اللهم إني أحمدك كثيرًا، حمدًا يليق بجلالك وعظمتك، وأصلي وأسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد اطلعت على منشور لشخص يدعي أنه مستشار ومحام وباحث إسلامي (^١) يتهجم فيه على السنة وخاصة الصحيحين، ويقدح فيهما وفي صاحبيهما، وينكر القولية منها دون العملية (^٢)،
_________________
(١) هو: المستشار/ أحمد عبده ماهر. وهو مصري، وقد عرف نفسه في بداية منشوره بأنه: "كاتب"، قال في نهاية المنشور بأنه: "محام بالنقض وباحث إسلامي". وهو مصري. ومنشوره هذا منشور في صفحته في الفيس بوك، بعنوان: "صور من الضياع الفقهي للفقهاء"، ملأه برد السنة النبوية، بل وتضمن ردًا لبعض الآيات القرآنية -مع ادعائه باتباعه للقرآن فقط- التي تتوافق مع ما رده من السنه، كما سيأتي في هذا الفصل بالتفصيل، وكذلك ملأه بالتهجم على العلماء والمحدثين والفقهاء.
(٢) وقد استهله بقوله: «إن من أهم اختراعاتهم -يقصد: الفقهاء، كما هو واضح من عنوان المنشور- لصرفنا عن كتاب الله هي الأحاديث التي نسبوها كذبًا لرسول الله الكريم، فوقفوا بالمرصاد لكتاب الله، فإن قال القرءان: يمين قالوا: يسار». والعجيب -بل الذي لا ينقضي منه العجب- أن الكثير من شبهاته التي ساقها في هذا المنشور تدور حول مسائل تواترت فيها الأحاديث أو أجمع عليها المسلمون، أو جمعت بين الاثنين! كما سيأتي في ثنايا الرد على ما أورده من شبهات. والله المستعان. ومن الملاحظ على المنشور كذلك: أن صاحبه لا يجيد حتى اللغة العربية، فالمنشور ممتلئ بالأخطاء اللغوية -مع أن المنشور صفحات قليلة جدًا، تزيد على العشر الصفحات بصفحتين أو ثلاث فقط-! وقد نبهت على بعض الأخطاء اللغوية والنحوية في مواضعها، وما تكرر منها كثيرًا فقد نبهت في أول موضع تُذكر على أن ما يتكرر منها بنفس الخطأ فهو كذا في المنشور، وأما الأخطاء الكتابية والإملائية فهي كثيرة جدًا، وهذه قد أوردتها على الصواب، وأهملت ذكر الخطأ الذي وردت به في المنشور. كما سيأتي في ذكر أقواله بنصوصها في الشبهات التي أوردها في منشوره.
[ ٧٩ ]
ويدعي تعارضها مع القرآن الكريم (^١).
_________________
(١) قال الإمام الآجري: «باب التحذير من طوائف يعارضون سنن النبي - ﷺ - بكتاب الله تعالى وشدة الإنكار على هذه الطبقة: قال محمد بن الحسين -يقصد: نفسه-: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - في شيء قد ثبت عند العلماء فعارض إنسان جاهل فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن حذرناك النبي - ﷺ -، وحذر منك العلماء. وقيل له: يا جاهل! إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه - ﷺ - أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. فأقام الله تعالى نبيه - ﵇ - مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣]، وقال - ﷿ -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. ثم فرض على الخلق طاعته - ﷺ - في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه تعالى». الشريعة للآجري (١/ ٤١٠ - ٤١١). وقال أيضًا: «جميع فرائض الله التي فرضها الله في كتابه لا يُعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله - ﷺ -. هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين. نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. وقد روي عن النبي - ﷺ - وعن صحابته - ﵃ - مثل ما بينت لك. فاعلم ذلك». المصدر السابق (١/ ٤١٢).
[ ٨٠ ]
وقد ترددت كثيرًا في الرد على هذا المشكك للسنة والمنكر لها كثيرًا؛ لاعتقادي في أول الأمر عدم جدوى مثل هذه الردود عند هؤلاء القوم؛ لكونهم ينطلقون من منطلق فكري وعقدي معين، غير أني راجعت نفسي في هذا بعد إلحاح من بعض المشايخ وطلبة العلم؛ لكون هذه الشبه تثار كثيرًا، وتتناقل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وتجد لها قبولًا وتأثيرًا عند قليلي العلم والجهلة وأضرابهما.
فأعدت النظر في موقفي، وخلصت بعد تأمل وتفكير إلى حتمية الرد. وهو وإن كان لا يجدِ عند أولئك المشككين والطاعنين في السنة فإنه يجدي عند غيرهم ولو بِنِسَبٍ متفاوتة.
وأيضًا يأتي هذا الرد لسد ثغرة لم أجد من سدها فيما أعلم.
وكذلك لتجديد البحث والطلب لديَّ. إلى غير ذلك من الفوائد.
وأسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٨٠ ]
توطئة