اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في عدم اكتفائهم به
يقول المشكك:
«ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١].
فيقول أهل الحديث: نعم نحن لا يكفينا الكتاب».
والجواب:
أولًا: قوله عن أهل الحديث: "إنهم يقولون: نحن لا يكفينا الكتاب" يقصد بذلك: إن رجوعهم إلى السنة وأخذ الأحكام منها مع القرآن الكريم تصريح منهم بأن الكتاب لا يكفيهم. وقوله هذا هو من الافتراء عليهم.
ثانيًا: استدلاله بالآية على أن القرآن يُغني عن السنة وأن الأخذ بالسنة يعني: عدم كفاية القرآن غير صحيح؛ من عدة وجوه:
١ - أن هذه الآية نزلت جوابًا لقول المشركين: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠].
والمعنى: أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا؟ ولو أتيتهم يا محمد بآيات موسى وعيسى - ﵉ - كلها لقالوا لك: إنها سحر، ونحن لا نعرف السحر (^١).
٢ - عن يحيى بن جعدة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ (^٢) فَقَالَ: كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالًا أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١]) (^٣).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٠)، و(٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٢) أي: مكتوب فيه من التوراة.
(٣) سنن الدارمي، المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث (١/ ٤٢٥)، رقم (٤٩٥)، وتفسير ابن جرير الطبري (٢٠/ ٥٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٧٢ - ٣٠٧٣)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم (٢/ ٨٠٠)، رقم (١٤٨٥). وقال في القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية -جمع وتحقيق: الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني-: «هو مرسل، رجاله ثقات». القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية للدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني (ص:١٢٧)، حاشية رقم (٣).
[ ١٣٢ ]
ومثله: قوله - ﷺ - لعمر - ﵁ - وقد رأى في يده قطعة من التوراة-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (^١).
٣ - أن الآية ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ توجب بظاهرها الاستغناء بالقرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية؛ لأنها منسوخة ومحرفة، ولا تعني الاستغناء به في البيان والتشريع عن السنة؛ لأنها مبينة له ومستقلة عنه في ذلك، كما وضحته في أكثر من موضع من هذا الكتاب بما لا مدفع له.
ولو أخذنا بالآية على ما يدعي هذا المشكك لكان فيها تحريم لقراءة أي كتاب من كتب العلم النافعة، مثل: كتب الفقه، والتفسير، والطب، والفلك، والرياضيات، وغيرها. ولا يقول بذلك أحد ممن له مسكة من العلم. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١، والروم:٥٣].
والله أعلم.
_________________
(١) مسند أحمد (٢٣/ ٣٤٩)، رقم (١٥١٥٦)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - ﷺ - وقول غيره عند قوله - ﷺ - (١/ ٤٠٣)، رقم (٤٤٩)، وشعب الإيمان للبيهقي، الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ - وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١/ ٣٤٧)، تحت رقم (١٧٤)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم (٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦)، وشرح السنة للبغوي، كتاب العلم، باب حديث أهل الكتاب (١/ ٢٧٠)، رقم (١٢٦). عن جابر بن عبد الله - ﵄ -. وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (٢٣/ ٣٤٩)، حاشية رقم (٣). وقال الألباني: «حسن». إرواء الغليل للألباني (٦/ ٣٤)، رقم (١٥٨٩). قلت: وفيه ضعف.
[ ١٣٣ ]