فالشيع ثلاثة أصناف وإنما قيل لهم الشيعة لأنهم شيعوا عليًا رضوان الله عليه ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ
فمنهم الغالية وإنما سموا الغالية لأنهم غلوا في علي وقالوا فيه قولًا عظيمًا وهم خمس عشرة فرقة:
فالفرقة الأولى منهم البيانية أصحاب بيان بن سمعان التميمي يقولون أن الله ﷿ على صورة الإنسان وأنه يهلك كله إلا وجهه وادعى بيان أنه يدعو الزهرة فتجيبه وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم فقتله خالد بن عبد الله القسري، وحكي عنهم أن كثيراُ منهم يثبت لبيان بن
[ ٥ ]
سمعان النبوة، ويزعم كثير من البيانية أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية نص على إمامة بيان بن سمعان ونصبه إمامًا.
والفرقة الثانية منهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكمأة والعشب وأن الأرواح تناسخت وأن روح الله جل اسمه كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت فيه، قال: وزعم أنه رب وأنه نبي فعبده شيعته، وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أن الدنيا لا تفنى ويستحلون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم ويتأولون قول الله ﷿: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب وهم يسمون الحربية يزعمون أن روح أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية تحولت فيه وأن أبا هاشم نص على إمامته.
والفرقة الرابعة منهم المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد يزعمون
[ ٦ ]
أنه كان يقول أنه نبي وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل وله جرف وقلب تنبع منه الحكمة وأن
حروف أبي جاد على عدد أعضائه قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرًا عظيمًا يعرض لهم بالعورة وبأنه قد رآه لعنه الله، وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم وأراهم أشياء من النيرنجات والمخاريق، وذكر لهم كيف ابتدأ الله الخلق فزعم أن الله جل اسمه كان وحده لا شيء معه فلما أراد أن يخلق الأشياء تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع فوق رأسه التاج قال: وذلك قوله: سبح اسم ربك الأعلى قال: ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصي والطاعات فغضب من المعاصي فعرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح مظلم والآخر نير عذب ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عين ظله فخلق منها شمسًا ومحق ذلك الظل وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري ثم خلق الخلق كله من البحرين فخلق الكفار من البحر المالح المظلم وخلق
[ ٧ ]
المؤمنين من النير العذب، وخلق ظلال الناس فكان أول من خلق منها محمدًا ﷺ قال: وذلك قوله: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ثم أرسل محمدًا إلى الناس كافة وهو ظل ثم عرض على السموات أن يمنعن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فأبين ثم على الأرض والجبال فأبين ثم على الناس كلهم فقام عمر بن الخطاب إلى أبي بكر فأمره أن يتحمل منعه وأن يغدر به ففعل ذلك أبو بكر وذلك قوله: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال قال: وقال عمر: أنا أعينك على علي لتجعل لي الخلافة بعدك وذلك قوله: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر والشيطان عنده عمر، وزعم أن الأرض تنشق عن الموتى فيرجعون إلى الدنيا، فبلغ خبره خالد بن عبد الله فقتله.
قال: وكان جابر الجعفي من أصحابه وأنزله أصحاب المغيرة بمنزلة المغيرة ومات جابر وادعى وصيته بكر الأعور الهجري القتات فصيروه إمامًا وقالوا إنه
لا يموت فأكل أموالهم، وكان المغيرة يأمرهم بانتظار محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي
[ ٨ ]
طالب وذكر لهم أن جبريل وميكائيل ﵉ يبايعانه بين الركن والمقام ويحيي له سبعة عشر رجلًا يعطى كل رجل منهم كذا وكذا حرفًا من الاسم الأعظم فيهزمون الجيوش ويملكون الأرض، فلما خرج محمد وقتل قال بعض أصحاب المغيرة: لم يكن الخارج محمد بن عبد الله وإنما كان شيطانًا تمثل في صورته وأن محمدًا سيخرج ويملك على ما قال المغيرة، وبرئ بعضهم من المغيرة.
والفرقة الخامسة منهم المنصورية أصحاب أبي منصور يزعمون أن الإمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي أبو منصور وأن أبا منصور قال: آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض وأنه هو الكسف الساقط من بني هاشم، وأبو منصور هذا رجل من بني عجل، وزعم أبو منصور أنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده ثم قال له: أي بني اذهب فبلغ عني ثم نزل به إلى الأرض، ويمين أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا: ألا والكلمة، وزعم أن عيسى أول من خلق الله من خلقه ثم علي وأن رسل الله سبحانه لا تنقطع أبدًا، وكفر بالجنة والنار وزعم أن الجنة رجل وأن النار رجل،
[ ٩ ]
واستحل النساء والمحارم وأحل ذلك لأصحابه وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم حلال وقال: لم يحرم الله ذلك علينا ولا حرم شيئًا تقوى به أنفسنا وإنما هذه الأشياء أسماء رجال حرم الله سبحانه ولا يتهم وتأول في ذلك قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وأسقط الفرائض وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولا يتهم، واستحل خنق المنافقين وأخذ أموالهم، فأخذه يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام بني أمية فقتله.
والفرقة السادسة منهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب، وهم خمس
فرق كلهم يزعمون أن الأيمة أنبياء محدثون ورسل الله وحججه على خلقه لا يزال منهم رسولان واحد ناطق والآخر صامت فالناطق محمد ﷺ والصامت علي بن أبي طالب فهم في الأرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق يعلمون ما كان وما هو كائن، وزعموا أن أبا الخطاب نبي وأن أولئك الرسل فرضوا
[ ١٠ ]
عليهم طاعة أبي الخطاب وقالوا: الأيمة آلهة وقالوا: ولد الحسين أبناء الله وأحباؤه ثم قالوا ذلك في أنفسهم وتأولوا قول الله تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين قالوا: فهم آدم ونحن ولده، وعبدوا أبا الخطاب وزعموا أنه إله، وزعموا أن جعفر بن محمد إلههم أيضًا إلا أن أبا الخطاب أعظم منه وأعظم من علي، وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، وهم يتدينون بشهادة الزور لموافقيهم.
والفرقة الثانية من الخطابية وهي الفرقة السابعة من الغالية يزعمون أن الإمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له معمر وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، وزعموا أن الدنيا لا تفنى وأن الجنة ما يصيب الناس من الخير والنعمة والعافية وأن النار ما يصيب الناس من خلاف ذلك، وقالوا بالتناسخ وأنهم لا يموتون ولكن يرفعون بأبدانهم إلى الملكوت وتوضع للناس أجساد شبه أجسادهم، واستحلوا الخمر والزنا واستحلوا سائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة، وهم يسمون المعمرية ويقال أنهم يسمون العمومية.
[ ١١ ]
والفرقة الثالثة من الخطابية وهي الثامنة من الغالية يقال لهم البزيغية أصحاب بزيغ بن موسى يزعمون أن جعفر بن محمد هو الله وأنه ليس بالذي يرون وأنه تشبه للناس بهذه الصورة، وزعموا أن كل ما يحدث في قلوبهم وحي وأن كل مؤمن يوحى إليه وتأولوا في ذلك قول الله تعالى: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله أي بوحي من الله وقوله: وأوحى ربك إلى النحل و: إذا أوحيت إلى
الحواريين، وزعموا أن منهم من هو خير من جبريل وميكائيل ومحمد، وزعموا أنه لا يموت منهم أحد وأن أحدهم إذا بلغت عبادته رفع إلى الملكوت، وادعوا معاينة أمواتهم وزعموا أنهم يرونهم بكرة وعشية.
والفرقة الرابعة من الخطابية وهي التاسعة من الغالية يقال لهم العميرية أصحاب عمير بن بيان العجلي وهذه الفرقة تكذب من قال منهم أنهم لا يموتون ويزعمون أنهم يموتون ولا يزال خلف منهم في الأرض أيمة أنبياء، وعبدوا جعفرًا كما عبده اليعمريون وزعموا أنه
[ ١٢ ]
ربهم وقد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا إلى عبادة جعفر، فأخذ يزيد بن عمر بن هبيرة عمير بن البيان فقتله في الكناسة وحبس بعضهم.
والفرقة الخامسة من الخطابية وهي العاشرة من الغالية يقال لهم المفضلية لأن رئيسهم كان صيرفيًا يقال له المفضل يقولون بربوبية جعفر كما قال غيرهم من أصناف الخطابية وانتحلوا النبوة والرسالة وإنما خالفوا في البراءة من أبي الخطاب لأن جعفرًا أظهر البراءة منه فجميع من أخرج الأمر من بني هاشم من الإمامية الذين يقولون بالنص على علي وادعى الأمر لنفسه ستة: عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي وبيان بن سمعان التميمي والمغيرة بن سعيد وأبو منصور والحسن بن أبي منصور وأبو الخطاب الأسدي وزعم أبو الخطاب أنه أفضل من بني هاشم.
وقد قال في عصرنا هذا قائلون بالبهية سلمان الفارسي.
وفي النساك من الصوفية من يقول بالحلول وأن البارئ يحل في الأشخاص وأنه جائز أن يحل في إنسان وسبع وغير ذلك من الأشخاص، وأصحاب هذه المقالة إذا أرادوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري لعل الله
[ ١٣ ]
حال فيه ومالوا إلى اطراح الشرائع وزعموا أن الإنسان ليس عليه فرض ولا يلزمه عبادة إذا وصل إلى معبوده.
والصنف الحادي عشر من أصناف الغالية يزعمون أن روح القدس - هو الله ﷿ - كانت في النبي ﷺ ثم في علي ثم في الحسن ثم في الحسين ثم في علي بن الحسين ثم في محمد بن علي ثم في جعفر بن محمد بن علي ثم في موسى بن جعفر ثم في علي بن موسى بن جعفر ثم في محمد بن علي بن موسى ثم في علي بن محمد بن علي بن موسى ثم في الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى ثم في محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي وهؤلاء آلهة عندهم كل واحد منهم إله على التناسخ والإله عندهم يدخل في الهياكل.
والصنف الثاني عشر من أصناف الغالية يزعمون أن عليًا هو الله ويكذبون النبي ﷺ ويشتمونه ويقولون أن عليًا وجه به ليبين أمره فادعى الأمر لنفسه.
والصنف الثالث عشر من أصناف الغالية هم أصحاب الشريعي يزعمون أن الله حل في خمسة أشخاص: في النبي وفي علي وفي الحسن وفي الحسين وفي فاطمة فهؤلاء آلهة عندهم، وليس يطعن أصحاب
[ ١٤ ]
الشريعي على النبي ﷺ ولا يقولون عنه ما حكيناه عن الصنف الذي ذكرناه قبلهم وقالوا: لهذه الأشخاص الخمسة التي حل فيها الإله خمسة أضداد فالأضداد أبو بكر وعمر عثمان ومعاوية وعمرو بن العاص، وافترقوا في الأضداد على مقالتين: فزعم بعضهم أن الأضداد محمودة لأنه لا يعرف فضل الأشخاص الخمسة إلا بأضدادها فهي محمودة من هذا الوجه، وزعم بعضهم أن الأضداد مذمومة وأنها لا تحمد بحال من الأحوال، وحكي أن الشريعي كان يزعم أن البارئ ﷻ يحل فيه، وحكي أن فرقة من الرافضة يقال لهم النميرية أصحاب النميري يقولون أن البارئ كان حالًا في النميري.
والصنف الرابع عشر من أصناف الغالية وهم السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليًا لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وذكروا عنه أنه قال لعلي ﵇: أنت أنت، والسبائية يقولون بالرجعة وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا، وكان السيد الحميري يقول برجعة الأموات وفي ذلك يقول:
إلى يوم يؤب الناس فيه إلى دنياهم قبل الحساب
[ ١٥ ]
والصنف الخامس عشر من أصناف الغالية يزعمون أن الله ﷿ وكل الأمور وفوضها إلى محمد ﷺ وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله سبحانه لم يخلق من ذلك شيئًا، ويقول ذلك كثير منهم في علي، ويزعمون أن الأيمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات ويوحى إليهم.
ومنهم من يسلم على السحاب ويقول إذا مرت سحابة به أن عليًا رضوان الله عليه فيها وفيهم يقول بعض الشعراء:
برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليًا يردون السلام على السحاب
والصنف الثاني من الأصناف الثلاثة التي ذكرنا بأن الشيعة يجمعها ثلاثة أصناف وهم الرافضة وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهم مجمعون على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ وأن الإمامة لا تكون
[ ١٦ ]
إلا بنص وتوقيف وأنها قرابة وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول أنه ليس بإمام، وأبطلوا جميعًا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس، وزعموا أن عليًا رضوان الله عليه
كان مصيبًا في جميع أحواله وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين إلا الكاملية أصحاب أبي كامل فإنهم أكفروا الناس بترك الاقتداء به وأكفروا عليًا بترك الطلب، وأنكروا الخروج على أيمة الجور وقالوا: ليس يجوز ذلك دون الإمام المنصوص على إمامته، وهم سوى الكاملية أربع وعشرون فرقة وهم يدعون الإمامية لقولهم بالنص على إمامة علي بن أبي طالب.
فالفرقة الأولى منهم وهم القطعية وإنما سموا قطعية لأنهم قطعوا على موت موسى بن جعفر بن محمد بن علي وهم جمهور الشيعة يزعمون أن النبي ﷺ نص على إمامة علي بن أبي طالب واستخلفه بعده بعينه واسمه وأن عليًا نص على إمامة ابنه الحسن بن علي وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وأن الحسين بن علي نص على إمامة ابنه علي بن الحسين وأن علي بن
[ ١٧ ]
الحسين نص على إمامة ابنه محمد بن علي وأن محمد بن علي نص على إمامة ابنه جعفر بن محمد وأن جعفر بن محمد نص على إمامة ابنه موسى بن جعفر وأن موسى بن جعفر نص على إمامة ابنه علي بن موسى وأن علي بن موسى نص على إمامة ابنه محمد بن علي بن موسى وأن محمد بن علي نص على إمامة ابنه علي بن محمد بن علي بن موسى وأن علي بن محمد بن علي بن موسى نص على إمامة ابنه الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى وهو الذي كان بسامرا وأن الحسن بن علي نص على إمامة ابنه محمد بن الحسن بن علي وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدعون أنه يظهر فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا.
والفرقة الثانية منهم وهم الكيسانية وهي إحدى عشرة فرقة وإنما سموا كيسانية لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد بن الحنفية كان يقال له كيسان ويقال إنه مولى لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
والفرقة الأولى من الكيسانية وهي الثانية من الرافضة يزعمون أن علي بن أبي طالب نص على إمامة ابنه محمد بن الحنفية لأنه دفع إليه الراية بالبصرة.
[ ١٨ ]
والفرقة الثالثة من الرافضة وهي الثانية من الكيسانية يزعمون أن علي بن أبي طالب نص على إمامة ابنه الحسن بن علي وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وأن الحسين بن علي نص على إمامة أخيه محمد بن علي وهو محمد بن الحنفية.
والفرقة الرابعة من الرافضة وهي الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه، وزعموا أن السبب الذي من أجله صبر على هذا الحال أن يكون مغيبًا عن الخلق أن لله تعالى فيه تدبيرًا لا يعلمه غيره، ومن القائلين بهذا القول كثير الشاعر وفي ذلك يقول:
ألا إن الأيمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانًا برضوى عنده عسل وماء
[ ١٩ ]
والفرقة الخامسة من الرافضة وهي الرابعة من الكيسانية يزعمون أن محمد بن الحنفية إنما جعل بجبال رضوى عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مران وبيعته إياه.
والفرقة السادسة من الرافضة وهي الخامسة من الكيسانية يزعمون أن محمد بن الحنفية مات وأن الإمام بعده ابنه أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.
والفرقة الثامنة من الرافضة وهي السابعة من الكيسانية يزعمون أن الإمام بعد أبي
هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ابن أخيه الحسن بن محمد بن الحنفية وأن أبا هاشم أوصى إليه ثم أوصى الحسن إلى ابنه علي بن الحسن وهلك علي ولم يعقب فهم ينتظرون
[ ٢٠ ]
رجعة محمد بن الحنفية ويقولون أنه يرجع ويملك فهم اليوم في التيه لا إمام لهم إلى أن يرجع إليهم محمد بن الحنفية في زعمهم.
والفرقة التاسعة من الرافضة وهي الثامنة من الكيسانية يزعمون أن الإمام بعد أبي هاشم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قالوا: وذلك أن أبا هاشم مات بأرض الشراة منصرفه من الشام فأوصى هناك إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأوصى محمد بن علي إلى ابنه إبراهيم بن محمد ثم أوصى إبراهيم بن محمد إلى أبي العباس ثم أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بوصية بعضهم إلى بعض، ثم رجع بعض هؤلاء عن هذا القول وزعموا أن النبي ﷺ نص على العباس بن عبد المطلب ونصبه إمامًا ثم نص العباس على إمامة ابنه عبد الله ونص عبد الله على إمامة ابنه علي بن عبد الله ثم ساقوا الإمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور وهؤلاء هم الراوندية، وافترقت هذه الفرقة في أمر أبي مسلم على مقالتين: فزعمت فرقة منهم تدعى الرزامية أصحاب رجل يقال له
[ ٢١ ]
رزام أن أبا مسلم قتل، وقالت فرقة أخرى يقال لها أبو مسلمية أن أبا مسلم حي لم يمت، ويحكى عنهم استحلال لما لم يحلل لهم أسلافهم.
والفرقة العاشرة من الرافضة وهي الحربية أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب وهي التاسعة من الكيسانية يزعمون أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية نصب عبد الله بن عمرو بن حرب إمامًا وتحولت روح أبي هاشم فيه، ثم وقفوا على كذب عبد الله بن عمرو بن حرب فصاروا إلى المدينة يلتمسون إمامًا فلقوا عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فدعاهم إلى أن يأتموا به فاستجابوا له ودانوا بإمامته وادعوا له الوصية، وافترقوا في أمر عبد الله بم
معاوية ثلاث فرق: فزعمت فرقة منهم أنه قد مات، وزعمت فرقة منهم أخرى أنه بجبال أصبهان وأنه لم يمت ولا يموت حتى يقود بنواصي الخيل إلى رجال من بني هاشم، وزعمت فرقة أخرى أنه حي بجبال أصبهان
[ ٢٢ ]
لم يمت ولا يموت حتى يلي أمور الناس وهو المهدي الذي بشر به النبي ﷺ.
والصنف الحادي عشر من الرافضة وهي البيانية أصحاب بيان بن سمعان التميمي وهو الصنف العاشر من الكيسانية يزعمون أن أبا هاشم أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي وأنه لم يكن له أن يوصي بها إلى عقبه.
والصنف الثاني عشر من الرافضة وهو الحادي عشر من الكيسانية يزعمون أن الإمام بعد أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
والصنف الثالث عشر من الرافضة وهم الذين يسوقون النص من النبي ﷺ على إمامة علي حتى ينتهوا بها إلى علي بن الحسين وهم المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد يزعمون أن الإمام بعد علي بن الحسين ابنه محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر وأن أبا جعفر أوصى إلى المغيرة بن سعيد فهم يأتمون به إلى أن يخرج المهدي والمهدي فيما زعموا هو محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم وزعموا أنه حي مقيم بجبال ناحية الحاجر وأنه لا يزال مقيمًا هناك إلى أوان
[ ٢٣ ]
خروجه، وإذا قلنا عن صنف أنهم يسوقون الإمامة إلى علي بن الحسين فإنما نعني الذين يقولون أن النبي ﷺ نص على إمامة علي وأن عليًا نص على إمامة الحسن وأن الحسن نص على إمامة الحسين وأن الحسين نص على إمامة علي بن الحسين.
والصنف الرابع عشر من الرافضة يسوقون الإمامة من علي بن أبي طالب حتى ينتهوا بها إلى علي بن الحسين ثم يزعمون أن الإمام بعد علي بن الحسين أبو
جعفر محمد بن علي وأن الإمام بعد أبي جعفر محمد بن عبد الله بن الحسن الخارج بالمدينة وزعموا أنه المهدي وأنكروا إمامة المغيرة بن سعد.
والصنف الخامس عشر من الرافضة يسوقون الإمامة من علي حتى ينتهوا بها إلى علي بن الحسين ويزعمون أن علي بن الحسين نص على إمامة أبي جعفر محمد بن علي وأن أبا جعفر محمد بن علي أوصى إلى أبي منصور ثم اختلفوا فرقتين: فرقة يقال لها الحسينية يزعمون أن أبا منصور أوصى إلى ابنه الحسين بن أبي منصور وهو الإمام بعده، وفرقة أخرى يقال لها المحمدية مالت إلى تثبيت أمر محمد بن عبد الله بن الحسن وإلى القول بإمامته وقالوا: إنما أوصى أبو جعفر
[ ٢٤ ]
إلى أبي منصور دون بني هاشم كما أوصى موسى صلى الله عليه إلى يوشع بن نون دون ولده ودون ولد هارون ثم إن الأمر بعد أبي منصور راجع إلى ولد علي كما رجع الأمر بعد يوشع بن نون إلى ولد هارون قالوا: وإنما أوصى موسى ﵇ إلى يوشع بن نون دون ولده ودون ولد هارون لئلا يكون بين البطنين اختلاف فيكون يوشع هو الذي يدل على صاحب الأمر فكذلك أبو جعفر أوصى إلى أبي منصور وزعموا أن أبا منصور قال: إنما أنا مستودع وليس لي أن أضعها في غيري ولكن القائم هو محمد بن عبد الله.
والصنف السادس عشر من الرافضة يسوقون الإمامة إلى أبي جعفر محمد بن علي وأن أبا جعفر نص على إمامة جعفر بن محمد وأن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر أمره وهو القائم المهدي، وهذه الفرقة تسمى الناوسية لقبوا برئيس لهم يقال له عجلان بن ناوس من أهل البصرة.
[ ٢٥ ]
والصنف السابع عشر من الرافضة يزعمون أن جعفر بن محمد مات وأن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل وأنكروا أن يكون إسماعيل مات في حياة أبيه وقالوا: لا يموت حتى يملك لأن أباه قد كان يخبر أنه وصيه والإمام بعده.
والصنف الثامن عشر من الرافضة وهم القرامطة يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب وأن عليًا نص على إمامة ابنه الحسن وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وأن الحسين بن علي نص على إمامة ابنه علي بن الحسين وأن علي بن الحسين نص على إمامة ابنه محمد بن علي ونص محمد بن علي على إمامة ابنه جعفر ونص جعفر على إمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم.
والصنف التاسع عشر من الرافضة يسوقون الإمامة من علي بن أبي
[ ٢٦ ]
طالب على سبيل ما حكينا عن القرامطة حتى ينتهوا بها إلى جعفر بن محمد ويزعمون أن جعفر بن محمد جعلها لإسماعيل ابنه دون سائر ولده فلما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت في ابنه محمد بن إسماعيل وهذا الصنف يدعون المباركية نسبوا إلى رئيس لهم يقال له المبارك وزعموا أن محمد بن إسماعيل قد مات وأنها في ولده من بعده.
والصنف العشرون من الرافضة يسوقون الإمامة من علي على ما حكينا عمن تقدمهم حتى ينتهوا بها إلى جعفر بن محمد ويزعمون أن الإمام بعد جعفر محمد بن جعفر ثم هي في ولده من بعده، وهم السميطية نسبوا إلى رئيس لهم يقال له يحيى بن أبي سميط.
والصنف الحادي والعشرون من الرافضة يسوقون الإمامة من علي إلى جعفر بن محمد على ما حكينا عمن تقدم شرحنا لقوله آنفًا ويزعمون أن الإمام بعد جعفر ابنه عبد الله بن جعفر وكان أكبر من خلف من ولده وهي في ولده، وأصحاب هذه المقالة يدعون
[ ٢٧ ]
العمارية نسبوا إلى رئيس لهم يعرف بعمار ويدعون الفطحية لأن
عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين، وأهل هذه المقالة يرجعون إلى عدد كثير.
فأما زرارة فإن جماعة من العمارية تدعي أنه كان على مقالتها وأنه لم يرجع عنها، وزعم بعضهم أنه رجع عن ذلك حين سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل لم يجد عنده جوابها وصار إلى الائتمام بموسى بن جعفر بن محمد، وأصحاب زرارة يدعون الزرارية ويدعون التميمية.
والصنف الثاني والعشرون من الرافضة يسوقون الإمامة حتى ينتهوا بها إلى جعفر بن محمد ويزعمون أن جعفر بن محمد نص على إمامة ابنه موسى بن جعفر وأن موسى بن جعفر حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها حتى يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وهذا الصنف يدعون الواقفة لأنهم وقفوا على موسى بن جعفر ولم يجاوزوه إلى غيره، وبعض مخالفي
[ ٢٨ ]
هذه الفرقة يدعوهم الممطورة وذلك أن رجلًا منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن ويونس من القطعية الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر فقال له يونس: أنتم أهون علي من الكلاب الممطورة فلزمهم هذا النبز.
والقائلون بإمامة موسى بن جعفر يدعون الموسائية لقولهم بإمامة موسى بن جعفر ويدعون المفضلية لأنهم نسبوا إلى رئيس لهم يقال له المفضل بن عمر وكان ذا قدر فيهم، وفرقة من الموسائية وقفوا في أمر موسى بن جعفر فقالوا: لا ندري أمات أم لم يمت إلا أنا مقيمون على إمامته حتى يضح لنا أمر غيره وإن وضحت لنا إمامة غيره كما وضحت لنا إمامته قلنا بذلك وأنقدنا له.
وقد ذكرنا قول القطعية الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر في أول ذكرنا لأقاويل الرافضة وشرحنا ذلك وتبيناه.
والصنف الثالث والعشرون من الرافضة يسوقون الإمامة من علي إلى موسى بن جعفر كما حكينا من قول المتقدمين غير أنهم
[ ٢٩ ]
يقولون أن موسى بن جعفر نص
على إمامة ابنه أحمد بن موسى بن جعفر.
والصنف الرابع والعشرون من الرافضة يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي وأن عليًا نص على الحسن بن علي ثم انتهت الإمامة إلى محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر كما حكينا عن أول فرقة من الرافضة، ويزعمون أن محمد بن الحسن بعده إمام هو القائم الذي يظهر فيملأ الدنيا عدلًا ويقمع الظلم والأولون قالوا أن محمد بن الحسن هو القائم الذي يظهر فيملأ الدنيا عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
واختلفت الروافض القائلون بإمامة محمد بن علي بن موسى بن جعفر لتقارب سنه ضربًا من الاختلاف آخر وذلك أن أباه توفي وهو ابن ثماني سنين - وقال بعضهم: بل توفي وله أربع سنين - هل كان في تلك الحال إمامًا واجب الطاعة على مقالتين:
فزعم بعضهم أنه كان في تلك الحال إمامًا واجب الطاعة عالمًا بما
[ ٣٠ ]
يعلمه الأيمة من الأحكام وجميع أمور الدنيا يجب الائتمام والاقتداء به كما وجب الائتمام والاقتداء بسائر الأيمة من قبله.
وزعم بعضهم أنه كان في تلك الحال إمامًا على معنى أن الأمر كان فيه وله دون الناس وعلى أنه لا يصلح لذلك الموضع في ذلك الوقت أحد غيره وأما أن يكون اجتمع فيه في تلك الحال ما اجتمع في غيره من الأيمة المتقدمين فلا، وزعموا أنه لم يكن يجوز في تلك الحال أن يؤمهم ولكن الذي يتولى الصلاة لهم وينفذ أحكامهم في ذلك الوقت غيره من أهل الفقه والدين والصلاح إلى أن يبلغ المبلغ الذي يصلح هذا فيه.
تم الكلام في الغلاة والإمامية.
واختلفت الروافض أصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق:
فالفرقة الأولى الهشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد طويل عريض عميق طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه لا يوفي بعضه على بعض ولم يعينوا طولًا غير الطويل، وإنما قالوا: طوله مثل عرضه على المجاز دون
[ ٣١ ]
التحقيق، وزعموا أنه نور ساطع له قدر من الأقدار في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وطعمه هو رائحته ورائحته هي مجسته وهو نفسه لون ولم يعينوا لونًا ولا طعمًا هو غيره وزعموا أنه هو اللون وهو الطعم وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك البارئ فحدث المكان بحركته فكان فيه وزعم أن المكان هو العرش، وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال له: أن ربه جسم ذاهب جاء فيتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال فقلت له: فأيما أعظم إلهك أم هذا الجبل وأومأت إلى أبي قبيس قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه، وذكر أيضًا ابن الراوندي أن هشام بن الحكم كان يقول: أن بين إلهه وبين الأجسام المشاهدة تشابهًا من جهة من الجهات لولا ذلك ما دلت عليه، وحكي عنه خلاف هذا أنه كان يقول أن جسم ذو أبعاض
[ ٣٢ ]
لا يشبهها ولا تشبهه، وحكى الجاحظ عن هشام بن الحكم في بعض كتبه أنه كان يزعم أن الله جل وعز إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض ولولا ملابسته لما وراء ما هناك لما دري ما هناك، وزعم أن بعضه يشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه، ولو زعم هشام أن الله تعالى يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه بالمشاهدة وقال بالحق.
وذكر عن هشام انه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل زعم مرة انه
كالبلورة وزعم مرة انه كالسبيكة وزعم مرة انه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام، وزعم الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله ﷿ على العرش مماس له وأنه لا يفضل عن العرش ولا يفضل العرش عنه.
[ ٣٣ ]
والفرقة الثانية من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم أنه جسم إلى أنه موجود ولا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله ﷿ على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
والفرقة الثالثة من الرافضة الهشامية أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا ويقولون هو نور ساطع يتلألأ بياضًا وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم، وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود.
والفرقة الخامسة من الرافضة يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر
[ ٣٤ ]
واحد وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
والفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
واختلفت الرافضة في حملة العرش هل يحملون العرش أم يحملون البارئ ﷿ وهم فرقتان:
فرقة يقال لها اليونسية أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين يزعمون أن الحملة يحملون البارئ واحتج يونس في أن الحملة تطيق حمله وشبههم بالكركي وأن رجليه تحملانه وهما دقيقتان، وقالت فرقة أخرى أن الحملة تحمل العرش والبارئ يستحيل أن يكون محمولًا.
واختلفت الروافض هل يوصف البارئ بالقدرة على أن يظلم أم لا: فأبى ذلك قوم وأجازه آخرون.
[ ٣٥ ]
واختلفت الروافض في القول أن الله سبحانه عالم حي قادر سميع بصير إله وهم تسع فرق:
فالفرقة الأولى منهم الزرارية أصحاب زرارة بن أعين الرافضي يزعمون أن الله لم يزل غير سميع ولا عليم ولا بصير حتى خلق ذلك لنفسه وهم يسمون التيمية ورئيسهم زرارة بن أعين.
والفرقة الثانية منهم السيابية أصحاب عبد الرحمن بن سيابة يقفون في هذه المعاني ويزعمون أن القول فيها ما يقول جعفر كائنًا قوله ما كان ولا يصوبون في هذه الأشياء قولًا.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الله ﷿ لا يوصف بأنه لم يزل إلهًا قادرًا ولا سميعًا بصيرًا حتى يحدث الأشياء لأن الأشياء التي كانت قبل أن تكون ليست بشيء ولن يجوز أن يوصف بالقدرة لا على شيء وبالعلم لا بشيء، وكل الروافض إلا شرذمة قليلة يزعمون أنه يريد الشيء ثم يبدو له فيه.
[ ٣٦ ]
والفرقة الرابعة من الروافض يزعمون أن الله لم يزل لا حيًا ثم صار حيًا.
والفرقة الخامسة من الروافض وهم أصحاب شيطان الطاق يزعمون أن الله عالم
في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئًا حتى يقدره ويثبته بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة.
والفرقة السادسة من الرافضة أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أنه محال أن يكون الله لم يزل عالمًا بالأشياء بنفسه وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن بها عالمًا وأنه يعلمها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه فيجوز أن يقال العلم محدث أو قديم لأنه صفة والصفة لا توصف قال: ولو كان لم يزل عالمًا لكانت المعلومات لم تزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود قال: ولو كان عالمًا بما يفعله لم يصح المحنة والاختبار.
[ ٣٧ ]
وقال هشام في سائر صفات الله ﷿ كقدرته وحياته وسمعه وبصره وإرادته أنها صفات لله لا هي الله ولا غير الله، وقد اختلف عنه في القدرة والحياة فمن الناس من يحكي عنه أنه كان يزعم أن البارئ لم يزل حيًا قادرًا ومنهم من ينكر أن يكون قال ذلك.
والفرقة السابعة من الرافضة لا يزعمون أن البارئ عالم في نفسه كما قال شيطان الطاق ولكنهم يزعمون أن الله ﷿ لا يعلم الشيء حتى يؤثر أثره والتأثير عندهم الإرادة فإذا أراد الشيء علمه وإذا لم يرده لم يعلمه ومعنى أراد عندهم أنه تحرك حركة هي إرادة فإذا تحرك علم الشيء وإلا لم يجز الوصف له بأنه عالم به، وزعموا أنه لا يوصف بالعلم بما لا يكون.
والفرقة الثامنة من الرافضة يقولون أن معنى أن الله يعلم أنه يفعل فإن قيل لهم: أتقولون أن الله لم يزل عالمًا بنفسه؟ اختلفوا فمنهم من يقول: لم يزل لا يعلم بنفسه حتى فعل العلم لأنه قد كان ولما يفعل، ومنهم من يقول: لم يزل يعلم بنفسه فإن قيل لهم: فلم يزل يفعل؟ قالوا: نعم ولا نقول بقدم الفعل.
ومن الرافضة من يزعم أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون إلا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها.
[ ٣٨ ]
والفرقة التاسعة من الرافضة يزعمون أن الله لم يزل عالمًا حيًا قادرًا ويميلون إلى نفي التشبيه ولا يقولون بحدث العلم ولا بما حكيناه من التجسيم وسائر ما أخبرنا به من التشبيه عنهم.
وافترقت الرافضة هل البارىء يجوز أن يبدو له إذا أراد شيئًا أم لا على ثلاث مقالات:
فالفرقة الأولى منهم يقولون أن الله تبدو له البداوات وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يحدث له من البداء وأنه إذا أمر بشريعة ثم نسخها فإنما ذلك لأنه بدا له فيها وأن ما علم أنه يكون ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه فجائز عليه البداء فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز عليه البداء فيه.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه جائز على الله البداء فيما علم أنه يكون حتى لا يكون وجوزوا ذلك فيما اطلع عليه عباده وأنه لا يكون كما جوزوه فيما لم يطلع عليه عباده.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أنه لا يجوز على الله ﷿ البداء وينفون ذلك عنه تعالى.
[ ٣٩ ]
واختلفت الروافض في القرآن وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم هشام بن الحكم وأصحابه يزعمون أن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وزاد بعض من يخبر على المقالات في الحكاية عن هشام فزعم أنه كان يقول: لا خالق ولا مخلوق ولا يقال أيضًا غير مخلوق لأنه صفة والصفة لا توصف، وحكى زرقان عن هشام بن الحكم أنه قال: القرآن على ضربين: إن كنت تريد المسموع فقد خلق الله ﷿ الصوت المقطع وهو رسم القرآن فأما
القرآن فهو فعل الله مثل العلم والحركة لا هو هو ولا غيره.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم.
واختلفت الرافضة في أعمال العباد هل هي مخلوقة وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم وهو هشام بن الحكم يزعمون أن أعمال العباد مخلوقة لله، وحكى جعفر بن حرب عن هشام بن الحكم أنه
[ ٤٠ ]
كان يقول أن أفعال الإنسان اختيار له من وجه اضطرار من وجه اختار من جهة أنه أرادها واكتسبها واضطرار من جهة أنها لا تكون منه إلا عند حدوث السبب المهيج لها.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه لا جبر كما قال الجهمي ولا تفويض كما قالت المعتزلة لأن الرواية عن الأيمة زعموا جاءت بذلك ولم يتكلفوا أن يقولوا في أعمال العباد هل هي مخلوقة أم لا شيئًا.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن أعمال العباد غير مخلوقة لله، وهذا قول قوم يقولون بالاعتزال والإمامة.
واختلفت الروافض في إرادة الله سبحانه وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب هشام بن الحكم وهشام الجواليقي يزعمون أن إرادة الله ﷿ حركة وهي معنى لا هي الله ولا هي غيره وأنها صفة لله ليست غيره وذلك أنهم يزعمون أن الله إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراد تعالى عن ذلك.
[ ٤١ ]
والفرقة الثانية منهم أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم ومن تابعهما يزعمون أن إرادة الله غيره وهي حركة لله كما قال هشام إلا أن هؤلاء خالفوه فزعموا أن الإرادة حركة وأنها غير الله بها يتحرك.
والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يزعمون أن إرادة الله ليست
بحركة، فمنهم من أثبتها غير المراد فيقول أنها مخلوقة لله لا بإرادة، ومنهم من يقول: إرادة الله سبحانه لتكوين الشيء هو الشيء وإرادته لأفعال العباد هي أمره إياهم بالفعل وهي غير فعلهم وهم يأبون أن يكون الله سبحانه أراد المعاصي فكانت.
والفرقة الرابعة منهم يقولون: لا نقول قبل الفعل إن الله أراده فإذا فعلت الطاعة قلنا أرادها وإذا فعلت المعصية فهو كاره لها غير محب لها.
واختلفت الروافض في الاستطاعة وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن الاستطاعة خمسة أشياء الصحة وتخلية الشؤون والمدة في الوقت والآلة التي بها يكون الفعل كاليد التي يكون بها اللطم والفأس التي تكون بها النجارة والإبرة التي تكون بها الخياطة وما أشبه ذلك من الآلات والسبب الوارد المهيج الذي من أجله يكون الفعل فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان الفعل واقعًا، فمن الاستطاعة ما هو قبل الفعل موجود
[ ٤٢ ]
ومنها ما لا يوجد إلا في حال الفعل وهو السبب، وزعم أن الفعل لا يكون إلا بالسبب الحادث فإذا وجد ذلك السبب وأحدثه الله كان الفعل لا محالة وأن الموجب للفعل هو السبب وما سوى ذلك من الاستطاعة لا يوجبه.
والفرقة الثانية منهم زرارة بن أعين وعبيد بن زرارة ومحمد بن حكيم وعبد الله بن بكير وهشام بن سالم الجواليقي وحميد بن رباح وشيطان الطاق يزعمون أن الاستطاعة قبل الفعل وهي الصحة وبها يستطيع المستطيع فكل صحيح مستطيع، وكان شيطان الطاق يقول: لا يكون الفعل إلا أن يشاء الله.
وحكي عن هشام بن سالم أن الاستطاعة جسم وهي بعض المستطيع ومن الرافضة من يقول: الاستطاعة كل ما لا ينال الفعل إلا به وذلك كله قبل الفعل، والقائل بهذا هشام بن حرول.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب أبي مالك الحضرمي يزعمون أن الإنسان مستطيع للفعل في حال الفعل وأنه يستطيعه لا باستطاعة في غيره وحكى زرقان عنه أنه كان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل للفعل ولتركه.
[ ٤٣ ]
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الإنسان إن كان قادرًا بآلات وجد فهو قادر من وجه وغير قادر من وجه.
واختلفت الروافض في أفعال الناس والحيوان هل هي أشياء أم ليست أشياء وهل هي أجسام أم لا وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم الهشامية أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن الأفعال صفات للفاعلين ليست هي هم ولا غيرهم وأنها ليست بأجسام ولا أشياء، وحكي عنه أنه قال: هي معان وليست بأشياء ولا أجسام، وكذلك قوله في صفات الأجسام كالحركات والسكنات والإرادات والكراهات والكلام والطاعة والمعصية والكفر والإيمان، فأما الألوان والطعوم والأراييح فكان يزعم أنها أجسام وأن لون الشيء هو طعمه وهو رائحته، وحكى زرقان عنه أنه قال: الحركة فعل والسكون ليس بفعل.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن حركات العباد وأفعالهم وسكناتهم
[ ٤٤ ]
أشياء وهي أجسام وأنه لا شيء إلا الأجسام وأن العباد يفعلون الأجسام، وهذا قول الجواليقية وشيطان الطاق.
والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يقولون في ذلك كأقاويل المعتزلة ويختلفون فيه كاختلافهم، فمنهم قوم يزعمون أن أفعال الإنسان وسائر الحيوان أعراض وكذلك قولهم في الألوان والطعوم والأراييح والأصوات وسائر صفات الأجسام، وسنذكر اختلاف المعتزلة في ذلك عند ذكرنا أقاويل المعتزلة فلهذه العلة لم نستقص أقاويل المعتزلة في هذا الموضع من كتابنا إذ كنا إنما نحكي
في هذا الموضع أقاويل الشيع دون غيرهم.
واختلفت الروافض فيما يتولد عن فعل الإنسان هل هو فعله وهل يحدث الفاعل فعلًا في غيره أو لا يحدث الفعل إلا في نفسه وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الفاعل لا يفعل في غيره فعلًا ولا يفعل إلا في نفسه ولا يثبتون الإنسان فاعلًا لما يتولد عن فعله كالألم المتولد عن الضربة واللذة التي تحدث عند الأكل وسائر المتولدات.
والفرقة الثانية منهم وهم القائلون بالاعتزال والنص على علي
[ ٤٥ ]
بن أبي طالب يزعمون أن الفاعل منا ما يحدث الفعل في غيره وأن ما يتولد عن فعله كالألم المتولد عن الضربة والصوت المتولد عن اصطكاك الحجرين وذهاب السهم المتولد عن الرمية فعل لمن تولد عن ذلك فعله.
واختلفت الروافض في رجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الأموات يرجعون إلى الدنيا قبل يوم الحساب، وهذا قول الأكثر منهم، وزعموا أنه لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا ويكون في هذه الأمة مثله وأن الله سبحانه قد أحي قومًا من بني إسرائيل بعد الموت فكذلك يحيي الأموات في هذه الأمة ويردهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة.
والفرقة الثانية منهم وهم أهل الغلو ينكرون القيامة والآخرة ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة وإنما هي أرواح تتناسخ في الصور فمن كان محسنًا جوزي بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم ومن كان مسيئًا جوزي بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم وليس شيء غير ذلك وأن الدنيا لا تزال أبدًا هكذا.
[ ٤٦ ]
واختلفت الروافض في القرآن هل زيد فيه أو نقص منه وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن القرآن قد نقص منه وأما الزيادة فذلك غير جائز
أن يكون قد كان وكذلك لا يجوز أن يكون قد غير منه شيء عما كان عليه فأما ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه والإمام يحيط علمًا به.
والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يزعمون أن القرآن ما نقص منه ولا زيد فيه وأنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه ﵇ لم يغير ولم يبدل ولا زال عما كان عليه.
واختلفت الروافض في الأيمة هل يجوز أن يكونوا أفضل من الأنبياء أم لا يجوز ذلك وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الأيمة لا يكونون أفضل من الأنبياء بل الأنبياء أفضل منهم غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأيمة أفضل من الملائكة.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الأيمة أفضل من الأنبياء والملائكة وأنه لا يكون أحد أفضل من الأيمة، وهذا قول طوائف منهم.
[ ٤٧ ]
والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يزعمون أن الملائكة والأنبياء أفضل من الأيمة ولا يجوز أن يكون الأيمة أفضل من الأنبياء والملائكة.
واختلفت الروافض في الرسول ﵇ هل يجوز عليه أن يعصي أم لا وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الرسول ﷺ جائز عليه أن يعصي الله وأن النبي قد عصى الله في أخذ الفداء يوم بدر فأما الأيمة فلا يجوز ذلك عليهم لأن الرسول إذا عصى فالوحي يأتيه من قبل الله والأيمة لا يوحى إليهم ولا تهبط الملائكة عليهم وهم معصومون فلا يجوز عليهم أن يسهوا ولا يغلطوا وإن جاز على الرسول العصيان، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه لا يجوز على الرسول ﵇ أن يعصي الله ﷿ ولا يجوز ذلك على الأيمة لأنهم جميعًا حجج الله وهم معصومون من
الزلل ولو جاز عليهم السهو واعتماد المعاصي
[ ٤٨ ]
وركوبها لكانوا قد ساووا المأمومين في جواز ذلك عليهم كما جاز على المأمومين ولم يكن المأمومون أحوج إلى الأيمة من الأيمة لو كان ذلك جائزًا عليهم جميعًا.
واختلفت الروافض في الأيمة هل يسع جهلهم وهل الواجب عرفانهم فقط أم الواجب عرفانهم والقيام بالشرائع التي جاء بها الرسول ﷺ وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن معرفة الأيمة واجبة وأن القيام بالشرائع التي جاء بها الرسول واجب وأن من جهل الإمام فمات مات ميتة جاهلية.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن معرفة الإمام إذا أدركها الإنسان لم تلزمه شريعة ولم تجب عليه فريضة وإنما على الناس أن يعرفوا الأيمة فقط فإذا عرفوهم فلا شيء عليهم.
والفرقة الثالثة منهم وهم اليعفورية يزعمون أنه قد يسع جهل الأيمة وهم بذلك لا مؤمنون ولا كافرون.
[ ٤٩ ]
والفرقة الرابعة منهم يقولون في القدر بقول المعتزلة أن المعارف ضرورة ويفارقون اليعفورية في جهل الأيمة ولا يستحلون الخصومة في الدين واليعفورية أيضًا لا تستحلها.
واختلفت الروافض في الإمام هل يعلم كل شيء أم لا وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإمام يعلم كل ما كان وكل ما يكون ولا يخرج شيء عن علمه من أمر الدين ولا من أمر الدنيا، وزعم هؤلاء أن الرسول كان كاتبًا ويعرف الكتابة وسائر اللغات.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الإمام يعلم كل أمور الأحكام والشريعة وإن لم يحط بكل شيء علمًا لأنه القيم بالشرائع والحافظ لها ولما يحتاج الناس إليه فأما ما
لا يحتاجون إليه فقد يجوز أن لا يعلمه الإمام.
واختلفت الروافض في الأيمة هل يجوز أن تظهر عليهم الأعلام أم لا وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الأيمة تظهر عليهم الأعلام والمعجزات كما تظهر على الرسل لأنهم حجج الله سبحانه كما أن الرسل حجج الله ولم يجيزوا هبوط الملائكة بالوحي عليهم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الأعلام تظهر عليهم وتهبط
[ ٥٠ ]
الملائكة بالوحي عليهم ولا يجوز أن ينسخوا الشرائع ولا يبدلوها ولا يغيروها.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الأعلام تظهر عليهم وتهبط الملائكة بالوحي عليهم ويجوز أن ينسخوا الشرائع ويبدلوها ويغيروها.
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الأعلام لا تظهر إلا على الرسل وكذلك الملائكة لا تهبط إلا عليهم بالوحي ولا يجوز أن ينسخ الله سبحانه شريعتنا على ألسنتهم بل إنما يحفظون شرائع الرسل ويقومون بها.
واختلفت الروافض في النظر والقياس وهم ثماني فرق:
فالفرقة الأولى منهم وهم جمهورهم يزعمون أن المعارف كلها اضطرار وأن الخلق جميعًا مضطرون وأن النظر والقياس لا يؤديان إلى علم وما تعبد الله العباد بهما.
والفرقة الثانية منهم وهم أصحاب شيطان الطاق يزعمون أن المعارف كلها اضطرار وقد يجوز أن يمنعها الله سبحانه بعض الخلق فإذا منعها بعض الخلق وأعطاها بعضهم كلفهم الإقرار مع منعه إياهم المعرفة.
والفرقة الثالثة منهم وهم أصحاب أبي مالك الحضرمي يزعمون
[ ٥١ ]
أن المعارف كلها اضطرار وقد يجوز أن يمنعها الله بعض الخلق فإذا منعها الله بعض الخلق
وأعطاها بعضهم كلفهم الإقرار مع منعه إياهم المعرفة.
والفرقة الرابعة منهم أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن المعرفة كلها اضطرار بإيجاب الخلقة وأنها لا تقع إلا بعد النظر والاستدلال يعنون بما لا يقع منها إلا بعد النظر والاستدلال العلم بالله ﷿.
والفرقة الخامسة منهم يزعمون أن المعارف ليس كلها اضطرارًا والمعرفة بالله يجوز أن تكون كسبًا ويجوز أن تكون اضطرارًا وإن كانت كسبًا أو كانت اضطرارًا فليس يجوز الأمر بها على وجه من الوجوه، وهذا قول الحسن بن موسى.
والفرقة السادسة منهم يزعمون أن النظر والقياس يؤديان إلى العلم بالله وأن العقل حجة إذا جاءت الرسل فأما قبل مجيئهم فليست العقول دلالة ما لم يكن سنة بينة واعتلوا بقول الله ﷿: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا.
والفرقة السابعة منهم يقولون بتصحيح النظر والقياس وأنهما يؤديان إلى العلم وأن العقول حجة في التوحيد قبل مجيء الرسل وبعد مجيئهم.
والفرقة الثامنة منهم يزعمون أن العقول لا تدل على شيء قبل مجيء
[ ٥٢ ]
الرسل ولا بعد مجيئهم وأنه لا يعلم شيء من الدين ولا يلزم فرض إلا بقول الرسل والأيمة وأن الإمام هو الحجة بعد الرسول ﵇ لا حجة على الخلق غيره.
وقالت الروافض بأجمعها بنفي اجتهاد الرأي في الأحكام وإنكاره.
واختلفت الروافض في الناسخ والمنسوخ هل يقع ذلك في الإخبار أم لا وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن النسخ قد يجوز أن يقع في الإخبار فيخبر الله سبحانه أن شيئًا يكون ثم لا يكون، وهذا قول أكثر أوائلهم وأسلافهم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه لا يجوز وقوع النسخ في الإخبار وأن يخبر اتلله
سبحانه أن شيئًا يكون ثم لا يكون لأن ذلك يوجب التكذيب في أحد الخبرين.
واختلفت الروافض في الإيمان ما هو وفي الأسماء وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم وهم جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام وبجميع ما جاء من عندهم فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم فإذا أقر وعرف فهو مؤمن مسلم وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم وليس بمؤمن.
[ ٥٣ ]
والفرقة الثانية منهم وهم قوم من متأخريهم من أهل زماننا هذا يزعمون أن الإيمان جميع الطاعات وأن الكفر جميع المعاصي ويثبتون الوعيد ويزعمون أن المتأولين الذين خالفوا الحق بتأويلهم كفار، وهذا قول ابن جبرويه.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب علي بن ميثم يزعمون أن الإيمان اسم للمعرفة والإقرار ولسائر الطاعات فمن جاء بذلك كله كان مستكمل الإيمان ومن ترك شيئًا مما افترض الله عليه غير جاهد له فليس بمؤمن ولكن يسمى فاسقًا وهو من أهل الملة تحل مناكحته وموارثته ولا يكفرون المتأولين.
واختلفت الروافض في الوعيد وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يثبتون الوعيد على مخالفيهم ويقولون أنهم يعذبون ولا يقولون بإثبات الوعيد فيمن قال بقولهم، ويزعمون أن الله سبحانه يدخلهم الجنة وإن أخلهم النار أخرجهم منها ورووا في ذلك عن أيمتهم أن ما كان بين الله وبين الشيعة من المعاصي سألوا الله فيهم فصفح عنهم وما كان بين الشيعة وبين الأيمة تجاوزوا عنه وما كان
[ ٥٤ ]
بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم إليهم حتى يصفحوا عنهم.
والفرقة الثانية منهم يذهبون إلى إثبات الوعيد وأن الله ﷿ يعذب كل مرتكب الكبائر من أهل مقالتهم كان أو من غير أهل مقالتهم ويخلدهم في النار.
واختلفت الروافض في خلق الشيء أهو الشيء أم غيره وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن خلق الشيء صفة للشيء لا هو الشيء ولا هو غيره لأنه صفة للشيء والصفة لا توصف، وكذلك زعموا أن البقاء صفة للباقي لا هي هو ولا غيره وكذلك الفناء صفة للفاني لا هي هو ولا هي غيره.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الخلق هو المخلوق وأن الباقي يبقى لا ببقاء وأن الفاني يفنى لا بفناء.
واختلفت الروافض في عذاب الأطفال في الآخرة وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الأطفال جائز أن يعذبهم الله وجائز أن يعفو عنهم كل ذلك له أن يفعله.
والفريق الثاني وهم أصحاب هشام بن الحكم فيما حكى زرقان
[ ٥٥ ]
عنه - فإن لم يكن هشام بن الحكم قاله فممن يقوله اليوم كثير - يزعمون أنه لا يجوز أن يعذب الله سبحانه الأطفال بل هم في الجنة.
واختلفت الروافض في ألم الأطفال في الدنيا وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الأطفال يألمون في الدنيا وأن إيلامهم فعل الله بإيجاب الخلقة لأن الله خلقهم خلقة يألمون إذا قطعوا أو ضربوا.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الأطفال يألمون في الدنيا وأن الألم الذي يحل فيهم فعل الله لا بإيجاب الخلقة ولكن باختراع ذلك فيهم وكذلك قولهم في سائر المتولدات كالصوت الحادث عند الاصطكاك وذهاب الحجر الحادث عند دفعتنا للحجر وما أشبه ذلك.
والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالإمامة والاعتزال يزعمون أن الآلام التي تحل في الأطفال منها ما هو فعل الله ومنها ما هو فعل لغيره وإن ما يفعله من الألم فإنما يفعله اختراعًا لا لسبب يوجبه.
وأجمعت الروافض على تصويب علي رضوان الله عليه في حربه من حارب وتخطئة من حارب عليًا.
[ ٥٦ ]
واختلفت الروافض في محارب علي وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يقولون بإكفار من حارب عليًا وتضليله ويشهدون بذلك على طلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان وكذلك يقولون فيمن ترك الائتمام به بعد الرسول ﵇.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن من حارب عليًا فاسق ليس بكافر إلا أن يكون حارب عليًا عنادًا للرسول ﷺ وردًا عليه فهم كفار، وكذلك يقولون في ترك الائتمام أصحاب رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب بعده أنهم إن كانوا تركوا الائتمام به عنادًا للرسول وردًا عليه فهم كفار وإن كانوا تركوا ذلك لا على طريق العناد والتكذيب للرسول ﷺ والرد عليه فسقوا ولم يكفروا.
واختلفت الروافض في التحكيم وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن عليًا إنما حكم للتقية وأنه مصيب في تحكيمه للتقية وأن التقية تسعه إذا خاف على نفسه واعتلوا
[ ٥٧ ]
في ذلك بأن رسول الله ﷺ كان في تقية في أول الإسلام يكتم الدين.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن التحكيم صواب على أي وجه فعله على التقية أو على غير التقية.
وأجمعت الروافض على إبطال الخروج وإنكار السيف ولو قتلت حتى يظهر لها الإمام وحتى يأمرها بذلك واعتلت في ذلك بأن النبي ﷺ قبل أن يأمره الله ﷿ بالقتال كان محرمًا على أصحابه أن يقاتلوا.
وأجمعوا على أنه لا يجوز الصلاة خلف الفاسقين وإنما يصلون خلف الفاسقين
تقية ثم يعيدون صلاتهم.
واختلفت الروافض في سباء نساء مخالفيهم وأخذ أموالهم إذا أمكنهم ذلك وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يستحلون ذلك ويستحبونه ويستحلون سائر المحظورات ويتأولون قول الله ﷿: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات
وقوله: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.
[ ٥٨ ]
والفرقة الثانية منهم يحرمون سباء نساء مخالفيهم وأخذ أموالهم بغير حق ولا يبيحون المحظورات ولا يستحلونها.
واختلفوا في الجزء الذي لا يتجزأ وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الجزء يتجزأ أبدًا ولا جزء إلا وله جزء وليس لذلك آخر إلا من جهة المساحة وأن لمساحة الجسم آخرًا وليس لأجزائه آخر من باب التجزؤ، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم وغيره من الروافض.
والفرقة الثانية منهم يقولون أن لأجزاء الجسم غاية من باب التجزؤ وله أجزاء معدودة لها كل وجميع ولو رفع البارئ كل اجتماع في الجسم لبقيت أجزاؤه لا اجتماع فيها ولا يحتمل كل جزء منها التجزؤ.
واختلفت الروافض في الجسم ما هو وهم ثلاث فرق:
والفرقة الأولى منهم يزعمون أن الجسم هو الطويل العريض العميق ولا يكون شيء موجود إلا ما كان جسمًا طويلًا عريضًا عميقًا، وأنكروا الأعراض وزعموا أن معنى الجسم الطويل العريض العميق أنه شيء موجود وأن البارئ لما كان شيئًا موجودًا كان جسمًا.
[ ٥٩ ]
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن حقيقة الجسم أنه مؤلف مركب مجتمع وأن البارئ ﷿ لما لم يكن مؤتلفًا مجتمعًا لم يكن جسمًا.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن حقيقة الجسم أنه يحتمل الأعراض وأن أقل قليل الأجسام جزء لا يتجزأ وأن البارئ لما لم يحتمل الأعراض لم يكن جسمًا.
واختلفت الروافض في المداخلة وهم فرقتان:
والفرقة الأولى منهم الهشامية وهم فيما حكى زرقان عن هشام يقولون بالمداخلة ويثبتون كون الجسمين اللطيفين في مكان واحد كالحرارة واللون ولست أحقق ما حكى زرقان من ذلك كما حكاه.
والفرقة الثانية منهم ينكرون المداخلة ويحيلون كون جسمين في مكان واحد ويزعمون أن الجسمين يتجاوران ويتماسان فإما أن يتداخلا حتى يكون حيزهما واحدًا فذلك محال.
واختلفت الروافض في الإنسان ما هو وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإنسان اسم لمعنيين لبدن وروح
[ ٦٠ ]
فالبدن موات والروح هي الفاعلة الدراكة الحساسة وهي نور من الأنوار، هكذا حكى زرقان عن هشام بن الحكم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الإنسان جزء لا يتجزأ ويحيلون أن يكون الإنسان أكثر من جزء لأنه لو كان أكثر من جزء لجاز أن يحل في أحد الجزأين إيمان وفي الآخر كفر فيكون مؤمنًا وكافرًا في حال واحد وذلك محال.
وقد ذهب من أهل زماننا قوم من النظامية الذين يزعمون أن الإنسان هو الروح إلى قول الروافض، وذهب أيضًا قوم ممن يميل إلى قول أبي الهذيل إن الإنسان هو هذا الجسم المريء إلى القول بالإمامة والرفض.
واختلفت الروافض في الطفرة وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب هشام بن الحكم فيما حكاه زرقان يقولون أن الجسم يكون في مكان ثم يصير إلى المكان الثالث من غير أن يمر بالثاني، والفرقة الثانية منهم ينكرون ذلك ويحيلون أن يكون الجسم في مكان ثم يصير إلى مكان ثالث من غير أن يمر بالمكان الثاني.
[ ٦١ ]
وهذه حكاية مذاهب لهشام في أشياء من لطيف الكلام:
كان هشام يقول أن الجن مأمورون ومنهيون لأنه قال: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم وقال: فبأي آلاء ربكما تكذبان، وكان يقول في وسواس الشيطان أن الله سبحانه يقول: الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس قال: فعلمنا أنه يوسوس وليس يدخل أبدان الناس ولكن قد يجوز أن يكون الله سبحانه قد جعل الجو أداة للشيطان يصل بها إلى القلب من غير أن يدخل فيه، قال: ويعلم ما يحدث في القلب وليس ذلك بغيب لأن الله سبحانه قد جعل عليه دليلًا، مثل ذلك أن يشير الرجل إلى الرجل أن أقبل أو أدبر فيعلم ما يريد فكذلك إذا فعل الإنسان فعلًا يريد شيئًا من البر عرف الشيطان ذلك بالدليل فينهى الإنسان عنه.
وقال هشام في الملائكة أنهم مأمورون منهيون لقول الله ﷿: ومن يقل منهم أني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم وقال: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.
[ ٦٢ ]
وكان هشام يقول في الزلازل أن الله سبحانه خلق الأرض من طبائع مختلفة يمسك بعضها بعضًا فإذا ضعفت طبيعة منها غلبت الأخرى فكانت الزلزلة وإن ضعفت أشد من ذلك كان الخسف.
وكان يقول في السحر أنه خديعة ومخاريق ولا يجوز أن يقلب الساحر إنسانًا حمارًا أو العصا حية، وحكى عنه زرقان أنه كان يجيز المشي على الماء لغير نبي ولا يجوز أن تظهر الأعلام على غير نبي، وكان يقول في المطر: جائز أن
يكون ماءً يصعده الله ثم يمطره على الناس وجائز أن يكون الله يخترعه في الجو ثم يمطره، وكان يزعم أن الجو جسم رقيق.
ورجال الرافضة ومؤلفو كتبهم:
هشام بن الحكم وهو قطعي وعلي بن منصور ويونس بن عبد الرحمن القمي والسكاك وأبو الأحوص داود بن راشد البصري ومن رواة الحديث: الفضل بن شاذان والحسين بن إشكيب والحسين
[ ٦٣ ]
بن سعيد وقد انتحلهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وألفا لهم كتبًا في الإمامة.
والتشيع غالب على أهل قم وبلاد إدريس بن إدريس وهي طنجة وما والاها والكوفة.
وحكى سليمن بن جرير الزيدي أن فرقة من الإمامية تزعم أن الأمر بعد النبي ﷺ إلى علي بن أبي طالب يصنع بالإمامة ما أحب إن شاء جعلها لنفسه وإن ولاها غيره كان ذلك جايزًا إن كان ذلك عدلًا وله في ذلك النيابة إذا نفى والتسليم إن شاء ورضي، وأن فرقة أخرى قالت أن الدين كله في يدي علي بن أبي طالب وأنه يسند إليه وأوجبوا قطع الشهادة على سريرته وأن الإمامة بعده في جماعة أهل البيت غير أنهم خالفوا الفرقة الأولى في شيئين:
أحدهما أنهم يزعمون أن عليًا تولى أبا بكر وعمر على الصحة وسلم بيعتهما والآخر أنهم لا يثبتون العصمة لجماعة أهل البيت كما يثبت أولئك ولكنهم يرجون ذلك لهم وأن يصيروا جميعًا إلى ثواب الله ورحمته.
[ ٦٤ ]
والصنف الثالث من الأصناف الثلاثة التي ذكرناها أن الشيعة يجمعها ثلاثة أصناف وهم الزيدية وإنما سموا زيدية لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان زيد بن علي بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي
طالب على سائر أصحاب رسول الله ﷺ ويتولى أبا بكر وعمر ويرى الخروج على أيمة الجور، فلما ظهر بالكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه فتفرق عنه الذين بايعوه فقال لهم: رفضتموني، وبقي في شرذمة فقاتل يوسف بن عمر فقتل ودفن ليلًا وكان معه نصر بن خزيمة العبسي ثم إنه ظهر على قبره فنبش وصلب عريانًا وله قصة يطول شرحها ولو ذكرناها لطال بذكرها الكتاب.
ثم خرج ابنه يحيى بن زيد بعده في أيام الوليد بن يزيد بن عبد
[ ٦٥ ]
الملك فوجه إليه نصر بن سيار صاحب خراسان بصاحب شرطته سلم بن أحوز المازني فقتله.
وقال يحيى بن زيد في أبيه زيد لما قتل بالكوفة:
خليلي عني بالمدينة بلغا بني هاشم أهل النهى والتجارب
فحتى متى مران يقتل منكم خياركم والدهر جم والعجائب
وحتى متى ترضون بالخسف منهم وكنتم أباة الخسف عند التجارب
لكل قتيل معشر يطلبونه وليس لزيد بالعراقين طالب
وقال دعبل الخزاعي يرثي يحيى بن زيد:
قبور بكوفان وأخرى بطيبة وأخرى بفخ نالها صلواتي
وأخرى بأرض الجوزجان محلها وأخرى بباخمرى لدى الغربات
يعني بالقبور التي بأرض الجوزجان يحيى بن زيد ومن قتل معه، والزيدية ست فرق:
فمنهم الجارودية أصحاب أبي الجارود وإنما سموا جارودية
[ ٦٦ ]
لأنهم قالوا بقول أبي الجارود يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالتسمية فكان هو الإمام من بعده وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول ﷺ ثم الحسن من بعد علي هو الإمام ثم
الحسين هو الإمام من بعد الحسن.
وافترقت الجارودية فرقتين: فرقة زعمت أن عليًا نص على إمامة الحسن وأن الحسن نص على إمامة الحسين ثم هي شورى في وبد الحسن وولد الحسين فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربه وكان عالمًا فاضلًا فهو الإمام، وفرقة زعمت أن النبي ﷺ نص على الحسن بعد علي وعلى الحسين بعد الحسن ليقوم واحد بعد واحد.
وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق: فزعمت فرقة أن محمد بن عبد الله بن الحسن لم يمت وأنه يخرج ويغلب، وفرقة أخرى زعمت أن محمد بن القاسم صاحب الطالقان حي لم يمت وأنه يخرج ويغلب، وفرقة قالت مثل ذلك في يحيى بن عمر صاحب الكوفة.
[ ٦٧ ]
والفرقة الثانية من الزيدية السليمانية أصحاب سليمان بن جرير الزيدي يزعمون أن الإمامة شورى وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها قد تصلح في المفضول وإن كان الفاضل أفضل في كل حال ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر.
وحكى زرقان عن سليمان بن جرير أنه كان يزعم أن بيعة أبي بكر وعمر خطأ لا يستحقان عليها اسم الفسق من قبل التأويل وأن الأمة قد تركت الأصلح في بيعتهم إياهما، وكان سليمان بن جرير يقدم على عثمان ويكفره عند الأحداث التي نقمت عليه ويزعم أنه قد ثبت عنده أن علي بن أبي طالب لا يضل ولا تقوم عليه شهادة عادلة بضلالة ولا يوجب علم هذه النكتة على العامة إذ كان إنما تجب هذه النكتة من طريق الروايات الصحيحة عنده.
والفرقة الثالثة من الزيدية البترية أصحاب الحسن بن صالح بن حي وأصحاب كثير النواء وإنما سموا بترية لأن كثيرًا كان يلقب بالأبتر، يزعمون أن عليًا أفضل
الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن
[ ٦٨ ]
عليًا ترك ذلك لهما ويقفون في عثمان وفي قتلته ولا يقدمون عليه بإكفار، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع، وقد حكي أن الحسن بن صالح بن حي كان يتبرأ من عثمان رضوان الله عليه بعد الأحداث التي نقمت عليه.
والفرقة الرابعة من الزيدية النعيمية أصحاب نعيم بن اليمان يزعمون أن عليًا كان مستحقًا للإمامة وأنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في أن ولت أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما ولكنها مخطئة خطأً بينًا في ترك الأفضل وتبرءوا من عثمان ومن محارب علي وشهدوا عليه بالكفر.
والفرقة الخامسة من الزيدية يتبرءون من أبي بكر وعمر ولا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة.
والفرقة السادسة من الزيدية يتولون أبا بكر وعمر ولا يتبرءون ممن برئ منهما وينكرون رجعة الأموات ويتبرءون ممن دان بها وهم اليعقوبية أصحاب رجل يدعى يعقوب.
[ ٦٩ ]
واختلفت الزيدية في البارئ ﷿ أيقال أنه شيء أم لا وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم وهم جمهور الزيدية يزعمون أن البارئ ﷿ شيء لا كالأشياء ولا تشبهه الأشياء، والفرقة الثانية منهم لا يقولون أن البارئ شيء فإن قيل لهم: أفتقولون أنه ليس بشيء قالوا: لا نقول أنه ليس بشيء.
واختلفت الزيدية في الأسماء والصفات وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب سليمان بن جرير الزيدي يزعمون أن البارئ عالم بعلم لا هو هو ولا غيره وأن علمه شيء، قادر بقدرة لا هي هو ولا غيره وأن
قدرته شيء وكذلك قولهم في سائر صفات النفس كالحياة والسمع والبصر وسائر صفات الذات ولا يقولون أن الصفات أشياء، ويقولون وجه الله هو الله ويزعمون أن الله سبحانه لم يزل مريدًا وأنه لم يزل كارهًا للمعاصي ولأن يعصى وأن الإرادة للشيء هي الكراهة لضده وكذلك لم يزل راضيًا ولم يزل ساخطًا وسخطه على الكافرين هو رضاه بتعذيبهم ورضاه بتعذيبهم هو سخطه عليهم ورضى الله عن المؤمنين هو سخطه أن يعذبهم وسخطه أن
[ ٧٠ ]
يعذبهم هو رضاه أن يغفر لهم، وقالوا: ولا نقول سخطه على الكافرين هو رضاه عن المؤمنين.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن البارئ ﷿ عالم قادر سميع بصير بغير علم وحياة وقدرة وسمع وبصر وكذلك قولهم في سائر صفات الذات ويمنعون أن يقولوا: لم يزل البارئ مريدًا ولم يزل كارهًا ولم يزل راضيًا ولم يزل ساخطًا.
واختلفت الزيدية في البارئ ﷿ هل يوصف بالقدرة على أن يظلم ويكذب وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب سليمان بن جرير الزيدي يزعمون أن البارئ لا يوصف بالقدرة على أن يظلم ويجور ولا يقال لا يقدر لأنه يستحيل أن يظلم ويكذب وأحالوا قول القائل يقدر الله على أن يظلم ويكذب وأحالوا سؤاله، وكان سليمان بن جرير يجيب عن قول القائل يقدر الله على ما علم أنه لا يفعله؟ إن هذا الكلام له وجهان: إن كان السائل يعني ما علمه أنه لا يفعله مما جاء الخبر بأنه لا يفعله فلا يجوز القول يقدر عليه ولا لا يقدر عليه لأن القول بذلك محال وأما ما لم يأت به خبر فإن كان مما في العقول دفعه فإن الله ﷿ لا يوصف به وأن من وصفه به محيل فالجواب في ذلك مثل
[ ٧١ ]
الجواب فيما جاء الخبر بأنه لا يكون، وأما ما لم يأت به خبر وليس في العقول ما يدفعه فإن القول أنه يقدر على ذلك جائز وإنما جاز القول في ذلك لجهلنا بالمغيب فيه ولأنه ليس في عقولنا ما يدفعه
وأنا قد رأينا مثله مخلوقًا.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن البارئ ﷿ يوصف بالقدرة على أن يظلم ويكذب ولا يظلم ولا يكذب وأنه قادر على ما علم وأخبر أنه لا يفعله أن يفعله.
واختلفت الزيدية في خلق الأعمال وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن أعمال العباد مخلوقة لله خلقها وأبدعها واخترعها بعد أن لم تكن فهي محدثة له مخترعة.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنها غير مخلوقة لله ولا محدثة له مخترعة وإنما هي كسب للعباد أحدثوها واخترعوها وأبدعوها وفعلوها.
واختلفت الزيدية في الاستطاعة وهم ثلاث فرق:
والفرقة الأولى منهم يزعمون أن الاستطاعة مع الفعل والأمر قبل
[ ٧٢ ]
الفعل والشيء الذي يفعل به الإيمان هو الذي يفعل به الكفر، وهذا قول بعض الزيدية.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الاستطاعة قبل الفعل وهي مع الفعل مشغولة بالفعل في حال الفعل وإنما يستطيع الفعل إذا فعله، هكذا حكى بعض المتكلمين عن سليمان بن جرير، وقرأت في كتاب لسليمان بن جرير أن الاستطاعة بعض المستطيع وأن الاستطاعة مجاورة له ممازجة كممازجة الدهنين.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الاستطاعة قبل الفعل وأن الأمر قبل الفعل وأنه لا يوصف الإنسان بأنه مستطيع للشيء قادر عليه في حال كونه.
واختلفت الزيدية في الإيمان والكفر وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان المعرفة والإقرار واجتناب ما جاء فيه الوعيد وجعلوا مواقعة ما فيه الوعيد كفرًا ليس بشرك ولا جحود بل هو كفر نعمة، وكذلك قولهم في المتأولين إذا قالوا قولًا هو عصيان وفسق.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الإيمان جميع الطاعات وليس
[ ٧٣ ]
ارتكاب كل ما جاء
فيه الوعيد كفرًا، وهذا قول قوم من متأخريهم فأما جمهورهم وأوائلهم فقولهم القول الأول.
وأجمعت الزيدية أن أصحاب الكبائر كلهم معذبون في النار خالدون فيها مخلدون أبدًا لا يخرجون منها ولا يغيبون عنها، وأجمعوا جميعًا على تصويب علي بن أبي طالب في حربه وعلى تخطئة من خالفه.
واختلفت الزيدية في اجتهاد الرأي وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن اجتهاد الرأي جائز في الأحكام.
والفرقة الثانية منهم ينكرون ذلك وينكرون الاجتهاد في الأحكام.
وأجمعت الزيدية أن عليًا كان مصيبًا في تحكيمه الحكمين وأنه إنما حكم لما خاف على عسكره الفساد وكان الأمر عنده بينًا واضحًا فنظر للمسلمين ليتألفهم وإنما أمرهما أن يحكما بكتاب الله ﷿ فخالفا فهما اللذان أخطئا وأصاب هو، والزيدية بأجمعها ترى السيف والعرض على أيمة الجور وإزالة الظلم وإقامة الحق وهي بأجمعها لا ترى الصلاة خلف الفاجر ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق.
وأجمعت الروافض والزيدية على تفضيل علي على سائر أصحاب
[ ٧٤ ]
رسول الله ﷺ وعلى أنه ليس بعد النبي ﷺ أفضل منه.
هذا ذكر من خرج من آل النبي ﷺ
خرج الحسين بن أبي طالب ﵁ منكرًا على يزيد بن معاوية ما أظهر من ظلمه فقتل بكربلاء رضوان الله عليه وحديثه مشهور وقتله عمر بن سعد وكان الذي أنفذ لمحاربته عبيد الله بن زياد وحمل رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية فلما وضع بين يديه نكت ثناياه التي كان النبي ﷺ يقبلها بقضيبه وحمل إليه بنو الحسين وبناته وسائر نسائه على الأقتاب فهم بقتل الذكور فكشف عن عاناتهم ينظر إليهم هل أنبتوا أم لا ثم من عليهم، وقتل مع الحسين من
آل النبي ﷺ ابنه على الأكبر ومن ولد أخيه الحسن عبد الله بن الحسن والقاسم بن الحسن وأبو بكر بن الحسن ومن إخوته العباس بن علي وعبد الله بن علي وجعفر بن علي وعثمان بن علي وأبو بكر بن علي ومحمد بن علي وهو محمد الأصغر ومن ولد جعفر بن أبي طالب محمد بن عبد الله بن
[ ٧٥ ]
جعفر وعون بن عبد الله ومن ولد عقيل عبد الله بن عقيل وقتل مسلم بن عقيل بالكوفة وعبد الرحمن بن عقيل وجعفر بن عقيل وعبد الله بن مسلم بن عقيل.
وفي قتل الحسين يقول ابن أبي رمح الخزاعي:
وإن قتيل لطف من آل هشام أذل رقابًا من قريش فذلت
مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت من أهلها قد تخلت
[ ٧٦ ]
وكانوا رجاء ثم عادوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ألم تر أن الأرض أمست مريضة لفقد حسين والبلاد اقشعرت
وفي ذلك يقول منصور النمري:
متى يشفيك دمعك من همول ويبرد ما بقلبك من غليل
ألا يا رب ذي حزن تعانى بصبر فاستراح إلى العويل
قتيل ما قتيل بني زياد ألا بأبي ونفسي من قتيل
غدت بيض الصفائح والعوالي بأيدي كل ذي نسب دخيل
جنود ضلالة بهم استدلت على إسلام أبناء الجهول
غدا بلوائهم عمر بن سعد فأوردهم على شرب وبيل
معاشر أودعت أيام بدر صدورهم وديعات التبول
أريق دم الحسين فلم يراعوا وفي الأحياء أموات العقول
والقصيدة طويلة
وفي ذلك قال دعبل:
قبور بكوفان وأخرى بطيبة وأخرى بفخ نالها صلواتي
[ ٧٧ ]
وأخرى بأرض الجوزجان محلها وأخرى بباخمرى لدى الغربات
فأما الممضات التي لست واصفًا مبالغها مني بكنه صفات
قبور لدى النهرين من أرض كربلا معرسهم منها بشط فرات
ثم خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم بالكوفة على هشام بن عبد الملك ووالي العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي فقتل في المعركة ودفن فعلم به يوسف بن عمر فنبشه وصلبه ثم كتب هشام يأمر بأن يحرق فأحرق ونسف رماده في الفرات وقال في ذلك يحيى بن زيد:
لكل قتيل معشر يطلبونه وليس لزيد بالعراقين طالب
ثم خرج يحيى بن يزيد بأرض الجوزجان على الوليد بن يزيد بن عبد الملك فوجه نصر بن سيار الليثي صاحب خراسان إلى يحيى بن
[ ٧٨ ]
زيد سلم بن أحوز المازني فحارب يحيى بن زيد فقتل في المعركة ودفن في بعض الجبانات.
ثم خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وبويع له في الآفاق فبعث إليه أبو جعفر المنصور بعيسى بن موسى وحميد بن قحطبة فحارب محمد حتى قتل، ومات تحت الهدم أبوه عبد الله بن الحسن بن الحسن وعلي بن الحسن بن الحسن، وقتل بسببه رجال من أهل بيته ووجه محمد بن عبد الله أخاه إدريس بن عبد الله إلى المغرب ولولده هناك مملكة.
ثم خرج بعد محمد بن عبد الله أخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالبصرة فغلب عليها وعلى الأهواز وعلى فارس وأكثر السواد وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي فبعث إليه أبو جعفر بعيسى بن موسى وسعيد بن
سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل وقتلت المعتزلة بين يديه.
[ ٧٩ ]
ثم خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والتقوا بفخ وبايعه الناس وعسكر بفخ على ستة أميال من مكة فخرج إليه عيسى بن موسى في أربعة آلاف فقتل الحسين وأكثر من معه ولا يجسر أحد أن يدفنهم حتى أكلت السباع بعضهم وقتل مع الحسين صاحب فخ وبسببه رجال من أهل بيته، وفي قتيل فخ يقول صاحب البصرة:
هاج التذكر للفؤاد سقاما ونفى المنام فما أحس مناما
منع الرقاد جفون عيني عصبة قتلوا بمنعرج الحجون كراما
ثم خرج يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي على أبي جعفر وصار إلى الديلم ثم قتل.
ثم خرج بتاهرت السفلى محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد الله بن الحسن فغلب عليها وصارت في أيديهم.
[ ٨٠ ]
ثم خرج بالكوفة في أيام المأمون محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي ودعا إليه أبو السرايا والمأمون بخراسان وأنفذ زيد بن موسى بن جعفر بن محمد داعية له إلى البصرة ثم مات بعد أربعة أشهر من خروجه ودفن بالكوفة.
فخرج بعده مع أبي السرايا محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فهزم زهير بن المسيب وهزم عبدوس بن محمد بن أبي خالد وقتله ثم توجه إليه هرثمة بن أعين فهزمه وهرب مع أبي السرايا فأخذا في طريق خراسان فوجه بهما إلى الحسن بن سهل فقتل أبا السرايا وأظهر بعد ذلك موت محمد ويقال أنه حمل إلى المأمون وهم بمرو فمات هناك.
وخرج باليمن والمأمون بخراسان إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي
بن الحسين بن علي بن أبي طالب داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل صاحب أبي السرايا فوجه إليه المأمون جيشًا فهزمه وصار إلى العراق فأمنه المأمون.
[ ٨١ ]
وخرج بعد دخول المأمون بغداد أبو جعفر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد فوجه إليه المأمون دينار بن عبد الله فصار إلى دينار في الأمان وقدم به على المأمون فمات.
وخرج محمد بن القاسم من ولد الحسين بن علي بخراسان ببلدة يقال لها طالقان في خلافة المعتصم فوجه إليه عبد الله بن طاهر وهو على خراسان جيشًا فانهزم محمد ثم قدر عليه عبد الله بن طاهر فحمله إلى المعتصم فحبسه معه في قصره فاختلف الناس في أمره فمن قائل يقول هرب ومن قائل يقول مات ومن الزيدية من يزعم أنه حي وأنه سيخرج.
وخرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بمكة وكان يلقب بديباجة لحسن وجهه داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم فلما مات محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم دعا لنفسه
[ ٨٢ ]
فوجه إليه المأمون عيسى الجلودي فظفر به فحمله إلى المأمون ببغداد ثم أخرجه معه فمات بجرجان.
وخرج الأفطس بالمدينة داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل فلما مات محمد بن إبرايهم دعا إلى نفسه.
وخرج علي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بعده في خلافة المعتصم فقتله بنو مرة بن عامر.
ثم خرج الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب بطبرستان في سنة خمسين ومائتين والعامل بها سليمان بن عبد الله بنطاهر فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة، ثم خلف من بعده محمد بن زيد أخوه ثم قتل محمد بن زيد بعد محاربة كانت بينه وبين محمد بن هارون.
وخرج بقزوين الكوكبي وهو من ولد الأرقط واسمه الحسن
[ ٨٣ ]
بن أحمد بن إسماعيل من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب فغلب عليها ثم هزمه بعض الأتراك.
وخرج بالكوفة أيام المستعين أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فوجه إليه الحسين بن إسماعيل بأمر محمد بن عبد الله بن طاهر فقتل أبا الحسين.
وخرج أيام المستعين أيضًا الحمزي الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله من ولد الحسين بن علي فظفر به وأخذ وحبس إلى أن أطلقه المعتمد.
وخرج بسواد الكوفة أيام فتنة المستعين ابن الأفطس.
وخرج بسواد المدينة مدينة رسول الله ﷺ سنة خمسين ومائتين إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم من ولد الحسن بن علي فغلب عليها وتوفي لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ومائتين وخلف أخوه بعده محمد بن يوسف فقطع الميرة على أهل المدينة وما
[ ٨٤ ]
زال على أمره إلى أن خرج أبو الساج إلى مكة والمدينة فقتل خلقًا كثيرًا من أصحابه وهرب محمد فمات في هربه.
وخرج بالكوفة في آخر أيام بني أمية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فحاربه عبد الله بن عملا فهزمه ومضى عبد الله بن معاوية إلى فارس فغلب عليها وعلى أصبهان ثم مات بفارس.
وخرج صاحب البصرة وكان يدعي أنه علي بن محمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وسمعت من يذكر أنه كان يدعي أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأنصاره الزنج وغلب على البصرة سنة سبع وخمسين وقتل سنة سبعين ومائتين قتله أبو أحمد الموفق بالله بن المتوكل على الله.
وخرج بأرض الشام المقتول على الدكة فظفر به المكتفي بالله بعد حروب ووقائع
كانت.
تم كلام الرافضة والله ولي التوفيق يتلوه كلام الخوارج وبالله نستعين.
[ ٨٥ ]