أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إن حكم وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا، وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات فإنها لا تقول ذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات أصحاب نجدة.
وأول من أحدث الخلاف بينهم نافع بن الأزرق الحنفي والذي أحدثه البراءة من القعدة والمحنة لمن قصد عسكره وإكفار من لم يهاجر إليه، ويقال أن أول من أحدث هذا القول عبد ربه الكبير ويقال أن المبتدع لهذا القول رجل كان يقال له عبد الله بن الوضين قالوا: وقد كان نافع خالفه في أول أمره وبرئ منه فلما مات عبد الله صار نافع إلى قوله وزعم أن الحق كان في يده ولم يكفر نفسه
[ ٨٦ ]
بخلافه إياه حين خالفه ولا أكفر الذين خالفوا عبد الله قبل موته وأكفر من يخالفه فيما بعده، والأزارقة لا تتبرأ ممن تقدمتها من سلفها من الخوارج في توليهم القعدة الذين لا يخرجون ولا تتبرأ أيضًا من سلفها من الخوارج في تركهم إكفار القعدة والمحنة لمن هاجر إليهم ويقولون: هذا تبين لنا وخفي عليهم، والأزارقة تقول أن كل كبيرة كفر وأن الدار دار كفر يعنون دار مخالفيهم وأن كل مرتكب معصية كبيرة ففي النار خالدًا مخلدًا، ويكفرون عليًا رضوان الله عليه في التحكيم ويكفرون الحكمين أبا موسى وعمرو بن العاص ويرون قتل الأطفال.
وكانت الأزارقة عقدت الأمر لقطري بن الفجاءة وكان قطري إذا خرج في السرايا استخلف رجلًا من بني تميم على العسكر وكانت فيه فظاظة فشكت الأزارقة ذلك إليه فقال: لست أستخلفه بعد، ثم إنه خرج في سرية وأصبح الناس في العسكر
فصلى بهم ذلك الرجل الفجر فقالوا لقطري: ألم تزعم أنك لا تستخلفه؟ وعاتبوه وكان في الذين عاتبوه عمرو القنا وعبيدة بن هلال وعبد ربه الصغير وعبد ربه الكبير فقال لهم: جئتموني كفارًا حلال دماؤكم
[ ٨٧ ]
فقام صالح بن مخراق فلم يدع في القرآن موضع سجدة إلا قرأها وسجد ثم قال: أكفارًا ترانا؟ تب مما قلت فقال: يا هؤلاء إنما استفهمتكم فقالوا: لا بد من توبتك فخلعوه وصار قطري إلى طبرستان فغلب عليها.
وكان سبب الاختلاف الذي أحدثه نافع أن امرأة من أهل اليمن عربية ترى رأي الخوارج تزوجت رجلًا من الموالي على رأيها فقال لها أهل بيتها: فضحتينا فأنكرت ذلك فلما أتى زوجها قالت له أن أهل بيتي وبني عمي قد بلغهم أمري وقد عيروني وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم فاختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تهاجر إلى عسكر نافع حتى نكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم وإما أن تخبأني حيث شئت وإما أن تخلي سبيلي فخلى سبيلها ثم إن أهل بيتها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها لم يكن على رأيها فكتب ممن بحضرتها بأمرها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك فقال رجل منهم أنها لم يسعها ما صنعت ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتها لأنه كان ينبغي لهما أن يلحقا بنا لأنا اليوم بمنزلة المهاجرين
[ ٨٨ ]
بالمدينة ولا يسع أحدًا من المسلمين التخلف عنا كما لم يسع التخلف عنهم، فتابعه على قوله ذلك نافع بن الأزرق وأهل عسكره إلا نفرًا يسيرًا وبرئوا من أهل التقية، وأحدثوا أشياء: من ذلك أنهم حرموا الرجم ومن ذلك أنهم قالوا: نشهد بالله أنه لا يكون في دار الهجرة ممن يظهر الإسلام إلا من ﵁، واستحلوا خفر الأمانة التي أمر الله سبحانه بأدائها وقالوا: قوم مشركون لا ينبغي أن تؤدى الأمانة إليهم، ولم يقيموا الحدود على من قذف المحصنين من الرجال وأقاموها على من قذف المحصنات من النساء وقالوا: ما كف أحد يده عن
القتال مذ أنزل الله ﷿ البسط إلا وهو كافر.
والأزارقة يرون أن أطفال المشركين في النار وأن حكمهم حكم آبائهم وكذلك أطفال المؤمنين حكمهم حكم آبائهم، وزعمت الأزارقة أن من قام في دار الكفر فكافر لا يسعه إلا الخروج.
وهذا قول النجدية
ثم خرج نجدة بن عامر الحنفي من اليمامة في نفر من الناس وأقبل إلى الأزارقة يريدهم فاستقبلهم نفر من أهل عسكر نافع وأخبروه
[ ٨٩ ]
ومن معه بأحداث نافع التي أحدثها وأنهم برئوا منه وفارقوه عليها وأمروا نجدة بالمقام وبايعوه، فمكث نجدة زمانًا ثم إنه بعث بعثًا إلى أهل القطيف واستعمل عليهم ابنه فقتل وسبى وغنم، فأخذ ابن نجدة وأصحابه عدة من نسائهم فقوموا كل واحدة منهن بقيمة على أنفسهم وقالوا: إن صارت قيمهن في حصتنا فذاك وإن لم تصر أدينا الفضل فنكحوهن قبل أن يقسمن وأكلوا من الغنائم قبل أن تقسم ثم رجعوا إلى نجدة وأخبروه بذلك فقال نجدة: لم يسعكم ما صنعتم فقالوا: لم نعلم أنه لا يسعنا فعذرهم نجدة بجهالتهم فتابعه على ذلك أصحابه وعذروا بالجهالات إذا أخطأ الرجل في حكم من الأحكام من جهة الجهل وقالوا: الدين أمران أحدهما معرفة الله ومعرفة رسله ﵈ وتحريم دماء المسلمين وأموالهم وتحريم الغصب والإقرار بما جاء من عند الله جملة فهذا واجب وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهالته حتى تقوم عليهم الحجة في جميع الحلال فمن استحل شيئًا من طريق الاجتهاد مما لعله محرم فمعذور على حسب ما يقول الفقهاء من أهل الاجتهاد فيه، قالوا: ومن خاف العذاب على المجتهد في الأحكام المخطئ
[ ٩٠ ]
قبل أن تقوم عليه الحجة فهو كافر، قالوا: ومن ثقل عن هجرتهم فهو منافق، وحكي عنهم أنهم استحلوا دماء أهل المقام وأموالهم في دار التقية وبرئوا ممن حرمها، وتولوا أصحاب الحدود
والجنايات من موافقيهم وقالوا: لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم فإن فعل فإنما يعذبهم في غير النار بقدر ذنوبهم ولا يخلدهم في العذاب ثم يدخلهم الجنة، وزعموا أن من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة ثم أصر عليها فهو مشرك وأن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم.
ويقال أن أصحاب نجدة نقموا عليه أن رجلًا من بني وائل أشار عليه بقتل من تابعه من المكرهين فانتهره نجدة، ونقم على نجدة عطية أنه أنفذه في غزو البر وغزو البحر ففضل من أنفذه في غزو البر، ونقم عليه أصحابه أنه عطل حد الخمر وقسم الفيء وأعطى مالك
[ ٩١ ]
بن مسمع وأصحابه وحكم بالشفاعة وكاتب عبد الملك بن مران فأعطاه الرضى واشترى بنت عثمان فاستتابه أصحابه ففعل ثم إن طائفة منهم ندموا على استتابته وقالوا له أن استتابتنا إياك خطأ لأنك إمام وقد تبنا فإن تبت من توبتك واستتبت الذين استتابوك وإلا نابذناك فخرج إلى الناس فتاب من توبته فاختلف أصحابه فطائفة منهم أكفروه على خلعه، ونقموا على نجدة أيضًا أنه فرق الأموال بين الأغنياء وحرم ذوي الحاجة منهم، فبرئ منه أبو فديك وكثير من أصحابه فوثب عليه أبو فديك فقتله وبويع له، ثم إن أصحاب نجدة أنكروا ذلك على أبي فديك وتولوا نجدة وتبرءوا من أبي فديك وكتب أبو فديك إلى عطية بن الأسود وهو عامل نجدة بالحوير يخبره أنه أبصر ضلالة نجدة فقتله وأنه أحق بالخلافة منه فكتب عطية إلى أبي فديك أن يبايع له من قبله وأبى ذلك أبو فديك فبرئ كل واحد منهما من صاحبه وصارت الدار لأبي فديك وصاروا معه إلا من تولى نجدة فصاروا ثلاث فرق: النجدية والعطوية والفديكية.
فأما عطية بن الأسود الحنفي وأصحابه الذين يسمون العطوية فإنه
[ ٩٢ ]
لم يحدث قولًا أكثر من أنه أنكر على نافع ما أحدثه من أقاويله ففارقه ثم أنكر على نجدة ما حكينا عنه ففارقه ومضى إلى سجستان.
ومن العطوية أصحاب عبد الكريم بن عجرد ويسمون العجاردة وهم خمس عشرة فرقة:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنه يجب أن يدعى الطفل إذا بلغ وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام ويصفه هو.
والفرقة الثانية من العجاردة الميمونية والذي تفردوا به القول بالقدر على مذهب المعتزلة وذلك أنهم يزعمون أن الله سبحانه فوض الأعمال إلى العباد وجعل لهم الاستطاعة إلى كل ما كلفوا فهم يستطيعون الكفر والإيمان جميعًا وليس لله سبحانه في أعمال العباد مشيئة وليس أعمال العباد مخلوقة لله، فبرئت منه العجردية وسموا الميمونية.
والفرقة الثالثة من العجاردة الخلفية أصحاب رجل يقال له خلف فارقوا الميمونية في القول بالقدر وقالوا بالإثبات.
والفرقة الرابعة منهم الحمزية أصحاب رجل يدعى حمزة ثبتوا
[ ٩٣ ]
على قول الميمونية بالقدر وأنهم يرون قتال السلطان خاصة ومن رضيبحكمه فأما من أنكره فلا يرون قتله إلا إذا أعان عليهم أو طعن في دينهم أو صار عونًا للسلطان أو دليلًا له، وحكى زرقان أن العجاردة أصحاب حمزة لا يرون قتل أهل القبلة ولا أخذ المال في السر حتى يبعث الحرب.
والفرقة الخامسة من العجاردة الشعيبية أصحاب شعيب وهو رجل برئ من ميمون ومن قوله فقال أنه لا يستطيع أحد أن يعمل إلا ما شاء الله وأن أعمال العباد مخلوقة لله، وكان سبب فرقة الشعيبية والميمونية أنه كان لميمون على شعيب مال فتقاضاه فقال له شعيب: أعطيكه إن شاء الله فقال ميمون: قد شاء الله أن تعطينيه الساعة فقال شعيب: لو شاء الله لم أقدر ألا أعطيكه فقال ميمون: فإن الله قد شاء ما أمر وما لم يأمر لم يشأ
[ ٩٤ ]
وما لم يشأ لم يأمر فتابع ناس ميمونًا وتابع ناس شعيبًا
فكتبوا إلى عبد الكريم بن عجرد وهو في حبس خالد بن عبد الله البجلي يعلمونه قول ميمون وشعيب فكتب عبد الكريم: إنا نقول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا نلحق بالله سوءًا فوصل الكتاب إليهم ومات عبد الكريم فادعى ميمون أنه قال بقوله حين قال: لا نلحق بالله سوءًا وقال شعيب لا بل قال بقولي حيث قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتولوا جميعًا عبد الكريم وبرئ بعضهم من بعض.
وقال بعض الناس أن عبد الكريم بن عجرد وميمون الذي تنسب إليه الميمونية رجل من أهل بلخ، وقال قوم أن عبد الكريم كان من أصحاب أبي بيهس خالفه وفارقه في بيع الأمة، وذكر الكرابيسي في بعض كتبه أن العجاردة والميمونية يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات بنات الأخوة وبنات بني الأخوة ويقولون أن الله حرم البنات وبنات الأخوة وبنات الأخوات.
[ ٩٥ ]
وحكي لنا عنهم ما لم نتحققه أنهم يزعمون أن سورة يوسف ليست من القرآن.
والفرقة السادسة من العجاردة الخازمية والذي تفردوا به أنهم قالوا في القدر بالإثبات وبأن الولاية والعداوة صفتان لله ﷿ في ذاته وأن الله يتولى العباد على ما هم صائرون إليه وإن كانوا في أكثر أحوالهم مؤمنين.
والفرقة السابعة من العجاردة وهي الثانية من الخازمية ويدعون المعلومية والذي تفردوا به أنهم قالوا: من لم يعلم الله بجميع أسمائه فهو جاهل به وأن أفعال العباد ليست مخلوقة وأن الاستطاعة مع الفعل ولا يكون إلا ما شاء الله.
والفرقة الثامنة من العجاردة وهي الثالثة من الخازمية المجهولية
[ ٩٦ ]
ومن قولهم أن من علم الله ببعض أسمائه فقد علمه ولم يجهله وقالوا بإثبات القدر.
والفرقة التاسعة من العجاردة الصلتية أصحاب عثمان بن أبي الصلت والذي تفرد به أنه قال: إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله لأنه ليس لهم
إسلام حتى يدركوا فيدعون إلى الإسلام فيقبلونه.
والفرقة العاشرة من العجاردة الثعالبة يقولون: ليس لأطفال الكافرين ولا لأطفال المؤمنين ولاية ولا عداوة ولا براءة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه، وكان ثعلبة مع عبد الكريم يدًا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الطفل.
والفرقة الحادية عشرة من العجاردة وهي الأولى من الثعالبة يدعون الأخنسية يتوقفون عن جميع من في دار التقية من منتحلي الإسلام وأهل القبلة إلا من قد عرفوا منه إيمانًا فيتولونه عليه أو كفرًا فيتبرءون منه لأجله ويحرمون الاغتيال والقتل في السر وأن يبدأ أحد
[ ٩٧ ]
من أهل البغي من أهل القبلة بقتال حتى يدعى إلا من عرفوه بعينه، فبرئت منهم الثعلبية وسموهم الأخنسية لأن الذي دعاهم إلى قولهم رجل كان يقال له الأخنس.
والفرقة الثانية عشرة من العجاردة وهي الثانية من الثعالبة المعبدية ومما تفردوا به أنهم رأوا أخذ زكاة أموال عبيدهم إذا استغنوا وإعطاءهم من زكاتهم إذا افتقروا ثم رأوا أن ذلك خطأ ولم يتبرءوا ممن فعل ذلك فقال لهم رجل يقال له معبد: إن كنتم لا تتبرءون ممن فعل ذلك فإنا لا ندعه فأقام على ذلك وبرئت منه الثعالبة ومن أصحابه.
والفرقة الثالثة عشرة من العجاردة وهي الثالثة من الثعالبة الشيبانية أصحاب شيبان بن سلمة الخارج أيام أبي مسلم والمعين له، ومن قصتهم أن شيبان بن سلمة لما أحدث أحداثًا من معاونة أبي مسلم وغير ذلك برئت منه الخوارج فلما قتل شيبان جاء قوم فذكروا توبته فلم تقبل الثعلبية منهم توبة شيبان وقالوا أن أحداث شيبان
[ ٩٨ ]
كانت قتل المسلمين وأخذ أموالهم وضربهم فإن كنتم دفعتم من دار العلانية فإنا لا نقبل من القاتل في دار العلانية توبة حتى يعفو عنه ولي المقتول ولا نقبل توبة من ضرب المسلمين حتى يقص من نفسه أو يوهب ذلك له وحتى يرد أموالهم
وشيبان لم يفعل شيئًا من ذلك فإن زعمتم أنكم قد دفعتم توبته من دار التقية فقد كذبتم فإن أمره كان ظاهرًا ودعوته كانت ظاهرة إلى أن قتل، فقبل قوم منهم توبته فسموا الشيبانية ثم إن الشيبانية أحدثوا التشبيه لله بخلقه.
وثبت قوم منهم على قول الثعلبية وهم أعظم أصحاب الثعلبية وجمهورهم، فسموا الزيادية وذلك أن رجلًا منهم كان يسمى زياد بن عبد الرحمن كان فقيه الثعلبية ورئيسهم.
ثم إن الشيبانية الذين أجازوا توبته قالوا في الولاية والعداوة أنهما صفتان لله من صفات الذات لا من صفات الفعل.
والفرقة الرابعة عشرة من العجاردة وهي الرابعة من الثعالبة الرشيدية
[ ٩٩ ]
ومما تفردوا به أنهم كانوا يؤدون عما سقي بالعيون والأنهار الجارية نصف العشر ثم رجعوا عن ذلك وكتبوا إلى المسمى زياد بن عبد الرحمن فأجابهم ثم أتاهم فأعلمهم أن في ذلك العشر وأنه لا يجيز البراءة ممن غلط منهم في ذلك فقال رجل منهم يسمى رشيدًا: إن كان يسعنا أن لا نتبرأ منهم فإنا نعمل بالذي يعملون به وثبت هو ومن معه على الفعل الأول فبرئت منهم الثعالبة وسموهم العشرية.
والفرقة الخامسة عشرة من العجاردة وهي الخامسة من الثعالبة المكرمية أصحاب أبي مكرم ومما تفردوا به أنهم زعموا أن تارك الصلاة كافر وليس هو من قبل تركه الصلاة كفر ولكن من قبل جهله بالله وكذلك قالوا في سائر الكبائر، وزعموا أن من أتى كبيرة فقد جهل الله سبحانه وبتلك الجهالة كفر لا بركوبه المعصية، وقالوا بالموافاة وهي أن الله سبحانه إنما يتولى عباده ويعاديهم على ما هم صائرون إليه لا على أعمالهم التي هم فيها فبرئت منهم الثعالبة.
ومن قول الثعالبة في الأطفال أنهم يشتركون في عذاب آبائهم وأنهم ركن من أركانهم يريدون بذلك أنهم بعض من أبعاضهم.
[ ١٠٠ ]
ومن الخوارج الفديكية أصحاب أبي فديك ولا نعلم أنهم تفردوا بقول أكثر من إنكارهم على نافع ونجدة ما حكيناه عنهم.
ومن الخوارج الصفرية أصحاب زياد بن الأصفر وهم لا يوافقون الأزارقة في عذاب الأطفال فإنهم لا يجيزون ذلك، ويقال أن الصفرية نسبوا إلى عبيدة وكان ممن خالف نجدة ورجع من اليمامة فلما كتب نجدة إلى أهل البصرة اجتمع عبيدة وعبد الله بن أباض فقرءوا كتابه فقال عبد الله بن أباض بما سنذكره من مذهبه وقال عبيدة بجملة مذهب الخوارج من أن مخالفيهم مشركون السيرة فيهم السيرة في أهل حرب رسول الله ﷺ الذين حاربوه من المشركين، وأصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والإباضية والصفرية والنجدية وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية.
ومن الخوارج طائفة يقولون: ما كان من الأعمال عليه حد واقع فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمهم به الحد وليس بكفر بشيء ليس أهله به كافرًا كالزنا والقذف وهم قذفة زناة وما كان من الأعمال
[ ١٠١ ]
ليس عليه حد كترك الصلاة والصيام فهو كافر وأزالوا اسم الإيمان في الوجهين جميعًا.
ومن الخوارج الإباضية فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصية كان إمامهم حفص بن أبي المقدام زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر ما حرم الله سبحانه من فروج النساء فهو كافر بري من الشرك وكذلك من اشتغل بسائر ما حرم الله سبحانه مما يؤكل ويشرب فهو كافر بري من الشرك، ومن جهل الله سبحانه وأنكره فهو مشرك، فبرئ منه جل الإباضية إلا من صدقه منهم، وتأولوا في عثمان نحو ما تأولت الشيعة في أبي بكر وعمر وزعم أن عليًا هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن وأن أصحابه
الذين يدعونه إلى الهدى أهل النهروان، وزعم أن عليًا هو الذي أنزل الله سبحانه فيه: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
[ ١٠٢ ]
مرضاة الله ثم قال بعد ذلك: الإيمان بالكتب والرسل متصل بتوحيد الله فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله.
والفرقة الثانية منهم يسمون اليزيدية كان إمامهم يزيد بن أنيسة قالوا: نتولى المحكمة الأولى ونبرأ ممن كان بعد ذلك من أهل الأحداث ونتولى الإباضية كلها ويزعمون أنهم مسلمون كلهم إلا من بلغه قولنا فكذبه أو من خرج، وخالفوا الحفصية في الإكفار والتشريك وقالوا بقول الجمهور، وحكى يمان بن رباب أن أصحاب يزيد بن أنيسة قالوا بالتشريك، وتولى يزيد المحكمة الأولى قبل نافع وبرئ ممن كان بعدهم، وحرم القتال على كل أحد بعد تفريقهم وثبت على ولاية الإباضية إلا من كذبه أو بلغه قوله فرده.
وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولًا من العجم وينزل عليه كتابًا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة فترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها وزعم أن ملة ذلك النبي الصابئة وليس هذه الصابئة
[ ١٠٣ ]
التي عليها الناس اليوم وليس هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن ولم يأتوا بعد.
وتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب وأن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته وزعم أنهم بذلك مؤمنون، فمن الإباضية من وقف فيه ومنهم من برئ منه وجلهم تبرأ منه.
والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حرث الإباضي قالوا في القدر بقول المعتزلة وخالفوا فيه سائر الإباضية، وزعموا أن الاستطاعة قبل الفعل.
وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم حلال غنيمة
أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حرام ما وراء ذلك وحرام قتلهم وسبيهم في السر إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به، وزعموا أن الدار - يعنون دار مخالفيهم - دار توحيد إلا عسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم،
[ ١٠٤ ]
وحكي عنهم أنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم وحرموا الاستعراض إذا خرجوا وحرموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم، فبرئت الخوارج منهم على ذلك، وقالوا أن كل طاعة إيمان ودين وأن مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين.
والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعًا لله إذا فعل شيئًا أمره الله به وإن لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به.
ثم اختلفوا في النفاق فصاروا ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن النفاق براءة من الشرك واحتجوا في ذلك بقول الله ﷿: مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والفرقة الثانية منهم يقولون أن كل نفاق شرك لأنه يضاد التوحيد، والفرقة الثالثة منهم يقولون: لسنا نزيل اسم النفاق عن موضعه وهو دين القوم الذين عناهم الله بهذا الاسم في ذلك الزمان ولا نسمي غيرهم بالنفاق.
وقالوا: من سرق خمسة دراهم فصاعدًا قطع، وقال القوم الذين
[ ١٠٥ ]
زعموا أن المنافق كافر وليس بمشرك أن المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين وكانوا أصحاب كبائر.
وقالوا: كل شيء أمر الله به عباده فهم عام ليس بخاص وقد أمر الله به الكافر والمؤمن.
وقال قوم منهم: لا حجة لله على الخلق في التوحيد إلا بالخبر أو ما يقوم مقام
الخبر من إشارة وإيماء.
وقال بعضهم: لا يجوز على الله أن يخلي عباده من التكليف لوحدانيته ومعرفته، وأجاز بعضهم أن يخليهم من ذلك.
وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين: وجبت عليه الشرائع والأحكام وقف على ذلك أو لم يقف سمعه أو لم يسمعه.
وقال بعضهم: لا يرسل الله نبيًا إلا نصب دليلًا عليه ولا بد من أن يدا واحدًا، وقال بعضهم: قد يجوز أن يبعث الله نبيًا بلا دليل.
وقال بعضهم: من ورد عليه الخبر بأن الخمر قد حرمت وأن القبلة قد حولت فعليه أن يعلم أن الذي أخبره مؤمن أو كافر وعليه أن يعلم ذلك بالخبر وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر.
وقال بعضهم: من قال بلسانه أن الله واحد وعنى به المسيح فهو صادق في قوله مشرك بقلبه.
[ ١٠٦ ]
وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحج ولا شيء من أسباب الطاعات التي يتوصل بها إليها وإنما عليهم فعلها بعينها فقط.
وقالوا جميعًا أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل فإن تاب وإلا قتل كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله، وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل.
وقال بعضهم: ليس من جحد الله وأنكره مشركًا حتى يجعل معه إلهًا غيره، وقال بعضهم: ذلك شرك وكل جحد بأي جهة كان فهو شرك وكفر، وقالوا: الإصرار على أي ذنب كان كفر.
وقالوا: العالم يفنى كله إذا أفنى الله أهل التكليف ولا يجوز إلا ذلك لأنه إنما خلقه لهم فإذا أفناهم لم يكن لبقائه لهم معنىً.
وقال بعضهم بل جلهم: الاستطاعة والتكليف مع الفعل وأن الاستطاعة هي التخلية، وقال كثير منهم: ليس الاستطاعة هي التخلية بل هي معنىً في كونه كون الفعل وبه يكون الفعل وأن الاستطاعة
[ ١٠٧ ]
لا تبقى وقتين وأن استطاعة كل شيء غير استطاعة ضده، وأن الله كلف العباد ما لا يقدرون عليه لتركهم له لا لعجزهم عنه وأن قوة الطاعة توفيق وتسديد وفضل ونعمة وإحسان ولطف وأن استطاعة الكفر ضلال وخذلان وطبع وبلاء وشر، وأن الله لو لطف للكافرين لآمنوا وأن عنده لطفًا لو فعله بهم لآمنوا طوعًا وأن الله لم ينظر لهم في حال خلقه إياهم ولا فعل بهم أصلح الأشياء لهم ولا فعل بهم صلاحًا في الدين وأنه أضلهم وطبع على قلوبهم، وهذا قول يحيى بن كامل ومحمد بن حرب وإدريس الإباضي، وكانوا يقولون في كثير من الإباضية أن أعمال العباد مخلوقة وأن الله سبحانه لم يزل مريدًا لما علم أنه يكون أن يكون ولما علم أنه لا يكون أن لا يكون وأنه مريد لما علم من طاعات العباد ومعاصيهم لا بأن أحب ذلك ولكن بمعنى أنه ليس بآب عنه ولا بمكره عليه، وسنشرح قولهم في سائر أبواب القدر إذا أخبرنا عن مذاهب الناس في القدر وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن.
وقال جل الإباضية: قد يجوز أن يقع حكمان مختلفان في الشيء الواحد من وجهين فمن ذلك أن رجلًا لو دخل زرعًا بغير إذن صاحبه
[ ١٠٨ ]
لكان الله سبحانه قد نهاه عن الخروج منه لأن فيه فساد الزرع وقد أمره به لأنه ليس له.
وقال جلهم بالخاطر ولا يجوز أن يخلي الله ﷿ العباد البالغين منه وقالوا: ليس يجوز على شيء من الأعراض البقاء إلا إذا كان بعضا للجسم عند من يقول أن الجسم أعراض مجتمعة وأكثرهم يقول أنه أبعاض للجسم، وقالوا: جزاء الله في العباد أكثر من تفضله وعافيته أكثر من ابتلائه والثواب واجب بالاستحقاق والتفضل والابتلاء ابتداء وقال بعضهم بتحليل إلا شربة التي يسكر كثيرها إذا لم
تكن الخمر بعينها وحرموا السكر، وليس يتبعون المولي في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحدًا، ولا يقتلون امرأة ولا ذرية، ويرون قتل المشبهة وسبيهم وغنيمة أموالهم ويتبعون موليهم كما فعل أبو بكر بأهل الردة.
ويدعون من السلف جابر بن زيد وعكرمة ومجاهد وعمرو بن دينار.
[ ١٠٩ ]
وكان رجل من الإباضية يقال له إبراهيم أفتى بأن بيع الإماء من مخالفيهم جائز فبرئ منه رجل يقال له ميمون وممن استحل ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا بتحريم وكتبوا يستفتون العلماء منهم في ذلك فأفتوا بأن بيعهن حلال وهبتهن حلال في دار التقية ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك وأن يستتاب ميمون من قوله وأن يبرءوا من امرأة كانت معهم وقفت فماتت قبل ورود الفتوى وأن يستتاب إبراهيم من عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه وهو مسلم يظهر إسلامه وأن يستتاب أهل الوقف من جحدهم البراءة عن ميمون وهو كافر يظهر كفره، فأما الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه فسموا الواقفة وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإماء من المخالفين وتاب ميمون.
والإباضية يقولون أن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها.
[ ١١٠ ]
ووقف كثير من الإباضية في إيلام أطفال المشركين في الآخرة فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلًا، ومنهم من قال أن الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب لا على طريق التجويز.
ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الاختلاف في أمر المرأة:
فافترقت فرقة من الواقفة وهم الضحاكية فأجازوا أن يزوجوا المرأة المسلمة عندهم من كفار قومهم في دار التقية كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة
الكافرة من قومه في دار التقية فأما في دار العلانية وقد جاز حكمهم فيها فإنهم لا يستحلون ذلك فيها.
ومن الضحاكية فرقة وقفت فلم تبرأ ممن فعله وقالوا: لا نعطي هذه المرأة المتزوجة من كفار قومنا شيئًا من حقوق المسلمين ولا نصلي عليها إن ماتت ونقف فيها، ومنهم من برئ منها.
واختلفوا في أصحاب الحدود: فمنهم من برئ منهم ومنهم من تولاهم ومنهم من وقف، واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال:
[ ١١١ ]
هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلامًا ونقف فيمن لم نعرف إسلامه، وتولى بعض هؤلاء بعضًا على اختلافهم وقالوا: الولاية تجمعنا فسموا أصحاب النساء، وسموا من خالفهم من الواقفة أصحاب المرأة، وصارت الواقفة فرقتين: فرقة تولوا الناكحة وفرقة ينسبون إلى عبد الجبار بن سليمان وهم الذين يتبرءون من المرأة المناكحة من كفار قومهم.
وهذا خبر عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته ثم شك في بلوغها فسأل أمها عن ذلك حتى وقع الخلاف بين ثعلبة وعبد الكريم في الأطفال فاختلفا بعد أن كانا متفقين.
فأما عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته فسأل ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم فأرسل الخاطب إلى أم الجارية مع امرأة يقال لها أم سعيد يسأل هل بلغت ابنتهم أم لا وقال: إن كانت بلغت وأقرت بالإسلام لم أبال ما أمهرتها فلما بلغتها أم سعيد ذلك قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت فرد مرة أخرى ذلك عليها ودخل ثعلبة على تلك الحال فسمع بتنازعهما فنهاهما عنه ثم دخل
[ ١١٢ ]
عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال فأخبره ثعلبة الخبر فزعم عبد
الكريم أن يجب دعاؤها إذا بلغت وتجب البراءة منها حتى تدعى إلى الإسلام فرد عليه ثعلبة ذلك وقال: لا بل نثبت على ولايتها فإن لم تدع لم تعرف الإسلام، فبرئ بعضهم من بعض على ذلك.
ومن الخوارج البيهسية أصحاب أبي بيهس ومما أحدث أنه زعم أن ميمونًا كفر حين حرم بيع المملوكة في دار كفار قومنا وحين برئ ممن استحل ذلك وكفر أهل الثبت حين لم يعرفوا كفر ميمون وصواب إبراهيم - وأهل الثبت الواقفة - وكفر إبراهيم حين لم يتبرأ من أهل الوقف لوقفهم في أمرهم وجحدهم الولاية عنه وجحدهم البراءة من ميمون وذلك أن الوقف لا يسع على الأبدان ولكن يسع على الحكم بعينه ما لم يواقعه أحد من المسلمين فإذا واقعه أحد من المسلمين لم يسع من حضر ذلك أن لا يعرف من أظهر الحق ودان به ومن أظهر الباطل ودانه به.
[ ١١٣ ]
وزعم أبو بيهس أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله ومعرفة رسوله ومعرفة ما جاء به محمد جملة والولاية لأولياء الله سبحانه والبراءة من أعداء الله وما حرم الله سبحانه مما جاء فيه الوعيد فلا يسع الإنسان إلا علمه ومعرفته بعينه وتفسيره ومنه ما ينبغي أن يعرفه باسمه ولا يبالي أن لا يعرف تفسيره وعينه حتى يبتلى به وعليه أن يقف عند ما لا يعلم ولا يأتي شيئًا إلا بعلم، فتابعه على ذلك ناس كثير من الخوارج وفارقه ناس كثير منهم فسموا البيهسية وسمت البيهسية من خالفهم من الخوارج الواقفة.
وقال غيره من الناس: قد يسلم الإنسان بعرفة وظيفة الدين وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله والإقرار بما جاء من عند الله جملة والولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله وإن لم يعرف ما سوى ذلك فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل فمن واقع شيئًا من الحرام مما جاء فيه الوعيد وهو لا يعلم أنه حرام فقد كفر ومن ترك شيئًا من كبير ما افترضه الله سبحانه عليه وهو لا يعلم فقد
كفر، فإن حضر أحد من أوليائه مواقعة من واقع الحرام وهو لا يدري أحلال
[ ١١٤ ]
أم حرام أو اشتبه عليه وقف فيه فلم يتوله ولم يبرأ منه حتى يعرف أحلال ركب أم حرام، فبرئت منه البيهسية.
ومن البيهسية فرقة يقال لهم العوفية وهم فرقتان:
فرقة تقول: من رجع من دار هجرتهم ومن الجهاد إلى حال القعود نبرأ منهم، وفرقة تقول: لا نبرأ منهم لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالًا لهم، وكلا الفريقين من العوفية يقولون: إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد، والبيهسية يبرءون منهم وهم جميعًا يتولون أبا بيهس.
ومن البيهسية فرقة يقال لهم أصحاب شبيب النجراني يعرفون بأصحاب السؤال والذي أبدعوه أنهم زعموا أن الرجل يكون مسلمًا إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتولى أولياء الله وتبرأ من أعدائه وأقر بما جاء من عند الله جملة وإن لم يعلم سائر ما افترض الله سبحانه عليه مما سوى ذلك أفرض هو أم لا فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل به فيسأل، وفارقوا الواقفة وقالوا في
[ ١١٥ ]
أطفال المؤمنين بقول الثعلبية أنهم مؤمنون أطفالًا وبالغين حتى يكفروا وأن أطفال الكفار كفار أطفالًا وبالغين حتى يؤمنوا، وقالوا بقول المعتزلة في القدر، فبرئت منهم البيهسية.
وقال بعض البيهسية من واقع زنًا لم نشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية إلا أنهم قالوا: نقف فيهم ولا نسميهم مؤمنين ولا كافرين وقالت طائفة من البيهسية إذا كفر الإمام كفرت الرعية وقالت: الدار دار شرك وأهلها جميعًا مشركون، وتركت الصلاة إلا خلف من تعرف، وذهبت إلى قتل أهل القبلة وأخذ الأموال واستحلت القتل والسبي على كل حال.
وقالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين مشركون بمواقعة الذنوب وإن كان ذنب لم يحكم الله فيه حكمًا مغلظًا ولم يوقفنا على تغليظه فهو مغفور ولا يجوز أن يكون أخفى أحكامه عنا في ذنوبنا ولو جاز ذلك جاز في الشرك، وقالوا: التائب في موضع الحدود وفي موضع القصاص والمقر على نفسه يلزمه الشرك إذا أقر من ذلك
[ ١١٦ ]
بشيء وهو كافر لأنه لا يحكم بشيء من الحدود والقصاص إلا على كل كافر يشهد عليه بالكفر عند الله.
وقال بعض البيهسية: السكر من كل شراب حلال موضوع عمن سكر منه وكل ما كان في السكر من ترك الصلاة أو شتم الله سبحانه فهو موضوع لا حد فيه ولا حكم ولا يكفر أهله بشيء من ذلك ما داموا في سكرهم وقالوا أن الشراب حلال الأصل ولم يأت فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في إكثار أو في سكر.
ومن البيهسية فرقة يسمون أصحاب التفسير كان صاحب بدعتهم رجل يقال له الحكم بن مروان من أهل الكوفة زعم أنه من شهد على المسلمين لم تجز شهادتهم إلا بتفسير الشهادة كيف هي، قال: ولو أن أربعة شهدوا على رجل منهم بالزنا لم تجز شهادتهم حتى
[ ١١٧ ]
يشهدوا كيف هو، وهكذا قالوا في سائر الحدود، فبرئت منهم البيهسية على ذلك وسموهم أصحاب التفسير.
وقالت العوفية من البيهسية: السكر كفر ولا يشهدون أنه كفر حتى يأتي معه غيره كترك الصلاة وما أشبه ذلك لأنهم إنما يعلمون أن الشارب سكر إذا ضم إلى سكره غيره مما يدل على أنه سكران.
ومن الخوارج أصحاب صالح ولم يحدث صالح قولًا تفرد به ويقال أنه كان صفريًا.
ومن قول الصفرية وأكثر الخوارج أن كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك عبادة للشيطان.
وقالت الفضلية: لا يكفر عندنا ولا يعصي من قال بضرب من الحق الذي يكون من المسلمين وأراد به غير الله أو وجهه على غير ما يوجهه المسلمون عليه نحو قول القائل لا إله إلا الله يريد بها قول النصارى الذي لا إله إلا هو الذي له الولد والزوجة أو يريد صنمًا اتخذ إلهًا وكقول القائل: محمد رسول الله وهو يريد غيره ممن قال: هو حي
[ ١١٨ ]
قائم وما أشبه ذلك من القول كله واعتقاد القلب والتوجه إلى غير الله ﷿.
وحكى اليمان بن رباب الخارجي أن قومًا من الصفرية وافقوا بعض البيهسية على أن كل من واقع ذنبًا عليه حرام لا يشهد عليه بأنه كفر حتى يرفع إلى السلطان ويحد عليه فإذا حد عليه فهو كافر إلا أن البيهسية لا يسمونهم مؤمنين ولا كافرين حتى يحكم عليهم وهذه الطائفة من الصفرية يثبتون لهم اسم الإيمان حتى تقام عليهم الحدود.
وحكى أن صنفًا من الخوارج تفردوا بقول أحدثوه وهو قطعهم الشهادة على أنفسهم ومن وافقهم أنهم من أهل الجنة من غير شرط ولا استثناء.
وذكر أن صنفًا منهم يدعون الحسينية ورئيسهم رجل يعرف بأبي الحسين يرون أن الدار دار حرب وأنه لا يجوز الإقدام على من فيها إلا بعد المحنة، ويقولون بالإرجاء في موافقيهم خاصة كما حكي عن نجدة، ويقولون فيمن خالفهم أنهم بارتكاب الكبائر كفار مشركون.
[ ١١٩ ]
وذكر اليمان أيضًا أن صاحب الشمراخية وهو عبد الله بن شمراخ كان يقول أن دماء قومه حرام في السر حلال في العلانية وأن قتل الأبوين حرام في دار التقية ودار الهجرة وإن كانا مخالفين، والخوارج تبرأ منه.
ومن العلماء باللغة وهو من الخوارج أبو عبيدة معمر بن المثنى وكان صفريًا، ومن شعرائهم: عمران بن حطان وهو صفري، ومن مؤلفي كتبهم ومتكلميهم: عبد
الله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضية، واليمان بن رباب وكان ثعلبيًا ثم صار بيهسيًا وسعيد بن هارون وكان فيما أظن إباضيًا.
والخوارج تدعي من السلف الشعثاء جابر بن زيد وعكرمة وإسماعيل بن سميع وأبا هارون العبدي، وهبيرة بن مريم.
ومن رجال الخوارج ممن لم يذكر أنه خرج ولا له مذهب يعرف به صالح بن مسرح وداود وكانا يتلاقيان ويحدثان مسائل يقع لها الخلاف بين الخوارج، ثم كانت لهما في آخر أيامهما خرجة ليست بالمشهورة، ورباب السجستاني وهو الذي أوقع الخلاف
[ ١٢٠ ]
بين الخوارج في قتيل وجد في عسكر حتى قال بعضهم أن حكم أهل العسكر حكم الكفار حتى يعلم أنه قتل بحق، وقال بعضهم: بل هم مؤمنون حتى يعلم أنه قتل بغير حق، وهارون الضعيف وقد حكي عنه إجازة تزويج نساء مخالفيه وأحل مخالفيه في هذا الباب محل أهل الكتاب.
ومن الخوارج صنف يسمون الراجعة رجعوا عن صالح بن مسرح وبرئوا منه لأحكام حكم بها وذلك أن بعض طلائع صالح أتاه فأعلمه أن فارسًا على تل واقف ينظر إلى عسكره فوجه إليه رجلين من أصحابه فلما نظر إليهما الفارس ولى مدبرًا فلحقاه فطعنه أحدهما فصرعه ونزلا ليقتلاه فقال لهما: أنا رجل مسلم وأنا أخو ربعي بن حراش وكان ربعي بن حراش من رؤسائهم فكفا عنه وقالا له: هل يعرفك أحد في العسكر؟ قال: نعم وسمى رجلين من أصحاب صالح يسمى أحدهما جبيرًا والآخر الوليد فصار الفرسان به إلى عسكر صالح فأخبراه بخبره فدعا صالح بن جبيرًا والوليد فسألهما عنه فقالا: نعرفه بالخبث والكفر ونعرف أنه أخو ربعي وقد أخبرنا ربعي بخبثه وعداوته للمسلمين فأمر صالح بضرب عنقه فقالت الراجعة: قتل رجلًا مسلمًا قد ادعى الإسلام فبرئوا بذلك من صالح، ومنها
[ ١٢١ ]
أنه أتاه رجل من طلائعه فأخبره أن فارسًا واقف على تل ينظر إلى العسكر بالليل فبعث
أبا عمر ويزيد بن خارجة فلما نظر الفارس إليهما ولى مدبرًا فطعنه أحدهما وضربه الآخر بالسيف ثم أتيا به صالحًا فدفعه صالح إلى رجل من أصحابه وأوصاه به وقال: إذا كان بالغداة فأتنا به حتى نقف على جراحته وننظر أتصير إلى دية النفس أو إلى دية الأرش فذهب الرجل إلى منزله وأباته عنده فلما نام الرجل الذي من أصحاب صالح قام الأسير فهرب من الليل، فبرئت الراجعة من صالح بذلك وقالوا: لم يبرأ من جراحته وقد ادعى أنه ذمي، ومنها أن رجلًا من أصحابه يقال له صخر قال لرجل منهم: هذا عدو الله فلم يستتبه صالح من ذلك، ومنها أنه احتبس من الغنائم فرسًا فكان أصحابه يقترعون إذا أرادوا ركوبه ويتنافسون في القتال عليه، فاختلف أصحابه عند هذه الأشياء فبرئت منه فرقة فسميت الراجعة، وصوب أكثر الخوارج رأي صالح بن أبي صالح، ووقف شبيب في صالح بن أبي صالح والراجعة وقال: لا ندري ما حكم به صالح كان حقًا أو باطلًا، ويقال أن أكثر الراجعة عادوا إلى قول صالح ويصوبونه فيما صنع.
[ ١٢٢ ]
فأما بعض الإباضية فيذهب إلى أن الذين برئوا من صالح كفروا وأن من وقف في كفرهم كفر، وأحسنوا الظن بشبيب وقالوا: لم يكن مثله يبرأ منه وقالوا: ويدل على ذلك أنه كان معه حتى قتل، فهو عندهم على أصل إيمانه.
ومنهم فرقة يسمون الشبيبية وذلك أن شبيبًا وقف في صالح وفي الراجعة فقالوا: لا ندري أحق ما حكم به صالح أم جور وحق ما شهدت به الراجعة أم جور، فبرئت الخوارج منهم وسموهم مرجئة الخوارج، وكان شبيب أصاب أموالًا بجرجرايا فقسمها وبقيت رمكة ومنطقة وعمامة فقال لرجل من أصحابه: اركب هذه الدابة حتى نقسمها وقال لآخر: البس هذه العمامة والمنطقة حتى نقسمها فبلغ ذلك أصحابه فخرج إليه سالم بن أبي الجعد الأشجعي وابن دجاجة الحنفي فقالا: يا معشر المسلمين استقسم هذا الرجل بالأزلام فقال شبيب: إنما كانت رمكة وأحببت
أن يركبها صاحبها يومًا أو يومين حتى نقسمها فقالوا: لم أعطيت هذا منطقة وعمامة فلو استشهد وأخذ متاعه؟ تب مما صنعت! فكره أن يخنع فقال: ما أرى
[ ١٢٣ ]
موضع توبة، فبرئوا منه فليس يتولاه خارجي فيما نعلم وهم يرجئون أمره ولا يكفرونه ولا يثبتون له الإيمان.
فأما التوحيد فإن قول الخوارج فيه كقول المعتزلة وسنشرح قول المعتزلة في التوحيد إذا صرنا إلى شرح مذاهب المعتزلة.
والخوارج جميعًا يقولون بخلق القرآن، والإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط لأنهم يزعمون أن الله سبحانه لم يزل مريدًا لمعلوماته التي تكون أن تكون ولمعلوماته التي لا تكون أن لا تكون والمعتزلة إلا بشر بن المعتمر ينكرون ذلك.
فأما القدر فقد ذكرنا من يذهب فيه إلى قول المعتزلة من الخوارج وذكرنا من يميل إلى الإثبات منهم.
وأما الوعيد فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد لأنهم يقولون أن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدون فيها مخلدون غير أن الخوارج يقولون أن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون أن عذابهم ليس كعذاب الكافرين.
[ ١٢٤ ]
وأما السيف فإن الخوارج تقول به وتراه إلا أن الإباضيةلا ترى اعتراض الناس بالسيف ولكنه يرون إزالة أيمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أيمة بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغير السيف.
فأما الوصف لله سبحانه على أن يظلم فإن الخوارج جميعًا تنكر ذلك.
والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر وينكرون إمامة عثمان رضوان الله عليهم في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها ويقولون بإمامة علي قبل أن
يحكم وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم ويكفرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري، ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقًا لذلك ولا يرون إمامة الجائر، وحكى زرقان عن النجدات أنهم يقولون أنهم لا يحتاجون إلى إمام وإنما عليهم أن يعلموا كتاب الله سبحانه فيما بينهم.
وللخوارج في الأطفال ثلاثة أقاويل:
صنف منهم يزعمون أن أطفال المشركين حكمهم حكم آبائهم
[ ١٢٥ ]
يعذبون في النار وأن أطفال المؤمنين حكمهم حكم آبائهم، واختلف هذا الصنف في الآباء إذا انتقلوا بعد موت أطفالهم عن أديانهم، فقال قائلون: ينتقلون إلى حكم آبائهم، وقال قائلون: هم على الحال التي كان آباؤهم عليها في حال موتهم لا ينتقلون بانتقالهم.
وقال الصنف الثاني منهم: جائز أن يؤلم الله سبحانه في النار أطفال المشركين على غير المجازاة لهم وجائز أن لا يؤلمهم، وأطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم لقول الله ﷿: بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم.
وقال الصنف الثالث وهم القدرية: أطفال المشركين والمؤمنين في الجنة.
وحكى حاك عن الأخنسية أنها تزوج النساء في نصبة الحرب وغير نصبة الحرب.
وحكى أيضًا أن الشمراخية والصفرية تصلي خلف من لا تعرف.
وحكى أن البيهسية تقول بقتل أهل القبلة وأخذ الأموال وترك الصلاة إلا خلف من تعرف والشهادة على الدار بالكفر.
وحكى حاك أن البدعية تقول مثل مقالة الأزارقة غير أنها تزعم أن الصلاة ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي.
[ ١٢٦ ]
واختلفت الخوارج في اجتهاد الرأي وهم صنفان:
فمنهم من يجيز الاجتهاد في الأحكام كنحو النجدات وغيرهم، ومنهم من ينكر ذلك
ولا يقول إلا بظاهر القرآن وهم الأزارقة.
وحكى حاك عن الخوارج أنهم لا يرون على الناس فرضًا ما لم يأتهم الرسل وأن الفرائض تلزم بالرسل واعتلوا بقول الله ﷿: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا.
والخوارج لا يقولون بعذاب القبر ولا ترى أن أحدًا يعذب في قبره.
فأما القول في البارئ هل يرزق عباده الحرام إذا غلبوا عليه وأكلوه فإن من مال منهم إلى قول المعتزلة في القدر ينكر ذلك، ومن قال منهم بالإثبات قال أن الله يرزق عباده الحرام إذا غلبوا عليه وأكلوه.
وللخوارج ألقاب فمن ألقابهم الوصف لهم بأنهم خوارج، ومن ألقابهم: الحرورية ومن ألقابهم الشراة والحرارية ومن ألقابهم المارقة ومن ألقابهم المحكمة وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والسبب الذي له سموا خوارج خروجهم
[ ١٢٧ ]
على علي بن أبي طالب، والذي له سموا محكمة إنكارهم الحكمين وقولهم: لا حكم إلا لله، والذي سموا له حرورية نزولهم بحروراء في أول أمرهم، والذي له سموا شراة قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة.
والكور التي الغالب عليها الخارجية:
الجزيرة والموصل وعمان وحضرموت ونواح من نواحي المغرب ونواح من نواحي خراسان، وقد كان لرجل من الصفرية سلطان في موضع يقال له سجلماسة على طريق غانة.
ويقال أن أول من حكم بصفين عروة بن بلال بن مرداس ويقال بل أول من حكم يزيد بن عاصم المحاربي ويقال بل رجل من سعد بن زيد مناة تميم، ويقال أن أول من تشرى رجل من بني يشكر.
وكان أمير الخوارج أول ما اعتزلوا عبد الله بن الكواء وأمير قتالهم شبث بن ربعي ثم بايعوا لعبد الله بن وهب الراسبي لعشر بقين من شوال سنة سبع وثلاثين، وكان رئيس الخوارج الذين أقبلوا
[ ١٢٨ ]
من البصرة ليجتمعوا مع عبد الله بن وهب مسعر بن فدكي وهو الذي استعرض من لقي هو وأصحابه وقتل عبد الله بن خباب فبعض الخوارج يقولون أن عبد الله بن وهب كان كارهًا لذلك كله وكذلك أصحابه، وبعضهم يتأول لمسعر في قتل عبد الله، ويقال أنه سأله أن يحدثه عن أبيه عن النبي ﷺ بما سمعه منه فحدثه بحديث في الفتن يوجب القعود عن الحروب وأن يكون الرجل عبد الله المقتول، فتأولوا عليه أنه يدين بتخطئتهم في الخروج وتخطئة علي ﵁ أيضًا واستحلوا بهذا دمه.
ولما قرب الأمر في محاربة علي بن أبي طالب عبد الله بن وهب استوحش كثير منهم من محاربته ففارق قوم منهم عبد الله بن الوهب منهم جويرية بن فادغ فارقه في ثلاثمائة، ومنهم مسعر بن فدكي انصرف إلى البصرة في مائتين ويقال بل صار إلى راية أبي أيوب الأنصاري وهو إذا ذاك مع علي بن أبي طالب، ومنهم فروة بن نوفل الأشجعي فارقه في خمسمائة، ومنهم عبد الله
[ ١٢٩ ]
الطائي رجع إلى الكوفة في ثلاثمائة ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم سالم بن ربيعة فارقه في ثمانية عشر ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم أبو مريم السعدي فارقه في مائتين ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم أشرس بن عوف نزل الدسكرة في مائتين، وذكر المدائني أن قومًا من الخوارج قد كانوا خرجوا مع علي رضوان الله عليه لقتال أهل الشام فلما قصد علي أهل النهر اعتزلوا فصاروا إلى النخيلة فأقاموا بها، وكان مقتل عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه لسبع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين.
وخرج على علي في حياته من الخوارج بعد عبد الله بن وهب الراسبي أشرس بن
عوف فسرح إليه علي جيشًا فقتل بالأنبار هو وأصحابه في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج ابن علفة التيمي فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وأصحابه بماسبذان في جمادى الأولى من هذه السنة.
ثم خرج الأشهب بن بشر فوجه إليه علي جارية بن قدامة فقتل الأشهب وأصحابه بجرجرايا في جمادى الآخرة من هذه السنة.
وخرج رجل من الخوارج يقال له سعد على علي ﵁
[ ١٣٠ ]
فكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي وهو على المدائن فخرج إليه سعد فقتله وأصحابه في رجب من هذه السنة.
ثم خرج أبو مريم السعدي فوجه إليه علي شريح بن هانىء وقد صاروا من الكوفة على فرسخين ثم أنفذ إليهم جارية بن قدامة السعدي فقتل أبا مريم وأصحابه إلا خمسين رجلًا سألوا الأمان وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، ثم قتل علي رضوان الله عليه ولو ذكرنا من خرج من الخوارج بعده لطال الكتاب.
آخر مقالات الخوارج.
[ ١٣١ ]