اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في إيمانهم بحديث النبي - ﷺ -
مع أنهم لم يسمعوه منه
يقول المشكك:
«يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية:٦].
فيقولوا: بل نؤمن بحديث الرسول. وهم كاذبون؛ فلم (^١) يسمعوه من رسول الله، وإنما عن طريق رواة، الله وحده يعلم صدقهم أو كذبهم».
والجواب:
أولًا: نعم نحن نؤمن بحديث الرسول - ﷺ -؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه وطاعته - ﷺ - في عدة آيات من القرآن الكريم، ومن ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف:١٥٨].
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢].
٣ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور:٥٦].
ومن طاعته - ﷺ - واتباعه: الأخذُ بأقواله وسنته.
والعجب من هذا المشكك المريض قلبه وعقله كيف يقبل أقوال من هو دون النبي - ﷺ - التي قيلت ورويت منذ أكثر من ألف عام وبغير أسانيد، وإن وجدت فأسانيد مظلمة، ولا يقبل أقوال النبي - ﷺ - التي رويت بأسانيد صحيحة مشهورة ومتواترة!
ونسأل هذا الجاهل:
- هل كان النبي - ﷺ - في حياته يوجه أصحابه - ﵃ - ويأمرهم وينهاهم أم لا؟
- وهل كان - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، ويعظ ويرشد الناس بأقواله في سائر الأيام أم لا؟
- وهل كان - ﷺ - يقضي بين الناس ويفصل في الخصومات بينهم أم لا؟
- وهل كان كقائد للجيش يوجههم بقوله ويأمرهم وينهاهم أم لا؟
_________________
(١) كذا في المنشور.
[ ١٣٨ ]
فإن قال: نعم، كان يفعل كل ذلك، فيقال له: فهل كان يجب عليهم - ﵃ - امتثال أمره - ﷺ - وطاعته واجتناب نهيه أم لا؟
فإن قال: يجب عليهم، فيقال له: فهل يجب عليهم وحدهم - ﵃ - أم يجب ذلك على الأمة كلها؟
فإن قال: يجب عليهم وحدهم فقد كذب بنص القرآن الكريم.
وإن قال: يجب على الأمة كلها، فيقال له: كيف يجب عليهم - ﵃ - وأنت تقول: لا يجوز الإيمان بأحاديث الرسول - ﷺ - القولية؟ فأي تناقض أعظم من هذا الذي تقوله؟!
ثانيًا: دعوى أنهم - ﵃ - لم يسمعوا الحديث من رسول الله عليه وسلم دعوى كاذبة، فقد سمعه منه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وسمعه التابعون من الصحابة - ﵃ -، وهكذا حتى وصل إلى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. وما لم ينقل كذلك عندهم مع توفر بقية شروط الصحيح فلا يقبل عندهم.
ولا يشترط في نقل الأخبار وثبوتها أن يسمعها رواتها جميعًا المتأخرون والمتقدمون من النبي - ﷺ -، كما يطالب هذا المشكك؛ لاستحالة ذلك عقلًا على المتأخرين، ومن يطالب به ففي عقله شيء. وإنما تنقل الأخبار بطريق التسلسل والأسانيد راوٍ عن راوٍ حتى تصل إلى المتأخر.
ومن لا يقبل هذا التسلسل من الثقات فعليه أن يرد التاريخ كله، ويرد حكم القاضي؛ لأنه قائم على الشهادة وليس على السماع، ويرد أخبار الناس التي يتناقلها الثقات بينهم، ويرد الأخبار التي يتناقلها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. ولم يقل بهذا أحد سواه. فاللهم احفظ علينا عقولنا.
والله أعلم.
[ ١٣٩ ]