اتهام السنة بمخالفة القرآن
في أمره بمسح الأرجل في الوضوء
يقول المشكك:
«فحين يقول الله: "وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين"، ويقول: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢].
فيقولوا (^١): امسحوا على ظاهر الخف» (^٢).
والجواب:
أولًا: هكذا أورد الآية الأولى في المنشور: "وامسحوا بأرجلكم". وإن ثبت ذلك عنه -أي: أنه من كتابته هو- فهو دليل على جهله بالقرآن الكريم. وصحة الآية هي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان متواترتان:
القراءة الأولى: بخفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾.
وفي توجيهها أقوال:
١ - أنها عطف على المجاورة، ولتناسب الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان:٢١].
وكما تقول العرب: "جحرُ ضبٍ خربٍ" (^٣). وهذا سائغ ومشهور في لغة العرب (^٤).
_________________
(١) كذا في المنشور، وقد تكررت كثيرًا في المنشور "فيقولوا" .. "ويقولوا".
(٢) المسح على ظاهر الخف للمتوضئ إذا كان قد سبق له إدخال رجليه فيهما طاهرتين بشروطهما المعتبرة لم يقل به الفقهاء فقط، كما يقول هذا المشكك، بل ثبت المسح على ظاهر الخف عن النبي - ﷺ - في الأحاديث الكثيرة والمستفيضة، ورواها عنه - ﷺ - العديد من الصحابة - ﵃ -، كما سأشير إلى ذلك في الرد على هذه الشبهة.
(٣) الجمل في النحو للخليل بن أحمد الفراهيدي (ص:١٩٦)، والكتاب لسيبويه (١/ ٦٧)، والزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر الأنباري (١/ ٣٢٠).
(٤) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٣)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).
[ ٩٤ ]
٢ - قيل: إن قراءة الخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان. ونُقل ذلك عن الإمام الشافعي (^١).
٣ - قيل: إن المراد بمسح الرجلين هو: الغسل الخفيف، كما ثبت عن الإمام علي - ﵁ -: (أنه توضأ من غير حدث بحفنة واحدة لجميع أعضائه) (^٢). رواه البخاري مختصرًا، والبيهقي مطولًا (^٣).
القراءة الثانية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، عطفًا على غسل الوجه واليدين.
وهذه القراءة توجب غسل الرجلين، ودل على ذلك ثلاثة أمور:
١ - الأحاديث القولية الكثيرة والتي تبلغ حد التواتر، وينكرها هذا المشكك الضال.
٢ - السنة العملية التي يؤمن بها ولا يخالف في الاحتجاج بها كما يقول.
فيقال له: إن أكثر من مليار مسلم في جميع أنحاء المعمورة يغسلون أرجلهم في الوضوء، فهل هؤلاء جميعًا على خطأ، ولا يتوضؤون على وفق أمر الله تعالى لهم؟! هذا محال. ولا يمكن لعاقل أن يتهمهم بذلك، وقد أخذ هؤلاء جميعًا هذه السنة العملية في الوضوء عمن قبلهم، وأخذ أولئك عمن قبلهم، وكذلك إلى النبي - ﷺ - (^٤)، ولم يختلفوا عليه في أنه - ﷺ - كان يغسل قدميه في الوضوء إذا لم يكن يلبس الخفين (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).
(٢) عن النزال بن سبرة حدث عن علي - ﵁ -: (أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ). صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا (٧/ ١١٠)، رقم (٥٦١٦). ولفظ البيهقي: عن النزال بن سبرة حدث عن علي - ﵁ -: (أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً وَاحِدَةً فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ). السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] نصبًا وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضًا فإنما هو للمجاورة (١/ ١٢٢)، رقم (٣٥٤).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).
(٤) قال البغوي: «وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين». تفسير البغوي (٢/ ٢٣). وقال أبو الحسن بن القطان: «وغسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند جميع الفقهاء، إلا الطبري». الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (١/ ٨٦). وذكر الكتاني: أن غسل الرجلين في الوضوء من الأحاديث المتواترة. نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٥٨).
(٥) قال ابن حجر: «وقد تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله». فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٦٦). وقال الكتاني: «غسل الرجلين في الوضوء أطبق من حكى وضوءه - ﵊ -». نظم المتناثر للكتاني (ص:٥٨).
[ ٩٥ ]
فيلزمك على هذا: غسلهما؛ لأنها من السنن العملية التي تدّعي الإيمان بها.
وأما مسح القدمين من غير خف في الوضوء فلم يثبت عنه - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه - ﵃ -. وعرف هذا المسح فيما بعد القرون الثلاثة الأولى المفضلة للإمامية دون غيرهم من المسلمين.
٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في هذه الآية يدل على وجوب غسل الرجلين. وهذا صريح في أن المراد هو غسلهما وليس مسحهما؛ لأنه لا يعرف في الشرع المسح على القدمين كلتيهما إلى الكعبين، وإنما يكون المسح على ظاهرهما. فدل على أن المراد هو: غسلهما.
فبطل بهذا قولك في المسح.
ثانيًا: استدلال هذا الجاهل بقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢] لا يستقيم له؛ لأن هذه الآية هي خطاب لموسى - ﵊ -، وهي حكم خاص في شريعته - ﵇ -، وليس في شريعتنا.
ثالثًا: قوله عن الفقهاء: إنهم يقولون: «امسحوا على ظاهر الخف» أقول: هم لم يقولوا كما يدعي، ولكن السنة المتواترة القولية والعملية عن النبي - ﷺ - والتي يدل عليها أكثر من أربعين حديثًا في المسح على الخفين- هي التي تقول بجواز المسح على الخفين (^١).
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].
والله أعلم.
_________________
(١) قال الإمام النووي: «أجمع من يعتد به في الإجماع على: جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشي. وإنما أنكرته الشيعة والخوارج. ولا يعتد بخلافهم». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٦٤). وقال أيضًا: «وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة». نفس المصدر السابق. وقال ابن حجر: «وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة». فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٠٦). وقال الكتاني: «حديث المسح على الخفين متواتر، رواه سبعون صحابيًا». نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:١٩). وانظر الصحابة الذين رووه - ﵃ - فيه: (ص:٦٠ - ٦١).
[ ٩٦ ]