اتهام السنة بمخالفة القرآن
في عدم قصر الصلاة إلا حالة الخوف فقط
يقول المشكك:
«وحين يقول تعالى: إن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف.
فيقولوا: بل في السفر فقط بلا خوف (^١)».
والجواب:
أولًا: لا توجد آية في القرآن الكريم بهذا اللفظ الذي ذكره: "أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف"، وهو إنما يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].
وهذا يدل على جهله بقدسية القرآن الكريم الذي اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يقول الشخص: "قال الله تعالى" ثم يورد الآية بمعناها. ولكن في حالة الإخبار بحكم الآية فلا مانع من إيراد معناها، كما لو قال: إن الله تعالى أخبر في كتابه أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف لساغ له ذلك.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] في الآية عدة أجوبة للعلماء:
١ - أن هذا القيد والشرط في الآية ليس مرادًا، وقد خرج مخرج الغالب عند نزولها؛ إذ كانت غالب أسفارهم في ذلك الوقت مخوفة، وهي إما لغزو عام أو في سرية. وقد قال الأصوليون: "إن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة معينة فلا مفهوم له" (^٢). مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]. فهذا القيد لا مفهوم له بالإجماع؛ لأنه لا يجوز للسيد أن يكره أمته على الزنا، سواء كانت عفيفة أو غير عفيفة.
_________________
(١) وعلى هذا دلت السنة النبوية المتواترة، كما سيأتي.
(٢) قال الإمام القرافي: «المفهوم متى خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعًا». شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص:٢٧١). وقال أيضًا: «وهو معنى قول العلماء: "إن الكلام متى خرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم" بمعنى: أنه متى كانت الصفة غالبة علي ذلك المحل لا يكون له مفهوم». نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (٣/ ١٣٨٤). وقال الطوفي: «فائدة: اتفق القائلون بالمفهوم على أن ما ظهر سبب تخصيصه للمنطوق بالذكر لا مفهوم له، كوقوعه جوابًا لمن سأل عنه، أو خروجه مخرج الأعم الأغلب»، ثم مثَّل لكل نوع منهما. شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٧٧٥).
[ ٩٧ ]
وهذا أحسن الأجوبة لمن لا يؤمن بالسنة واستقلالها بالتشريع.
٢ - أن هذه الآية المقصود بها: قصر الصلاة في الخوف والحرب، وأما قصر الصلاة في السفر عمومًا فقد شرعه الله تعالى في سنة نبيه - ﷺ - بالقول والفعل الذي بلغ حد التواتر (^١)، وليس في هذه السنة شك؛ لأنها من السنن المتواترة قولًا وعملًا، وليس أحد من المسلمين على هذه البسيطة بلغ حد التكليف إلا وهو يعرف هذه السنة، ويؤديها في حال سفره، وأجمع عليها المسلمون (^٢).
ومن ثمَّ فليس لمن يشككون في السنة القولية عذر في ردها؛ لكونها من السنن العملية الثابتة عن النبي - ﷺ -.
٣ - أن القصر إنما هو لصلاة الخوف بمنطوق الآية، وأما صلاة السفر فقد فرضت ركعتان -ما عدا صلاة المغرب- في أول الإسلام، ثم أتمت صلاة الحضر بعد ذلك، وبقيت صلاة السفر على حالها كما فرضت أولًا (^٣).
_________________
(١) قال الإمام الطحاوي: «وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - ﷺ - بتقصيره في أسفاره كلها». شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر (١/ ٤١٦)، تحت رقم (٢٣٩١). ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك. وعده كذلك الكتاني من الأحاديث المتواترة. نظم المتناثر للكتاني (ص:١٠٩).
(٢) وممن حكى الإجماع على ذلك:
(٣) الإمام ابن المنذر، حيث قال: «وأجمعوا على أن لمن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة مثل: حج أو جهاد أو عمرة أن يقصر الظهر والعصر العشاء، يصلي كل واحدة منها ركعتين ركعتين». الإجماع لابن المنذر (ص:١٤١).
(٤) الإمام ابن قدامة، حيث قال: «وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين». المغني لابن قدامة (٢/ ١٨٨).
(٥) عن عائشة - ﵂ - قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى). صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ (٥/ ٦٨)، رقم (٣٩٣٥). وفي لفظ مسلم: عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ). صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها (١/ ٤٧٨)، رقم (٦٨٥). وكون المغرب لم تفرض ركعتين في أول الأمر جاء عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فُرِضَتْ ثَلَاثًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، من قال: وتر النهار المغرب (٢/ ٨١)، رقم (٦٧١٠)، ومسند أحمد (٤٣/ ٣١٧)، رقم (٢٦٢٨٢)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، باب إتمام المغرب في السفر والحضر وألا قصر فيها (٣/ ٢٠٨)، رقم (٥٤٤٣). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (٤٣/ ٣١٧)، هامش رقم (٢).
[ ٩٨ ]
٤ - أن القصر في السفر هو سنة عند أكثر العلماء، وليس واجبًا، فمن فعله فقد أحسن، ومن لم يفعله فلا حرج عليه.
والله أعلم.
[ ٩٩ ]