اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في إثباتهم لحد الردة
يقول المشكك:
«يقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].
فيخترعوا لنا: حد الردة».
وقال أيضًا: «والله لم يرتب عقوبة على المرتدين، وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم.
وقال أيضًا: «ويقول جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران:٩٠]. فهاهم يكفرون دون أن تمتد إليهم يد القتل المسماة بـ"حد الردة"».
والجواب:
أولًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآيات وغيرها على إنكار حد الردة وعدم تشريعه لكونه لم يذكر في القرآن الكريم استدلال سقيم وعقيم وغير صحيح؛ للآتي:
١ - هذه الآيات لم تنف حد الردة أبدًا، ولم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنها جميعها تتحدث عن العقوبة الأخروية للمرتد دون العقوبة الدنيوية له.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ليس فيه إباحة للردة، ولا ترك الحرية لمن شاء في اختيار الكفر، بل هو لفظ سيق مساق التهديد والوعيد الشديد؛ بدليل ما بعده، وهو قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: إنا أعتدنا للكافرين والمشركين والمرتدين نارًا عظيمة تحيط بهم من كل الجهات (^١).
ولو كان في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ترك الحرية لهم في اختيار الكفر لكان وعيده سبحانه الشديد لهم بالنار المحدقة بهم من باب التناقض منه، وحاشاه - جل وعلا -! إذ كيف يسمح لهم أولًا بالكفر ثم يعذبهم عليه؟ هذا تناقض، وكلامه سبحانه منزه عن التناقض والتضاد.
_________________
(١) قال ابن كثير: «﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي: سورها». تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٤).
[ ١٤٨ ]
ثانيًا: قوله: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» غير صحيح، بل العكس هو الصحيح، والذين قتلهم النبي - ﷺ - على الردة كثيرون، ومنهم:
١ - العرنيون الذين أسلموا واجتووا المدينة. فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ) (^١). متفق عليه.
وهذه عقوبة مغلظة؛ لقتلهم وردتهم (^٢).
٢ - كعب بن الأشرف وأبو رافع بن أبي الحقيق اليهوديان. وقد كانا يؤذيان النبي - ﷺ -، فقتلهما غيلة. فعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَه) (^٣).
وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ) (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (١/ ٥٦)، رقم (٢٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين (٣/ ١٢٩٧)، رقم (١٦٧١).
(٢) قال أبو قلابة -أحد رجال سند الحديث-: (فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ). صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (١/ ٥٦)، رقم (٢٣٣). وفي إحدى روايات البخاري للحديث: (وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا). صحيح البخاري، كتاب الديات، باب القسامة (٩/ ١٠)، رقم (٦٨٩٩). وقائل ذلك هو: أبو قلابة. فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٢٤١). وفي إحدى روايات مسلم: (مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين (٣/ ١٢٩٧)، رقم (١٦٧١).
(٣) بهذا اللفظ أخرجه في: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الكذب في الحرب (٤/ ٦٤)، رقم (٣٠٣١). وهو في صحيح مسلم بأطول من هذا. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود (٣/ ١٤٢٥)، رقم (١٨٠١). وقد جاء الحديث بأطول من هذا في: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف (٥/ ٩٠ - ٩١)، رقم (٤٠٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود (٣/ ١٤٢٥)، رقم (١٨٠١).
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قتل المشرك النائم (٤/ ٦٣)، رقم (٣٠٢٣). وأخرجه البخاري في موضع سابق بأطول من هذا. صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قتل المشرك النائم (٤/ ٦٣)، رقم (٣٠٢٢).
[ ١٤٩ ]
٣ - عبد الله بن خطل. قتله النبي - ﷺ - يوم الفتح. فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) (^١). وكان قد أسلم ثم ارتد (^٢).
٤ - مِقْيَس بن صُبابة. قتله النبي - ﷺ - يوم الفتح أيضًا. فعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا -وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ- فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ) (^٣). وكان قد أسلم ثم ارتد أيضًا (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (٣/ ١٧)، رقم (١٨٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام (٢/ ٩٨٩)، رقم (١٣٥٧).
(٢) قال ابن إسحاق في سبب أمر النبي - ﷺ - بقتل ابن خطل: «إنما أمر بقتله أنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلمًا، فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا». السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).
(٣) سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد (٧/ ١٠٥)، رقم (٤٠٦٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (٣/ ٩٣)، رقم (٤٠٧٨).
(٤) جاء في سبب قتل النبي - ﷺ - له عن ابن عباس - ﵄ - قال: (إِنَّ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ وَجَدَ أَخَاهُ هِشَامَ بْنَ صُبَابَةَ مَقْتُولًا فِي بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَسُولًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ، وَقَالَ لَهُ: ائتِ بَنِي النَّجَّارِ فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامٍ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قَاتِلًا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ. فَأَبْلَغَهُمْ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِ اللهِ، وَاللهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا، وَلَكِنَّا نُؤَدِّي إِلَيْهِ دِيَتَهُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعِينَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ -وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ قَرِيبٌ-، فَأَتَى الشَّيْطَانُ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟ تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَيَكُونُ عَلَيْكَ سُبَّةً، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونُ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلٌ بِالدِّيَةِ، قَالَ: فَرَمَى إِلَى الْفِهْرِيِّ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنْهَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إلى مَكَّةَ كَافِرًا). المعجم الأوسط للطبراني (٦/ ٣٤٣)، رقم (٦٥٧٧)، وشعب الإيمان للبيهقي، حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بيّن لهم من الأرض (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، رقم (٢٩٢). وقال الهيثمي عن سند الطبراني: «وفيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٦/ ١٦٨)، رقم (١٠٢٣٥).
[ ١٥٠ ]
٥ - أم ولد الأعمى. فقد كانت تهجو النبي - ﷺ -، فقتلها سيدها وأهدر النبي - ﷺ - دمها. فعن ابن عباس - ﵄ -: (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا، فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) (^١).
وقول هذا المشكك: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» هو من الاحتجاج بالسنة، وهذا من تناقضه! إذ كيف يحتج علينا بما لا يؤمن به؟!
ثالثًا: أحاديث حد الردة مشهورة، وهي مروية في الصحيحين وغيرهما عن عدة صحابة - ﵃ -، ومنهم:
١ - عبد الله بن عباس - ﵄ - (^٢). وحديثه في "صحيح البخاري".
٢ - أبو هريرة - ﵁ - (^٣). وحديثه في "المعجم الأوسط" للطبراني.
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٤/ ١٢٩)، رقم (٤٣٦١)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٧/ ١٠٧)، رقم (٤٠٧٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ٤٤)، رقم (٤٣٦١).
(٢) عن عكرمة: (أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ. وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يًعذب بعذاب الله (٤/ ٦١ - ٦٢)، رقم (٣٠١٧).
(٣) وهو بمعنى حديث ابن عباس - ﵄ - السابق، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ٢٧٥)، رقم (٨٦٢٣). وقال الألباني: «إسناده حسن». إرواء الغليل للألباني (٨/ ١٢٥)، تحت رقم (٢٤٧٢).
[ ١٥١ ]
٣ - عبد الله بن مسعود - ﵁ - (^١). وحديثه في الصحيحين.
٤ - أبو موسى الأشعري - ﵁ - (^٢). وحديثه في الصحيحين أيضًا.
٥ - عثمان بن عفان - ﵁ - (^٣). وحديثه في "سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي".
٦ - أم المؤمنين عائشة - ﵂ - (^٤). وحديثها في "سنن النسائي".
وهذه الأحاديث بطرقها تشهد بثبوت حد الردة، وهي كافية لمن كان له قلب أو عقل أو كان عنده إنصاف -وأراد الله به خيرًا- أن تقنعه ويأخذ بها، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣].
_________________
(١) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ). صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥] (٩/ ٥)، رقم (٦٨٧٨)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (٣/ ١٣٠٢)، رقم (١٦٧٦).
(٢) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - في حديث إتباع النبي - ﷺ - له بمعاذ بن جبل إلى اليمن- قال: (ُثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ). صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٩/ ١٥)، رقم (٦٩٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها (٣/ ١٤٥٦)، رقم (١٧٣٣).
(٣) وهو بمعنى حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - السابق، فعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقُتِلَ بِهِ). مسند أحمد (١/ ٤٩١)، رقم (٤٣٧)، وسنن أبي داود، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم (٤/ ١٧٠)، رقم (٤٥٠٢)، وسنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٤/ ٤٦٠)، رقم (٢١٥٨)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، ذكر ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩١)، رقم (٤٠١٩). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ٨٨)، رقم (٤٥٠٢).
(٤) وهو بمعنى حديث ابن مسعود وعثمان بن عفان - ﵄ - السابقين، فعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ). مسند أحمد (٤٢/ ٣٠٨)، رقم (٢٥٤٧٧)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، ذكر ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩١)، رقم (٤٠١٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (١/ ٨١)، رقم (٤٠٢٩).
[ ١٥٢ ]
رابعًا: حد الردة كما أنه قد ثبت بالسنة القولية فقد ثبت كذلك بالسنة العملية المتواترة عن النبي - ﷺ -، وقد قتل النبي - ﷺ - مجموعة من المرتدين، كما تقدم ذكره.
وكذلك لم يزل المسلمون منذ عصر النبي - ﷺ - إلى عصرنا الحاضر يقيمون هذا الحد على من ترك دين الإسلام إلى غيره بشروطه المعتبرة.
ومن أشهر الحروب التي وقعت بسبب الردة: الحروب التي شنها الصحابة الكرام - ﵃ - في عهد أبي بكر الصديق - ﵁ -، وأجمعوا عليها، وسميت في التاريخ بـ"حروب الردة".
ولو كان للعرب الحق أو كان لهم الحرية في ترك دينهم الحق على ما يقول هذا المشكك لما قاتلهم الصحابة - ﵃ - حتى أجبروهم على العودة إلى دين الإسلام، ولكان فعلهم هذا تعديًا على حقوقهم، وسفكًا للدماء بغير حق. وهذا من أبطل الباطل.
ومن زعم أن هذه الحروب كانت سياسية فقط فهو جاهل ومغالط، وملبس على الناس.
خامسًا: حد الردة كما أنه من الحدود العملية المشهورة بين المسلمين فإنه يتوافق مع القوانين العادلة المطبقة في أكثر بلدان العالم؛ لأنه حد سببه الخيانة العظمى، وعقوبتها في الأغلب في تلك البلدان هي الإعدام.
والخيانة العظمى هنا في حد الردة جاءت لله تعالى ولرسوله - ﷺ - وللمجتمع المسلم.
فليس الإسلام إذًا بدعًا من هذه القوانين العادلة.
سادسًا: أجمع العلماء على أن المرتد عن دين الإسلام إلى الكفر يستتاب، قيل: ثلاثة أيام، وقيل: أكثر من ذلك، فإن تاب وإلا قتل.
وممن نقل الإجماع:
١ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا أن من كان رجلًا مسلمًا حرًا باختياره وبإسلام أبويه كليهما أو تمادى على الإسلام بعد بلوغه ذلك ثم ارتد إلى دين كفر كتابي أو غيره وأعلن ردته واستتيب في ثلاثين يومًا مائة مرة فتمادى على كفره وهو عاقل غير سكران أنه قد حل دمه، إلا شيئًا رويناه عن عمر وعن سفيان وعن إبراهيم النخعي أنه يستتاب أبدًا» (^١).
٢ - ابن قدامة، حيث قال: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد» (^٢).
واختلفوا في المرتدة:
فالجمهور على: أنها كالرجل تقتل (^٣).
وخالف أبو حنيفة فقال: تحبس وتضرب حتى تعود إلى الإسلام (^٤).
والله أعلم (^٥).
_________________
(١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١٢٧).
(٢) المغني لابن قدامة (٩/ ٣).
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (٧/ ١٣٤)، والاختيار لتعليل المختار للبلدحي (٤/ ١٤٩).
(٥) ولمزيد من الفائدة في هذا الموضوع: يراجع كتابنا: "الردة وأثرها على الفرد والمجتمع" للمؤلف، وبتحقيق محقق هذا الكتاب.
[ ١٥٣ ]