تسمية السنة بـ «الكتاب»
ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظ "كتاب الله" أن المقصود به هو "القرآن الكريم" هذا لا شك فيه، غير أنه قد ورد عن النبي - ﷺ - تسمية السنة بـ"كتاب الله"، ومن ذلك:
١ - حديث: (لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ). وقضى بالقرآن والسنة، وذلك في قصة العسيف (^١) التي رواها الشيخان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ - ﵄ - قَالَا: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ (^٢)، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ (^٣) - فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) (^٤).
وفي لفظ في الصحيحين: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ! عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) (^٥).
والرجم والتغريب في السنة وليسا في القرآن. فدل على هذا على: صحة تسمية السنة بكتاب الله.
قال ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني في بيان المراد بـ"كتاب الله" في الحديث: «والمراد بكتاب الله: ما حكم به وكتب على عباده. وقيل: المراد: القرآن. وهو المتبادر.
_________________
(١) العسيف هو: الأجير وزنًا ومعنى. ويطلق أيضًا على: الخادم، والعبد، والسائل. انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (١٢/ ١٣٩).
(٢) الوليدة في الأصل هي: المولودة. وتطلق ويراد بها: الأمة، كما هنا. انظر: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٢).
(٣) هو: أنيس الأسلمي، رجل من أسلم.
(٤) بهذا اللفظ أخرجه في: صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٣/ ١٨٤)، رقم (٢٦٩٥)، وكتاب الحدود، باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه (٨/ ١٧١)، رقم (٦٨٣٥)، وكتاب الأحكام، باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في الأمور (٩/ ٧٥ - ٧٦)، رقم (٧١٩٣).
(٥) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحدود (٣/ ١٩١)، رقم (٢٧٢٤)، كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا (٨/ ١٦٧ - ١٦٨)، رقم (٦٨٢٧)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٧).
[ ٢٢ ]
وقال بن دقيق العيد: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله (^١).
قيل: وفيما قال نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي - ﷺ - أن السبيل: جلد البكر ونفيه، ورجم الثيب. قلت (^٢): وهذا أيضًا بواسطة التبيين.
ويحتمل أن يراد بكتاب الله: الآية التي نسخت تلاوتها، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" وبهذا أجاب البيضاوي، ويبقى عليه التغريب.
وقيل: المراد بكتاب الله: ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، فلذلك قال: (الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ رَدٌّ عَلَيْكَ).
والذي يترجح: أن المراد بكتاب الله: ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره» (^٣).
قلت: والذي يترجح لي: أن المراد بكتاب الله في هذه القصة هو: القرآن والسنة، ففيهما أمر الله وحكمه وما كتبه على عباده والأمر باتباع رسوله - ﷺ - وطاعته، وجلد البكر والنهي عن أكل المال بالباطل، وفي السنة وحدها نفي الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن، والآية المنسوخة الواردة في رجمه قد ثبتت بالسنة، ولم تثبت قرآنًا.
٢ - حديث عائشة - ﵂ -: (أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي؛ فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) (^٤).
_________________
(١) نص كلام الإمام ابن دقيق العيد: «قوله: (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) تنطلق هذه اللفظة على القرآن خاصة، وقد ينطلق "كتاب الله" على حكم الله مطلقًا. والأولى حمل هذه اللفظة على هذا؛ لأنه ذكر فيه التغريب، وليس ذلك منصوصًا في كتاب الله، إلا أن يؤخذ ذلك بواسطة أمر الله تعالى بطاعة الرسول واتباعه». إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨). ولفظة الحديث التي ذكرها ابن دقيق العيد في كلامه السابق - (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) - فأخرجها في: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد غائبًا عنه (٨/ ١٧٦)، رقم (٦٨٥٩). وهي في صحيح مسلم بلفظ: (إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٧).
(٢) القائل: ابن حجر.
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٣٨).
(٤) صحيح البخاري، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله (٣/ ١٥٢)، رقم (٢٥٦١)، وصحيح مسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (٢/ ١١٤١)، رقم (١٥٠٤).
[ ٢٣ ]
فقول النبي - ﷺ -: (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) يريد به: القرآن والسنة؛ بدليل قوله - ﷺ -: (إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)؛ لأن هذا اللفظ والحكم ثابت في السنة، وليس في القرآن. وإلى هذا نحا ابن بطّال علي بن خلف القرطبي، حيث قال: «قوله: (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (^١) معناه: في حكم الله وقضائه من كتابه وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع الأمة» (^٢).
٣ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو جالس على منبر رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ) (^٣).
فقوله: (وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ) أي: أصله، ثم بينه النبي - ﷺ - بقوله وفعله.
وقال ابن حجر في معنى قول عمر - ﵁ - هذا: «أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي - ﷺ - أن المراد به: رجم الثيب، وجلد البكر، كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف» (^٤).
وفي تسمية السنة بـ"كتاب الله" دلالات عظيمة، منها:
١ - زيادة الاعتناء بها وأهميتها، وعظم شأنها ومكانتها في التشريع الإسلامي، وكونها وحيًا من عند الله - ﷿ -.
٢ - مساواة أحكامها لأحكام القرآن الكريم، وعدم جواز التفريق بينهما في ذلك.
_________________
(١) كذا في شرح صحيح البخاري لابن بطال، وقد تقدم في لفظ الحديث: أن نصه في الصحيحين: (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ). وقد تقدم تخريجه في الحاشية السابقة. وأما لفظة الحديث التي ذكرها ابن بطال - (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) - فأخرجها في: مسند أحمد (٤٢/ ٣٢١)، رقم (٢٥٥٠٤)، وسنن ابن ماجة، كتاب العتق، باب المكاتب (٢/ ٨٤٢)، رقم (٢٥٢١)، والمجتبى من السنن للنسائي "المشهور بـ: سنن النسائي"، كتاب الطلاق، باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك (٦/ ١٦٤)، رقم (٣٤٥١). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ٣١٢)، رقم (٢٠٥٩).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧/ ٧٩).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت (٨/ ١٦٩)، رقم (٦٨٣٠)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى (٣/ ١٣١٧)، رقم (١٦٩١).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٤٨).
[ ٢٤ ]
٣ - وجوب العمل بما ثبت منها كالقرآن الكريم، سواء كان الثابت آحادًا أو متواترًا، وسواء في العقائد والأحكام وغيرهما.
٤ - وجوب التقاضي إليها والحكم بها كما يتقاضى إلى القرآن الكريم ويحكم به.
٥ - وجوب إجلالها واحترامها وتوقيرها، وإن ذلك من إجلال النبي - ﷺ - وتوقيره واحترامه.
٦ - حرمة تنقصها وازدرائها، كما يحرم تنقص وازدراء القرآن الكريم.
[ ٢٥ ]