اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم برجم الزناة المحصنين
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: يأمر الله بجلد الزانية والزاني.
فيقول أهل الحديث: بل يرجم الزناة المحصنين (^١)، وإنه حد من حدود الله عندهم، وإنه حد تم نسخ تلاوته وبقي حكمه».
والجواب:
أولًا: هكذا في المنشور: «ويقول الله تعالى: يأمر الله بجلد»، الخ. وهذا منه جهل فاضح، أن يقول: قال الله تعالى، ثم لا يورد الآية، وإنما يورد كلامه هو. وهذا يدخل عندي في عدم تعظيم كلام الله وعدم إجلاله.
والآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].
وقد نسخت هذه الآية حكم الحبس للزانية في آية النساء بلا خلاف. وسبق بيان ذلك.
ثانيًا: لم يقل أهل الحديث برجم الزناة المحصنين من عند أنفسهم، بل الذي قال ذلك وشرعه هو الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وأجمع عليه المسلمون، إلا من شذ من الخوارج وبعض المعتزلة. ولا يعتد بخلافهم، كما سيأتي بيانه.
وقد اتضح لي الآن بما لا شك فيه: أن هذا المشكك خارجي المذهب، معتزلي الفكر؛ لأن كل شبهاته التي يوردها هي شبهات هؤلاء القوم، وغيرهم من العلمانيين والمستشرقين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في العلم (^٢).
_________________
(١) بل أجمع المسلمون على ذلك -كما سيأتي أثناء الرد على هذه الشبهة-، وليس قول أهل الحديث وحدهم، كما يدعي.
(٢) وما أحسن ما قاله الإمام الشوكاني في هذا: «وهب أنه لم يثبت الرجم في الكتاب فكان ماذا؟ فقد ثبت بالسنة المتواترة التي لا يشك فيها من له أدنى اطلاع، وفعله رسول الله صلى الله غير مرة وفعله الخلفاء الراشدون. فيا لله العجب من الانتصار للمبتدعين على كتاب الله سبحانه وعلى سنة رسوله وعلى جميع الأمة المحمدية، ودفع الأدلة الثابتة بالضرورة الشرعية لقول قاله مخذول من مخذولي كلاب النار الذين يمرقون من الدين ولا يجاوز إيمانهم ولا عبادتهم تراقيهم! والأمر لله العلي الكبير». السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص:٨٤٧).
[ ١٢٢ ]
حد الرجم قد شرعه الله تعالى في آية كانت تتلى، ثم نسخ تلاوتها وأبقى حكمها، وهو لا يقول بذلك. وسبق الرد على هذه الشبهة.
وهذه الآية التي أنزلت في الرجم ثم نسخت تقول: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (^١). أخرجه ابن حبان وغيره.
وقد كانت هذه الآية المنسوخة وآية الرضاعة مكتوبتين في صحيفة عند أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، ثم دخلت داجن "شاة" بعد موت الرسول - ﷺ - فأكلت الصحيفة، كما أخرج ذلك أحمد وابن ماجة وغيرهما (^٢).
فشنع هذا الأفاك على هذا بشبهة متهافتة قائلًا: «ويقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩].
فيقول أهل الحديث: بل أكل الداجن آية الرجم والرضاعة بعد موت الرسول».
ولا يزال المرء يعجب من جهل هذا المشكك، حتى في إيراده للشبه؛ وذلك أن الحفظ للقرآن الكريم ليس المراد منه حفظ ورقه الذي ربما لو وجدت الداجن المصحف كله لأكلته جميعًا، ولكن المراد بحفظه هو حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقصان كالذي حصل للكتب السابقة قبله. والله أعلم.
_________________
(١) بهذا اللفظ أخرجه في: مصنف عبد الرزاق، كتاب فضائل القرآن، باب تعاهد القرآن ونسيانه (٣/ ٣٦٥)، رقم (٥٩٩٠)، ومسند أحمد (٣٥/ ١٣٤)، رقم (٢١٢٠٧)، ومسند البزار (١/ ٤١٠)، رقم (٢٨٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب الرجم، نسخ الجلد عن الثيب (٦/ ٤٠٨)، رقم (٧١١٢)، وصحيح ابن حبان، كتاب الحدود، باب الزنى وحده (١٠/ ٢٧٤)، رقم (٤٤٢٩)، والمستدرك للحاكم، كتاب الحدود (٤/ ٤٠٠)، رقم (٨٠٦٨)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الحدود، باب ما يستدل به على أن السبيل هو جلد الزانيين ورجم الثيب (٨/ ٣٦٧)، رقم (١٦٩١١). وقال الألباني: «صحيح». التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان للألباني (٦/ ٤٢٦)، رقم (٤٤١٢).
(٢) عن عائشة - ﵂ - قالت: (لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا، وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا). مسند أحمد (٤٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، رقم (٢٦٣١٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب رضاع الكبير (١/ ٦٢٥)، رقم (١٩٤٤)، ومسند أبي يعلى الموصلي (٨/ ٦٤)، رقم (٤٥٨٨)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١٢)، رقم (٧٨٠٥). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ١٤٨)، رقم (١٥٩٣). وجاء الحديث في الصحيح من دون ذكر الداجن للصحيفة، فعن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ). صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (٢/ ١٠٧٥)، رقم (١٤٥٢).
[ ١٢٣ ]
ثالثًا: ما ثبت عن النبي - ﷺ - في رجم المحصن من قوله أحاديث كثيرة تبلغ بمجموعها مع الفعل حد التواتر. وقد جمع هذه الأحاديث:
١ - الإمام السيوطي في كتابه "قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة".
٢ - المحدث الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، وقد زاد فيه على ما ذكره السيوطي.
وفعله - ﷺ - في رجم الزاني المحصن هو من السنن العملية التي تواترت بعده عصرًا بعد عصر، فقد رجم هو - ﵊ -:
١ - ماعز بن مالك (^١).
٢ - الغامدية (^٢).
_________________
(١) في صحيح البخاري: عن ابن عباس - ﵄ - قال: (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ. قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: أَنِكْتَهَا؟ لَا يَكْنِي. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِه). صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (٨/ ١٦٧)، رقم (٦٨٢٤). وفي صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: (رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَلَعَلَّكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ، قَالَ: فَرَجَمَهُ). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣١٩)، رقم (١٦٩٢).
(٢) عن بريدة - ﵁ - لما ذكر قصة ماعز ورجمه ثم قال: (ثُمَّ جَاءَتْهُ -يعني: رسوله الله - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ. قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ! قَالَ: فَرَجَمَهَا). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٢)، رقم (١٦٩٥). وفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا: عن بريدة - ﵁ - أيضًا: (فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ! قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا). المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (٣/ ١٣٢٣)، رقم (١٦٩٥).
[ ١٢٤ ]
٣ - الجهنية (^١).
٤ - اليهوديين (^٢).
ورجم الخلفاء الراشدون - ﵃ - بعده، ومنهم الإمام والخليفة الراشد علي بن أبي طالب - ﵁ -، فقد رجم شراحة الهمدانية، وجمع لها بين الرجم والجلد في يومين، فعن الشعبي: (أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) (^٣).
_________________
(١) عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ). المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٦). والظاهر -والله أعلم-: أن هذه الجهنية هي نفسها الغامدية؛ إذ أن غامد بطن من جهينة. قال القاضي عياض: «والغامدية -بالغين المعجمة وبالدال، كذا هو الصواب والرواية- وهي من غامد قبيلة من جهينة». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٥/ ٥١٨ - ٥١٩). ووافقه النووي، حيث قال: «قوله (جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ) -وهو اللفظ الأول الذي ذكرته في قصة رجم الغامدية- هي بغين معجمة ودال مهملة، وهي بطن من جهينة». شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٢٠١). وقال أبو العباس القرطبي: «وقوله: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ) كذا قال في هذه الرواية -وهو اللفظ الأول الذي ذكرته في قصة رجم الغامدية-، وفي الرواية الأخرى: (مِنْ جُهَيْنَةَ)، ولا تباعد بين الروايتين؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة. قاله عياض. وأظن جهينة من الأزد. وبهذا تتفق الروايات». المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي (٥/ ٩٦).
(٢) عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: (أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ! فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ). صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة:١٤٦] (٤/ ٢٠٦)، رقم (٣٦٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٣/ ١٣٢٦)، رقم (١٦٩٩).
(٣) مسند أحمد (٢/ ١٢٢)، رقم (٧١٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب الرجم، عقوبة الزاني الثيب (٦/ ٤٠٤)، رقم (٧١٠٢)، والمعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٢٧٨)، رقم (١٩٧٩)، وسنن الدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره (٤/ ١٣٧)، رقم (٣٢٣١)، والمستدرك للحاكم، كتاب الحدود (٤/ ٤٠٥)، رقم (٨٠٨٧)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (١٢/ ٢٧٤)، رقم (١٦٦٧٢). وقال الألباني: «صحيح». إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني (٨/ ٥)، رقم (٢٣٤٠). والحديث أصله في صحيح البخاري مختصرًا، كتاب الحدود، باب رجم المحصن (٨/ ١٦٥)، رقم (٦٨١٢).
[ ١٢٥ ]
ثم رجم الخلفاء من بعدهم إلى عصرنا الحاضر، ولم يحدث عندهم ولا عند أحد من المسلمين أي شك في ذلك ولا حرج.
وقد ذُكر الرجم في جميع كتب مذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والظاهرية، والزيدية.
وأقتصر هنا على إيراد مذهب الزيدية من باب الاختصار: قال المرتضى في "متن الأزهار": «ومن ثبت إحصانه بإقراره أو بشهادة عدلين ولو رجلًا وامرأتين -وهو جماع في قُبُلٍ في نكاح صحيح من مكلف حر مع عاقل صالح للوطء ولو صغيرًا- رُجِمَ المكلف بعد الجلد حتى يموت» (^١).
رابعًا: نقلَ الإجماعَ على حد الرجم أئمة كثيرون، أذكر منهم على سبيل المثال:
١ - الإمام ابن المنذر، حيث قال: «أجمعوا أن المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت» (^٢).
٢ - ابن بطال، حيث قال: «فالرجم ثابت بسنة رسول الله - ﷺ - وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم». ثم ذكر بعض أهل العلم الذين قالوا بذلك، ثم قال: «ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة. واعتلوا: بأن الرجم ليس في كتاب الله تعالى» (^٣).
ثم قال رادًا على من خالف هذا الحكم: «فلا معنى لقول من خالف السنة وإجماع الصحابة واتفاق أئمة الفتوى، ولا يعدون خلافًا» (^٤).
٣ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا انه إذا زنى -كما ذكرنا- وكان قد تزوج قبل ذلك وهو خصي وهو بالغ مسلم حر عاقلٌ حرةً مسلمةً بالغة عاقلة نكاحًا صحيحًا ووطئها وهو في عقله قبل أن يزني ولم يتب ولا طال الأمر أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت» (^٥).
وقال أيضًا: «ثم اتفقوا كلهم -حاش من لا يعتد به- بلا خلاف -وليس هم عندنا من المسلمين- فقالوا: إن على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا» (^٦).
٤ - ابن عبد البر، حيث قال: «وأجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم» (^٧).
_________________
(١) متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار لأحمد بن يحيى المرتضى " [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] " (ص:١٩٠).
(٢) الإجماع لابن المنذر (ص:١١٨).
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٣١ - ٤٣٢).
(٤) المصدر السابق (٨/ ٤٣٢).
(٥) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١٢٩).
(٦) المحلى لابن حزم (١٢/ ١٦٩).
(٧) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٧٩).
[ ١٢٦ ]
وقال أيضًا: «وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن الرجم من حكم الله - ﷿ - على من أحصن» (^١).
وقال أيضًا: «وأما أهل البدع فأكثرهم ينكر الرجم ويدفعه، ولا يقول به في شيء من الزناة ثيبًا ولا غير ثيب. عصمنا الله من الخذلان برحمته» (^٢).
٥ - ابن رشد، حيث قال: «والزناة الذين تختلف العقوبة باختلافهم أربعة أصناف: محصنون ثيب، وأبكار، وأحرار، وعبيد، وذكور وإناث. والحدود الإسلامية ثلاثة: رجم، وجلد، وتغريب.
فأما الثيب الأحرار المحصنون فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم، إلا فرقة من أهل الأهواء، فإنهم رأوا أن حد كل زانٍ الجلد» (^٣).
٦ - ابن قدامة، حيث قال: «الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة. وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب» (^٤).
٧ - أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت» (^٥).
٨ - النووي، حيث قال: «وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن، وهو: الثيب. ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة -كالنظام وأصحابه-، فإنهم لم يقولوا بالرجم» (^٦).
٩ - الشوكاني، حيث قال: «أما الرجم فهو مجمع عليه. وحُكِيَ في "البحر (^٧) " عن الخوارج: أنه غير واجب (^٨)» (^٩).
وقال أيضًا: «ثبوت الرجم للزاني المحصن في هذه الشريعة ثابت بكتاب الله سبحانه وبمتواتر سنة
_________________
(١) المصدر السابق (٩/ ٧٨).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٨٣).
(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (٤/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٤) المغني لابن قدامة (٩/ ٣٥).
(٥) الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (٢/ ٢٥٨).
(٦) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ١٨٩).
(٧) هو: كتاب: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى. وهو في فقه الزيدية.
(٨) قال في البحر الزخار: «والرجم مشروع إجماعًا، إلا عن بعض الخوارج». البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى " [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] " (١٤/ ١٠٤).
(٩) نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ١٠٩).
[ ١٢٧ ]
رسوله وبإجماع المسلمين أجمعين سابقهم ولاحقهم، ولم يسمع بمخالف خالف في ذلك من طوائف المسلمين، إلا ما يُروى عن الخوارج
-وهم كلاب النار-. وليسوا ممن يعتد بخلافهم، ولا يلتفت إلى أقوالهم» (^١).
١٠ - وهبة الزحيلي، حيث قال: «اتفق العلماء -ما عدا الخوارج- على أن حد الزاني المحصن هو الرجم؛ بدليل ما ثبت في السنة المتواترة وإجماع الأمة والمعقول» (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) السيل الجرار للشوكاني (ص:٨٤٦).
(٢) الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور/ وهبة بن مصطفى الزحيلي (٧/ ٥٣٦٤).
[ ١٢٨ ]