الحمد لله الذي أعاننا، وهدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
وبعد أن تم بتوفيق الله - ﷿ - ما أردنا من بيان التفسير وأصوله عند أهل السنة، وعند الشيعة الاثنى عشرية، أقدم هنا موجزًا للبحث، وأشير إلى نتائجه.
قسمت هذا البحث قسمين:
القسم الأول: تحدثت فيه عن التفسير وأصوله عند أهل السنة.
والقسم الثاني: جعلته لبيان التفسير وأصوله عند الشيعة.
والقسم الأول يضم ثمانية فصول:
في الفصل الأول تحدثت عن علم التفسير، وبينت المراد من التفسير والتأويل.
وفى الفصل الثاني تحدثت عن تفسير الرسول ﷺ، فالسنة المطهرة هي المبينة للقرآن الكريم، وجمعت أحاديث التفسير، الصحيح منها والحسن، دون الضعيف والموضوع، فبلغت خمسة وثلاثين، وذكرت بعض الملاحظات في ضوء ما جمعت، وأشرت إلى أن الشيعة أشركوا مع الرسول ﷺ في العصمة من رأوهم أئمة لهم، فجعلوا أقوالهم كأقوال الرسول ﷺ بلا أدنى فرق.
وفى الفصل الثالث تحدثت عن تفسير الصحابة، أعلم الناس بالقرآن، وأشرت إلى ما يأخذ حكم المرفوع من تفسيرهم، ثم جمعت بعض ما صح من تفسيرهم، وبينت خصائصه، ثم تحدثت عن التدوين، وأثبت أن كتاب تنوير المقباس ليس صحيح النسبة لابن عباس، ومن الخطأ شيوعه، وطبعه مرات على أنه تفسير
[ ١ / ٦٠٥ ]
ترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من
ترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من تفسير الصحابة الكرام.
وجعلت الفصل الرابع لتفسير التابعين، فبينت أنهم أكثر حاجة للتفسير من الصحابة، وأشرت إلى مدارس التفسير في عصرهم، وإلى بدء التدوين، ثم تحدثت عن تفسير مجاهد، وبينت خصائص تفسير التابعين من خلال النظر في تفسيره.
ثم رأيت أن يكون الفصل الخامس وقفه لبيان أحسن طرق التفسير عند الجمهور، وفى هذه الوقفة بيان لقيمة التفسير المأثور عن التابعين، وحديث عن الإسرائيليات، والتفسير بالرأى، وهو ما كان يلزمنا أن نبينه بعد الحديث عن تفسير التابعين، فأغنت الوقفة عن التكرار. ورأيت أن أنسب ما أثبته في هذا الفصل هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضًا ما قاله الحافظ ابن كثير، وحاول الالتزام به في تفسيره.
وفى الفصل السادس: تحدثت عن التفسير في القرن الثاني، وبينت منهجه، وتناولت ثلاثة كتب ظهرت في هذا القرن، وهى: تفسير مقاتل بن سليمان، ولم أقف عنده؛ حيث إن مؤلفه مجروح، وتفسير يحيى بن سلام، الذي يعتبر حلقة الاتصال بين القرنين الأول والثالث، ومعانى القرآن للفراء، الذي يعد نموذجًا للتفسير العقلى.
والفصل السابع: جعلته للقرن الثالث، وتفسير الطبري، وقد وقفت طويلًا عند شيخ المفسرين الإمام الطبري، وعند كتابه الذي يعتبر أفضل ما كتب في مجال التفسير.
[ ١ / ٦٠٦ ]
والفصل الثامن أشرت فيه إلى كتب التفسير بعد الطبري. وبينت إمكان الاستغناء عن الوقوف عندها، لا لأنه يطول جدًا فقط، ولكن أيضًا لأن التفسير المأثور - بعد الطبري - الذي هو حجة يستمد أساسًا من مصدرين رئيسين، هما: كتب الحديث والآثار، وكتاب تفسير الطبري. وكان هذا الفصل ختامًا للقسم الأول في التفسير وأصوله عند أهل السنة.
وانتقلت بعد هذا إلى القسم الثاني الذي جعلته للتفسير وأصوله عند الشيعة الاثنى عشرية، وتحت هذا القسم سبعة فصول، تسبق بكلمة تمهيدية فيها إشارة إلى أننى بمراجعة التفسير عندهم، أصوله وكتبه، رأيت أن عقيدتهم في الإمامة كان لها أكبر الأثر في وضع الأصول، وفى تناولهم لكتاب الله العزيز، وأن بيان هذا الأثر يكفى في مجال التفسير المقارن؛ فحيث لا يوجد أثر لعقيدتهم في الإمامة يصبح تفسيرهم كتفسير غيرهم، وبقدر وجود هذا الأثر بقدر افتراقهم عمن سواهم.
والفصل الأول جعلت عنوانه: " القرآن الصامت والقرآن الناطق "، حيث جعلوا القرآن الكريم صامتًا لا ينطق! والإمام هو القرآن الناطق، فلا يؤخذ القرآن إلاَّ عن طريقه! والإمام كالنبى في عصمته وعلمه! وأشرت إلى مذهب الإخباريين الذين يقفون عند الأخبار دون إعمال للعقل، والأصوليين منهم الذين خالفوا الإخباريين، وذكرت قول بعضهم بالنسخ بعد عصر النبوة، وأن الحكم يمكن ألاَّ يبين في وقته من باب التقية، أو من باب التدرج في التشريع، فيمكن - بحسب زعمهم - ألاَّ يبين الرسول ﷺ بعض الأحكام، ويتركها لأئمتهم الاثنى عشر لبيانها في وقتها المناسب!! هكذا زعموا!
[ ١ / ٦٠٧ ]
والفصل الثاني جعلته للظاهر والباطن، فأشرت إلى الخلاف عندهم حول حجية الظواهر، وإلى اللجوء للتأويل تأييدًا للعقيدة، وإلى حقيقة الباطن عندهم، وقرب قولهم من الإسماعيلية الباطنية، وبعده عن قول الجمهور، ثم أشرت إلى قولهم بأن ثلث القرآن، أو ربعه، في الأئمة، وثلثه، أو ربعه، في مخالفيهم!
والفصل الثالث أو جزت فيه الحديث عن قول غلاتهم بتحريف القرآن الكريم، فبينت سبب لجوئهم لهذا القول، حيث عز عليهم أن يخلو كتاب الله المجيد من ذكر أئمتهم وعقيدتهم، وتحثدت عن أشهر كتاب عندهم في هذا المجال، وهو " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "، وذكرت بعض أسماء القائلين بالتحريف، ويدخل فيهم - بكل أسف - أكبر علمائهم الأعلام! كالقمى، صاحب كتاب من أهم كتب التفسير عندهم، يرون صحة كل ما جاء به، وتلميذه الكلينى، صاحب الكافى، كتاب الحديث الأول عندهم كالبخارى عندنا، والعياشى، وغيرهم. وبينت أن من أنفسهم من - الشيعة تصدوا لحركة الغلاة قديمًا وحديثًا، غير أن المحدثين منهم وقعوا في تناقض عجيب أشرت إليه.
وبدأت بعد هذا في دراسة كتب التفسير الشيعى، فجعلت الفصل الرابع لكتب القرن الثالث، وهى أقدم كتب وصلت إليها، وتغنى عما سبقها: مثال هذا تفسير أبى الجارود الذي يعدونه تفسير الإمام الباقر - وحاشاه، والذى كان في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني، هذا التفسير لم أعثر عليه، غير أن القمي في القرن الثالث نقله في تفسيره.
وتحدثت في هذا الفصل عن ثلاثة كتب:
الكتاب الأول: تفسير الحسن العسكرى، وهو يمثل الغلو والضلال والخرافات، فهو يكفر الصحابة الكرام، وعلى الأخص أبو بكر وعمر، ويتهمها والصحابة بالنفاق والكذب إلى جانب الكفر، ويذكر أن منكر ولاية على كافر،
[ ١ / ٦٠٨ ]
وأن موسى دعا لهذه الولاية، ويذكر أن عليًا له معجزات كثيرة، ويأتى بقصص خرافية لا تصلح إلاَّ للأطفال ليبين ما زعمه من معجزات، ثم يصدر صكوك الغفران لمن آمن بخرافاته وضلاله وسار خلفه في ظلمات هذا الكفر.
ولذلك ذكرت تنزيه الإمام العسكرى - فيما أرى - من أن يكون صاحب هذا الكتاب، وأشرت إلى أن هذا الرأى يراه أيضًا بعض الشيعة، ولكن شيعة الأمس واليوم منهم من يرى صحة نسبة الكتاب للإمام!
ولو صحت النسبة لقلنا بكفره لا بإمامته.
والكتاب الثاني هو تفسير القمي، وقد أطلت الوقوف عند هذا الكتاب، فله ولصاحبه المنزلة العليا عند الشيعة، غلاتهم ومعتدليهم، الإخباريين والأصوليين، في عصرنا وما قبله، وهذا أمر نجد له ما يبرره عند الغلاة الضالين، ولكن لم نجد له تفسيرًا عند المعتدلين نسبيا ودعاة التقريب.
فالكتاب محشو بتحريف القرآن الكريم نصًا ومعنى، تنزيلًا وتأويلًا، والطعن في الصحابة، وجعل الأئمة هم المراد من كلمات الله البينات، وما يتصل بعقيدة الإمامة كالرجعة، ونزول الوحى على الأئمة وعلمهم للغيب.
وفى أسباب النزول يزعم تحالف الصحابة مع إبليس، ويشير إلى البيعة يوم الغدير، ومصير من غصبوا الولاية بزعمه، وأن القائم سيطالب بدم الحسين، ويجعل حادث الإفك اتهامًا لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها، ونراه يحيل كتاب الله تعالى إلى كتاب في التاريخ للشيعة الاثنى عشرية، فترى أصحاب الجمل والبصرة، وتسمع عن بنى أمية وبنى السباع؛ أي العباس، والاتفاق على قتل علىّ، وكفر أصحاب بيعة الرضوان، وتجد الحديث عن الفرق الأخرى، وعن القائم وجيش السفيانى.
ثم تراه يسلك طرقًا مختلفة للتغرير بضعاف العقول، وإضلال خلق الله من جهلة القوم.
[ ١ / ٦٠٩ ]
وهذا الكتاب الذي جمع كل هذه المصائب والرزايا يعتبر من أهم مصادر التفسير المأثور عند الشيعة الاثنى عشرية، فانظر وتأمل وقارن!!
وهو الذي وقع في أيدى المستشرقين فاتخذوه سلاحًا لضرب الإسلام، والطعن في المعجزة الكبرى، ومع هذا فصاحب التفسير ينتسب للإسلام!!
والكتاب الثالث هو تفسير العياشى، وهذا الكتاب كسابقه منزلة ومنهجًا وأهدافًا، وقد بينت هذا.
وبعد الفصل الرابع جعلت الفصل الخامس لتفسير التبيان للطوسى، وتفاسير الطبرسي.
والطوسى والطبرسى يمثلان جانب الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو إلى حد ما بينت أصول التفسير عندهما، والفرق بينهما وبين الجمهور، ومع الاعتدال النسبى، ظهر أثر الإمامة في اللجوء للتأويل استدلالًا للعقيدة، وفى ذكرهما للقراءات الموضوعة والشاذة ذات الصلة بالمذهب، وفى روايتهما لأسباب النزول، وفى جعلهما الأئمة هم المراد من كلمات الله تعالى عند تأويل بعض الآيات، ورأيت أن شيخ الطائفة الطوسى أكثر اعتدالًا وأقل غلوًا من الطبرسي.
والفصل السادس جعلته للحديث عن كتب التفسير بعد الطوسى والطبرسى، تحدثت فيه عن عشرة كتب تمثل الاتجاهات المختلفة للتفسير، فبعد الطوسى والطبرسى وجدنا منهم من يسير في طريق الغلو والضلال، ويستمد التفسير من كتب القرن الثالث الثلاثة، وما شابهها ككتاب الكافى للكلينى، ومنهم من سلك طريق الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو والتطرف إلى حد ما ومنهم من اقترب من أحد الطريقين مبتعدًا عن الآخر.
والكتب العشرة تبين هذه الاتجاهات، وثلاثة منها تبين اتجاه التفسير في العصر الحديث.
[ ١ / ٦١٠ ]
وختمت هذا القسم بالفصل السابع الذي خصصته لنظرة عامة لباقى كتب التفسير من خلال كتاب " الذريعة إلى تصانيف الشيعة "، وذلك حتى نستكمل ما أردنا بيانه. وجدت في الذريعة عشرات من كتب التفسير الشيعى يدل العنوان نفسه على غلو المؤلف وضلاله، وكتبًا أخرى يظهر فيها هذا الأثر عندما يتحدث عنها صاحب كتاب الذريعة. وهذا القدر الهائل من الكتب الضالة يشير إلى ضخامة حركة الغلاة، ومدى تأثيرها في الوسط الشيعى الاثنى عشرى، بل ربما يعطى السمة الغالبة للتفسير الشيعى، وقد أشرت لهذا في ختام الفصل.
بعد هذا كله أعتقد أن الصورة أصبحت واضحة تمامًا، ولسنا في حاجة إلى مزيد بيان.
ومما أمرنا بتلاوته:
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (
" ٨٩: الأعراف "
[ ١ / ٦١١ ]