اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بعدم الإشهاد على الطلاق واحتسابهم الطلاق بإقرار أحد الزوجين
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢].
فيقول فقهاؤنا بعدم ضرورة الإشهاد على الطلاق، ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج».
والجواب:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] الإشهاد في هذه الآية ليس المراد به الإشهاد على الطلاق، وإنما: الإشهاد على الرجعة. وبهذا قال أكثر العلماء والمفسرين؛ وذلك:
١ - لما قد يحصل من إنكار الزوجة لها خاصة بعد انقضاء العدة.
٢ - قطعًا للشك في حصولها.
٣ - ابتعادًا عن الاتهام في العودة إلى معاشرة الزوجة بلا رجعة.
وليس الإشهاد عند هؤلاء واجبًا، ولكنه مستحب؛ لما تقدم ذكره.
وقالت الظاهرية بوجوب الإشهاد على الرجعة، وإن لم يشهد عندهم فلا تصح.
وعللوا ذلك:
١ - أن الأمر بالإشهاد في الآية هو للوجوب.
٢ - أن الشهادة شرط في إنشاء الزواج بالاتفاق، فتكون شرطًا في استدامته بالرجعة.
ثانيًا: أجمع العلماء على: أنه لا يجب الإشهاد على الطلاق؛ لما جاء من أن عدة من الصحابة - ﵃ - طلقوا زوجاتهم ولم يقع منهم إشهاد على طلاقهم وأقرهم النبي - ﷺ -، ومنهم:
١ - ابن عمر - ﵄ - (^١).
_________________
(١) عن ابن عمر - ﵄ -: (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ - ﷿ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ). صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب -ولم يذكر له عنوانًا- (٧/ ٤١)، رقم (٥٢٥١)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويُؤمر برجعتها (٢/ ١٠٩٣)، رقم (١٤٧١). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - علمه كيفية الطلاق للسنة وأمره به، ولم يأمره بالإشهاد عليه. وعن نافع قال: (طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ - ﵁ - امْرَأَتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمَّا رَاجَعَهَا أَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا). السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الرجعة، باب ما جاء في الإشهاد على الرجعة (٧/ ٦١١)، رقم (١٥١٨٨). قال في "صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة" -لأبي مالك كمال بن السيد سالم- «إسناده صحيح». صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة لأبي مالك كمال بن السيد سالم (٣/ ٢٦٠)، حاشية رقم (٢). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن ابن عمر - ﵁ - لو كان أشهد على الطلاق لأخبر به نافع كما أخبر أنه - ﵁ - أشهد على الرجعة. والله أعلم.
[ ١٥٨ ]
٢ - رفاعة القرظي - ﵁ - (^١).
٣ - ركانة - ﵁ - (^٢).
٤ - زوج فاطمة بنت قيس - ﵄ - (^٣). وغيرهم - ﵃ -.
_________________
(١) عن عائشة - ﵂ -: (أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ القُرَظِيَّ)، الحديث. صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث (٧/ ٤٣)، رقم (٥٢٦٠)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها (٢/ ١٠٥٥)، رقم (١٤٣٣). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه لم يذكر فيه أنه أشهد على طلاقها. والله أعلم.
(٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: (طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ -أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ- أُمَّ رُكَانَةَ وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -)، وساق الحديث، وفيه: (قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَبْدِ يَزِيدَ: طَلِّقْهَا -يعني: التي تزوجها من مُزينة-. فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: رَاجِعِ امْرَأَتَكَ -أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ-. قَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا. وَتَلَا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]). بهذا اللفظ الذي قرأ فيه النبي - ﷺ - الآية أخرجه في: سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (٢/ ٢٥٩)، رقم (٢١٩٦). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ١٠)، رقم (٢١٩٦). ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي نفس الدلالة التي سبقت في حديث ابن عمر - ﵄ - في طلاقه امرأته - ﵄ - قبل حاشية واحدة-، وهي: أن النبي - ﷺ - علمه كيفية الطلاق للسنة وأمره به، ولم يأمره بالإشهاد عليه.
(٣) عن فاطمة بنت قيس - ﵂ -: (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي). صحيح مسلم، كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (٢/ ١١١٤)، رقم (١٤٨٠). ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي نفس الدلالة التي سبقت في حديث عائشة - ﵂ - في طلاق امرأة رفاعة القرظي - ﵄ - قبل حاشية واحدة-، وهي: أنه لم يذكر فيه أنه أشهد على طلاقها. والله أعلم.
[ ١٥٩ ]
وممن نقل الإجماع على ذلك:
١ - نقل ابن حزم عدم الخلاف في ذلك، فقال: «ولا نعلم خلافًا في أن من طلق ولم يشهد أن الطلاق له لازم، ولكن لسنا نقطع على أنه إجماع» (^١).
قلت: قد قطع غيره بذلك.
٢ - الشوكاني، حيث قال: «ومن الأدلة على عدم الوجوب -أي: عدم وجوب الإشهاد على الرجعة-: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في "تيسير البيان"» (^٢).
وقال أيضًا: «وقد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق» (^٣).
٣ - الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، حيث قال: «وأجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق» (^٤).
ثالثًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآية على وجوب الإشهاد على الطلاق شاذ، ولم يسبقه أحد إلى ذلك؛ لأن المقصود بها هو: الإشهاد على الرجعة، وليس على الطلاق. وهذا بلا خلاف.
رابعًا: لم يطالب الشرع الزوج بوجوب الإشهاد على الطلاق؛ وذلك لتعسره، وربما لاستحالته عند فوران الغضب لديه واستحكامه عليه.
خامسًا: قول المشكك: «ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج» كلام صحيح في حق الزوج، وغريب في حق الزوجة. فلا أعلم أحدًا قال: إن الزوجة إذا أقرت بالطلاق ونفاه الزوج أنها تطلق بذلك؛ لأن القول قول الزوج في ذلك، وليس قولها، والعصمة هي بيد الزوج، وليس بيدها.
والله أعلم.
_________________
(١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:٧٢).
(٢) نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٣٠٠).
(٣) السيل الجرار للشوكاني (ص:٤٣٩).
(٤) الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور/ وهبة الزحيلي (٩/ ٦٩٩٦).
[ ١٦٠ ]