اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في تفسيرهم للمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى
يقول المشكك:
«وهم يفسرون قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٧]: أن المغضوب عليهم هم: اليهود، وأن الضالين هم: النصارى.
ولا أعلم سببًا لتخصيص الغضب [على اليهود] (^١)، وتخصيص الضلال للنصارى (^٢).
أليس الكفار والمنافقون مغضوبًا عليهم وضالين؟ أليس قاتل المؤمن من المغضوب عليهم والملاعين بنص كتاب الله»؟
والجواب:
أولًا: يتفق هذا المشكك مع غيره أن اليهود: مغضوب عليهم، وأن النصارى: ضالون؛ لأنهم كفار. فلماذا الإنكار منه إذن؟
لا شك أن إنكاره إنما جاء لكونهم وصفوا بذلك في السنة المطهرة، وهو ينكر هذه السنة جملة وتفصيلًا، ولا يعترف بها.
وقد جاء هذا التفسير عن النبي - ﷺ - من حديث عدي بن حاتم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وإنَّ الضَّالِّينَ: النَّصَارَى) (^٣).
وإذا كان هذا المشكك يقر بحال هاتين الطائفتين كما سبق فاستنكاره لتخصيصهم بذلك لا يخرجهم عن تلك الأوصاف التي وصفوا بها، وإنما يزداد به إثمًا على إثم لا غير.
ثانيًا: ما ورد في السنة في ذلك هو بيان وتفسير لحقيقة اليهود والنصارى، ولا يعني ذلك أن الكفار الآخرين والمنافقين وبعض من وصف بذلك من أهل الكبائر لا يتصفون بغضب الله عليهم أو كونهم غير ضالين؟ ومن يقول بذلك لا يعرف الشرع ولا اللغة.
_________________
(١) كذا في المنشور.
(٢) كذا في المنشور.
(٣) مسند أحمد (٣٢/ ١٢٤)، رقم (١٩٣٨١)، وسنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة فاتحة الكتاب (٥/ ٢٠٣)، رقم (٢٩٥٣). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ١٨٢)، تحت رقم (٢٩٥٣). وقد جاء أيضًا من حديث أبي ذر - ﵁ - وحديث عبد الله بن شقيق عمن سمع النبي - ﷺ -.
[ ١٦٨ ]
وهذا الذي ورد في السنة هو تأكيد لما في القرآن الكريم من أوصاف لليهود بالغضب والنصارى بالضلال. وغاب ذلك عن هذا المشكك؛ لجهله الكثير بالقرآن، فقد وصفهم الله بذلك في غير ما آية في القرآن، ومن ذلك:
١ - قال تعالى عن اليهود: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة:٦٠].
٢ - قال تعالى عن اليهود أيضًا: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة:٩٠].
٣ - قال تعالى عن النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة:٧٧].
ثالثًا: وصف اليهود بالمغضوب عليهم والنصارى بأنهم ضالون هو قول الجماهير من أهل العلم؛ لما جاء من تفسير النبي - ﷺ - لذلك. وهذا التفسير هو المعتمد.
وقد فسره بعضهم بغير ذلك فقال: إن المغضوب عليهم هم: المتبعون للبدع، والضالين هم: من تنكب سنن الهدى.
وقال ابن كثير: «غير صراط المغضوب عليهم، وهم: الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ﴿وَلَا﴾ صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾، وهم: الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ ﴿لَا﴾ ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى» (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٠).
[ ١٦٩ ]