قالت المعتزلة والخوارج وأكثر الزيدية والمرجئة وكثير من الرافضة أن القرآن كلام الله سبحانه وأنه مخلوق لله لم يكن ثم كان.
وقال هشام بن الحكم ومن ذهب مذهبه أن القرآن صفة لله لا يجوز أن يقال أنه
مخلوق ولا أنه خالق، هكذا الحكاية عنه، وزاد البلخي في الحكاية أنه قال: لا يقال غير مخلوق أيضًا كما لا يقال مخلوق لأن الصفات لا توصف.
وحكى زرقان عنه أن القرآن على ضربين: إن كنت تريد
[ ٥٨٢ ]
المسموع فقد خلق الله سبحانه الصوت المقطع وهو رسم القرآن وأما القرآن ففعل الله مثل العلم والحركة منه لا هو هو ولا هو غيره.
وقال محمد بن شجاع الثلجي ومن وافقه من الواقفة أن القرآن كلام الله وأنه محدث كان بعد أن لم يكن وبالله كان وهو الذي أحدثه وامتنعوا من إطلاق القول بأنه مخلوق أو غير مخلوق.
وقال زهير الأثري أن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد.
وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول أن الله لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل قادرًا على الكلام ويقول أن كلام الله محدث غير مخلوق وهذا قول داود الأصبهاني.
وقال أبو معاذ التومني: القرآن كلام الله وهو حدث وليس بمحدث وفعل وليس لمفعول وامتنع أن يزعم أنه خلق ويقول ليس بخلق ولا مخلوق وأنه قائم بالله ومحال أن يتكلم الله سبحانه بكلام قائم بغيره كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره، وكذلك يقول في إرادة الله ومحبته وبغضه أن ذلك أجمع قائم بالله، وكان يقول أن بعض القرآن أمر وهو الإرادة من الله سبحانه للإيمان لأن معنى أن الله أراد الإيمان هو أنه أمر به.
[ ٥٨٣ ]
وحكى زرقان عن معمر أنه قال أن الله سبحانه خلق الجوهر والأعراض التي هي فيه هي فعل الجوهر وإنما هي فعل الطبيعة فالقرآن فعل الجوهر الذي هو فيه بطبعه فهو لا خالق ولا مخلوق وهو محدث للشيء الذي هو حال فيه بطبعه.
وحكي عن ثمامة بن أشرس النميري أنه قال: يجوز أن يكون من الطبيعة ويجوز أن يكون الله سبحانه يبتدئه، فإن كان الله سبحانه ابتدأه فهو مخلوق وإن كان فعل الطبيعة فهو لا خالق ولا مخلوق.
وهذا قول عبد الله بن كلاب:
قال عبد الله بن كلاب أن الله سبحانه لم يزل متكلمًا وأن كلام الله سبحانه صفة له قائمة به وأنه قديم بكلامه وأن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به والقدرة قائمة به وهو قديم بعلمه وقدرته، وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير وأنه معنى واحد بالله ﷿ وأن الرسم هو الحروف المتغايرة وهو قراءة القرآن، وأنه خطأ أن يقال: كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره وأن العبارات عن كلام الله سبحانه تختلف وتتغاير وكلام الله سبحانه ليس بمختلف ولا متغاير كما أن ذكرنا لله ﷿ يختلف ويتغاير والمذكور لا يختلف ولا يتغاير، وإنما سمي كلام الله
[ ٥٨٤ ]
سبحانه عربيًا لأن الرسم الذي هو العبارة عنه وهو قراءته عربي فسمي عربيًا لعلة وكذلك سمي عبرانيًا لعلة وهي أن الرسم الذي هو عبارة عنه عبراني، وكذلك سمي أمرًا لعلة وسمي نهيًا لعلة وخبرًا لعلة، ولم يزل الله متكلمًا قبل أن يسمى كلامه أمرًا وقبل وجود العلة التي لها سمي كلامه أمرًا وكذلك القول في تسمية كلامه نهيًا وخبرًا وأنكر أن يكون البارئ لم يزل مخبرًا أو لم يزل ناهيًا وقال أن الله لا يخلق شيئًا إلا قال له كن ويستحيل أن يكون قوله كن مخلوقًا.
وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله ﷿ وأن موسى ﵇ سمع الله متكلمًا بكلامه وأن معنى قوله: فأجره حتى يسمع كلام الله معناه حتى يفهم كلام الله ويحتمل على مذهبه أن يكون معناه: حتى يسمع التالين يتلونه.
وقال بعض من أنكر خلق القرآن أن القرآن قد يسمع ويكتب وأنه متغاير غير مخلوق، وكذلك العلم غير القدرة والقدرة غير العلم، وأن الله سبحانه لا يجوز أن يكون غير صفاته وصفاته متغايرة وهو غير متغاير، وقد حكي عن صاحب هذه المقالة أنه قال: بعض القرآن
[ ٥٨٥ ]
مخلوق وبعضه غير مخلوق فما كان منه مخلوقًا فمثل صفات المخلوقين وغير ذلك من أسمائهم والأخبار عن أفاعيلهم، وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث وأن الله سبحانه لم يزل به متكلمًا وأنه مع ذلك حروف وأصوات وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله سبحانه متكلمًا بها.
وحكي عن ابن الماجشون أن نصف القرآن مخلوق ونصفه غير مخلوق.
وحكى بعض من يخبر عن المقالات أن قائلًا من أصحاب الحديث قال: ما كان علمًا من علم الله سبحانه في القرآن فلا نقول مخلوق ولا نقول غير الله وما كان فيه من أمر ونهي فهو مخلوق، وحكاه هذا الحاكي عن سليمان بن جرير وهو غلط عندي.
وحكى محمد بن شجاع أن فرقة قالت أن القرآن هو الخالق، وأن فرقة قالت: هو بعضه، وحكى زرقان أن القائل بهذا وكيع ابن الجراح، وأن فرقة قالت أن الله بعض القرآن وذهب إلى أنه مسمى فيه فلما كان اسم الله سبحانه في القرآن والاسم هو المسمى كان الله في القرآن، وأن فرقة قالت: هو أزلي قائم بالله سبحانه لم يسبقه.
وكل القائلين أن القرآن ليس بمخلوق كنحو عبد الله بن
[ ٥٨٦ ]
كلاب ومن قال أنه محدث كنحو زهير ومن قال أنه حدث كنحو أبي معاذ التومني يقولون أن القرآن ليس بجسم ولا عرض.
واختلفوا في كلام الله سبحانه هل يسمع أم لا يسمع:
فقال قائلون: ليس يسمع كلام الله إلا بمعنى أنا نفهمه وإنما نسمعه متلوًا أي نسمع
تلاوته وأن موسى ﵇ سمعه من الله ﷿.
وقال قائلون: لسنا نسمع كلام الله بأسماعنا ولا نسمع أيضًا كلام البشر بأسماعنا وإنما نسمع في الحقيقة الشيء المتكلم متكلمًا فموسى سمع الله سبحانه متكلمًا ولا سمع كلامًا في الحقيقة وأنه يستحيل أن يسمع ما ليس بقائم بنفسه.
وقال قائلون: المسموع هو الكلام أو الصوت وكلام البشر يسمع في الحقيقة وكذلك كلام الله نسمعه في الحقيقة إذا كان متلوًا، وأنه هذه الحروف التي نسمعها ولا نسمع الكلام إذا كان محفوظًا أو مكتوبًا.
وقال قائلون: لا مسموع إلا الصوت وأن كلام الله سبحانه يسمع لأنه صوت وكلام البشر لا يسمع لأنه ليس بصوت إلا على
[ ٥٨٧ ]
معنى دلائله التي هي أصوات مقطعة تسمع، وهذا قول النظام.
واختلف القائلون أن القرآن مخلوق في القرآن ما هو وكيف يوجد في الأماكن:
فقال قائلون: هو جسم من الأجسام ومحال أن يكون عرضًا لأنهم ينكرون أن يكون الله سبحانه أو أحد عباده يفعل عرضًا ولا يفعل عنده شيئًا إلا ما كان جسمًا إلا الله وحده فإنه عندهم شيء وليش بجسم ولا عرض، هذه حكاية قول جعفر بن مبشر وأظن أنا أن هذا قول الأصم.
وقال قائلون: إن كلام الخلق عرض وهو حركة وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وإنما أفعل قراءتي وهي حركتي وهي غير القرآن.
وحكى ابن الراوندي أنه سمع بعض أهل هذه المقالة يزعم أنه كلام في الجو وأن القارئ يزيل مانعه بقراءته فيسمع عند ذلك، وهذا قول إبراهيم النظام في غالب ظني.
[ ٥٨٨ ]
وزعم زاعم أن كلام الله سبحانه باق والأجسام يجوز عليها البقاء وأما كلام
المخلوقين فلا يجوز عليه البقاء.
وحكى زرقان عن الجهم أنه كان يقول أن القرآن جسم وهو فعل الله وأنه كان يقول أن الحركات أجسام أيضًا وأنه لا فاعل إلا الله ﷿.
وقال قائلون: القرآن عرض من الأعراض وأثبتوا الأعراض معاني موجودة منها ما يدرك بالأبصار ومنها ما يدرك بالأسماع ثم كذلك سائر الحواس، ونفى هؤلاء أن يكون القرآن جسمًا ونفوا عن الله ﷿ أن يكون جسمًا.
وقال قائلون: القرآن معنى من المعاني وعين من الأعيان خلقه الله ﷿ ليس بجسم ولا عرض، وهذا قول ابن الراوندي.
وبعضهم يثبت الله جسمًا وينفي الأعراض ويحيل أن يوجد شيء بعد العدم إلا جسم.
قال جعفر بن مبشر: واختلف الذين زعموا أن كلام الله سبحانه جسم، فقالت طائفة منهم أن القرآن جسم خلقه الله سبحانه في اللوح
[ ٥٨٩ ]
المحفوظ ثم هو من بعد ذلك مع تلاوة كل تال يتلوه مع خط كل من يكتبه ومع حفظ كل من يحفظه فكل تال له فهو ينقله إليه بتلاوته وكذلك كل كاتب يكتبه فهو ينقله إليه بخطه وكذلك كل حافظ فهو ينقله إليه بحفظه فهو منقول إلى كل واحد على حياله وهو جسم قائم مع كل واحد منهم في مكانه على غير النقل المعقول من نقل الأجسام وهو مرئي ندركه بالأبصار، كذا حكم الكلام عند هؤلاء، فهو جسم خارج عن قضايا سائر الأجسام سواه لا يشبهه شيء من الأجسام ولا يشبه شيئًا منها، في معناه: إن لم يكن هذا هكذا فليس القرآن مخلوقًا عندهم وليس بمسموع عندهم.
وقالت طائفة أخرى منهم: القرآن جسم من الأجسام قائم بالله في غير مكان ومحال أن يكون بعينه ينتقل أو ينقل لأنه لا يجوز عند هؤلاء النقلة إلا عن مكان فلما كان القرآن عندهم جسمًا قائمًا بالله لا في مكان وأحلوا الزوال إلا عن مكان
أحالوا أن ينقل القرآن ناقل لا الله ولا أحد من خلقه، فإذا تلاه تال أو كتبه كاتب أو حفظه حافظ فإنما ذلك عند هؤلاء يأتي به الله يخلقه مع تلاوة كل من تلاه
[ ٥٩٠ ]
وخط كل من كتبه وحفظ كل من حفظه، فكلما تلاه تال فإنما يسمع منه خلق الله مخترعًا في تلك الحال، وكذلك كلما كتبه كاتب فإنما تدركه الأبصار جسمًا اخترعه الله في هذه الحال وكذلك إذا حفظه حافظ فإنما يحفظ القرآن الذي خلقه الله في قلبه في تلك الحال، وإنما كان هذا هكذا عند هؤلاء لأنه كلام الله ﷿ فهو في عينه يخلق في حال بعد حال يخلق مع تلاوة التالي مسموعًا من الله قائمًا بالله لا بالتالي ولا بغيره يخلق مع خط الكاتب مرئيًا قائمًا بالله لا بالكاتب والخط، وذلك كله عند هؤلاء أن الله بكل مكان على غير كون الجسم في الجسم وكذلك كلامه قائم بالله فهو بكل مكان على غير ما يعقل من كون الأجسام في الأماكن لأنه قائم بالله والله في مكان، وإن لم يكن هذا في القرآن هكذا لم يكن القرآن مخلوقًا ولم يسمع القرآن كما قال الله سبحانه: فأجره حتى يسمع كلام الله إنما تأويله فأجره حتى يسمع كلام الله من الله لا من غيره ولا بغيره.
وقالت طائفة منهم أخرى بمثل ما قال هؤلاء أنه جسم قائم بالله سبحانه في كل مكان يخلقه الله ﷿ غير أنهم أحالوا أن يكون الله
[ ٥٩١ ]
يخلقه بعينه في كل حال ولكن الله يخلق مع تلاوة كل تال وحفظ كل حافظ وخط كل كاتب مثل القرآن فيكون هذا هو القرآن أو مثله بعينه لا هو هو في نفسه، ومحال أن يرى القرآن أو يسمع عند هؤلاء إلا من الله دون خلقه لأنه محال أن يرى راء أو يسمع سامع عند هؤلاء إلا ما كان مخلوقًا جسمًا، فهذه أقاويل من قال أن القرآن جسم.
فأما الفرقة التي زعمت أن القرآن ليس بجسم ولا عرض فهما طائفتان:
قال فريق منهم أن القرآن عين من الأعيان ليس بجسم ولا عرض قائم بالله وهو غيره ومحال أن يقوم بغير الله، وهو عند هؤلاء إذا تلاه التالي أو خطه الكاتب أو
حفظه الحافظ فإنما يخلق مع تلاوة كل تال وحفظ كل حافظ وخط كل كاتب قرآن آخر مثل القرآن قائمًا بالله دون التالي والكاتب والحافظ.
وقال فريق منهم وهم الذين يجعلون الله سبحانه جسمًا لا كالأجسام
[ ٥٩٢ ]
وأن القرآن ليس بجسم ولا عرض لأنه صفة لله سبحانه وصفة الله سبحانه محال أن تكون هي الله ويحيلون أن يكون شيء غير الله ليس بجسم فلذلك يقولون أن القرآن عرض ولو كان جسمًا غير الله لما كان عندهم إلا في مكان دون مكان لأنهم يحيلون أن يكون الجسم بكل مكان لأن ذلك عندهم خلاف المعقول وقد جعلوا القرآن في زعمهم في أماكن كثيرة لأنه صفة لله وصفة الله عندهم قد يجوز أن تكون في أماكن كثيرة لمخالفة حكمه لحكم الأجسام والأعراض.
وقال زهير الأثري أن كلام الله سبحانه ليس بجسم ولا عرض ولا مخلوق وهو محدث يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد.
وقال أبو معاذ التومني أن كلام الله سبحانه ليس بعرض ولا جسم وهو قائم بالله ومحال أن يقوم كلام الله بغيره كما يستحيل ذلك في إرادته ومحبته وبغضه.
[ ٥٩٣ ]
فأما الذين زعموا أن كلام الله سبحانه أعراض فإنهم أحالوا أن يكون قائمًا بالله سبحانه.
واختلف الذين قالوا أن القرآن عرض:
فقال طائفة منهم أن القرآن عرض في اللوح المحفوظ فهو قائم باللوح ومحال زواله عن اللوح ولكنه كلما قرأه القارئ أو كتبه الكاتب أو حفظه الحافظ فإن الله سبحانه يخلقه فهو في اللوح مخلوق ومحال أن يكون القرآن الذي في اللوح المحفوظ اكتسابًا لأحد، إذا تلاه التالي فتلاوته له الله يخلقها في هذه الحال اكتسابًا للتالي فهو في هذه الحال مخلوق خلقًا ثانيًا فهو في عينه خلق الله واكتساب التالي، وكذلك هو في خط الكاتب وحفظ الحافظ هو خلق الله واكتساب الكاتب والحافظ،
فالذي هو خلق الله في هذه الحال هو اكتسابهم، والذي هو خلق الله واكتسابهم في هذه الحال هو القرآن المخلوق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقوا هم.
وكذلك حكى زرقان عن ضرار أنه قال: القرآن من الله خلقًا ومني قراءة وفعلًا لأني أقرأ القرآن والمسموع هو القرآن والله يأجرني عليه فأنا فاعل والله خالق.
[ ٥٩٤ ]
وقال زرقان: أكثر الذين قالوا بالاستطاعة مع الفعل قالوا: القرآن مخلوق بالله كان والله أحدثه، والقراءة هي حركة اللسان والقرآن هو الصوت المقطع وهو خلق الله سبحانه وحده والقراءة خلق الله سبحانه وهي فعلنا.
رجع الأمر إلى حكاية جعفر، قال جعفر:
وقالت طائفة من هؤلاء: القرآن عرض في اللوح المحفوظ ثم محال أن يخلقه الله تعالى ثانية ولكن تلاوة كل تال مخلوقة اكتسابًا للتالي وكذلك الكاتب والحافظ، فالذي هو خلق الله واكتساب الفاعل قرآن مثل القرآن الذي في اللوح المحفوظ وليس هو هو ولكنه قد يقال هو في اللوح المحفوظ على مثله وإن كان غيره، وهم لا يحيلون أن يخلق الله ما قد خلق وهو موجود.
وقالت طائفة أخرى من هؤلاء: القرآن عرض خلقه الله سبحانه في اللوح المحفوظ فمحال أن ينقل أو يزول كلما تلاه بعد ذلك حافظ أو كتبه كاتب فإن الله يخلق تلاوة التالي فيسمى قرآنًا وهو تلاوة التالي وخط الكاتب في المجاز لم يفعل واحد منهما في الحقيقة من ذلك شيئًا ولكن الله سبحانه خالق ذلك وهو يسمى قرآنًا مكتوبًا وقرآنًا متلوًا
[ ٥٩٥ ]
وقالت طائفة أخرى: القرآن عرض وهؤلاء ممن يزعم أن الأعراض ما يفعله الله في الدنيا من الحركات وكذلك لا يفعل من خلق الله في الدنيا الأعراض وهو الحركات والحركات عند هؤلاء محال أن تدرك بالأبصار أو تسمع بالآذان أو تحس بواحدة من الحواس الخمس، ولا مرئي ولا مسموع عندهم إلا جسم ثم القرآن عندهم مع هذا حركات إذ كان عندهم عرضًا.
وقالت طائفة أخرى من هؤلاء: القرآن عرض والأعراض عند هؤلاء قسمان فقسم منها يفعله الأحياء وقسم آخر يفعله الأموات في الحقيقة ومحال أن يكون ما يفعله الأحياء فعلًا للأموات أو ما يفعله الأموات فعلًا للحي، ثم القرآن عندهم مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم صرحوا بأن الأجسام تفعل أعراضها وأنه محال أن تكون الأعراض خلقًا لله ﷿ في الحقيقة فكيف بالقرآن.
[ ٥٩٦ ]
وقالت طائفة: القرآن عرض وهو حروف مؤلفة مسموعة محال أن تقوم بالله سبحانه ولكنها قائمة بالأجسام القائمات بالله ﷿ وهو مع هذا عند هؤلاء مخلوق قائم باللوح المحفوظ مرئي فإذا تلاه تال أو حفظه حافظ أو كتبه كاتب فإن كل تال وكل كاتب وحافظ ينقله بتلاوته وخطه وحفظه فلو كان الذين يتلونه ويكتبونه ويحفظونه في كل مكان من السموات العليى والأرضين السفلى وما بينهما وكانوا بعدد النجوم والرمل والثرى فكلهم ينقل القرآن بعينه من اللوح المحفوظ إليه حيث كان وهو مع ذلك في اللوح قائم ماكث قد نقله من لا يحصي عددهم إلا الله في الأماكن كلها في حال واحدة وفي أحوال، فهو عندهم حكمه خلاف حكم غيره من كل مفعول من الأعراض خارج من المعقولات لأنه كلام الله - زعموا - فهو خارج من حكم غيره من الخلق ولأنه إن لم يكن هكذا لم يسمع أحد كلام الله سبحانه على الحقيقة.
وقالت طائفة أخرى مثل هذا غير أنهم زعموا أن القرآن هو الحروف نعني التأليف.
ثم اختلف هؤلاء في باب آخر:
فقالت طائفة منهم أن القرآن لما كان أعراضًا هو الحروف فمحال
[ ٥٩٧ ]
أن يفعل أحد حرفًا أو يحكيه أبدًا ولكن الحروف ينقلها القارئون والكاتبون والحافظون إليهم نقلًا
فتكون مع كل قارئ وكاتب وحافظ، وهذا عند هؤلاء في القرآن وفي غيره من كلام الناس.
وقال آخرون: أما في تلاوة القرآن فهكذا ولكن قد يجوز أن نحكي الحروف من كلام الناس الذي ليس بتلاوة القرآن وكلام الناس يحكى وكلام الله ﷿ محال أن يحكى فيما زعموا ولكنه يقرأ وينقل الحروف القارئ له إليه بقراءته على ما وصفنا.
انقضى حكاية جعفر.
فأما ما حكاه جعفر من قول من قال أن القرآن ينقل فلا أدري أصاب في حكايته أو وهم فيها.
والذي كان يقول به أبو الهذيل أن الله ﷿ خلق القرآن في اللوح المحفوظ وهو عرض وأن القرآن يوجد في ثلاثة أماكن: في مكان هو محفوظ فيه وفي مكان هو مكتوب فيه وفي مكان هو فيه متلو ومسموع، وأن كلام الله سبحانه قد يوجد في أماكن كثيرة على سبيل ما شرحناه من غير أن يكون القرآن منقولًا أو متحركًا أو زائلًا في الحقيقة وإنما يوجد في المكان مكتوبًا أو متلوًا أو محفوظًا، فإذا بطلت
[ ٥٩٨ ]
كتابته من الموضع لم يكن فيه من غير أن يكون عدم أو وجدت كتابته في الموضع وجد فيه بالكتابة من غير أن يكون منقولًا إليه، فكذلك القول في الحفظ والتلاوة على هذا الترتيب، وأن الله سبحانه إذا أفنى الأماكن كلها التي يكون فيها محفوظًا أو مقروءًا أو مسموعًا عدم وبطل، وقد يقول أيضًا أن كلام الإنسان يوجد في أماكن كثيرة محفوظًا ومحكيًا.
وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي وكان محمد يقول أن كلام الله سبحانه لا يحكى لأن حكاية الشيء أن يؤتى بمثله وليس أحد يأتي بمثل كلام الله ﷿ ولكنه يقرأ ويحفظ ويكتب، وكان يقول أن الكلام يسمع
ويستحيل أن يكون مرئيًا.
وقد حكي عن الإسكافي أنه كان يقول أن كلام الله سبحانه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد محفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وأنه يستحيل ذلك في كلام البشر، وأن كلام البارئ سبحانه خص بما ليس لكلام غيره من أنه كائن في أماكن كثيرة في وقت واحد.
وقال جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ومن تابعهما
[ ٥٩٩ ]
أن القرآن خلقه الله سبحانه في اللوح المحفوظ لا يجوز أن ينقل وأنه لا يجوز أن يوجد إلا في مكان واحد في وقت واحد لأن وجود شيء واحد في وقت واحد في مكانين على الحلول والتمكن يستحيل، وقالوا مع هذا أن القرآن في المصاحف مكتوب وفي صدور المؤمنين محفوظ وأن ما يسمع من القارئ هو القرآن على ما أجمع عليه أكثر الأمة إلا أنهم ذهبوا في معنى قولهم هذا إلى أن ما يسمع ويحفظ ويكتب حكاية القرآن لا يغادر منه شيئًا وهو فعل الكاتب والقارئ والحافظ وأن المحكي حيث خلقه الله ﷿ فيه، قالوا: وقد يقول الإنسان إذا سمع كلامًا موافقًا لهذا الكلام: هو ذاك الكلام بعينه فيكون صادقًا غير معيب فكذلك ما نقول أن ما يسمع ويكتب ويحفظ هو القرآن الذي في اللوح بعينه على أنه مثله وحكايته، وجعفر بن مبشر يقول أن الكلام يرى مكتوبًا.
واختلفوا في الكلام هل يبقى أم لا:
فقال قائلون أن البارئ قديم بصفاته وقد استغنينا بهذا القول عن الإخبار عن الكلام، والذين ذهبوا إليه وهم طائفتان منهم من قال: هو جسم باق والأجسام يجوز عليها البقاء وكلام المخلوقين لا يبقى.
[ ٦٠٠ ]
وقالت طائفة أخرى: كلام الله ﷿ عرض وهو باق وكلام غيره لا يبقى، وقالت طائفة أخرى: كلام الله باق وكذلك كلام الخلق يبقى.
واختلفوا فيه من وجه آخر:
فزعم بعضهم أن مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلامًا غيرهما، وقال بعضهم: القراءة هي الكلام بعينها.
واختلف الذين زعموا أن القراءة كلام:
فقال بعضهم: القراءة كلام لأن القارئ يلحن في قراءته وليس يجوز اللحن إلا في كلام وهو أيضًا متكلم وإن قرأ كلام غيره، ومحال أن يكون متكلمًا بكلام غيره ولا بد من أن تكون قراءته هي كلامه.
وقال آخرون: الكلام حروف والقراءة صوت والصوت عندهم غير الحروف، وقد أنكر هذا القول جماعة من أهل النظر وزعموا أن الكلام ليس بحروف.
فأما عبد الله بن كلاب فالقراءة عنده هي غير المقروء والمقروء قائم بالله كما أن ذكر الله سبحانه غير الله فالمذكور قديم لم يزل موجودًا
[ ٦٠١ ]
وذكره محدث فكذلك المقروء لم يزل الله متكلمًا به والقراءة محدثة مخلوقة وهي كسب الإنسان.
وقالت المعتزلة: القراءة غير المقروء وهي فعلنا والمقروء فعل الله سبحانه.
وحكى البلخي أن قومًا قالوا: القراءة هي المقروء كما أن التكلم هو الكلام.
وقال الحسين الكرابيسي: القرآن ليس بمخلوق ولفظي به مخلوق وقراءتي له مخلوقة.
وقال قوم من أهل الحديث ممن زعم أن القرآن غير مخلوق أن قراءته واللفظ به غير مخلوقين وأن اللفظية يجرون مجرى من قال بخلقه، وأكفر هؤلاء الواقفة التي لم تقل أن القرآن غير مخلوق ومن شك في أنه غير مخلوق والشاك في الشاك وأكفروا من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
وقال قوم أن القرآن لا يلفظ به، منهم الإسكافي وغيره وقالوا: لو جاز أن نلفظ به لجاز أن نتكلم به.
[ ٦٠٢ ]
وقال قائلون: قراءتي للقرآن لا يقال مخلوقة ولا غير مخلوقة.
واختلف أصحاب التولد فيه من وجه آخر:
فقال بعضهم: هو يجامع الكتبة في مكانها كما يجامع القراءة في مواضعها.
وقال بعضهم: الكتبة رسوم تدل عليه وليس بموجود معها ولكنه موجود مع القراءة، وزعم هؤلاء أن الإنسان يفعل بلسانه كلامين في حال واحد وألف كلام وأكثر من ذلك، وأبى هذا سائر أهل النظر.
وقد زعم الجبائي أن الإنسان لو كان أخرس عيًا يكتب كلامًا كان الكلام موجودًا مع كتابته وكان يكون متكلمًا بكلام مكتوب وهو أخرس، وأبى غيره أن يكون المتكلم متكلمًا إلا بكلام مسموع.
واختلف الذين زعموا أن الصوت هو المسموع دون الكلام الذي دل عليه الصوت:
فقال بعضهم: كلام المخلوقين اعتمادهم على الصوت لإظهاره وتقطيعه والاعتماد عندهم حركة، وقال بعضهم: هو إرادة لتقطيع الصوت وليست الإرادة عندهم حركة.
[ ٦٠٣ ]
واختلف الناس في كلام الإنسان هل هو حروف أم لا:
فقال قائلون: ليس بحروف كنحو من حكينا قولهم آنفًا، وغيرهم أيضًا يقول ذلك.
وحكي عن عبد الله بن كلاب أنه كان يقول: معنى قائم بالنفس يعبر عنه بالحروف، وحكي عنه أنه حروف.
وحكي عن بعض الأوائل أن النطق هو أن يخرج الإنسان ما في ضميره إلى أشخاص نوعه.
وقال كثير من المعتزلة أن كلام الإنسان حروف وكذلك كلام الله، فأما النظامية فيقولون: كلام الله سبحانه صوت مقطع وهو حروف وكلام الإنسان ليس بحروف.
واختلف الذين قالوا أن كلام الإنسان حروف كم أقل الكلام من حرف:
فقال قائلون: أقل الكلام حرفان كقولك: لا.
وقال قائلون: الحرف الواحد يكون كلامًا، وهذا مذهب الجبائي واعتل بقول أهل اللغة: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.
[ ٦٠٤ ]
واختلف الناس فيه من وجه آخر:
فقال بعضهم: قد يجوز أن يقع الكلام ضرورة للمتكلم ويجوز أن يقع اختيارًا، وهذا قول أبي الهذيل وذلك أنه كان يزعم أن كلام أهل الآخرة وصدقهم خلق الله باضطرار.
وكذلك يقول عبد الله بن كلاب أن الكلام يكون اضطرارًا ويكون اكتسابًا.
وأبى هذا قوم وزعموا أن الكلام لا يقع إلا فعلًا للمتكلم.
وقال كثير من هؤلاء أنه وإن كان لا يقع ضرورة للمتكلم فقد يقع ضرورة للجسم الذي أحله فيه المتكلم لأن الضرورة عندهم ما حل في جسم والفعل من غيره.
واختلف الناس في تأويل قول الله ﷿: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وفي كلام الذراع فقالوا في ذلك أقاويل:
قال قائلون: كلام الذراع خلق لله اضطر الذراع إليه وكذلك شهادة الألسنة والأيدي والأرجل.
وقال قائلون في كلام الذراع أن الله سبحانه خلقها خلقًا احتملت القدرة والحياة وخلق فيها القدرة ففعلت الكلام باختيار، وكذلك يقول قائلون نحو هذا في قول الله ﷿: يوم تشهد عليهم
[ ٦٠٥ ]
ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم: أن الله سبحانه يجعلها حية قادرة فتفعل الشهادة على المشهود عليه.
وقال قائلون: قول النبي ﷺ: هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة إنما معناه أنها تدلني من غير أن تكون متكلمة في الحقيقة كما يقول القائل: هذه
الدار تخبر عن أهلها وعمن كان فيها وعن سلطانهم وتمليكهم في الأرض أي تدل على ذلك.
وقال قائلون: قول الله ﷿: يوم تشهد عليهم ألسنتهم أي أنهم يشهدون على أنفسهم بألسنتهم وأيديهم وأرجلهم كما يقول القائل: ضربته رجلي ومعنى ذلك أي ضربته برجلي.
واختلفوا هل يتكلم الإنسان بكلام غير مسموع أم لا يتكلم إلا بكلام مسموع وهل يجوز أن يتكلم الإنسان بكلام في غيره أم لا:
فقال قائلون: يستحيل أن يتكلم الإنسان بكلام غير مسموع وأنه محال أن يتكلم بكلام مكتوب أو محفوظ وأنه لا يتكلم إلا بكلام مسموع ومحال أن يتكلم بكلام في غيره.
وقال قائلون: قد يتكلم الإنسان بكلام مسموع وبكلام مكتوب غير مسموع.
[ ٦٠٦ ]
وقال قائلون: الكلام يستحيل أن يكون مسموعًا وأن يتكلم الإنسان إلا بكلام قائم به.
واختلفوا في الناسخ والمنسوخ في أبواب، فباب منها اختلافهم في الناسخ والمنسوخ كيف يكون، فقال فيه المختلفون أربعة أقاويل:
فقال بعضهم أن المنسوخ هو ما رفعت تلاوة تنزيله وترك العمل بحكم تأويله فلا يترك لتنزيله ذكر يتلى في القرآن ولا لتأويله أنه يعمل به في الأحكام.
وقال آخرون: النسخ لا يقع في قرآن قد نزل وتلي وحكم بتأويله النبي ﷺ ولكن النسخ ما أنزل الله به على هذه الأمة في حكمه من التفسير الذي أزاح الله به عنهم ما قد كان يجوز أن يمتحنهم به من المحن العظام التي كان صنعها بمن كان قبلها من الأمم.
وقال آخرون: إنما الناسخ والمنسوخ هو أن الله سبحانه نسخ من القرآن من اللوح
المحفوظ الذي هو أم الكتاب ما أنزله على محمد
[ ٦٠٧ ]
ﷺ لأن الأصل أم الكتاب والنسخ لا يكون إلا من أصل.
وقال آخرون: قد يقع النسخ في قرآن أنزله الله ﷿ وتلي وعمل به بحضرة النبي ﷺ ثم نسخه الله بعد ذلك وليس يلحق في ذلك بداء ولا خطأ فإن شاء الله سبحانه جعل نسخه إياه بتبديل الحكم في تأويله وبترك تنزيله قرآنًا متلوًا وإن شاء جعل نسخه بأن يرفع تلاوة تنزيله فينسى ولا يتلى ولا يذكر.
واختلفوا في القرآن هل ينسخ إلا بقرآن وفي السنة هل ينسخها القرآن، فقال المختلفون في ذلك ثلاثة أقاويل:
قال بعضهم: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن مثله ولا يجوز أن ينسخ شيء من القرآن بسنة رسول الله ﷺ.
وقال آخرون: السنة تنسخ القرآن وتقضي عليه والقرآن لا ينسخ السنة ولا يقضي عليها.
وقال آخرون: القرآن ينسخ السنة والسنة لا تنسخ القرآن.
وقال آخرون: القرآن والسنة حكمان من حكم الله ﷿ العلم والعمل بهما على الخلق واجب فجائز أن ينسخ الله القرآن بالسنة وأن
[ ٦٠٨ ]
ينسخ السنة بالقرآن لأنهما جميعًا حكمان لله سبحانه ينسخ من حكمه بحكمه ما شاء.
واختلفوا في الآيتين لكل واحدة منهما حكم مخالف لحكم الأخرى مما قد يجوز أن يجتمع حكمهما على اختلافه على إنسان في وقتين ويتنافيان في وقت واحد كقول الله ﷿: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين فحكم الله سبحانه قبل المواريث أن يوصي الرجل عند موته بماله لوالديه وأقربائه ثم حكم للوالدين بالميراث في فرضه المواريث ثم قال: من بعد وصية يوصي بها أو دين.
فقال قوم: نسخت آية المواريث للوالدين آية الوصية لهما وهم الذين قالوا لا ينسخ القرآن إلا قرآن.
وقال مخالفوهم: ليست آية المواريث للوالدين بناسخة لآية الوصية لهما وإنما نسخت آية الوصية لهما سنة رسول الله ﷺ وهي قوله: لا وصية لوارث ولولا سنته بذلك كانت الوصية للوالدين على حالها جائزة لأن الله سبحانه إنما حكم بالمواريث لأهلها من الوالدين وغيرهما من بعد وصية يوصي بها الرجل أو دين ولولا سنة رسول الله
[ ٦٠٩ ]
ﷺ أنه لا وصية لوارث كان للرجل إذا احتضر أن يوصي بماله لوالديه لأن الله ذكر ميراثهما من بعد وصية يوصي بها أو دين فإن لم يوص لهما كان لهما الميراث بآية الموارثة.
وقال أهل هذه المقالة: إنما الناسخ والمنسوخ ما ينفي حكم الناسخ حكم المنسوخ أن يحكم به على عين واحدة في حال واحدة أو في حالين لتنافي ذلك في المعنى كقوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقال: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم أن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فجعل عدة اللواتي حضن الأقراء واللائي لم يحضن لصغر أو كبر الشهور ثم نسخ من هؤلاء المطلقات التي لم يدخل بهن فقال: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فخرجن اللواتي لم يدخل بهن من حكم الآيتين جميعًا.
واختلفوا في باب آخر وهو اختلافهم في أسماء الله ومديحه وأخباره هل يجوز في ذلك النسخ أم لا:
فأجاز ذلك طوائف من أهل الأثر فزعموا أن ما تأخر تنزيله ناسخ
[ ٦١٠ ]
لما تقدم نزوله وأن المدني ناسخ للمكي خبرًا كان أو مدحًا من مديح الله ﷿.
وأنكره أكثر الناس وقالوا: لا يجوز النسخ في أخبار الله ﷿ ومديحه وأسمائه والثناء عليه.
وقد شذ شاذون من الروافض عن جملة المسلمين فزعموا أن نسخ القرآن إلى الأيمة وأن الله جعل لهم نسخ القرآن وتبديله وأوجب على الناس القبول منهم، وهؤلاء الذين ذكرنا قولهم طبقتان:
منهم من يزعم أن ذلك ليس على معنى أن الله يبدو له البدوات.
وقالت الفرقة الأخرى منهم أن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون فينسخ عند علمه بما يحدث من خلقه وفيهم مما لم يكن يعلمه ما يشاء من حكمه قبل ذلك فتحول حكمه في الناسخ والمنسوخ على قدر علمه بما يحدث في عباده فكلما علم شيئًا كان لا يعلمه قبل ذلك بدا له فيه حكم لم يكن له ولا علمه قبل ذلك تعالى الله عما قالوه علوًا كبيرًا.
تم الكتاب بحمد الله وعونه.
[ ٦١١ ]