما جاء في الصواعق أولا، ثم نبين مسلك عبد الحسين.
بدأ ابن حجر الهيتمى بثلاث مقدمات، ومما جاء فيها: بيان وجوب تعظيم أصحاب رسول الله ﷺ، ورد ما افتراه الرافضة عليهم من الروايات. ثم إجماع الصحابة على وجوب تنصيب الإمام بعد عصر النبوة. وأخيرا طريق ثبوت الخلافة.
وقسم الكتاب إلى أحد عشر بابا:
[ ١ / ٢٢١ ]
جعل الباب الأول في بيان كيفية خلافة الصديق، والاستدلال على حقيتها بالنقل والعقل، وقسم الباب إلى خمسة فصول:
الأول: في بيان كيفيتها: وبدأه بقول: " روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به، أن عمر ﵁ خطب الناس مرجعه من الحج.. " وذكر ما يتصل ببيعة الصديق، وأثبتها من قبل.
وقال بعد هذا (ص ٢٠) .
" وأخرج النسائي، وأبو يعلى، والحاكم وصححه: عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر ابن الخطاب، فقال: يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، وأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ". ثم قال بعد هذا (ص ٢١):
وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه، والحاكم، وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف ﵁ قال: خطب أبو بكر فقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ولكننى أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، لقد قلدت أمرا عظيما مالى به من طاقة، ولا يد إلا بتقوية الله. فقال على والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بين الناس وهو حى ".
وقال أيضا:
وأخرج أحمد أن أبا بكر لما خطب يوم السقيفة لم يترك شيئا أنزل في الأنصار، وذكره رسول الله ﷺ في شأنهم إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادى الأنصار، وقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال: وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر،
[ ١ / ٢٢٢ ]
فبر الناس تابع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء. ويؤخذ منه ضعف ما حكاه ابن عبد البر أن سعدا أبى أن يبايع أبا بكر حتى لقى الله - (انظر ص ٢١: ٢٢) .
وجعل الفصل الثانى في بيان انعقاد الإجماع على ولاية أبى بكر، فقال:
قد علم مما قدمناه أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك، وأن ما حكى من تخلف سعد بن عبادة عن البيعة مردود.
ومما يصرح بذلك أيضا ما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا، فهو عند الله سيئ. وقد رأي الصحابة جميعا أن يستخلف أبو بكر، فانظر إلى ما صح عن ابن مسعود، وهو من أكابر الصحابة، وفقهائهم ومتقدميهم من حكاية الإجماع من الصحابة جميعا على خلافة أبى بكر، ولذا كان هو الأحق بالخلافة عند جميع أهل السنة والجماعة في كل عصر منا إلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكذلك عند جميع المعتزلة، وأكثر الفرق، وإجماعهم على خلافته قاض بإجماعهم على أنه أهل لها مع أنها من الظهور بحيث لا تخفى. فلا يقال إنها واقعة يحتمل أنها لم تبلغ بعضهم، ولو بلغت الكل لربما أظهر بعضهم خلافا. على أن هذا إنما يتوهم أن لو لم يصح عن بعض الصحابة المشاهدين بذلك الأمر من أوله إلى آخره حكاية الإجماع، وأما بعد أن صح عن مثل ابن مسعود حكاية إجماعهم كلهم، فلا يتوهم ذلك أصلا، سيما وعلى كرم الله وجهه ممن حكى الإجماع على ذلك أيضا، كما سيأتي عنه أنه لما قدم البصرة سئل عن مسيره هل هو بعهد من النبي ﷺ، فذكر مبايعته هو وبقية الصحابة لأبى بكر، وأنه لم يختلف عليه منهم اثنان.
وأخرج البيهقي عن الزعفرانى قال سمعت الشافعى يقول: أجمع الناس على خلافة أبى بكر، وذلك أنه اضطرب الناس بعد رسول الله ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبى بكر فولوه رقابهم. وأخرج أسد السنة عن معاوية بن قرة
[ ١ / ٢٢٣ ]
قال: ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله، وما كانوا يجتمعون على خطأ ولا ضلالة. وأيضا فالأمة اجتمعت على حقية إمامة أحد الثلاثة أبى بكر وعلى والعباس، ثم إنهما لم ينازعاه بل بايعاه، فتم بذلك الإجماع له على إمامته دونهما. إذ لو لم يكن على حق لنازعاه كما نازع على معاوية مع قوة شوكة معاوية عدة وعددا على شوكة أبى بكر، فإذا لم يبال على بها، ونازعه، فكانت منازعته لأبى بكر أولى وأحرى، فحيث لم ينازعه دل على اعترافه بحق خلافته، ولقد سأله العباس في أن يبايعه، فلم يقبل، ولو علم نصا عليه لقبل سيما ومعه الزبير مع شجاعته وبنو هاشم وغيرهم. ومر أن الأنصار كرهوا بيعة أبى بكر وقالوا منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر بخبر: الأئمة من قريش، فانقادوا له وأطاعوه، وعلى أقوى منهم شوكة وعدة وعددا وشجاعة، فلو كان معه نص لكان أحرى بالمنازعة، وأحق بالإجابة، ولا يقدح في حكاية الإجماع تأخر على والزبير والعباس وطلحة مدة لأمور منها أنهم رأوا أن الأمر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد، ومنها أنهم لما جاءوا وبايعوا اعتذروا كما مر عن الأولين من طرق بأنهم أخروا عن المشورة مع أن لهم فيها حقا، لا للقدح في خلافة الصديق. هذا مع الاحتياج في هذا الأمر لخطره إلى الشورى التامة، ولهذا مر عن عمر بسند صحيح أن تلك البيعة كانت فلتة، ولكن وقى الله شرها.
ويوافق ما مر عن الأولين من الاعتذار، ما أخرجه الدار قطنى من طرق كثيرة أنهما قالا عند مبايعتهما لأبى بكر: إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها. إنه لصاحب الغار وثانى اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وكبره، وفى آخرها أنه اعتذر إليهم، فقال " والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط ولا ليلة، ولا كنت فيها راغبا، ولا سألتها الله عزوجل في سر ولا علانية، ولكننى أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولقد قلدت
[ ١ / ٢٢٤ ]
أمرا عظيما "، إلى آخر ما مر، فقبلوا منه ذلك، وما اعتذر به. (انظر ص ٢٣: ٢٥) .
وعقب على ما سبق وعلى رواية للبخاري، بقوله:
فتأمل عذره وقوله: لم ننفس على أبى بكر خيرا ساقه الله إليه، وأنه لا ينكر ما فضله الله به، وغير ذلك مما اشتمل عليه هذا الحديث تجده بريئا مما نسبه إليه الرافضة ونحوهم، فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم! (ص ٢٦) .
أما الفصل الثالث ففي النصوص السمعية الدالة على خلافة أبى بكر من القرآن والسنة، وبدأ بالنصوص القرآنية فقال:
فمنها قوله تعالى:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"
أخرج البيهقي عن الحسن البصري أنه قال: هو والله أبو بكر، لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام، وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفى النبي ﷺ ارتدت العرب، فذكر قتال أبى بكر لهم إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبى بكر وأصحابه. " فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ "وشرح ثم قال:
وأخرج الدار قطنى عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ على بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله، أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: شمر سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا. (انظر ٢٧: ٢٨) .
[ ١ / ٢٢٥ ]
واستمر في ذكر الآيات الكريمة، ومما قاله:
ومن الآيات الدالة على خلافته أيضا قوله تعالى: " قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ".
أخرج ابن أبى حاتم عن جويبر أن هؤلاء القوم هم بنو حنيفة، ومن ثم قال ابن أبى حاتم وابن قتيبة وغيرهما: هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعرى ﵀ إمام أهل السنة: سمعت الإمام أبا العباس بن سريج يقول: الصديق في القرآن في هذه الآية. قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبى بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة. قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبى بكر، وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولى عن ذلك يعذب عذابا أليما. قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم، فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق.
فإن قلت: يمكن أن يراد بالداعى في الآية النبي ﷺ أو على قلت: لا يمكن ذلك مع قوله تعالى: " قُل لَّن تَتَّبِعُونَا " ومن ثم لم يدعوا إلى محاربة في حياته ﷺ إجماعا كما مر، وأما على فلم يتفق له في خلافته قتال لطلب الإسلام أصلا بل لطلب الإمامة، ورعاية حقوقها، وأما من بعده فهم عندنا ظلمة، وعندهم كفار، فتعين أن ذلك الداعى الذي يجب باتباعه الأجر الحسن وبعصيانه العذاب الأليم أحد الخلفاء الثلاثة، وحينئذ فالألزم عليه حقية أبى بكر على كل تقدير؛ لأن حقية خلافة الآخرين فرع عن حقية خلافته إذ هما فرعاها الناشئان عنها والمترتبان عليها.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "
قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق، وأخرج ابن أبى حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهرى قال: إن ولاية أبى بكر وعمر في كتاب الله. يقول الله تعالى: " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ".
ومنها قوله تعالى: " لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ".
وجه الدلاله: أن الله تعالى سماهم صادقين، ومن شهد له ﷾ بالصدق لا يكذب، فلزم أن ما أطبقوا عليه من قولهم لأبى بكر خليفة رسول الله صادقون فيه، فحينئذ كانت الآية ناصة على خلافته. أخرجه الخطيب عن أبى بكر ابن عياش وهو استنباط حسن، كما قاله ابن كثير، (انظر ص ٣١: ٣٢) .
وبعد أن انتهى صاحب الصواعق من ذكر الآيات الكريمة، وبيان دلالتها على خلافة أبى بكر، انتقل إلى السنة المطهرة. فقد جمع كثيرا من الأحاديث التي تدل على خلافتة، والأحاديث التي تدل على فضله، وهى تزيد على المائة، وذكرها في أبواب متفرقة.
وأثبت هنا بعض الأحاديث التي بين أنها تدل على خلافة أبى بكر.
[ ١ / ٢٢٧ ]
١ - أخرج أحمد وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر، وأخرجه الطبرانى من حديث أبى الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود. وروى أحمد والترمذى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن حذيفه: إنى لا أدرى ما قدر بقائى فيكم فاقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر، وتمسكوا بهدى عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوا. والترمذى عن ابن مسعود والرويانى عن حذيفة وابن عدى عن أنس:
اقتدوا باللذين من بعدى من أصحابى أبى بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود.
٢ - أخرج الشيخان عن أبى سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله ﵎ خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: إن من أمنّ الناس علَىَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبى بكر، وفى لفظ لهما: لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبى بكر، وفى آخر لعبد الله بن أحمد: أبو بكر صاحبى ومؤنسى في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر. وفى آخر للبخاري: ليس في الناس أحد أمنّ على في نفسى ومالي من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل. سدوا عنى كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبى بكر. وفى آخر لابن عدى: سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبى بكر. وطرقه كثيرة منها عن حذيفة وأنس وعائشة وابن عباس ومعاوية بن أبى سفيان رضي الله تعالى عنهم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
قال العلماء: في هذه الأحاديث إشارة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه؛ لأن الخليفة يحتاج إلى القرب من المسجد لشدة احتياج الناس إلى ملازمته له في الصلاة بهم وغيرها.
٣ - أخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: بعثنى بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك، فأتيته فسألته، فقال: إلى أبى بكر. ومن لازم دفع الصدقة إليه كونه خليفة إذ هو المتولى قبض الصدقات.
٤ - أخرج مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإنى أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. وأخرجه أحمد وغيره من طرق عنها. وفى بعضها قال لي رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ادعى لي عبد الرحمن بن أبى بكر أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه أحد، ثم قال: دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبى بكر، وفى رواية عن عبد الله بن أحمد: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر.
٥ - أخرج الشيخان عن أبى موسى الأشعرى قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة؛ يا رسول الله إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس، فقال: مرى أبا بكر فليصل بالناس، فعادت، فقال: مرى أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف! فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله ﷺ. وفى رواية أنها لما راجعته فلم يرجع لها قالت لحفصة: قولى له يأمر عمر، فقالت له، فأبى حتى غضب وقال: أنتن أو إنكن أو لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر.
واعلم أن هذا الحديث متواتر، فإنه ورد من حديث عائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبى سعيد وعلى بن أبى طالب وحفصة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وفى بعض طرقه عن عائشة: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبى بكر. وفى حديث ابن زمعة أن رسول الله ﷺ أمرهم بالصلاة، وكان أبو بكر غائبا، فتقدم عمر، فصلى، فقال رسول الله ﷺ: لا، لا، لا، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فيصلى بالناس أبو بكر، وفى رواية عنه أنه ﷺ قال له: اخرج وقل لأبى بكر يصلى بالناس، فخرج فلم يجد على الباب إلا عمر في جماعة ليس فيهم أبو بكر، فقال يا عمر: صل بالناس، فلما كبر وكان صيتا وسمع ﷺ صوته قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر. وفى حديث ابن عمر: كبر عمر فسمع رسول الله ﷺ تكبيره فأطلع رأسه مغضبا، فقال: أين ابن أبى قحافة؟ قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة.
قال الأشعرى:
قد علم بالضرورة أن رسول الله ﷺ أمر الصديق أن يصلى بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) . فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن. انتهى. وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة، منهم عمر، ومر كلامه في فضل المبايعة. ومنهم على، فقد أخرج ابن عساكر عنه: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس، وإنى لشاهد وما أنا بغائب، وما بى مرض، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﷺ لديننا.
قال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي ﷺ.
وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بنى عمرو بن عوف، فبلغ النبي ﷺ فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم، فقال يا
[ ١ / ٢٣٠ ]
بلال: إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة. ثم أمر أبا بكر فصلى. ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة؛ لأن القصد الذاتى من نصب الإمام العالم إقامة شعائر الدين على الوجه المأمور به من أداء الواجبات وترك المحرمات وإحياء السنن، وإماتة البدع، وأما الأمور الدنيوية وتدبيرها كاستيفاء الأموال من وجوهها وإيصالها لمستحقها ودفع الظلم، ونحو ذلك فليس مقصودا بالذات، بل ليتفرغ الناس لأمور دينهم إذ لا يتم تفرغهم له إلا إذا انتظمت أمور معاشهم بنحو الأمن على الأنفس، والأموال، ووصول كل ذى حق إلى حقه، فلذلك رضى النبي ﷺ لأمر الدين، وهو الإمامة العظمى، أبا بكر بتقديمه للإمامة في الصلاة، كما ذكرنا ومن ثم أجمعوا على ذلك كما مر.
وأخرج ابن عدى عن أبى بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين: سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون. قال والله وما زدتنى إلا عماء، قلت: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال، فقال يا رسول الله: من يصلى بالناس؟ قال: مر أبا بكر يصلى بالناس، فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل عليه (١)، فسكت رسول الله ﷺ لسكوت الله، وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله ﷺ، فأعجبه فقال: بارك الله فيك.
٦ - أخرج ابن حبان عن سفينة: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا، قال لأبى بكر: ضع حجرك إلى جنب حجرى، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبى بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدى. قال أبو زرعة: إسناده لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه، والبيهقى في الدلائل، وغيرهما. وقوله
_________________
(١) أي على الرسول - ﷺ -.
[ ١ / ٢٣١ ]
لعثمان ما ذكر يرد على من زعم أن هذا إشارة إلى قبورهم. على أن قوله آخر الحديث: هؤلاء الخلفاء بعدى صريح فيما أفاده الترتيب الأول أن المراد به ترتيب الخلافة (١) .
هذه بعض الأحاديث التي ذكر أنها تنص على إمامة أبى بكر. وأراد بعد هذا أن يبين أن الموضوع محل خلاف، ولذلك جعل عنوان الفصل الرابع " في بيان أن النبي ﷺ هل نص على خلافة أبى بكر؟
وقال (ص ٤٢ وما بعدها):
اعلم أنهم اختلفوا في ذلك. ومن تأمل الأحاديث التي قدمناهاعلم من أكثرها أنه نص عليها نصا ظاهرا. وعلى ذلك جماعة من المحدثين وهو الحق، وقال جمهور أهل السنة والمعتزلة والخوارج: لم ينص على أحد، ويؤيدهم ما أخرجه البزار في مسنده عن حذيفة قال: قالوا يا رسول الله: ألا تستخلف علينا؟ قال: إنى إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتى ينزل عليكم العذاب. وأخرجه الحاكم في المستدرك لكن في سنده ضعف. وما أخرجه الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى (يعنى أبا بكر)، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير منى رسول الله ﷺ. وما أخرجه أحمد والبيهقى بسند حسن عن على أنه لما ظهر على يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأي من الرأي أن نستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضى الله فيها. والجران بكسر الجيم باطن عنق البعير يقال ضرب بجرانه الشئ أي استقر وثبت.
وأخرج الحاكم وصححه أنه قيل لعلى: ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله الناس خيرا فسيجمعهم بعدى
_________________
(١) انظر كتاب الصواعق ص ٣٥: ٣٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
على خيرهم. وما أخرجه ابن سعد عن على أيضا قال: قال على: لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر. وقول البخاري في تاريخه: روى عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي ﷺ قال لأبى بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدى. قال البخاري: ولم يتابع على هذا لأن عمر وعليا وعثمان قالوا لم يستخلف النبي ﷺ. انتهى، ومر أن هذا الحديث، أعنى قوله هؤلاء الخلفاء بعدى، صحيح ولا منافاة بين القول بالاستخلاف والقول بعدمه لأن مراد من نفاه أنه لم ينص عند الموت على استخلاف أحد بعينه، ومراد من أثبته أنه ﷺ نص عليه وأشار إليه قبل ذلك. ولا شك أن النص على ذلك قبل قرب الوفاة يتطرق إليه الاحتمال، وإن بعد بخلافه عند الموت، فلذلك نفى الجمهور كعلى وعمر وعثمان الاستخلاف، ويؤيد ذلك قول بعض المحققين من متأخرى الأصوليين: معنى لم ينص عليها لأحد لم يأمر بها لأحد. على أنه قد يأخذ مما في البخاري عن عثمان أن خلافة أبى بكر منصوص عليها، والذى فيه في هجرة الحبشة عنه من جملة حديث أنه قال: وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته ووالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر فو الله ما عصيته ولا غششته. الحديث.
فتأمل قوله في أبى بكر: ثم استخلف الله أبا بكر، وفى عمر: ثم استخلف عمر، تعلم دلالته على ما ذكرته من النص على خلافة أبى بكر، وإذا أفهم كلامه هذا ذلك مع ما مر عنه من أنها غير منصوص عليها تعين الجمع بين كلاميه بما ذكرناه. وكان اشتمال كلاميه على ذلك مؤيدا للجمع الذي قدمناه، وعلى كل فهو ﷺ كان يعلم لمن هي بعده بإعلام الله له، ومع ذلك فلم يؤمر بتبليغ الأمة النص على واحد بعينه عند الموت، وإنما وردت عنه ظواهر تدل على أنه علم بإعلام الله له أنها لأبى بكر، فأخبر بذلك كما مر، وإذا أعلمها فإما أن يعلمها علما واقعا موافقا للحق في نفس الأمر أو أمرا
[ ١ / ٢٣٣ ]
واقعا مخالفا له، وعلى كل حال لو وجب على الأمة مبايعة غير أبى بكر لبالغ رسول الله ﷺ في تبليغ ذلك الواجب إليهم بأن ينص عليه نصا جليا ينقل مشتهرا حتى يبلغ الأمة ما لزمهم، ولما لم ينقل كذلك مع توفر الدواعى على نقله دل على أنه لا نص. . وتوهم أن عدم تبليغه لعلمه بأنهم لا يأتمرون بأمره فلا فائدة فيه باطل، فإن ذلك غير مسقط لوجوب التبليغ عليه، ألا ترى أنه بلغ سائر التكاليف للآحاد مع الذين علم منهم أنهم لا يأتمرون فلم يسقط العلم بعدم ائتمارهم التبليغ عليه؟ واحتمال أنه بلغ أمر الإمامة سرا - واحدا واثنين - ونقل كذلك لا يفيد؛ لأن سبيل مثله الشهرة لصيرورته بتعدد التبليغ وكثرة المبلغين أمرا مشهورا، إذ هو من أهم الأمور لما يتعلق به من مصالح الدين والدنيا كما مر، مع ما فيه من دفع ما قد يتوهم من إثارة فتنة.
واحتمال أنه بلغه مشتهرا ولم ينقل أو نقل ولم يشتهر فيما بعد عصره باطل أيضا، إذ لو اشتهر لكان سبيله أن ينقل نقل الفرائض لتوفر الدواعى على نقل مهمات الدين، فالشهرة هنا لازمة لوجود النص، فحيث لا شهرة لا نص بالمعنى المتقدم لا لعلى ولا لغيره، فلزم من ذلك بطلان ما نقله الشيعة وغيرهم من الأكاذيب وسودوا به أوراقهم من نحو خبر: أنت الخليفة من بعدى وخبر سلموا على على بإمرة المؤمنين، وغير ذلك مما يأتي. إذ لا وجود لما نقلوه فضلا عن اشتهاره، كيف وما نقلوه لم يبلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها، إذ لم يصل علمه لأئمة الحديث المثابرين على التنقيب عنه كما اتصل لهم كثير مما ضعفوه. وكيف يجوز في العادة أن ينفرد هؤلاء بعلم صحة تلك الآحاد مع أنهم لم يتصفوا قط برواية ولا بصحبة محدث؟ ويجهل تلك الآحاد مهرة الحديث وسباقه الذي أفنوا أعمارهم في الرحلات والأسفار البعيدة وبذلوا جهدهم في طلبه وفى السعى إلى كل من ظنوا عنده قليلا منه؟ فلذلك قضت العادة المطردة القطعية بكذبهم واختلاقهم فيما زعموه من نص علَى علِىّ صح آحادا عندهم مع عدم اتصافهم برواية حديث ولا صحبة لمحدث كما تقرر. نعم روى آحادا خبر: أنت منى بمنزلة هارون من موسى. وخبر: من كنت مولاه فعلى مولاه. وسيأتي
[ ١ / ٢٣٤ ]
الجواب عنهما واضحا مبسوطا، وأنه لا دلالة لواحد منهما على خلافة على لا نصا ولا إشارة، وإلا لزم نسبة جميع الصحابة إلى الخطأ وهو باطل لعصمتهم من أن يجتمعوا على ضلالة، فإجماعهم على خلاف ما زعمه أولئك المبتدعة الجهال قاطع بأن ما توهموه من هذين الحديثين غير مراد. أن لو فرض احتمالهم لما قالوه فكيف وهما لا يحتملانه كما يأتي. فظهر أن ما سودوا به أوراقهم من تلك الآحاد لا تدل لما زعموه، واحتمال أن ثم نصا غير ما زعموه يعلمه على أو أحد المهاجرين أو الأنصار باطل أيضا.
وإلا لأورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا في الخلافة أو فيما بعده لوجوب إيراده حينئذ.
وقولهم: ترك على إيراده مع علمه تقية باطل إذ لا خوف يتوهمه من له أدنى مسكة وإحاطة بعلم أحوالهم في مجرد ذكره لهم ومنازعته في الإمامة به كيف وقد نازع من هو أضعف منه وأقل شوكة ومنعة من غير أن يقيم دليلا على ما يقوله ومع ذلك فلم يؤذ بكلمة فضلا عن أن يقتل. فبان بطلان هذه التقية المشؤومة عليهم سيما وعلى قد علم بواقعة الحباب وبعدم إيذائه بقول أو فعل مع أن دعواه لا دليل عليها، ومع ضعفه وضعف قومه بالنسبه لعلى وقومه، وأيضا فيمتنع عادة من مثلهم أنه يذكره لهم ولا يرجعون إليه كيف وهم أطوع الله وأعمالهم بالوقوف عند حدوده وأبعد عن اتباع حظوظ النفس لعصمتهم السابقة وللخبر الصحيح: خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم. وأيضا ففيهم العشرة المبشرون بالجنة. ومنهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة كما صح من طرق، فلا يتوهم فيهم وهم بهذه الأوصاف الجليلة أنهم يتركون العمل بما يرويه لهم من تقبل روايته بلا دليل أرجح يعولون عليه. معاذ الله أن يجوز ذلك عليهم شرعا أو عادة إذ هو خيانة في الدين وإلا لارتفع الأمان في كل ما نقوله عنه من القرآن والأحكام. ولم يجزم بشئ من أمور الدين مع أنه بجميع أصوله وفروعه إنما أخذ منهم، على أن في نسبة على إلى الكتم غاية نقص له لما يلزم عليه من نسبته، وهو أشجع الناس، إلى الجبن والظلم. ولهذا التوهم كفره بعض الملحدين كما يأتي فعلم مما تقرر
[ ١ / ٢٣٥ ]
جميعه أنه لا نص على إمامة على حتى ولا بالإشارة، وأما أبو بكر فقد علمت النصوص السابقة المصرحة بخلافته، وعلى فرض أن لا نص عليه أيضا ففي إجماع الصحابة عليها غنى عن النص إذ هو أقوى منه؛ لأن مدلوله قطعى ومدلول خبر الواحد ظنى، وأما تخلف جمع كعلى والعباس والزبير والمقداد عن البيعة وقت عقدها فمر الجواب عنه مستوفى.
وحاصله مع الزيادة: أن أبا بكر أرسل إليهم بعد فجاءوا فقال للصحابة: هذا على ولا بيعة لي في عنقه وهو بالخيار في أمره. ألا فأنتم بالخيار جميعا في بيعتكم إيأي، فإن رأيتم لها غيرى فأنا أول من يبايعه، فقال على: لا نرى لها أحدا غيرك، فبايعه هو وسائر المتخلفين.
ونرى صاحب الصواعق بعد هذا يذكر الشبه التي أثارها الروافض ويدحضها، وهذه الشبه كرر ذكرها صاحب المراجعات، فهى إذن في صلب موضوعنا، غير أننا إذا أثبتناها كاملة يطول النقل كثيرا، ولذلك أكتفى بذكر بعضها:
الشبهة السابعة
زعموا أنه ظالم لفاطمة لمنعه إياها مخلف أبيها، وأنه لا دليل له في الخبر الذي رواه: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة؛ لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث، وفيه ما هو مشهور عند الأصوليين. وزعموا أيضا أن فاطمة معصومة بنص " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ". وخبر: " فاطمة بضعة منى " وهو معصوم، فتكون معصومة، وحينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث.
وجوابها: أما عن الأول، فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف، وإنما حكم بما سمعه من رسول الله ﷺ وهو عنده قطعى فساوى آية المواريث في قطعية المتن، وأما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه عنه بقرينة الحال، فصار عنده دليلا قطعيا مخصصا لعموم تلك الآيات. وأما عن الثانى، فمن أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت، ولسن
[ ١ / ٢٣٦ ]
بمعصومات اتفاقا، فكذلك بقية أهل البيت. وأما بضعة منى: فمجاز قطعا فلم يستلزم عصمتها وأيضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام بل الظاهر أن المراد أنها كبضعة منى: فيما يرجع للخير والشفقة، ودعواها أنه ﷺ نحلها فدك لم تأت عليها إلا بعلى وأم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، وعدم حكمه بشاهد ويمين، إما لعلة كونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء، أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها، وزعمهم أن الحسن والحسين وأم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع والصغير غير مقبولة، وسيأتي عن الإمام زيد بن الحسن بن على بن الحسين ﵃، أنه صوب ما فعله أبو بكر، وقال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به. وفى رواية تأتى في الباب الثانى أن أبا بكر كان رحيما وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول الله ﷺ، ولما قالت: أعطانى فدك، فقال: هل لك
[ ١ / ٢٣٧ ]
بينة، فشهد لها على وأم أيمن، فقال لها: فبرجل وأمرأة تستحقينها. ثم قال زيد: والله، لو رفع الأمر فيها إلى لقضيت بقضاء أبى بكر ﵁. وعن أخيه الباقر أنه قيل له: أظلمكم الشيخان من حقكم شيئا؟ فقال: لا ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ما ظلمنا من حقنا ما يزن حبة خردلة.
وأخرج الدارقطنى، أنه سئل ما كان يعمل على في سهم ذوى القربى؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر وعمر، وكان يكره أن يخالفهما.
وأما عذر فاطمة في طلبها روايته لها الحديث، فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به. فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب، فلا يشكل عليك ذلك، وتأمله فإنه مهم. ويوضح ما قررناه في هذا المحل حديث البخاري، فإنه مشتمل على نفائس تزيل ما في نفوس القاصرين من شبه وهو: عن الزهرى، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضرى، أن عمر بن الخطاب دعاه إذ جاءه حاجبه يرفا فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم فلبث قليلا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلى يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بينى وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بنى النضير، فاستب على وعباس، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تكون السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركناه صدقة، يريد بذلك نفسه، قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على على وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم.
قال: فإنى أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره فقال: " وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ" إلى قوله "قَدِيرٌ"، فكانت هذه خالصة برسول الله ﷺ، ثم والله ما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها، وقسمها فيكم حتى بقى هذا المال منها، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله ﷺ حياته، ثم توفى النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁: فأنا ولى رسول الله ﷺ، فقبضه أبو بكر يعمل فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأنتم حينئذ، وأقبل على على والعباس وقال: تذكرانى أن أبا بكر كان فيه كما تقولان، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا ولى رسول الله ﷺ وأبى بكر، فقبضته سنتين من إمارتى أعمل فيه بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم أنى فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتمانى كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتنى يعنى عباسا، فقلت لكما إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت، وألا فلا تكلمانى، فقلتما ادفعه
[ ١ / ٢٣٨ ]
إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضى فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعاه إلى فأنا أكفيكماه.
قال، فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول أرسل أزواج النبي ﷺ عثمان إلى أبى بكر يسألنه مما أفاء الله على رسوله ﷺ فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا نورث ما تركناه صدقة، يريد بذلك نفسه؛ إنما يأكل آل محمد في هذا المال، فانتهى أزواج النبي ﷺ إلى ما أخبرتهن. قال، فكانت هذه الصدقة بيد على منعها على عباسا، فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن بن على ﵄، ثم بيد الحسين بن على، ثم بيد على بن الحسين، وحسن بن حسن كلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن ﵃، وهى صدقة رسول الله ﷺ حقا. ثم ذكر البخاري بسنده أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال، والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى.
فتأمل ما في حديث عائشة والذى قبله تعلم حقيقة ما عليه أبو بكر ﵁، وذلك أن استباب على والعباس صريح في أنهما متفقان على أنه غير إرث، وإلا لكان للعباس سهمه ولعلى سهم زوجته، ولم يكن للخصام بينهما وجه، فخصامهما إنما هو لكونه صدقة وكل منهما يريد أن يتولاها، فأصلح بينهما عمر ﵃ وأعطاه لهما بعد أن بين لهما وللحاضرين السابقين، وهم من أكابر العشرة المبشرين بالجنة أن النبي ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة، وكلهم حتى على والعباس أخبر بأنه يعلم أن النبي ﷺ قال ذلك، فحين إذن أثبت عمر أنه غير إرث ثم دفعه إليهما ليعملا فيه بسنة رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٣٩ ]
وبسنة أبى بكر، فأخذاه على ذلك وبين لهما أن ما فعله أبو بكر فيه كان فيه صادقا بارًا راشدًا تابعًا للحق، فصدقاه على ذلك. فهل بقى لمعاند بعد ذلك من شبهة؟! فإن زعم بقاء شبهة قلنا يلزمك أن تغلب على الجميع وأخذه من العباس ظلم لأنه يلزم على قولكم بالإرث، أن للعباس فيه حصة، فكيف مع ذلك ساغ لعلى أن يتغلب على الجميع ويأخذه من العباس، ثم كان في يد بنيه وبنيهم من بعده ولم يكن منه شئ في يد بنى العباس، فهل هذا من على وذريته إلا صريح الاعتراف بأنه صدقة، وليس بإرث، وإلا لزم عليه عصيان على وبنيه وظلمهم وفسقهم وحاشاهم الله من ذلك بل هم معصومون عند الرافضة، ونحوهم، فلا يتصور بهم ذنب، فإذا استبدوا بذلك جميعه دون العباس وبنيه علمنا أنهم قائلون بأنه صدقة وليس بإرث، وهذا عين مدعانا، وتأمل أيضا أن أبا بكر منع أزواج النبي ﷺ من ثمنهن أيضا، فلم يخص المنع بفاطمة والعباس ولو كان مداره على محاباة لكان أولى محاباة ولده، فلما لم يحاب عائشة ولم يعطها شيئا علمنا أنه على الحق المر الذي لا يخشى فيه لومة لائم.
وتأمل أيضا تقرير عمر للحاضرين ولعلى وللعباس بحديث لا نورث وتقرير عائشة لأمهات المؤمنين به أيضا وقول كل منهما ألم تعلموا! يظهر لك من ذلك أن أبا بكر لم ينفرد برواية هذا الحديث، وأن أمهات المؤمنين وعليًا والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد كلهم كانوا يعلمون أن النبي ﷺ قال ذلك، وأن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولًا، ثم استحضره الباقون، وعلموا أنهم سمعوه منه ﷺ: فالصحابة رضوان الله عليهم لم يعلموا برواية أبى بكر وحدها. (ص ٥٧: ٦٠) .
الشبهة الثانية عشرة
زعموا أنه من النص التفصيلى على على قوله ﷺ له لما خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة: أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى. قالوا: ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابته لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة
[ ١ / ٢٤٠ ]
لعلى من النبي ﷺ، وإلا لما صح الاستثناء، ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافه عنه لو عاش بعده إذ كان خليفة في حياته، فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه، وهو غير جائز على الأنبياء، وأيضا فمن جملة منازله منه أنه كان شريكًا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقى بعده، فوجب ثبوت ذلك لعلى إلا أن الشركة في الرسالة ممتنعة في حق على، فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي ﷺ عملا بالدليل بأقصى ما يمكن.
وجوابها: أن الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الآمدى فظاهر وإن كان صحيحًا كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم، كيف وهو في الصحيحين فهو من قبيل الآحاد وهم لا يروونه حجة في الإمامة، وعلى التنزيل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا خليفة عن النبي ﷺ مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. وقوله: اخلفنى في قومى - لا عموم له حتى يقتضى الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته، بل المتبادر منه ما مر أنه خليفة مدة غيبته، وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى ﵁، إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين، ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت، وأن عدم بقاء خلافته بعده عزل له، لم يستلزم نقصا يلحقه؛ بل إنما يستلزم كمالًا له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى، وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكًا في الرسالة.
سلمنا أن الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه أخًا نبيًا، والعام المخصوص غير حجة في الباقى أو حجه ضعيفه على الخلاف فيه، ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض إنما هو للنبوة لا للخلافة عنه، وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون على نبيا، فيلزم نفى مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الأمر، فعلم مما تقرر أنه ليس المراد من الحديث - مع كونه آحادا لا يقاوم الإجماع - إلا إثبات بعض المنازل
[ ١ / ٢٤١ ]
الكائنه لهارون من موسى، والحديث وسببه سياق يبينان ذلك البعض لما مر أنه إنما قاله لعلى حين استخلفه، فقال على كما في الصحيح: أتخلفنى في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه فقال له: ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ يعنى حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور، إذ قال له: اخلفنى في قومى وأصلح، وأيضًا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضًا ولا ندبًا بل كونه أهلًا لها في الجملة، وبه نقول، وقد استخلف ﷺ في مرار أخرى غير على كابن أم مكتوم، ولم يلزم فيه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده.
الشبهة الثالثة عشرة
زعموا أيضا أن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة على قوله ﷺ لعلى: أنت أخي ووصيى وخليفتى وقاضى دينى - أي بكسر الدال، وقوله: أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقوله: سلموا على على بإمرة الناس.
وجوابها: مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه أن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه ﷺ ألا لعنة الله على الكاذبين، ولم يقل أحد من أئمة الحديث أن شيئا من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجمعون على أنها محض كذب وافتراء، فإن زعم هؤلاء الجهلة الكذبه على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الظلام أن هذه الأحاديث صحت عندهم، قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع أنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث، ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفى السعى إلى كل من ظنوا عنده شيئًا منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها وعلموا صحيحها من سقيمها، ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير، وكيف
[ ١ / ٢٤٢ ]
والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه ﷺ، فجزاهم الله خير الجزاء وأكمله إذ لولا حسن صنيعهم هذا لاستولى المبطلون والمتمردون المفسدون على الدين وغيروا معالمه وخلطوا الحق بكذبهم حتى لم يتميز عنه، فضلوا وأضلوا ضلالًا مبينًا، لكن لما حفظ الله على نبيه ﷺ شريعته من الزيغ والتبديل بل والتحريف، وجعل من أكابر أمته في كل عصر طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم لم يبال الدين بهؤلاء الكذبة البطلة الجهلة، ومن ثم قال ﷺ: تركتكم على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك، ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحه الدالة صريحًا على خلافة أبى بكر كخبر: اقتدوا باللذين من بعدى وغيره من الأخبار الناصة على خلافته التي قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا: هذا خبر واحد فلا يغنى فيما يطلب فيه
التعيين، وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة على أتوا بأخبار تدل لزعمهم كخبر من كنت مولاه، وخبر: أنت منى بمنزلة هارون من موسى مع أنها آحاد وإما بأخبار باطلة كاذبة متيقنه البطلان واضحة الوضع والبهتان لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد، فتأمل هذا التناقض الصريح والجهل القبيح، لكنهم لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعمون التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد، وإن أجمع أهل الحديث والأثر على أنه كذب موضوع مختلق، ويزعمون فيما يخالف مذهبهم أنه آحاد، وإن اتفق أولئك على صحته وتواتر رواته تحكمًا وعنادًا وزيغًا عن الحق، فقاتلهم الله ما أجهلهم وأحمقهم!
الشبهة الرابعة عشرة
زعموا أنه لو كان أهلًا للخلافة لما قال لهم أقيلونى أقيلونى لأن الإنسان لا يستقيل من الشىء إلا إذا لم يكن أهلًا له.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وجوابها: منع الحصر فيما عللوا به، فهو من مفترياتهم، وكم وقع للسلف والخلف التورع عن أمورهم لها أهل وزيادة، بل لا تكمل حقيقة الورع والزهد إلا بالإعراض عما تأهل له المعرض، وأما مع عدم التأهل فالإعراض واجب لا زهد، ثم سببه هنا أنه إما خشى من وقوع عجز ما منه عن استيفاء الأمور على وجهها الذي يليق بكماله له، أو أنه قصد بذلك استبانة ما عندهم، وأنه هل فيهم من يود عزله فأبرز ذلك كذلك، فرآهم جميعهم لا يودون ذلك لو أنه خشى من لعنه ﷺ لإمام قوم وهم له كارهون، فاستعلم أنه هل فيهم أحد يكرهه أو لا - والحاصل أن زعم ذلك يدل على عدم أهليته غاية في الجهالة والغباوة والحمق فلا ترفع بذلك رأسًا.
الشبهة الخامسة عشرة
زعموا أيضًا أن عليًا إنما سكت عن النزاع في أمر الخلافة لأن النبي ﷺ أوصاه أن لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفًا..
وجوابها: أن هذا افتراء كذب وحمق وجهالة مع عظيم الغباوة عما يترتب عليه، إذ كيف يعقل مع هذا الذي زعموه أنه جعله إمامًا واليًا على الأمة بعده ومنعه من سل السيف على من امتنع من قبول الحق؟ ولو كان ما زعموه صحيحًا لما سل على السيف في حرب صفين وغيرها، ولما قاتل بنفسه وأهل بيته وشيعته وجالد وبارز الألوف منهم وحده وأعاذه الله من مخالفة وصية رسول الله ﷺ، وأيضًا فكيف يتعقلون أنه ﷺ يوصيه بعدم سل السيف على من يزعمون فيهم أنهم يجاهرون بأقبح أنواع الكفر مع ما أوجبه الله من جهاد مثلهم.
قال بعض أئمة أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة: وقد تأملت كلماتهم فرأيت قومًا أعمى الهوى بصائرهم، فلم يبالوا بما ترتب على مقالاتهم من المفاسد. ألا ترى إلى قولهم: إن عمر قاد عليًا بحمائل سيفه وحصر فاطمة فهابت، فأسقطت ولدا اسمه المحسن، فقصدوا بهذه الفرية القبيحة والغباوة التي
[ ١ / ٢٤٤ ]
أورثتهم العار والبوار والفضيحة وإيغار الصدور على عمر ﵁، ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة على ﵁ الى الذل والعجز والخور بل ونسبة جميع بنى هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأنفة إلى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم، بل ونسبة جميع الصحابة ﵃ إلى ذلك، وكيف يسع من له أدنى ذوق أن ينسبهم إلى ذلك مع ما استفاض وتواتر عنهم من غيرتهم لنبيهم ﷺ وشدة غضبهم عند انتهاك حرماته حتى قاتلوا وقتلوا الآباء والأبناء في طلب مرضاته لا يتوهم إلحاق أدنى نقص أو سكوت على باطل بهؤلاء العصابة الكمل الذين طهرهم الله من كل رجس ودنس ونقص على لسان نبيه في الكتاب والسنة، كما قدمته في المقدمة الأولى أول الكتاب - بواسطة صحبتهم له ﷺ وموته وهو عنهم راض وصدقهم في محبته واتباعه إلا عبدًا أضله الله وخذله فباء منه تعالى بعظيم الخسار والبوار، وأحله الله تعالى نار جهنم وبئس القرار. نسأل الله السلامة آمين. (ص ٧٣: ٧٧) .
وبعد أن دحض شبهات الرافضة انتقل إلى الباب الثانى (ص ٧٨) وجعل عنوانه:
" فيما جاء عن أكابر أهل البيت من مزيد الثناء على الشيخين ليعلم براءتهما مما يقول الشيعة والرافضة من عجائب الكذب والافتراء، وليعلم بطلان ما زعموه من أن عليا إنما فعل ما أثر عنه تقية ومداراة وخوفًا، وغير ذلك من قبائحهم ".
ويقع هذا الباب في ثمان صفحات، يحسن قراءتها، ولولا الإطالة لنقلتها كاملة، وأكتفى هنا بما ختم به هذا الباب (ص ٨٥) حيث قال:
" فهذه أقاويل المعتبرين من أهل البيت رواها عنهم الأئمة الحفاظ الذين عليهم المعول في معرفة الأحاديث والآثار، وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم المتصلة، فكيف يسمح المتمسك بحبل أهل البيت، ويزعم حبهم أن يعدل عما قالوه
[ ١ / ٢٤٥ ]
من تعظيم أبى بكر وعمر واعتقاد حقية خلافتهما، وما كانا عليه. وصرحوا بتكذيب من نقل عنهم خلافه، ومع ذلك يرى أن ينسب إليهم ما تبرءوا منه ورأوه ذمًا في حقهم حتى قال زين العابدين على بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا، وفى رواية حتى نقصتمونا إلى الناس. أي بسبب ما نسبوه إليهم مما هم براء منه، فلعن الله من كذب على هؤلاء الأئمة ورماهم بالزور والبهتان"أهـ
واستمر صاحب الصواعق فجعل الباب الثالث عنوانه:
" في بيان أفضلية أبى بكر على سائر هذه الأمة، ثم عمر، ثم عثمان، ثم، على، وفى ذكر فضائل أبى بكر الواردة فيه وحده أو مع عمر أو مع الثلاثة أو مع غيرهم. وفيه فصول ".
وجعل عنوان الفصل الأول:
" في ذكر أفضليتهم على هذا الترتيب، وفى تصريح على بأفضلية الشيخين على سائر الأمة، وفى بطلان ما زعمه الرافضة الشيعة من أن ذلك منه قهر وتقية ".
وقال: " اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر. ثم اختلفوا، فالأكثرون: ومنهم الشافعى وأحمد وهو المشهور عن مالك أن الأفضل بعدهما عثمان، ثم على، وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل على على عثمان، وقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك، فقد حكى أبو عبد الله المازرى عن المدونة: أن مالكًا ﵀ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم قال: أو في ذلك شك؟ فقيل له: وعلى وعثمان؟ فقال: ما أدركت أحدا ممن
[ ١ / ٢٤٦ ]
اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر. انتهى، وقوله ﵁: أو في ذلك شك؟ يريد ما يأتي عن الأشعرى أن تفضيل أبى بكر، ثم عمر على بقية الأمة قطعى، وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضى عياض عنه: أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان. قال القرطبى: وهو الأصلح إن شاء الله تعالى إلخ" (ص ٢٨٦) .
واستمر ابن حجر في حديثه بإثبات ما جعله عنوانًا لهذا الفصل، وقال:
" إن أفضلية أبى بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعرى أيضًا بناء على معتقد الشيعة والرافضة، وذلك لأنه ورد عن على - وهو معصوم عندهم والمعصوم لا يجوز عليه الكذب - أن أبا بكر وعمر أفضل الأمة. قال الذهبي: وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسى مملكته وبين الجم الغفير من شيعته. ثم بسط الأسانيد الصحيحه في ذلك، قال: ويقال رواه عن على نيف وثمانون نفسًا. وعدد منهم جماعة، ثم قال: فقبح الله الرافضة ما أجهلهم! انتهى.
ومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه أنه قال: خير الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ﵄، ثم رجل آخر. فقال ابنه محمد بن الحنفيه: ثم أنت، فقال: إنما أنا رجل من المسلمين، وصحح الذهبي وغيره طرقًا أخرى عن على بذلك، وفى بعضها: ألا وإنه بلغنى أن رجالًا يفضلونى عليهما، فمن وجدته فضلنى عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفترى. ألا ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت، ألا وإنى أكره العقوبة قبل التقدم.
وأخرج الدار قطنى عنه: لا أجد أحدًا فضلنى على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى. وصح عن مالك، عن جعفر الصادق، عن أبيه الباقر، أن عليا ﵁ وقف على عمر بن الخطاب وهو مسجى، وقال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أحدًا أحب إلى أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (ص ٩٠ - ٩١) .
[ ١ / ٢٤٧ ]
ثم قال: ومما يلزم من المفاسد والمساوئ والقبائح العظيمة على ما زعموه من نسبة على إلى التقية أنه كان جبانًا ذليلًا مقهورًا. أعاذه الله من ذلك، وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للألوف من الأمور المستفيضه والتي تقطع بكذب ما نسبه إليه أولئك الحمقى والغلاة؛ إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جدا، ولا شك أن بنى أمية كانوا أعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية وإسلاما، وقد كان أبو سفيان بن حرب ﵁ هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب وغيرهما، وقد قال لعلى لما بويع أبو بكر ما مر آنفا فرد عليه ذلك الرد الفاحش. وأيضا فبنو تميم ثم بنو عدى قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش، فسكوت على لهما مع أنهما كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما انعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم أوضح دليل على أنه كان دائرًا مع الحق حيث دار، وأنه من الشجاعة بالمحل الأسنى، وأنه لو كان معه وصيه من رسول الله ﷺ في أمر القيام على الناس لأنفذ وصية رسول الله ﷺ ولو كان السيف على رأسه مسلطًا، لا يرتاب في ذلك إلا من اعتقد فيه ﵁ ما هو بريء منه.
ومما يلزم أيضا على تلك التقيه المشؤومة عليهم أنه ﵁ لا يعتمد على قوله قط؛ لأنه حيث لم يزل في اضطراب من أمره، فكل ما قاله يحتمل أنه خالف فيه الحق خوفا وتقية. ذكره شيخ الإسلام الغزالى. قال غيره: بل يلزمهم ما هو أشنع من ذلك، وأقبح؛ كقولهم: إن النبي ﷺ لم يعين الإمامة إلا لعلى، فمنع من ذلك وقال: مروا أبا بكر تقية! فيتطرق احتمال ذلك إلى كل ما جاء عنه ﷺ، ولا يفيد حينئذ إثبات العصمة شيئًا.
وأيضا فقد استفاض عن على ﵁ أنه كان لا يبالى بأحد حتى قيل للشافعى ﵁ ما نفر الناس عن على إلا أنه كان لا يبالى بأحد، وقال الشافعى: أنه كان زاهدًا لا يبالى بالدنيا وأهلها، وكان عالمًا والعالم لا يبالى
[ ١ / ٢٤٨ ]
بأحد، وكان شجاعًا والشجاع لا يبالى بأحد، وكان شريفا والشريف لا يبالى بأحد. أخرجه البيهقي.
وعلى تقدير أنه قال ذلك تقية، فقد أبقى مقتضيها بولايته، وقد مر عنه من مدح الشيخين فيها وفى الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلى عليك قريبًا فلا تغفل.
وأخرج أبو ذر الهروى والدار قطنى من طرق، إن بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فأخبر عليا، وقال: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك، فقال على: أعوذ بالله، رحمهما الله، ثم نهض فأخذ بيد ذلك المخبر وأدخله المسجد، وصعد المنبر، ثم قبض على لحيته وهى بيضاء، وجعلت دموعه تتحادر على لحيته، وجعل ينظر البقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب خطبة بليغة من جملتها: ما بال أقوام يذكرون أخوى رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدى قريش وأبوى المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون وعليه معاقب، صحبا رسول الله ﷺ بالجد والوفاء والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان، لا يرى رسول الله ﷺ كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبًا لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو عنهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك فرحمهما الله، فوالذى فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقى مارق. حبهما قربة وبغضهما مروق. ثم ذكر أمر النبي ﷺ لأبى بكر بالصلاة وهو يرى مكان على، ثم ذكر أنه بايع أبا بكر، ثم ذكر استخلاف أبى بكر لعمر، ثم قال: ألا ولا يبلغنى عن أحد أنه يبغضهما إلا جلدته حد المفترى، وفى رواية: وما اجترءوا على ذلك أي سب الشيخين - إلا
[ ١ / ٢٤٩ ]
وهم يرون أنك موافق لهم منهم عبد الله بن سبأ (١)،
وكان أول من أظهر ذلك، فقال على: معاذ الله أن أضمر لهما ذلك. لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، وسترى ذلك إن شاء الله، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيره إلى المدائن وقال: لا يساكننى في بلدة أبدا، قال الأئمة: وكان ابن سبأ هذا يهوديا فأظهر الإسلام وكان كبير طائفة من الروافض وهم الذين أخرجهم على ﵁ لما ادعوا فيه الألوهية.
وأخرج الدارقطنى من طرق أن عليًا بلغه أن رجلًا يعيب أبا بكر وعمر فأحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن، فقال له: أما والذى بعث محمدًا ﷺ بالحق أن لو سمعت منك الذي بلغنى أو الذي نبئت عنك وثبت عليك ببينة لأفعلن بك كذا وكذا.
إذا تقرر ذلك، فاللائق بأهل البيت النبوي اتباع سلفهم في ذلك، والإعراض عما يوشيه إليهم الرافضة وغلاة الشيعة من قبيح الجهل والغباوة والعناد، فالحذر الحذر عما يلقونه إليهم من أن كل من اعتقد تفضيل أبى بكر علَى علِىّ ﵄ كان كافرًا، لأن مرادهم بذلك أن يقرروا عندهم تكفير الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم، وأنه لا مؤمن
_________________
(١) ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن " أصله من اليمن وابن أمة سوداء، وكان يهوديا فأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر ودخل دمشق لذلك..وأفاض فيه ابن جرير في تاريخه وهو الذي قال بالنص على الخلافة في على وأبنائه وأحدث القول برجعة على، وأنه فيه الجزء الإلهي وأنه هوالذى يجئ في السحاب - قال المقريزى: ومن ابن سبأ تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة ـوذكر أنه كان يتنقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم، فلم يطق ذلك فرجع إلى كيد الإسلام وأهله، ونزل البصرة سنة ثلاث وثلاثين، فطرده عبد الله بن عامر منها لسوء مقالته، فخرج إلى الكوفة، فأخرج منها، فنزل بمصر واستقر بها وبث دعاته في الأمصار، وكاتب من مال إليه منهم بالعيب في ولاتهم. انظر " من عبر التاريخ للكوثرى ". وراجع ما سبق عن ابن سبأ في بداية الجزء الأول.
[ ١ / ٢٥٠ ]
غيرهم، وهذا مؤد إلى هدم قواعد الشريعة من أصلها، وإلغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبي ﷺ وعن صحابته وأهل بيته؛ إذ الراوي لجميع آثارهم وأخبارهم وللأحاديث بأسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبي ﷺ وإلى هلم، هم الصحابة والتابعون وعلماء الدين. إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشريعة، وإنما غاية أمرهم أن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي أو نحوه. والكلام في قبولهم معروف عند أئمة الأثر ونقاد السنة، فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وأبطلوا الشريعة رأسا، وصار الأمر كما في زمن الجاهلية الجهلاء، فلعنة الله وأليم عقابه وعظائم نقمته على من يفترى على الله وعلى نبيه بما يؤدى إلى إبطال ملته وهدم شريعته إلخ ".
ويأتى الفصل الثانى من هذا الباب وعنوانه: " في ذكر فضائل أبى بكر الواردة فيه وحده وفيه آيات وأحاديث " (ص ٩٨) . ويذكر اثنتى عشرة آية كريمة (ص ٩٨: ١٠٢)، ثم قال: " وأما الأحاديث: فهى كثيرة مشهورة " وأثبت عشرات الأحاديث الشريفة.
ويطول الأمر كثيرا إذا أردنا أن نثبت ما جاء في هذا الكتاب متصلا بموضوعنا، إذن لنقلناه كله أو جله، ولهذا أكتفى هنا بإثبات آخر باب جعله قبل خاتمة الكتاب، وعنوان الباب هو " في التخيير والخلافة " (٣٧٢) وتحت العنوان جاء ما يأتي:
وكان خير الناس بعده وبعد المرسلين أبا بكر الصديق ﵁، وقد تواترت بذلك الأحاديث المستفيضه الصحيحة التي لا تعتل، المرويةٍ في الأمهات والأصول المستقيمة، التي ليست بمعلولة ولا سقيمه. قال سبحانه: "
[ ١ / ٢٥١ ]
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ " فنعته بالفضل. ولا خلاف أن ذلك فيه رضوان الله عليه، وقال سبحانه: " ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ" فشهدت له الربوبيه بالصحبة وبشره بالسكينه وحلاه بثانى اثنين. كما قال على كرم الله وجهه: من يكون أفضل من اثنين الله ثالثهما. وقال سبحانه: " وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ "، لا خلاف وهو قول جعفر الصادق رضوان الله عليه، وقول على كرم الله وجهه، إن الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ والذى صدق به أبو بكر. وأي منقبه أبلغ من هذا، ولما أخبرنا ﷾: أنه لا يستوى السابقون ومن بعدهم بقوله ﷾: " لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى "والخبر في البخاري مسطور: أن عقبة بن أبى معيط وضع رداء رسول الله ﷺ في عنقه وخنقه به، فأقبل أبو بكر يعدو حول الكعبة ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله؟ قال: فترك رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبى بكر فضربوه حتى لم يعرف أنفه من وجهه، فكان أول من جاهد وقاتل ونصر دين الله، وأنه الشخص الذي به قام الدين وظهر، وهو أول القوم إسلاما، وذلك ظاهر جلى.
وقال جابر بن عبد الله الأنصارى: كنا ذات يوم على باب رسول الله ﷺ نتذاكر الفضائل فيما بيننا إذ أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: أفيكم أبو بكر؟ قالوا: لا، قال: لا يفضلن أحد منكم على أبى بكر، فإنه أفضلكم في الدنيا والآخرة.
وخبر أبى الدرداء المشهور قال: رآنى رسول الله ﷺ وأنا أمشى أمام أبى بكر، وقال: يا أبا الدرداء أتمشى أمام من هو خير منك؟ ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر. ومن وجه آخر: أتمشى بين يدى من هو خير منك؟ فقلت يا رسول الله: أبو بكر خير منى؟ قال: ومن أهل مكة جميعًا، قلت يا رسول الله: أبو بكر خير منى ومن أهل مكة جميعًا؟ قال: ومن أهل المدينة جميعًا، قلت: يا رسول الله: أبو بكر خير منى ومن أهل الحرمين؟ قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بعد النبيين والمرسلين خيرا وأفضل من أبى بكر.
ونذكر في كثير منها تخيير عمر بعده ثم عثمان ثم على.
فمن ذلك خبر أبى عقال قد رواه مالك، وقد سأل عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم أنا، وإلا فصمت أذنأي إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ، وإلا فعميت وأشار إلى عينيه إن لم أكن رأيته - يعنى رسول الله ﷺ يقول: ما طلعت الشمس ولا
[ ١ / ٢٥٢ ]
غربت على رجلين أعدل ولا أفضل - وروى ولا أزكى ولا خيرًا - من أبى بكر وعمر.
وقد روى محمد بن الحنفية قال: سألت والدى عليًا وأنا في حجره، فقلت: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر، ثم حملتنى حداثة سنى قلت: ثم أنت يا أبتى؟ قال: أبوك رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.
وخبر أبى هريرة عن رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر خير أهل السماء وخير أهل الأرض، وخير الأولين، وخير الآخرين إلا النبيين والمرسلين. وقال ﷺ: على وفاطمة والحسن والحسين أهلي، وأبو بكر وعمر أهل الله وأهل الله خير من أهلي. وقال ﷺ: لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الأمة لرجح.
وخبر عمار بن ياسر ﵁ المشهور قال: قلت يا رسول الله: أخبرني عن فضائل عمر. فقال: يا عمار لقد سألتنى عما سألت عنه جبريل عليه
[ ١ / ٢٥٣ ]
السلام، فقال لي يا محمد: لو مكثت معك ما مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا أحدثك في فضائل عمر ما نفذت، وإن عمر لحسنة من حسنات أبى بكر، وقال: قال لي ربى ﷿: لو كنت متخذا بعد أبيك إبراهيم خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولو كنت متخذًا بعدك حبيبا لاتخذت عمر حبيبًا. نقل ذلك من تفسير القرآن العظيم للبغوى رحمه الله تعالى في آخر سورة الحشر في قوله تعالى:
" وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ " يعنى التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة فقال: "يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا " -غشًا وحسدًا وبغضًا - " لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من أقسام المؤمنين.
قال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل.
أخبرنا أبو سعيد الشريحى، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبى، أنبأنا عبد الله بن جليد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا ابن نمير، حدثنا أبى، عن إسماعيل ابن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة قالت: أمرتم
[ ١ / ٢٥٤ ]
بالاستغفار لأصحاب النبي ﷺ فسببتموهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها ".
قال مالك بن معرور، قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة؛ سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ فقالت: أصحاب موسى ﵁، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالت: حوارى عيسى ﵁، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ!! أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم حجة ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وادحاض حججهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة.
قال مالك بن أنس: من ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فىء، ثم تلا:
" مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ" حتى أتى هذه الآية:
" لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ " "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ " " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ" إلى قوله " رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ".
نقل البغوى ﵀ في قوله: " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: أنت صاحبى في الغار وصاحبى على الحوض.
قال الحسن بن الفضيل: من قال إن أبا بكر ﵁ لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكار نص القرآن، وفى سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعًا لا كافرًا.
[ ١ / ٢٥٥ ]
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا.
*****
تعقيب
أطلت إلى حد ما في النقل من كتاب الصواعق المحرقة ليستبين منهج الرافضي صاحب المراجعات، وجرأته على الباطل وتزييف الحقائق، فصاحب الصواعق إنما أراد أن يحرق أمثاله، فإذا به يأخذ من الصواعق لإحقاق باطله وإبطال ما أجمعت عليه الأمة، وثبت بالنصوص القاطعة، وذلك بمنهج ليس له أدنى صلة بالمنهج العلمى.
ولذلك لسنا في حاجة بعد هذا للوقوف أمام نقوله الكثيرة من هذين الكتابين:
فنهج البلاغة بغير إسناد ولشاعر رافضى جلد هو نفسه غير ثقة لو أسند. فكيف بانقطاع أربعة قرون؟!، كما أن في الكتاب ما يتعارض مع النصوص القطعية الثابتة عن على رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومالا يمكن أن يصدر إلا من الرافضة!
وأما الصواعق المحرقة فصاحب الكتاب أفاض وأسهب في بيان بطلان ما ذهب إليه الشيعه والرافضة، فهو يبطل إذن ما أراده صاحب كتاب المراجعات بالقرآن المجيد، والسنة المطهرة الثابتة.
وأثبت في هذا التعقيب ما ذكره ابن حجر في الصواعق (ص ٦٩)، وهو ما أخرجه البيهقي عن الإمام الشافعى قال:
" ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة ".
أما أهل السنة فمنهجهم يوضحه الإمام أحمد بن حنبل بقوله:
" إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا ".
[ ١ / ٢٥٦ ]
وإذا نظرنا في مسند الإمام أحمد نجد تساهله لا ينزل عن درجة الضعيف إلا في الأخبار القليلة المختلف فيها، حيث عدها ابن الجوزي في الأحاديث الموضوعة، ورد عليه الحافظ ابن حجر العسقلانى.
أما ابن حجر الهيتمى في صواعقه فقد أكثر من ذكر أسباب النزول والأحاديث والآثار، ومنها الصحيح والضعيف والموضوع ومالا أصل له، ومنها الصريح وغير الصريح في الدلاله. وقد بين أن الأحاديث الصحيحة التي يحتج بها الشيعة والرافضة ليست صريحة، ويعارضها الصريح من الصحيح، بل المتواتر أحيانا. أما الروايات الصريحة التي يحتجون بها فليس منها ما يصل إلى درجة الصحيح أو الحسن، ومعظمها روايات باطلة موضوعة مكذوبة، وقد نجد فيها ما يصل إلى درجة الضعيف، وكل هذا يعارضه ما سبق ذكره من المتواتر والصحيح.
ومنهج الشيعي الرافضي في مراجعاته أن يذكر من كتاب الصواعق ما يحتج به الروافض متجاهلا بطلانه، وتواتر وصحة ما يعارضه كما بين صاحب الصواعق هو نفسه! ثم ينسب زورا للشيخ البشرى إقراره بل إعجابه بهذا الباطل!
أكرر هنا ما قاله الإمام الشافعى: " ما من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة ".
وجاء في حاشية ص ٤٣ من الصواعق: ذكر الفخر الرازى أنه لم ينقل عن على ذكر النص في شئ من خطبه، ولا نعرفه إلا عن الكذابين، ولو كان موجودا لعلمناه ولاشتهر.
[ ١ / ٢٥٧ ]