وبعد الانتهاء من النظر في تلك الكتب، نأتى إلى لون آخر من التفاسير، وهى تختص بآيات الأحكام فقط، رجعت إلى كتابين أحدهما يمثل جانب الاعتدال النسبى، والآخر سار في طريق الغلاة.
الكتاب الأول هو " كنز العرفان في فقه القرآن "، لمقداد بن عبد الله السيورى الحلى (٣)، والكتاب ينتصر للأحكام التي استقر عليها رأى الشيعة الجعفرية، مخالفين بها كل المذاهب أو بعضها، فمثلًا عند قوله تعالى:
_________________
(١) ص ٥٣١.
(٢) ص ٢٢٨.
(٣) عاش إلى أوائل القرن التاسع الهجرى.
[ ١ / ٥٧٠ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١)، نراه يقف طويلًا عند عجز الآية، محاولًا إثبات أن الواجب مسح الرجلين لا غسلهما (٢) .
وعند قوله ﷿ ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣)، حاول أن يثبت وجوب رد السلام في أثناء الصلاة (٤) .
والانتصار للفقه الشيعى الجعفرى من باحث جعفرى أمر متوقع، بل لا ينتظر غيره، ولكنه ينتهى أحيانًا إلى آراء أثر الإمامة يبدو فيها واضحًا، ومن أمثلة هذه الأراء ما يأتى:
عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥) ينتهى إلى أن في الآية أحكامًا هي:
أن المشركين أنجاس نجاسة عينية لا حكمية، وأن آثارهم وكل ما باشروه برطوبة نجس أيضًا، وأنه لا يجوز دخولهم المسجد الحرام، وكذا باقى المساجد لنصوص الأئمة. ثم يقول: " لا فرق بينهم وبين الكفار عندنا في جميع ما تقدم للإجماع المركب، فإن كل من قال بنجاستهم عينًا قال بنجاسة كل كافر، ولأن أهل الذمة مشركون " (٦) . وبالبحث عن باقى الكفار عندهم نجد أن الجعفرية توسعوا في
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) انظر ص ٩، ١٠.
(٣) سورة النساء: ٨٦.
(٤) انظر ص ٧٠ - ٧١.
(٥) التوبة: ٢٨.
(٦) انظر ص: ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٥٧١ ]
مفهوم الكفر فحكموا بكفر كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم اعتبر غير الجعفرى كافرًا مشركًا (١) .
وفى قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢): يذكر مشروعية الصلاة على الآل تبعًا للنبى ﷺ، وجواز الصلاة عليهم " لا تبعًا له بل إفرادًا كقولنا اللهم صلى على آل محمد، بل الواحد منهم لا غير "، وأن الصلاة عليهم واجبة في الصلاة، ومستحبة في غيرها، ثم يقول: " والذين يجب الصلاة عليهم في الصلاة، هم الأئمة المعصومون لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل، ولأن الأمر بذاك مشعر بغاية التعظيم المطلق الذي لا يستوجبه إلاَّ المعصومون، وأما فاطمة ﵍ فتدخل أيضًا لأنها بضعة منه ﷺ ".
ويذكر كذلك أن أئمته هم القائمون مقام الرسول ﷺ، وأن مقام إمامتهم اغتصب (٣) .
وفى قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (٤) .
ينتهى إلى أحكام منها قوله: " وجوب القصر، وإن كان عامًا لظاهر الآية، لكنه عندنا مخصوص بما عدا المواضع الأربعة: مسجد مكة، والمدينة، وجامع
_________________
(١) انظر حكم سؤر الآدمى في الجزء الرابع من هذه الموسوعة، وراجع كذلك آراء من سبق الحديث عنهم من غلاة مفسريهم، وانظر ما كتبناه عن أصول الكافى وروضته في الجزء التالي.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.
(٣) انظر كتابه ص ٥٨ – ٦١.
(٤) النساء: الآية ١٠١.
[ ١ / ٥٧٢ ]
الكوفة، والحاير الشريف، وعليه إجماع أكثر الأصحاب، لأن الإتمام فيها أفضل، لكونها مواضع شريفة تناسب التكثير من العبادة فيها " (١) .