وهذا أحد العوامل البارزة في حفظ السنة؛ إذ أنه بجرح الراوي أو تعديله تعرف حاله من عدالة أو ضعف، ومن ثم يقبل حديثه أو يرد. وعلى هذا الأساس قبل حديث الثقة والصدوق، ورد حديث الضعيف والمتروك والكذاب.
وقد كان العلماء في غاية النزاهة والأمانة والإنصاف في هذا الجانب، فلم يكونوا يقبلون جرحًا صادرًا عن جهل أو هوى أو ضعف أو اختلاف في العقيدة أو إذا كان مبهمًا، وإذا كان في الراوي جرح وتعديل لم يكونوا يقتصرون على ذكر الجرح فيه فقط، بل كانوا يذكرون الجرح والتعديل فيه معًا، ولم يحابوا أحدًا من المجروحين ولو كان أقرب الناس إليهم. قال الحافظ البيهقي: «ومن أنعم (^٢) النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة وما يُقبل من الأخبار وما يُرد علم أنهم لم يألوا جهدًا في ذلك،
_________________
(١) وقد رتبتهم حسب تواريخ وفاتهم.
(٢) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب: أمعن.
[ ٤٦ ]
حتى إذا (^١) كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال. والحكايات عنهم في ذلك كثيرة» (^٢).
ولأهمية هذا العلم في حفظ السنة فقد أفرده العلماء بالتصنيف، وصنفوا في كل نوع من أنواعه:
- فمنهم من صنف في حقيقته وضوابطه وعباراته وأقسامه.
- ومنهم من صنف في المجروحين والثقات من رواته وما قيل فيهم من جرح أو تعديل بإفراد كل نوع عن الآخر في بعض المصنفات، وبدمج الجميع في البعض الآخر.