اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بأن النبي - ﷺ - بُعث بقتال الناس حتى يسلموا وبالسيف
يقول المشكك:
«ومن أعاظم الإفك: ما رواه البخاري ومسلم وأورده النووي في كتابه الشهير "شرح الأربعين النووية" من: أن رسول الله قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا (^١) فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) (^٢).
فيقوم الفقهاء بتبرير الحديث بأن كلمة (النَّاسَ) لا تعني: كل الناس. لكنهم ذهلوا عن حديث رواه الإمام أحمد بمسنده: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ (^٣) الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) (^٤).
فهل يكون نبينا مما (^٥) ينطبق عليه قول ربنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء:١٠٧]؟ فهل أرسله بالسيف رحمة للعالمين»؟
_________________
(١) في المنشور: (فإن). وهو في الصحيحين والأربعين النووية: (فإذا).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] (١/ ١٤)، رقم (٢٥)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٥٣)، رقم (٢٢). عن ابن عمر - ﵄ -.
(٣) في المنشور: "وجعلت". والتصحيح من مصادر تخريج الحديث.
(٤) عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي). مسند أحمد (٩/ ١٢٦)، رقم (٥١١٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٣١٧)، رقم (١٤١٠٩)، وشعب الإيمان للبيهقي، التوكل بالله - ﷿ - والتسليم لأمره تعالى في كل شيء (٢/ ٤١٨)، رقم (١١٥٤). وقال الألباني: «صحيح». إرواء الغليل للألباني (٥/ ١٠٩)، رقم (١٢٦٩). وعلق البخاري في صحيحه الجملتين الأخيرتين من الحديث، فقال: «ويذكر عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)». صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح (٤/ ٤٠)، بدون رقم.
(٥) كذا في المنشور، والصواب: ممن.
[ ١٧٧ ]
ثم ذكر رواية أخرى لحديث: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) أخرجها الإمام أحمد وانفرد بها كما قال، ثم قال: «فالذي بعثه الله بالسيف وجعل رزقه تحت ظل رمحه لا يكون إلا زعيم عصابة، ولا يمكن لرسول بعثه الله رحمة للعالمين لأن (^١) يقول هذا الهراء»؟
والجواب:
أولًا: قوله: «وأورده النووي في كتابه الشهير "شرح الأربعين النووية"» الخ هذا وهم من هذا المشكك أو جهل منه، فإني لا أعلم أن النووي له شرح على كتابه "الأربعين"، وإنما الذي قام بشرحه هم بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومنهم: ابن رجب الحنبلي، وابن دقيق العيد، وابن عثيمين، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وغيرهم.
ثانيًا: قوله: «ومن أعظم الإفك» الخ كبرت كلمة تخرج من فيه الأفاك الكذاب، وصدره الممتلئ غيظًا وحقدًا على السنة النبوية ورواتها. وأقسم بالله تعالى إنْ الأفاك والكذاب إلا هو.
ثالثًا: كلمة (النَّاسَ) في الحديث فسرها شراح الحديث كالقاضي عياض والخطابي والنووي وغيرهم بأن المراد بهم هم: أهل الأوثان والشرك دون أهل الكتاب (^٢)؛ وذلك:
١ - أن هؤلاء -أعني: أهل الكتاب- يقولون: لا إله إلا الله، بخلاف أهل الأوثان، فإنهم لا يقولونها.
٢ - أنه يقبل من أهل الكتاب الجزية ويكف عنهم ولو بقوا على كفرهم، بخلاف أهل الشرك، فإنه لا يقبل منهم إلا الإيمان أو يقاتلون.
وتفسير (النَّاسَ) في الحديث بما ذكر لا يعني عدم قتال غيرهم من أهل الملل الكافرة بمن فيهم أهل الكتاب إذا لم يعطوا الجزية أو إذا نقضوا عهدهم. ويدل على ذلك:
١ - قتال النبي - ﷺ - لليهود في: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وفي خيبر.
٢ - قتاله - ﷺ - للروم النصارى في: مؤتة، وتبوك.
٣ - قتال أصحابه - ﵃ - من بعده لجميع أهل هذه الملل.
٤ - قتال الصحابة - ﵃ - للمجوس في القادسية وغيرها.
_________________
(١) كذا في المنشور.
(٢) قال الخطابي: «إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله ثم أنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف». معالم السنن للخطابي (٢/ ١١). وقال القاضي عياض: «المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٤٦). ونقل الإمام النووي كلام الخطابي والقاضي عياض مقرًا لهما. شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
[ ١٧٨ ]
وقد قال القاضي عياض: «واختصاصه ذلك -يقصد: عصمة المال والنفس- بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: (وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) (^١)» (^٢).
وأقر النووي القاضي عياضًا على ما ذكر، وزاد: «قلت: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله - ﷺ -، كما جاء في الرواية الأخرى لأبى هريرة -هي مذكورة في الكتاب-: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ) (^٣)» (^٤).
فهؤلاء الأئمة مع كونهم فسروا (النَّاسَ) بأهل الشرك والأوثان، إلا أنهم أوجبوا قتال غيرهم من أهل الكتاب والملل الأخرى وإن كانوا يتلفظون بكلمة التوحيد حتى يؤمنوا بالنبي - ﷺ - وبشرعه.
وشاهد هذا من كتاب الله تعالى:
١ - قال - جل وعلا -: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء:٧٦].
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ [التوبة:١٢].
٣ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].
رابعًا: حديث النبي - ﷺ -: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) إلخ معناه: أنه بعث بالجهاد في سبيل الله تعالى الذي فرضه الله في كتابه، كما تقدم ذكر بعض الآيات في ذلك.
_________________
(١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ). سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في الإيمان (١/ ٢٧)، رقم (٧١)، وسنن النسائي، كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد (٦/ ٦)، رقم (٣٠٩٤). وهو في سنن النسائي عن أبي بكر الصديق - ﵁ -. وقال الألباني: «صحيح متواتر». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٤١)، رقم (٥٩).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٤٦).
(٣) عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: (أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٥٢)، رقم (٢١).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٧).
[ ١٧٩ ]
ونص على "السيف" لأنه آلة الحرب الأشهر في ذلك الوقت. وليس هذا غاية في الإسلام، بل هو وسيلة.
وقوله: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) أي: أن الله أباح له الغنائم التي حرمها على من قبله من الأنبياء - ﵈ -.
وقوله: (وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) هو بيان لحقيقة ما يؤول إليه أمر العصاة والكفار في الدنيا والآخرة، وهذا كما أخبر الله عن ذلك في عدة آيات من القرآن، منها:
١ - قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣].
٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس:٢٧].
٣ - قال تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام:١٢٤].
فهل أيها المشكك الجاهل الضال من بعثه الله تعالى بالجهاد في سبيل الله وأحل له الغنائم وجعل من لا يتبعه ويعصيه ويخالف أمره ذليلًا صاغرًا هو زعيم عصابة؟! قاتلك الله وأخزاك!
والله أعلم.
[ ١٨٠ ]