الشيعة على اختلاف فرقهم يرون وجوب إمام، ولكن رأيهم في الإمامة يخالف ما ذهب إليه جمهور المسلمين.
وأقربهم إلى الجمهور فرقة الزيدية، أتباع زيد بن على بن الحسين بن علىبن أبى طالب ﵃. فبعد استشهاد الإمام الحسين ذهبت فرقة من الشيعة إلى أن الإمامة لا تكون إلا في أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويستوى في هذا أولاد الحسن وأولاد الحسين، ورأوا أن كل فاطمى عالم شجاع سخى خرج بالإمامة فهو إمام واجب الطاعة، وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، فلما خرج زيد بن على في عهد هشام بن عبد الملك بايعه هؤلاء.
وكان من مذهب الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال: " كان على بن أبى طالب ﵁ أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين نائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبًا، وسيف أمير المؤمنين على عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد. والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص ٦٥: ٦٦.
[ ١ / ٣٦ ]
الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ وكذلك يجوز أن يكون المفضول إمامًا والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا " (١)
ولما سمعت شيعة الكوفه هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين، وإنما قال: " إنى لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبى يقول فيهما إلا خيرًا، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قاتلوا جدى الحسين " عندما سمعوا ذلك فارقوه، ورفضوا مقالته حتى قال لهم: رفضتمونى، ومن يومئذ سموا رافضه (٢) .
وفرق الزيدية منهم من يتفق مع ما ذهب إليه الإمام زيد ومنهم من خالفه، فالجارودية زعموا أن النبي ﷺ نص على الإمام على بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك (٣) .
ولكن باقي فرق الزيدية ذهبوا إلى أن الإمامة شورى فيما بين الخلق، وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبتوا إمامة الشيخين أبى بكر وعمر حقًا باختيار الأمة حقًا اجتهاديًا، واختلفوا في عثمان فمنهم من طعن، ومنهم من توقف (٤) .
_________________
(١) الملل والنحل ١/١٥٥.
(٢) الفرق بين الفرق ص ٢٥، وانظر الملل والنحل ١/١٥٥.
(٣) انظر المرجع الأول ص٢٢، والملل والنحل ١/١٥٧ -١٥٨.
(٤) انظر الملل والنحل ١/١٥٩ -١٦٢، والفرق بين الفرق ص ٢٤، وفرق الشيعة ص ٢٠ -٢١، ص ٥٥، والفصل في الملل والأهواء والنحل ص ٩٢-٩٣.
[ ١ / ٣٧ ]