دعاء النبي - ﷺ - لمن يتعلم السنة بالنضارة
والمقصود بالنضارة هي: الحُسْن في الوجه والبهجة والبهاء (^١). وقد جاء عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) (^٢).
وعن حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) (^٣).
وقد عد جمع من أهل العلم هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، منهم: ابن منده والسيوطي (^٤) والكتاني (^٥)، وغيرهم.
قال الكتاني: «وذكر ابن منده في تذكرته: أنه رواه عن النبي - ﷺ - أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم. نقله ابن حجر في "أماليه المخرجة على مختصر ابن الحاجب الأصلي" (^٦).
_________________
(١) المصباح المنير للفيومي، مادة: "نضر" (٢/ ٦١٠)، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (١/ ٣٠٦).
(٢) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أخرجه في: سنن ابن ماجة، المقدمة، باب من بلغ علمًا (١/ ٨٥)، رقم (٢٣٢)، وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٥/ ٣٤)، رقم (٢٦٥٧، و٢٦٥٨)، وصحيح ابن حبان، كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها (١/ ٢٦٨)، رقم (٦٦)، والمعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٧٨)، رقم (١٣٠٤)، وشعب الإيمان للبيهقي، فصل في فضل العلم وشرف مقداره (٣/ ٢٤٨)، رقم (١٦٠٧). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٩٥)، رقم (١٩٠)، وصحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٦١)، رقم (٢٦٥٧، و٢٦٥٨).
(٣) عن زيد بن ثابت - ﵁ - أخرجه في: مسند أحمد (٣٥/ ٤٦٧)، رقم (٢١٥٩٠)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء (١/ ٣٠٢)، رقم (٢٣٥)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب من بلغ علمًا (١/ ٨٤)، رقم (٢٣٠)، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم (٣/ ٣٢٢)، رقم (٣٦٦٠)، وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٥/ ٣٤)، رقم (٢٦٥٦). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٩٤)، رقم (١٨٨).
(٤) انظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي (ص:٢٨)، رقم (٢).
(٥) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٣٣)، رقم (٣).
(٦) قال الحافظ ابن حجر: «وذكر أبو القاسم ابن منده في تذكرته: رواه عن النبي - ﷺ - أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم. وقد تتبعت طرقه فوقع لي أكثرها وزيادة ستة». موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر لابن حجر (١/ ٣٦٣). ثم أورد القوي منها.
[ ٧٦ ]
وفي "شرح المواهب اللدنية": قال الحافظ: إنه مشهور، وعده بعضهم من المتواتر؛ لأنه ورد عن أربعة وعشرين صحابيًا، وسردهم (^١). اهـ.
وفي "شرح التقريب" للسيوطي -كما تقدم عنه-: إنه وارد عن نحو ثلاثين منهم (^٢)» (^٣).
قال أبو سليمان الخطابي عن معنى الحديث: «قوله: (نَضَّرَ اللَّهُ) معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي: النعمة والبهجة. يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف» (^٤).
قال البغوي: «وقيل: ليس هذا من حسن الوجه، إنما معناه: حسن الجاه والقدر في الخلق» (^٥).
قلت: وفي الحديث دلالة على: فضل حفظ السنة واستظهارها، والاشتغال بها واستنباط معانيها وفقهها، ونشرها وتبليغها.
وفيه كذلك: الإشارة إلى تكرار الحديث للحفظ، والمحافظة على لفظ الحديث في الرواية؛ لقوله - ﷺ -: (فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ). وألا يعمد إلى اختصاره أو روايته بالمعنى دون حاجة إلى ذلك.
وفيه أيضًا: فضل التفقه، وأن من الرواة من يفتح له في فهم الحديث واستخراج أسراره وفقهه ومنهم من ينغلق عليه فهمه فلا يصل إلى شيء من معانيه البتة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
_________________
(١) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (٧/ ٣١١).
(٢) تدريب الراوي للسيوطي (٢/ ٦٣٠).
(٣) نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٣٤).
(٤) معالم السنن للخطابي (٤/ ١٨٧).
(٥) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٣٦).
[ ٧٧ ]