وتعني: كتابة الحديث وجمعه لا على سبيل الاستقصاء والتبويب.
وقد ابتدأت كتابة السنة في عهد النبي - ﷺ - (^١)، وأشهر من كان يكتب الحديث في هذا العهد: عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، ويدل لذلك:
١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (^٢).
٢ - عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي - ﵁ - قال: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» (^٣).
_________________
(١) وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كتبوا عن النبي - ﷺ - الحديث فبلغوا اثنين وخمسين صحابيًا - ﵃ -. انظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور/ محمد مصطفى الأعظمي (٢/ ٩٢ - ١٤٢).
(٢) مسند أحمد وسنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود. وقد تقدم.
(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (١/ ٣٤)، رقم (١١٣).
[ ٣٨ ]
وقد جمع عبد الله بن عمرو - ﵄ - حديثه عن النبي - ﷺ - في صحيفة سماها: "الصادقة"، وقد روى عنه مجاهد أنه قال - ﵁ -: (مَا يُرَغِّبُنِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا الصَّادِقَةُ وَالْوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَمَّا الْوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - ﵁ - كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا) (^١).
ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاض - ﵄ - هو الذي يكتب الحديث عن النبي - ﷺ - فقط، بل كان يكتب عنه غيره من الصحابة - ﵃ -، ومما يدل على ذلك:
١ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، فقد جاء عن أبي جُحيفة قال: (قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (^٢) وَفَكَاكُ الأَسِيرِ (^٣) وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) (^٤).
٢ - حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - نفسه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَا، بَلْ مَدِينَةُ هِرَقْلَ أَوَّلًا) (^٥).
_________________
(١) سنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (١/ ٤٣٦)، رقم (٥١٣)، والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص:٣٦٦ - ٣٦٧)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب ذكر الرخصة في كتاب العلم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، رقم (٣٩٤)، وتقييد العلم للخطيب البغدادي (ص:٨٤). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف». سنن الدارمي (١/ ٤٣٦).
(٢) العَقْلُ هو: الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدَها في عقلها؛ ليسلمها إليهم ويقبضوها منه، فسميت الدية: "عقْلًا" بالمصدر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٣/ ٢٧٨).
(٣) (فَكَاكُ الأَسِيرِ) قال الحافظ ابن حجر: «والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك». فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٤٧).
(٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (١/ ٣٣)، رقم (١١١).
(٥) مسند أحمد (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، رقم (٦٦٤٥)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (١/ ٤٣٠)، رقم (٥٠٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٦٨)، رقم (١٦٦)، والمستدرك للحاكم، كتاب الفتن والملاحم (٤/ ٤٦٨)، رقم (٨٣٠١)، و(٤/ ٥٥٣)، رقم (٨٥٥٠). وقال الحاكم عن روايته الأولى للحديث: «صحيح على شرط الشيخين»، وقال الذهبي تعليقًا على قول الحاكم هذا: «على شرط البخاري ومسلم». المستدرك للحاكم (٤/ ٤٦٨). وقال الحاكم عن روايته الثانية للحديث: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وقال الذهبي تعليقًا على قول الحاكم هذا: «صحيح». المستدرك للحاكم (٤/ ٥٥٣). وقال الألباني موافقًا للحاكم والذهبي في تصحيحهما للحديث: «وهو كما قالا». سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني "المشهور بـ: السلسلة الصحيحة" (١/ ٣٣)، رقم (٤). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (١١/ ٢٢٥)، حاشية رقم (١).
[ ٣٩ ]
فقوله - ﵁ -: (نَكْتُبُ) فيه دلالة على عدم اختصاصه - ﵁ - بالكتابة عن النبي - ﷺ -، وأنه كان يكتب غيره معه - ﵁ -.
٣ - ومما يدل على فشو وكتابة الحديث في عهد النبي - ﷺ -: حديث أبي هريرة - ﵁ - في خطبة النبي - ﷺ - يوم الفتح، وفيه: (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ (^١) لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) (^٢).
فهذه الخطبة كانت في فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وقد سمعها الآلاف من الصحابة - ﵃ -.
وفي هذا الحديث وغيره مما سبق: دلالة واضحة على نسخ النهي الوارد عن النبي - ﷺ - في كتابة الحديث، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) (^٣).
وقيل أيضًا في التوفيق بين هذا الحديث والأحاديث التي قبله: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك.
أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما.
أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس. وهو أقربها مع أنه لا ينافيها.
وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك (^٤).
_________________
(١) يعني: الوليد بن مسلم الراوي عن الأوزاعي.
(٢) صحيح البخاري، كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة (٣/ ١٢٦)، رقم (٢٤٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (٢/ ٩٨٨)، رقم (١٣٥٥).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم (٤/ ٢٢٩٨)، رقم (٣٠٠٤).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٨). وقال النووي: «واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي: فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه، كحديث: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، وحديث صحيفة علي - ﵁ -، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر - ﵁ - أنسًا - ﵁ - حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبى هريرة: «أن ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ»، وغير ذلك من الأحاديث. وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة. والله أعلم». المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي "المشهور بـ: شرح صحيح مسلم للنووي، وبـ: شرح النووي على مسلم" (١٨/ ١٣٠).
[ ٤٠ ]
ولأجل هذا التعارض الظاهر بين الأحاديث وقع الاختلاف في كتابة العلم بين السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين، فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، كما قال القاضي عياض (^١).
ولولا كتابة العلم لاندرس وذهبت معالمه وآثاره، قال الحافظ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في الصدر الأول في جواز كتابة الحديث: «ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (^٢).
وقد نقلت قبله نقل النووي عن القاضي: أن السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين اختلفوا كثيرًا في كتابة العلم (^٣)، ثم قال القاضي: «ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف» (^٤).