ذكرت من قبل ما ذهب إليه الشيعة من القول بعصمة الأئمة، فلا يخطئون عمدًا ولا سهوًا ولا نسيانًا طوال حياتهم، لافرق في ذلك بين سن الطفولة وسن النضج العقلى، ولا يختص هذا بمرحلة الإمامة.
ومما استدلوا به قوله تعالى: - " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ".
_________________
(١) وبهذا أيضا استدل العالم المعاصر محمد تقى الحكيم، وذهب إلى أن الإرادة تكوينية لا تشريعية (انظر الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٥٠) .
[ ١ / ٨٥ ]
قالوا: تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا عن القبائح، لأن الله ﷾ نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالمًا إما لنفسه وإما لغيره، فإن قيل: إنما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لا يسمى ظالمًا، فيصح أن يناله، فالجواب أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالمًا. فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها. والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد (١) .
ثم قالوا: إن الله ﷾ عصم اثنين فلم يسجدا لصنم قط وهما: محمد بن عبد الله وعلى بن أبى طالب، فلأحدهما كانت الرسالة، وللآخر كانت الإمامة، أما الخلفاء الثلاثة فلم يعصموا، وهم ظالمون ليسوا أهلًا للإمامة.
ونلاحظ هنا:
١. في تأويل الآية الكريمة (٢) " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا " يحتمل جعله رسولًا ُيقتدي به، لأن أهل الأديان، مع اختلافهم، يدينون به، ويقرون بنبوته. ويحتمل إمامًا من الإمامة والخلافة، أو الإمامة والاقتداء، فيقتدي به الصالحون. والعهد اختُلف في تأويله: فقيل الرسالة والوحي، وقيل الإمامة، وهو واضح من التأويل السابق، ويؤيده عدة روايات. وعن ابن عباس قال: " لا ينال عهدي الظالمين " قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته أنقضه، وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حبان نحو ذلك. وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: ليس لظالم عهد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: لا ينال
_________________
(١) انظر التبيان ١/٤٤٩، ومجمع البيان ١/٢٠٢، ومصباح الهداية ٦٠-٦٣.
(٢) نظر تفسير الماتريدى: ص ٢٧٩، والطبرى تحقيق شاكر ٣/١٨- ٢٤، وابن كثير١/١٦٧، والآلوسى ١/٣٠٦ -٣٠٨، والبحر المحيط ١/٣٧٤ -٣٧٩، والقرطبى ٢/١٠٧-١٠٩.
[ ١ / ٨٦ ]
عهد في الآخرة الظالمين، وأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش، وكذا قال إبراهيم النخعى وعطاء والحسن وعكرمة. وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول لا ينال الظالمين، ألا ترى أنه قال:
" وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ " (١)
يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق، وكذا روى عن أبى العالية وعطاء ومقاتل بن حيان، وقال جويبر عن الضحاك: لاينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًا يطيعني. وروى عن على بن أبى طالب عن النبي ﷺ قال: " لا ينال عهدي الظالمين " قال: " لا طاعة إلا في المعروف. فالآية الكريمة إذا اختلف في تأويلها، والقطع بأن المراد هو ما ذهب إليه الجعفرية من التأويل ينقصه الدليل، ورد باقي الأدلة.
٢. ولكن مع هذا فلا خلاف بأن الظالم لا يصلح لإمامة المسلمين، قال الزمخشري: " وكيف يصلح لها من لايجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟ وكان أبو حنيفة ﵀ يفتى سرًا بوجوب نصرة زيد بن على رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقى (٢) وأشباهه، وقالت له امرأة: أشرت على بنى بالخروج مع إبراهيم ومحمد بنى عبد الله بن الحسن حتى قتل: فقال ليتنى مكان ابنك وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف
_________________
(١) سورة الصافات – الآية ١١٣.
(٢) اللص المتغلب والخليفة الذي ذكره الزمخشري هو هشام بن عبد الملك، وأما الدوانيقى فهو المنصور أخو السفاح، سمى بذلك قيل لبخله، وقد ذكر يعض المصنفين أنه لم يكن بخيلًا (البحر المحيط ١/٣٧٨) .
[ ١ / ٨٧ ]
الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم " (١)
ا
٣. لايمكن التسليم بأن غير المعصوم لابد أن يكون ظالمًا، أو أن غير الظالم لابد أن يكون معصومًا، فبين العصمة وعدم الظلم فرق شاسع، فالمخطئ قبل التكليف ليس ظالمًا ولا يحاسب بالاتفاق، ومن ندر ارتكابه للصغائر وأتبعها بالتوبة والاستغفار لا يكون ظالمًا، أما الخطأ والنسيان فمما لايحاسب عليه كما قال ﷺ: " وُضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٢) . وكما يؤخذ من دراسة قوله تعالى:
" رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " (٣)
٤. في رفض الآلوسى لما ذهب إليه الشيعة قال: استدل بها بعض الشيعة على نفى إمامة الصديق وصاحبيه ﵃، حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن (غاية ما يلزم أن الظالم في حال الظلم لايناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله
_________________
(١) الكشاف ١/٣٠٩ وقال القرطبى (٢/١٠٩) قال بن خويزمنداد: وكل من كان ظالمًا لم يكن نبيًا ولا خليفة، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام.
(٢) رواه ابن ماجة وابن أبى عاصم، ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وقال النووى في الروضة وفى الأربعين أنه حسن. ووقع في كتب كثيرين من الفقهاء والأصوليين بلفظ " رفع " بدل " وضع "، وحول الحديث كلام يطول ذكره، انظر المقاصد الحسنة ص ٢٢٨ – ٢٣٠ وكشف الخفاء ١/٤٣٣-٤٣٤.
(٣) روى الامام مسلم وغيره ما يفيد استجابة ربنا ﷿ لهذا الدعاء، وروى كذلك عند الجعفرية: انظر مجمع البيان ٢/٤٠٤، وانظر كذلك تفسير بن كثير ١/٣٤٢-٣٤٣، والقرطبى ٣/٤٣١-٤٣٢ والكشاف ١/٤٠٨.
[ ١ / ٨٨ ]
تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم)، ثم قال: " ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر، أو ظالم في لغة وعرف وشرع، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفى غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضًا مطردًا بل حيث يكون متعارفًا وإلا لجاز صبى لشيخ ونائم لمستيقظ وغنى لفقير وجائع لشبعان وحى لميت وبالعكس، وأيضًا لو اطرد ذلك يلزم من حاف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرًا قبل سنين متطاولة أن يحنث، ولا قائل به " (١) .
٥. ليس من المقطوع به أن الإمام عليا لم يسجد لصنم قط، ولم أجد أثرًا صحيحًا يؤيد هذا، ولكن يرجحه أن الإسلام أدركه وهو صبى، وأنه تربى في بيت النبوة، واقتدى بابن عمه سيد المرسلين ﷺ وتخلق بخلقه، ولهذا كان أول من أسلم بعد خديجة رضي الله تعالى عنهما.
والذين لم يسجدوا للأصنام كثيرون كالصحابة الذين عاشوا في بيئة إسلامية في صغرهم فنشئوا على الإسلام، ثم الذين ولدوا في هذه البيئة، فلا اختصاص لأمير المؤمنين هنا.
٦. العصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمدًا وسهوًا ونسيانًا من المولد إلى الممات أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية، فلا يقبله العقل إلا بالدليل قطعى من النقل. وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عمومًا فضلًا عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة حتى بالنسبة لخير البشر جميعًا الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة. وقد أثبتُّ هذا من قبل في بحثى الذي نلت به درجة الماجستير (٢)، وسيأتي الحديث عن العصمة في الفصل الخامس من هذا الجزء.
_________________
(١) انظر تفسير الآلوسى ١/٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) انظر فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة ج١ ص ٣٧:١٨.
[ ١ / ٨٩ ]
٧. الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، والذين مدحهم القرآن الكريم في أكثر من موضع، ويبين أنهم.
" كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " (١)
كيف يستبيح مسلم لنفسه أن يصفهم بأنهم ظالمون؟ وكيف يصدر هذا ممن يقول: الظلم اسم ذم، ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله تعالى:
"أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" (٢)
وكيف يبين القرآن الكريم أنهم خير أمة أخرجت للناس ثم تؤول آية من آياته بأنهم ملعونون؟
فعلى الجعفرية إذا أن يعيدوا النظر في تأويلهم، وما بنوه على هذا التأويل.
والآية الكريمة على كل حال لا تدل على أن إمام المسلمين بعد الرسول ﷺ يجب أن يكون على بن أبى طالب ولا على إمامة أحد بعينه.
*****