السؤال الذي يطرح نفسه على أي مشكك في السنة النبوية: هل ما تطرحه أنت شبهات أم حقائق؟
فإن كانت شبهات فاعلم أن الشبهة هي في رأسك فقط (^١)، ولها حل إذا كنت تريد الحق، وإن كانت حقائق كما تزعم فيلزم من ذلك أن المسلمين كانوا جميعًا منذ القرن الأول على ضلال وباطل، وأنت فقط على الحق.؟ وهذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، مما يدل بل ويبطل جميع شبهاتك وضلالاتك وإفكك.
_________________
(١) ومما ينبغي أن يُعلم هنا: أن الشبه لا ترد على دين الله - ﷿ - قرآنا وسنة- أصلًا وإن ادعى المشككون ذلك. ويدل على ذلك: حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قال: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ). مسند أحمد (٢٨/ ٣٦٧)، رقم (١٧١٤٢)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦)، رقم (٤٣). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٣٣)، رقم (٤١). قال الإمام السندي: «قوله: (عَلَى الْبَيْضَاءِ) أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلًا، فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها، وإليه الإشارة بقوله: (لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا)». حاشية السندي على سنن ابن ماجة (١/ ٢٠). فصار (لَيْلُهَا) أي: حال إيراد الشُّبه عليها (كَنَهَارِهَا) أي: كحال كشفِ الشبه عنها ودفعها عنها، فلا ينقص وضوحُها بإيراد الشبه عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى لمحمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأُرمي العَلوي الأثيوبي الهَرَري الكري البُوَيطي (١/ ١٦٥). وقال ابن الأمير الصنعاني: «(لَيْلُهَا) في إشراقه (كَنَهَارِهَا)، المراد: أنه لا لبس فيها ولا ريب، بل قد اتضحت إيضاح النهار. ومنه يُعلم أنه لا لبس في دين الله، ولا يحتاج إلى تكلفات المتكلمين وشطحات المتهوكين». التنوير شرح الجامع الصغير لابن الأمير الصنعاني (٨/ ٤٩). وقوله - ﷺ -: (لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ)، أي: لا يضل ولا يميل عن تلك الملة البيضاء إلى غيرها بعد وفاتي إلا من سبق عليه الهلاك الأبدي في علمه تعالى والحرمان عنها وحُكِم عليه به. أتى من قبل نفسه. انظر: التنوير شرح الجامع الصغير لابن الأمير الصنعاني (٨/ ٤٩)، ومرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجة والقول المكتفى على سنن المصطفى لمحمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأُرمي العلوي الأثيوبي الهَرَري الكري البُويطي (١/ ١٦٥). والمعنى: لا يميل ولا يخرج عن الملة ويعمل بخلافها متعمدًا إلا الهالك الذي مأواه جهنم وبئس المصير. مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه لمحمد بن علي بن آدم بن موسى (١/ ٥٤٦).
[ ١٠ ]
ودليل آخر: هل هذا الذي تقوله قاله المتقدمون قبلك أم لا؟
فإن كانوا قد قالوا به فأين مصدره إن كنت صادقًا؟ وإن لم يقولوا به فهذا يدل على أن ما تقوله مجرد شبهات ضالة، طرأت عليك أنت فقط؛ لمرض في قلبك وفساد في عقلك وعقيدتك، فاذهب وأصلح قلبك وعقيدتك، وإلا فالمصير لك محتوم، والعاقبة بالسوء معلومة (^١).
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣، والزمر:٢٣، والزمر:٣٦، وغافر:٣٣].
_________________
(١) قال الآجري: «فكل من رد سنن رسول الله - ﷺ - وسنن أصحابه فهو ممن شاقق الرسول وعصاه، وعصى الله تعالى بتركه قبول السنن، ولو عقل هذا الملحد وأنصف من نفسه علم أن أحكام الله - ﷿ - وجميع ما تعبد به خلقه إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وقد أمر الله - ﷿ - نبيه - ﵇ - أن يبين لخلقه ما أنزله عليه مما تعبدهم به، فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. وقد بين - ﷺ - لأمته جميع ما فرض الله - ﷿ - عليهم من جميع الأحكام، وبين لهم أمر الدنيا وأمر الآخرة وجميع ما ينبغي أن يؤمنوا به، ولم يدعهم جهلة لا يعلمون، حتى أعلمهم أمر الموت والقبر وما يلقى المؤمن وما يلقى الكافر وأمر المحشر والوقوف وأمر الجنة والنار حالًا بعد حال، يعرفه أهل الحق». المصدر السابق (٣/ ١٢٠٥ - ١٢٠٦).
[ ١١ ]