ذلك هو الكتاب الأول، أما الكتاب الثاني فهو " زبدة البيان في أحكام القرآن"، لأحمد بن محمد الشهير بالمقدسى الأردبيلى (٢) ولنتبين مدى غلوه، وأثر الإمامة فيه نعرض ما يأتى: -
في كتاب الطهارة ذكر أن الإيمان المطلق عند الجعفرية يدخل فيه التصديق والإقرار " بالولاية والإمامة والوصاية لأهل البيت (ع) بخصوص كل واحد واحد " (٣) .
ثم قال: فلنشر إلى ما يدل على كون أمير المؤمنين " ع " إمامًا، وهو غير محصور، ونقتصر على نبذ منه. منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .
ومما قاله في الآية الكريمة: " ظاهر أنها في أمير المؤمنين وأصحابه الذين ارتدوا بعده من الخوارج، ومحاربيه يوم الجمل وصفين وغيره ".
واستمر لبيان أنها فيه، واستدل بأحاديث لا تصلح للاستدلال هنا، وبأخرى موضوعة، إلى أن قال: وبالجملة الأوصاف كلها موجودة فيه، ويؤيد كونها فيه قوله تعالى متصلًا بالآية المذكورة:
_________________
(١) ص ٨٨، وجامع الكوفة فيه محراب أمير المؤمنين على ﵁، وفيه ضربه بالسيف الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم. " راجع ما كتب عن المسجد ونظرة الشيعة في الجزء الرابع ". والمسجد الرابع هو الحاير الحسينى بكربلاء.
(٢) توفى سنة ٩٩٣ هـ.
(٣) ص ١٠.
(٤) سورة المائدة: الآية ٥٤.
[ ١ / ٥٧٣ ]
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ مع إجماع المفسرين على أنها في شأنه (١) .
وفى كتاب الصلاة عاد الأردبيلى للحديث عن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ليستدل بها على إمامة أمير المؤمنين، والأئمة الأحد عشر من ولده الذين تصدقوا في حال ركوعهم كذلك (٢) .
وفى كتاب الطهارة ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، واستدل بها على وجوب عصمة الأئمة (٤) .
وفى كتاب النكاح: ذكر أول سورة التحريم، وتحدث عن أسباب النزول، ثم قال: " وفى السبب شئ عظيم لحفصة، ولعائشة أعظم، حيث كذبت وغدرت وفتنت، وأمرت بهذه المناكير، وحصل الأذى للنبى ﷺ بذلك (٥) .
واستدلالًا بالآية الخامسة ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾
_________________
(١) انظر الكتاب ص ١٠ – ١٤، وراجع ما كتبته عن آية الولاية في الجزء الأول.
(٢) انظر ص ١٠٧ - ١١٠.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
(٤) انظر ٤٧ - ٤٨.
(٥) ص ٥٦٥.
[ ١ / ٥٧٤ ]
قال: " وبالجملة هذه تدل على عدم اتصافهما بهذه الصفات، واتصاف غيرهما بها (١) .
وبعد ذلك تحدث عن ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط، ثم قال: " ولعل فيه تسلية للنبى وغيره من المؤمنين، بأنه لا يستبعد حصول امرأة غير صالحة للنبى وغيره، ودخولها النار، مع كون جسدها مباشرًا لجسده، ووجود الزوجية، وهى صريحة في ذلك، والمقصود واضح فافهم. وكذا رجاء من يتقرب بتزويجه وزوجيته ﷺ، ولهذا كانت أم حبيبة بنت أبى سفيان أخت معاوية أيضًا عنده ﷺ، وهى أحدى زوجاته، وأبوها كان أكبر رءوس الكفار، وصاحب حروبه ﷺ وأخرى صفية بنت حيى بن أخطب بعد أن أعتقها، وقد قتل أبوها على الكفر، وأخرى سودة بنت زمعة، وكان أبوها مشركًا ومات عليه، وقيل: قد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه قبل البعثة بكافرين يعبدان الأصنام" (٢) .
_________________
(١) ص: ٥٧١.
(٢) ص ٥٧٥، وجاء في الحاشية: " قيل هما رقية وزينب كانتا بنتى هالة أخت خديجة، ولما مات أبوهما ربيتا في حجر رسول الله - ﷺ -، فنسبتا إليه كما كانت عادة العرب في نسبة المربى إلى المربى. وهما اللتان تزوجهما عثمان بعد موت زوجيهما ". وفى كتاب منهاج الشريعة، الذي ألفه محمد مهدى للرد على منهاج السنة النبوية لابن تيمية، جاء الحديث عن أختى الزهراء - ﵅ - في أكثر من موضع، ومما قاله: " ما زعمه - أي ابن تيمية - من أن تزويج بنتيه لعثمان فضيلة له من عجائبه من حيث ثبوت المنازعة في أنهما بنتاه " " ٢ / ٢٨٩ ". وقال: " لم يرد شئ من الفضل في حق من زعموهن شقيقاتها بحيث يميزن به ولو عن بعض النسوة " " ٢ / ٢٩٠ ". وقال: " قد عرفت عدم ثبوت أنهما بنتا خير الرسل - ﷺ -، وعدم وجود فضل لهما تستحقان به الشرف والتقدم على غيرهما " (٢ / ٢٩١) . ولا أدرى كيف يستطيع من يهاجم بنات النبي - ﷺ - أن يزعم أنه محب لآل البيت؟ وكيف يقبل إخواننا الشيعة وجود أمثال هؤلاء بينهم؟
[ ١ / ٥٧٥ ]
بعد هذا لسنا في حاجة إلى ذكر المزيد لبيان أن هذا الكتاب يمثل جانب الغلو والتطرف والضلال.