والكتاب الثاني الذي يمثل جانب الاعتدال، والبعد عن الغلو إلى حد ما ظهر في عصرنا هذا، هو " البيان " في تفسير القرآن " ألفه السيد أبو القاسم الموسوى الخوئى "، المرجع السابق للجعفرية بالعراق. ومع أن الكتاب لم يظهر منه إلاَّ المجلد الأول الذي يشمل المدخل وتفسير الفاتحة، إلاَّ أننا انتهينا إلى هذا الرأى لما يأتى:
أولا ً: جاء في مقدمة الكتاب: " سيجد القارئ إني لا أحيد في تفسيرى هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته، وما ثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة من ذرية الرسول ﷺ، وما استقل به العقل الفطرى الصحيح الذي جعله الله حجة باطنة كما جعل نبيه - صلى الله عليه وعلى آله-وأهل بيته المعصومين ﵈ حجة ظاهرة، وسيجد القارئ أيضًا إني كثيرًا
[ ١ / ٥٩٢ ]
ما أستعين بالآية على فهم أختها، وأسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروى مرشدًا إلى هذه الاستفادة (١) . وفى بيانه لأصول التفسير قد فصل ما أجمله هنا (٢) .
ثانيا: أنه قد أسهب وأفاض في إثبات صيانة القرآن الكريم من التحريف (٣)، وهو لا يكفر المخالفين لطائفته، بل يرى ويروى أن الإسلام يدور مدار الإقرار بالشهادتين (٤) .
ثالثًا: أنه أفاض كذلك في الحديث عن حجية ظواهر القرآن (٥) .
رابعًا: أنه التزم بمنهجه هذا في تفسيره لفاتحة الكتاب، والقارئ لتفسيره يلمس هذا بوضوح.
ومع هذا فأثر الإمامة نراه في قوله بصحة إطلاق الأسماء الحسنى على الأئمة (٦)، وبوجوب طاعتهم والخضوع لهم والتوسل بهم (٧)، وفضل السجود على التربة الحسينية (٨) وجواز تقبيل قبورهم وتعظيمها (٩)، وأن عبادتهم لله تعالى لا
_________________
(١) ص ٢٢.
(٢) انظر ص ٤٢١: ٤٢٧.
(٣) راجع ص ٢١٥: ٢٧٨.
(٤) راجع ص ٥٠٩، ٥٦٣، ٥٦٤.
(٥) انظر ص٢٨١ -٢٩١.
(٦) انظر ص ٤٦١.
(٧) راجع ص ٤٩٩، ٥٠١، ٥٠٢.
(٨) راجع ص ٥٠٥.
(٩) انظر ٥٠٨.
[ ١ / ٥٩٣ ]
يرقى إليها إلاَّ المعصوم (١)، وأنهم المأذون لهم في الشفاعة فيشفعون للشيعة، فلا يردهم ربهم ﷿ (٢) .
هذا ما جاء في ثنايا تفسيره تأثرًا بعقيدته، وهو لا ينزله عن مرتبة الطوسى في تبيانه. وبالطبع نتمنى أن يجعلوا ما يتصل بالإمامة في كتب أخرى غير كتب التفسير، ولكن السيد الخوئى إذا أتم تفسيره على المنهج الذي بينه فإنه أفضل بكثير من الكتب المنتشرة في الوسط الجعفرى الآن.
وبعد: فهذه الكتب تمثل منهجين مختلفين في التفسير عند شيعة اليوم، يبين أحدهما أن الوسط الجعفرى لما يتطهر من أولئك الذين يخضعون كتاب الله العزيز لأهوائهم وشهواتهم تأثرًا بعقيدتهم في الإمامة، ويكشف الآخر عن وجود من ينشد الاعتدال، ويحكم العقل لا الهوى إلى حد ما، وإن لم يخل من الغلو والضلال.
_________________
(١) انظر ص ٥١٠.
(٢) انظر ص ٥١٥.
[ ١ / ٥٩٤ ]