جاءت الأحاديث النبوية بعقوبات مختلفة في حق من يتهاون بالسنة، ومن تلكم العقوبات:
١ - تصلّب اليد. فعن سلمة بن الأكوع - ﵁ -: (أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) (^١).
٢ - المسخ، وهو: تحويل الإنسان من صورته إلى صورة حيوان. وقد وقع هذا في الأمم السابقة، وسيقع أيضًا في هذه الآمة في آخر الزمان، كما أخبر النبي - ﷺ -. فعن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ -أَوْ: يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ-) (^٣)؟
٣ - الخسف، وهو: انشقاق الأرض وابتلاعها وتغييبها لشخص فيها بأمر الله تعالى. وقد خسف الله تعالى في الأمم السابقة بقارون وغيره، وسيقع أيضًا في هذه الأمة بأقوام. فعن حذيفة بن أسيد الغفاري - ﵁ - قال: (اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ-، فَذَكَرَ-: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - ﷺ -، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ) (^٤).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامها (٣/ ١٥٩٩)، رقم (٢٠٢١).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (٧/ ١٠٦)، رقم (٥٥٩٠).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام (١/ ١٤٠)، رقم (٦٩١)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما (١/ ٣٢٠)، رقم (٤٢٧).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).
[ ٥٠ ]
٤ - القذف بالحجارة. وقد وقع مثل هذا لقوم لوط - ﵇ - وأصحاب النيل، وسيقع أيضًا في هذه الأمة في آخر الزمان. فعن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ. قِيلَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ) (^١).
٥ - الحمل بالريح. فعن أبي حميد الساعدي - ﵁ - قال: (غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا. وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) (^٢).
وفي رواية ابن إسحاق قال: (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا (^٣)،
_________________
(١) المعجم الكبير الطبراني (٦/ ١٥٠)، رقم (٥٨١٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٦٨٣)، رقم (٣٦٦٥). وفي سنن الترمذي: عن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الخُمُورُ). سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف (٤/ ٤٩٥)، رقم (٢٢١٢). وقال الترمذي: «حديث غريب». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٢/ ٤٧٩)، رقم (٢٢١٢).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب خرص التمر (٢/ ١٢٥)، رقم (١٤٨١)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢).
(٣) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم شرب شيء من مياه آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- جاء في:
(٤) حديث ابن عمر - ﵄ -: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا نَزَلَ الحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَلَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا. فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ المَاءَ). صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] (٤/ ١٤٨)، رقم (٣٣٧٨).
(٥) حديث محمد بن إسحاق في مرور النبي - ﷺ - بالْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ-، وفيه: (فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا). دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في "مرويات الإمام الزهري في المغازي" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).
[ ٥١ ]
وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ (^١)، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا (^٢)، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ. فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إلَّا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي
_________________
(١) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم الوضوء للصلاة من مياه آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- جاء في:
(٢) حديث محمد بن إسحاق: ذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ). دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣). وفي رواية البيهقي: عن ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي -أو عن العباس عن سهل بن سعد - ﵁ -، الشك مني-: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ وَنَزَلَهَا اسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مائها شيئًا ولا تتوضئوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ). دلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في "مرويات الإمام الزهري في المغازي" عن رواية البيهقي: «وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق "ابن هشام (٢/ ٥٢١) " عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ليس فيها ذكر الزهري. وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).
(٣) أمر النبي - ﷺ - للصحابة - ﵃ - بإهراق الماء الذي استقوه من بئر ثمود -كما في الحديث المذكور في الحاشية السابقة، وأيضًا الحديث الذي سيأتي في الحاشية التي بعد هذه- يُفهم منه: نهيه - ﷺ - لهم - ﵃ - من الوضوء بهذا الماء.
(٤) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم الأكل مما عجنوه بماء آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- وأن يعلفوه الإبل جاء في: حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -: (أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ). صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] (٤/ ١٤٩)، رقم (٣٣٧٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (٤/ ٢٢٨٦)، رقم (٢٩٨١).
[ ٥٢ ]
طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ. فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ (^١)، وَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ (^٢)، حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طيِّئ (^٣). فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: (أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ)؟ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الْآخَرُ الَّذِي وَقَعَ بِجَبَلَيْ طيِّئ فَإِنَّ طيِّئا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) (^٤).
_________________
(١) قال محقق السيرة النبوية لابن كثير -مصطفى عبد الواحد- عن معنى: (خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ): في موضع قضاء الحاجة. السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٢١)، حاشية رقم (١).
(٢) يُلاحظ هنا الاختلاف بين رواية ابن إسحاق عما جاء في حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - المتقدم- في المكان الذي هبت فيه هذه الريح الشديدة التي احتملت الرجل الذي قام لما هبت وألقته في جبل طَيِّئ، ففي رواية أبي حميد الساعدي - ﵁ - السابقة في الصحيحين: أن هذه الريح التي احتملت الرجل وألقته في جبل طَيِّئ هبت في تبوك. والمذكور في رواية ابن إسحاق هذه: أن هذه الريح هبت في الحجر، وليس في تبوك.
(٣) عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - في حديث قصة خروجهم مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك -وفيه-: (وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ. فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ). صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢). وأخرجه كذلك البخاري في صحيحه بلفظ: (فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ -أي: الريح- بِجَبَلِ طَيِّئٍ). صحيح البخاري. وقد تقدم.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢). والحديث أخرجه في: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في "مرويات الإمام الزهري في المغازي" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).
[ ٥٣ ]
٦ - الوعيد بالمخالفة بين الوجوه. فعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) (^١).
قال النووي عن معنى هذا الحديث: «قيل: معناه: يمسخها ويحولها عن صورها؛ لقوله - ﷺ -: (يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) (^٢). وقيل: يغير صفاتها.
والأظهر -والله أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه عليَّ. لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن» (^٣).
_________________
(١) قال محقق السيرة النبوية لابن كثير -مصطفى عبد الواحد- عن معنى: (خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ): في موضع قضاء الحاجة. السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٢١)، حاشية رقم (١).
(٢) يُلاحظ هنا الاختلاف بين رواية ابن إسحاق عما جاء في حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - المتقدم- في المكان الذي هبت فيه هذه الريح الشديدة التي احتملت الرجل الذي قام لما هبت وألقته في جبل طَيِّئ، ففي رواية أبي حميد الساعدي - ﵁ - السابقة في الصحيحين: أن هذه الريح التي احتملت الرجل وألقته في جبل طَيِّئ هبت في تبوك. والمذكور في رواية ابن إسحاق هذه: أن هذه الريح هبت في الحجر، وليس في تبوك.
(٣) عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - في حديث قصة خروجهم مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك -وفيه-: (وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ. فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ). صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢). وأخرجه كذلك البخاري في صحيحه بلفظ: (فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ -أي: الريح- بِجَبَلِ طَيِّئٍ). صحيح البخاري. وقد تقدم.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢). والحديث أخرجه في: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في "مرويات الإمام الزهري في المغازي" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام (١/ ٣٢٤)، رقم (٤٣٦). وفي رواية في الصحيحين: عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ). صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها (١/ ١٤٥)، رقم (٧١٧)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام (١/ ٣٢٤)، رقم (٤٣٦).
(٦) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.
(٧) شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ١٥٧).
[ ٥٤ ]
٧ - العقوبة في الأهل. فعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَافِلًا، فانْسلَ رَجُلَانِ إِلَى أَهْلَيْهِمَا، فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) (^١).
_________________
(١) سنن الدارمي، المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - ﷺ - حديث فلم يعظمه ولم يوقره (١/ ٤٠٩)، رقم (٤٥٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٢٤٥)، رقم (١١٦٢٦). وقال الهيثمي: «وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف، وقد وثق». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٤/ ٣٣٠)، رقم (٧٧٣٩). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف؛ لضعف زمعة». سنن الدارمي (١/ ٤٠٩). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ١٢٢٩)، رقم (٧٣٦٢). قلت: وله شاهد حسن مرسل عن سعيد بن المسيب، وهو: عن سعيد بن المسيب قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ نَزَلَ الْمُعَرَّسَ ثُمَّ قَالَ: لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا. فَخَرَجَ رَجُلَانِ مِمَّنْ سَمِعَ مَقَالَتَهُ فَطَرَقَا أهْلْهما، فَوَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا). سنن الدارمي، المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - ﷺ - حديث فلم يعظمه ولم يوقره (١/ ٤١٠)، رقم (٤٥٩)، ومساوئ الأخلاق للخرائطي، باب ما جاء فيما يكره للمسافر إذا قدم من سفره أن يطرق أهله ليلًا (ص:٣٩١)، رقم (٨٠٢). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «مرسل وإسناده حسن؛ من أجل عبد الرحمن بن حرملة -راويه عن سعيد بن المسيب-». سنن الدارمي (١/ ٤١٠). وقال في "القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية" -جمع وتحقيق: الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني-: «رجاله ثقات». القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية للدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني (ص:١١٩)، حاشية رقم (٣٣٩). وله أيضًا: شاهد حسن كذلك عن ابن عمر - ﵁ - عند ابن خزيمة، فقد أخرج ابن خزيمة: عن ابن عمر - ﵄ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تطرق النساء ليلًا. فطرق رجلان، كلاهما وجد مع امرأته ما يكره). صحيح ابن خزيمة، كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا (١١/ ٢٥٤، و٢٥٥). نقلًا عن: أنيس الساري في تخريج وتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري لأبي حذيفة نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي (٩/ ٦١٤٨)، رقم (٤٣٢٣). وفي رواية عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أيضًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَزَلَ الْعَقِيقَ فَنَهَى عَنْ طُرُوقِ النِّسَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا، فَعَصَاهُ فَتَيَانِ، فَكِلَاهُمَا رَأَى مَا كَرِهَ). مسند أحمد (١٠/ ٧٧)، رقم (٥٨١٤). وقال العراقي: «رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند جيد». المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار "مطبوع في: هامش إحياء علوم الدين" لزين الدين العراقي (ص:٤٨٤)، رقم (١). وقال الهيثمي: «رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجالهم ثقات». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٤/ ٣٣٠)، رقم (٧٧٣٦). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (١٠/ ٧٧)، حاشية رقم (٤). وقال الألباني عن سنده: «وهذا إسناد جيد». السلسلة الصحيحة للألباني (٧/ ٢٢٣)، ذكره تحت رقم (٢٠٨٥).
[ ٥٥ ]
ومثل هذه: قصة عُويمر العجلاني - ﵁ -، فقد نهى الله تعالى ورسوله - ﷺ - عن السؤال عما لم يقع؛ خشية أن يكون فيه ضرر على السائل أو غيره من المسلمين، فأبى عُويمر - ﵁ - إلا أن يسأل، فابتُلي - ﵁ - بما سأل عنه، فعن سعيد بن جبير: أنه لما سئل "عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" ولم يدرِ بما يجيب ذهب إلى ابن عمر - ﵄ - في منزله بمكة ولما دخل عليه سأله: (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ) (^١)، إلى آخر الحديث.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (٢/ ١١٣٠)، رقم (١٤٩٣). وتمام الحديث: (فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]. فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ: إِنَّهُ لَمِنِ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ: إِنَّهُ لَمِنِ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا).
[ ٥٥ ]
وكذلك قال عاصم بن عدي - ﵁ -، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: (أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ (^١) عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلَّا لِقَوْلِي) (^٢)، إلى آخر الحديث.
٨ - الفشل والهزيمة والتراجع وذهاب الريح. فعن البراء - ﵁ - قال: (لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ (^٣)، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا. فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَلَا تَبْرَحُوا. فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا. وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي) (^٤).
فقوله: (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: الطاعة والامتثال لرسول الله - ﷺ - في أحد بلزوم مكانهم وألا يبرحوه على أي حال كانت وجهة المعركة صُرفت وجوهم وعُوقبوا بالقتل والتراجع والفشل، وهو ما أشار قوله تعالى إليه في الآية:
_________________
(١) وفي رواية في صحيح البخاري: (ذُكِرَ المُتَلَاعِنَان). صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول الإمام: "اللهم بيّن" (٧/ ٥٦)، رقم (٥٣١٦).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول النبي - ﷺ -: (لو كنت راجمًا بغير بينة) (٧/ ٥٥)، رقم (٥٣١٠)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (٢/ ١١٣٤)، رقم (١٤٩٧). وتمام الحديث: (فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اللَّهُمَّ بَيِّنْ. فَجَاءَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا. قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ).
(٣) يعني: يوم أحد.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد (٥/ ٩٤ - ٩٥)، رقم (٤٠٤٣).
[ ٥٦ ]
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران:١٥٢].
[ ٥٧ ]
ثانيًا