اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في إخباره بكونه كاملًا
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣].
فيقول أهل الحديث: بل يكمله البخاري ومسلم»!
والجواب:
هذا من افترائه على أهل الحديث، فهم لم يقولوا: إن البخاري ومسلمًا يكملان الدين، وإنما قالوا: إن الدين يؤخذ من الكتاب والسنة الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
وهذه الآية - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]- نزلت على النبي - ﷺ - في حجة الوداع بعرفة، وهو واقف على راحلته، فعن عمر بن الخطاب - ﵁ -: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ) (^١).
وهذه الآية تتحدث عن إكمال الله تعالى لدينه الإسلام الذي شرَّعه الله في كتابه وفي سنة نبيه - ﷺ -، وكان آخر فرائض الإسلام التي بينها - ﷺ - بقوله وفعله هي: فريضة الحج. ولم يمكث - ﷺ - بعد ذلك إلا شهرين ثم توفي.
ومما بينه - ﷺ - لهذه الفريضة التي امتن الله على عباده بإكمالها:
١ - أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
٢ - مواقيت الحج المكانية.
٣ - الإحرام وصفته، والتلبية.
٤ - غالب محظورات الحج.
٥ - الأنساك الثلاثة في الحج: الإفراد، والقران، والتمتع.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٨)، رقم (٤٥)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير، ولم يذكر له بابًا (٤/ ٢٣١٢)، رقم (٣٠١٧).
[ ١٢٩ ]
٦ - الذهاب إلى منى يوم التروية.
٧ - الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، وهو ركن الحج الأعظم الذي من فاته فقد فاته الحج كله بإجماع المسلمين (^١) بمن فيهم أهل البدع، وهو مذكور في السنة فقط في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث (^٢).
_________________
(١) وممن نقل الإجماع على ذلك:
(٢) ابن المنذر، حيث قال: «وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض، ولا حج لمن فاته الوقوف بها». الإجماع لابن المنذر (ص:٥٧).
(٣) الماوردي، حيث قال: «أما الوقوف بعرفة فركن من أركان الحج واجب، لا نعرف فيه خلافًا بين العلماء». الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي للماوردي (٤/ ١٧١).
(٤) القاضي عياض، حيث قال: «والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا خلاف فيه». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٤/ ٢٨٠).
(٥) ابن رشد، حيث قال: «أما حكم الوقوف بعرفة فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج». بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١١٢).
(٦) الرازي، حيث قال: «واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة». مفاتيح الغيب "أو: التفسير الكبير" للرازي "المشهور بـ: تفسير الرازي" (٥/ ٣٢٨).
(٧) أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «وأجمعوا أن لا حج لمن فاته الوقوف بعرفة». الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (١/ ٢٧٧).
(٨) أبو العباس القرطبي، حيث قال: «لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج». المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي القرطبي (٣/ ٣٣٧).
(٩) شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، حيث قال: «والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا». الشرح الكبير لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة "مطبوع مع: المقنع والإنصاف" (٩/ ١٦١)، و(٩/ ٢٨٩).
(١٠) جاء في ذلك عدة أحاديث عن عدة صحابة - ﵃ -، منها: عن عبد الله بن يعمر الديلي - ﵁ - قال: (شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّه). مسند أحمد (٣١/ ٦٤)، رقم (١٨٧٧٤)، وسنن ابن ماجة، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٢/ ١٠٠٣)، رقم (٣٠١٥)، وسنن أبي داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (٢/ ١٩٦)، رقم (١٩٤٩)، وسنن الترمذي، أبواب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (٣/ ٢٢٨)، رقم (٨٨٩)، وسنن النسائي، كتاب مناسك الحج، فرض الوقوف بعرفة (٥/ ٢٥٦)، رقم (٣٠١٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٣/ ٤٤)، رقم (٢٤٥٩). ولفظ الترمذي: (مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ).
[ ١٣٠ ]
فماذا عسى أن يقول هذا المبتدع في هذا؟
إن قال: "إن السنة لا تكمل القرآن" فليخبرنا أين نجد الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة في القرآن؟
وإن قال: "إن الوقوف هو يوم التاسع" فقد قال بما يقول به أهل الحديث. وحينئذ يقال له: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟
ويقال له كذلك: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦].
ومما بينته السنة أيضًا في فريضة الحج:
١ - المبيت بمنى أيام التشريق.
٢ - رمي الجمار الثلاث، وصفته.
٣ - طواف الوداع، وهو آخر أعمال فريضة الحج.
وكل هذه المناسك هي في السنة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما التي ينفي هذا المبتدع أخذ الدين منها.
والله أعلم.
[ ١٣١ ]