اختلف المتكلمون في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة:
فقال قائلون: الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض ولا ما يحتمل أن تحل الأعراض فيه إلا جسم، وزعموا أن الجزء الذي لا يتجزأ جسم يحتمل الأعراض وكذلك معنى الجوهر أنه يحتمل الأعراض، وهذا قول أبي الحسين الصالحي، وزعم صاحب هذا القول أن الجزء محتمل لجميع أجناس الأعراض غير أن التأليف لا يسمى حتى يكون تأليف آخر ولكن أحدهما قد يجوز على الجزء ولا نسميه تأليفًا اتباعًا للغة، قالوا: وذلك أن أهل اللغة لم يجيزوا مماسة لا شيء قالوا: فإنما سمي ذلك عند مجامعة الآخر له وإلا فحظه من ذلك قد يقدر الله سبحانه أن يحدثه فيه وإن لم يكن آخر معه إذا كان يقوم به ولا يقوم بأخيه، وشبهوا ذلك بالإنسان يحرك أسنانه فإن كان فيه شيء فذلك مضغ وإن لم يكن في فيه شيء لم يسم ذلك مضغًا.
[ ٣٠١ ]
وقال قائلون: الجسم إنما كان جسمًا للتأليف والاجتماع، وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لا يتجزأ إذا جامع جزءًا آخر لا يتجزأ فكل واحد منهما جسم في حال الاجتماع لأنه مؤتلف بالآخر فإذا افترقا لم يكونا ولا واحد منهما جسمًا، وهذا قول بعض البغداذيين وأظنه عيسى الصوفي.
وقال قائلون: معنى الجسم أنه مؤتلف وأقل الأجسام جزءان، ويزعمون أن الجزأين إذا تألفا فليس كل واحد منهما جسمًا ولكن الجسم هو الجزءان جميعًا وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحد والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب، وأحسب هذا القول للإسكافي.
وزعموا أن قول القائل: يجوز أن يجمع إليهما ثالث خطأ محال لأن كل واحد منهما مشغل لصاحبه وإذا أشغله لم يكن للآخر مكان لأنه إن كان جزءان مكانهما واحد فقد ماس الشيء أكثر من قدره ولو جاز ذلك جاز أن تكون الدنيا تدخل في قبضة فلهذا قال:
لا يماس الشيء أكثر من قدره، وهذا قول أبي بشر صالح بن أبي صالح ومن وافقه.
وقال أبو الهذيل: الجسم هو ما له يمين وشمال وظهر وبطن وأعلى
[ ٣٠٢ ]
وأسفل، وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدهما يمين والآخر شمال وأحدهما ظهر والآخر بطن وأحدهما أعلى والآخر أسفل، وأن الجزء الواحد الذي لا يتجزأ يماس ستة أمثاله وأنه يتحرك ويسكن ويجامع غيره ويجوز عليه الكون والمماسة ولا يحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئًا من الأعراض غير ما ذكرنا حتى تجتمع هذه الستة الأجزاء فإذا اجتمعت فهي الجسم وحينئذ يحتمل ما وصفنا.
وزعم بعض المتكلمين أن الجزأين اللذين لا يتجزأان يحلهما جميعًا التأليف وأن التأليف الواحد يكون في مكانين، وهذا قول الجبائي.
وقال معمر: هو الطويل العريض العميق وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض وهي تفعلها بإيجاب الطبع وأن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض، وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول وأن العرض يكون بانضمام جزأين إليهما وأن العمق يحدث بأن يطبق على أربعة
أجزاء أربعة أجزاء فتكون الثمانية الأجزاء جسمًا عريضًا طويلًا عميقًا.
[ ٣٠٣ ]
وقال هشام بن عمر الفوطي أن الجسم ستة وثلاثون جزءًا بل يتجزأ وذلك أنه جعله ستة أركان وجعل كل ركن منه ستة أجزاء فالذي قال أبو الهذيل أنه جزء جعله هشام ركنًا وزعم أن الأجزاء لا تجوز عليها المماسة وأن المماسات للأركان وأن الأركان التي كل ركن منها ستة أجزاء ليست الستة الأجزاء مماسة ولا مباينة ولا يجوز ذلك إلا على الأركان، فإذا كان كذلك فهو محتمل لجميع الأعراض من اللون والطعم والرائحة والخشونة واللين والبرودة وما أشبه ذلك.
وقال قائلون: الجسم الذي سماه أهل اللغة جسمًا هو ما كان طويلًا عريضًا عميقًا ولم يحدوا في ذلك عددًا من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم.
وقال هشام بن الحكم: معنى الجسم أنه موجود، وكان يقول: إنما أريد بقولي جسم أنه موجود وأنه شيء وأنه قائم بنفسه.
وقال النظام: الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه وأنه لا نصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء، وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق.
وقال عباد بن سليمان: الجسم هو الجوهر والأعراض التي
[ ٣٠٤ ]
لا ينفك منها وما كان قد ينفك منها من الأعراض فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم، وكان يقول: الجسم هو المكان ويعتل في البارئ تعالى أنه ليس بجسم بأنه لو كان جسمًا لكان مكانًا ويعتل أيضًا بأنه لو كان جسمًا لكان له نصف.
وقال ضرار بن عمرو: الجسم أعراض ألفت وجمعت فقامت وثبتت فصارت جسمًا يحتمل العراض إذا حل والتغيير من حال إلى حال وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اللذين لا يخلو الجسم من واحد منهما والألوان والطعوم التي لا ينفك من واحد من جنسها وكذلك الزنة
كالثقل والخفة وكذلك الخشونة واللين والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكذلك الصمد فأما ما ينفك منه ومن ضده فليس ببعض له عنده وذلك كالقدرة والألم والعلم والجهل، وليس يجوز عنده أن تجتمع هذه الأعراض وتصير أجسادًا بعد وجودها ومحال أن يفعل بها ذلك إلا في حال ابتدائها لأنها لا تخرج إلى الوجود إلا مجتمعة، وقد يمكن أن يجتمع عنده كلها وهي موجودة ومحال أن يفترق كلها وهي موجودة لأنها لو افترقت مع الوجود لكان اللون موجودًا لا لملون والحياة موجودة
[ ٣٠٥ ]
لا لحي، فإذا قلت له: فليس يجوز على هذا القياس عليها الافتراق؟ قال مرة: افتراقها فناؤها وقال مرة: الافتراق يجوز على الجسمين فأما أبعاض الجسم مع الوجود فلا، وقد يجوز عنده أن يفنى بعض الجسم وهو موجود على أن يجعل مكانه ضده فإن لم يختلف الضدان يفن مع البعض، وليس يجوز عنده أن يفنى الأكثر ولا النصف على هذه الشريطة لأن الحكم فيما زعم للأغلب فإذا كان الأغلب باقيًا كانت سمة الجسم باقية وإذا ارتفع الأغلب لم تبق السمة على الأقل، وقد يجوز عنده أن يفني الله بعضه ويحدث ضده وهو متحرك فيكون الكل الذي منه البعض الحادث في حال وجود الحركة متحركًا بتلك الحركة وكذلك لو كان ساكنًا، ومحال أن تقع الحركة عنده على شيء من الأعراض وإنما تقع على الجسم الذي هو أعراض مجتمعة.
وزعم سليمان بن جرير أن الاستطاعة هي أحد أبعاض الجسم كاللون والطعم وأنها مجاورة للجسم.
واختلف الناس في الجوهر وفي معناه على أربعة أقاويل:
فقالت النصارى: الجوهر هو القائم بذاته وكل قائم بذاته فجوهر وكل جوهر فقائم بذاته.
[ ٣٠٦ ]
وقال بعض المتفلسفة: الجوهر هو القائم بالذات القابل للمتضادات.
وقال قائلون: الجوهر ما إذا وجد كان حاملًا للأعراض، وزعم صاحب هذا القول أن الجواهر جواهر بأنفسها وأنها تعلم جواهر قبل أن تكون، والقائل بهذا القول هو الجبائي.
وقال الصالحي: الجوهر هو ما احتمل الأعراض وقد يجوز عنده ن يوجد الجوهر ولا يخلق الله فيه عرضًا ولا يكون محلًا للأعراض إلا أنه محتمل لها.
واختلفوا في الجواهر هل هي كلها أجسام أو قد يجوز وجود جواهر ليست بأجسام على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: ليس كل جوهر جسمًا والجوهر الواحد الذي لا ينقسم محال أن يكون جسمًا لأن الجسم هو الطويل العريض العميق وليس الجوهر الواحد كذلك، وهذا قول أبي الهذيل ومعمر وإلى هذا القول يذهب الجبائي.
وقال قائلون: لا جوهر إلا جسم، وهذا قول الصالحي.
وقال قائلون: الجواهر على ضربين: جواهر مركبة وجواهر
[ ٣٠٧ ]
بسيطة غير مركبة فما ليس بمركب من الجواهر فليس بجسم وما هو مركب منها فجسم.
واختلف الناس هل الجواهر جنس واحد وهل جوهر العالم جوهر واحد على سبعة أقاويل:
فقال قائلون: جوهر العالم جوهر واحد وأن الجواهر إنما تختلف وتتفق بما فيها من الأعراض وكذلك تغايرها بالأعراض إنما تتغاير بغيرية يجوز ارتفاعها فتكون الجواهر عينًا واحدة شيئًا واحدًا، وهذا قول أصحاب أرسطاطاليس.
وقال قائلون: الجواهر على جنس واحد وهي بأنفسها جواهر وهي متغايرة بأنفسها ومتفقة بأنفسها وليست تختلف في الحقيقة، والقائل بهذا هو الجبائي.
وقال قائلون: الجوهر جنسان مختلفان أحدهما نور والآخر ظلمة وأنهما متضادان وأن النور كله جنس واحد والظلام كله جنس واحد وهم أهل التثنية، وذكر عن
بعضهم أن كل واحد منهما خمسة أجناس من سواد وبياض وحمرة وصفرة وخضرة.
وقال قائلون: الجواهر ثلاثة أجناس مختلفة وهو المرقونية.
[ ٣٠٨ ]
وقال بعضهم: الجواهر أربعة أجناس متضادة من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وهم أصحاب الطبائع.
وقال بعضهم: الجواهر خمسة أجناس متضادة أربع طبائع وروح.
وقال قائلون: الجواهر أجناس متضادة منها بياض ومنها سواد وصفرة وحمرة وخضرة ومنها حرارة ومنها برودة ومنها حلاوة ومنها حموضة ومنها روائح ومنها طعوم ومنها رطوبة ومنها يبوسة ومنها صور ومنها أرواح، وكان يقول: الحيوان كله جنس واحد، وهذا قول النظام.
واختلفوا في الجواهر هل يجوز على جميعها ما يجوز على بعضها وهل يجوز أن يحل الجوهر الواحد ما يجوز أن يحل الجواهر جميعها وهل يجوز وجودها ولا أعراض فيها أم يستحيل ذلك.
فقال قائلون: يجوز على الواحد من الجواهر ما يجوز على جميعها من الأعراض من الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر وأجازوا حلول ذلك أجمع في الجزء الذي لا يتجزأ إذا كان منفردًا، وأجازوا
[ ٣٠٩ ]
حلول القدرة والعلم والسمع والبصر مع الموت ومنعوا حلول الحياة مع الموت في وقت واحد قالوا لأن الحياة تضاد الموت ولا تضاد القدرة الموت لأن القدرة لو ضادت الموت لضاد العجز الحياة لأن ما ضاد شيئًا عندهم فضده مضاد لضده، وزعموا أن الإدراك جائز كونه عندهم مع العمى ومنعوا كون البصر مع العمى لأن البصر عندهم مضاد للعمى، وزعموا أن الحياة لا تضاد الجمادية وأنه جائز أن يخلق الله مع الجمادية حياة، وجوزوا أن يعري الله الجواهر من الأعراض وأن يخلقها لا أعراض فيها، والقائلون بهذا
القول أصحاب أبي الحسين الصالحي، وكان أبو الحسين يذهب إلى هذا القول، وجوز أبو الحسين الصالحي أن يجمع الله بين الحجر الثقيل والجو أوقاتًا كثيرة ولا يخلق هبوطًا ولا ضد الهبوط، وأن يجمع بين القطن والنار وهما على ما هما عليه ولا يخلق إحراقًا ولا ضد الإحراق، وأن يجمع بين البصر الصحيح والمرئي مع عدم الآفات ولا يخلق إدراكًا ولا ضد الإدراك، وأحالوا أن يجمع الله بين المتضادات، وجوزوا أن يعدم الله قدرة الإنسان مع وجود حياته فيكون حيًا غير قادر وأن يفني حياته مع وجود قدرته وعلمه فيكون عالمًا قادرًا ميتًا، وجوزوا أن يرفع الله
[ ٣١٠ ]
تعالى ثقل السموات والأرضين من غير أن ينقص شيئًا من أجزائهما حتى يكونا أخف من ريشة، وأحال أن يوجد الله تعالى أعراضًا لا في مكان وأحال أن يفني الله قدرة الإنسان مع وجود فعله فيكون فاعلًا بقدرة وهي معدومة.
وقال قائلون: لا يجوز على الجوهر الواحد الذي لا ينقسم ما يجوز على الأجسام ولا يجوز أن يتحرك الجوهر الواحد ولا أن يسكن ولا أن ينفرد ولا أن يماس ولا أن يجامع ولا أن يفارق، وهذا قول هشام وعباد، وأحال عباد أن يوجد حي لا قادر وأن يوجد الجسم مع عدم الأعراض كلها وأحال أن يوجد الفعل من الإنسان مع العجز بقدرة وقد عدمت.
وقال قائلون: يجوز على الجوهر الواحد الذي لا ينقسم إذا انفرد ما يجوز على الأجسام من الحركة والسكون وما يتولد عنهما من المجامعة والمفارقة وسائر ما يتولد عنهما مما يفعل الآدميون كهيئته فأما الألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت وما أشبه ذلك فلا يجوز حلوله في الجوهر ولا يجوز حلول ذلك إلا في الأجسام، وأن الجسم إذا تحرك ففي جميع أجزائه حركة واحدة تنقسم على الأجزاء، وأحال قائلو هذا القول أن يعري الله الجوهر من الأعراض، والقائل بهذا القول
[ ٣١١ ]
أبو الهذيل وكان يقول أن الإدراك يحل في القلب لا في العين وهو علم
الاضطرار.
وقال قائلون: يجوز على الجوهر الواحد الذي لا ينقسم ما يجوز على الجسم من الحركة والسكون واللون والطعم والرائحة إذا انفرد وأحالوا حلول القدرة والعلم والحياة فيه إذا انفرد وجوزوا أن يخلق الله حيًا لا قدرة فيه وأحالوا تعري الجوهر من الأعراض، والقائل بهذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي.
وأحال سائر أهل الكلام غير صالح والصالحي أن يجمع الله بين العلم والقدرة والموت والجمادية والحياة والقدرة.
فأما الجمع بين الحجر الثقيل والجو أوقاتًا كثيرة من غير أن يخلق انحدارًا وهبوطًا بل يحدث سكونًا والجمع بين النار والقطن من غير أن يحدث احتراقًا بل يحدث ضد ذلك فقد جوز ذلك أبو الهذيل والجبائي وكثير من أهل الكلام، وغلا أبو الهذيل في هذا الباب غلوًا كبيرًا حتى جوز اجتماع الفعل المباشر والموت واجتماع الإدراك والعمى واجتماع الخرس الذي هو منع عجز عن الكلام
[ ٣١٢ ]
مع الكلام وجوز وجود أقل قليل المشي مع الزمانة كما جوز وجود أقل قليل الكلام مع الخرس ولم يجوز وجود العلم مع الموت ولا جوز وجود القدرة مع الموت ولا جوز وجود الإدراك مع الموت.
فأما وجود الإدراك مع العمى فقد جوز ذلك بعض المتكلمين وقد حكي أن أبا الهذيل كان ينكر أن توجد الإرادة بقدرة معدومة حتى يكون العجز مجامعًا لها.
وكان الإسكافي ينكر كل الفعل المباشر الذي يحل في الإنسان بقوة معدومة وأن يكون مجامعًا لعجز الإنسان ويجيز أن يجامع الفعل المتولد العجز والموت ويجوز اجتماع النار والحطب أوقاتًا من غير أن يحدث الله سبحانه إحراقًا وأن يثبت الحجر أوقاتًا كثيرة من غير أن يحدث الله سبحانه فيه هبوطًا وينكر اجتماع الإدراك مع العمى والكلام والخرس والمشي والزمانة والعلم والموت والقدرة
والموت ويحيل أن يفرد الله الحياة من القدرة حتى يكون الإنسان حيًا غير قادر.
واختلفوا هل يجوز أن يحل اليد علم وإدراك وقدرة على العلم أم لا يجوز ذلك:
[ ٣١٣ ]
فجوز ذلك بعض المتكلمين منهم الإسكافي وغيره، وأنكره بعضهم وأحاله إلا أن تنقض بنية اليد وتحول عما هي عليه، منهم الجبائي.
وأنكر كثير من أهل الكلام ما حكينا من مجامعة الحجر الجو أوقاتًا من غير أن يحدث الله سبحانه انحدارًا ومجامعة النار الحطب أوقاتًا من غير أن يحدث الله إحراقًا، وكذلك أنكروا كون الإدراك مع العمى والكلام مع الخرس ووقوع الفعل ي بقدرة معدومة ووجود الزمانة مع المشي ووجود العلم مع الموت ويحيلون أن يفرد الحياة من القدرة حتى يكون الإنسان حيًا غير قادر، وهذا قول بعض البغداذيين الخياط وغيره.
واختلف الناس في الجسم هل يجوز أن يتفرق أو يبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءًا لا يتجزأ أم لا يجوز ذلك وفيما يحل في الجسم على أربع عشرة مقالة:
فقال أبو الهذيل أن الجسم يجوز أن يفرقه الله سبحانه ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءًا لا يتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ لا طول له ولا عرض له ولا عمق له ولا اجتماع فيه ولا افتراق، وأنه قد يجوز أن يجامع غيره وأن يفارق غيره وأن الخردلة يجوز
[ ٣١٤ ]
أن تتجزأ نصفين ثم أربعة ثم ثمانية إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ، وأجاز أبو الهذيل على الجزء الذي لا يتجزأ الحركة والسكون والانفراد وأن يماس ستة أمثاله بنفسه وأن يجامع غيره ويفارق غيره وأن يفرد الله فتراه العيون ويخلق فينا رؤية له وإدراكًا له، ولم يجز عليه اللون والطعم والرائحة والحياة والقدرة والعلم وقال: لا يجوز ذلك إلا للجسم وأجاز عليه من الأعراض ما وصفنا.
وكان الجبائي يثبت الجزء الذي لا يتجزأ ويقول أنه يلقي بنفسه ستة أمثاله ويجيز عليه الحركة والسكون واللون والكون والمماسة والطعم والرائحة إذا كان منفردًا وينكر أن يحله طول أو تأليف وهو منفرد أو يحله علم أو قدرة أو حياة وهو منفرد.
وكان أبو الهذيل ينكر أن يكون الجسم طويلًا أو عريضًا أو عميقًا مؤتلفًا ويقول أنه يجتمع شيئان ليس كل واحد منهما طويلًا فيكون طويلًا واحدًا.
وقال هشام الفوطي بإثبات الجزء الذي لا يتجزأ غير أنه لم يجز عليه أن يماس أو يباين أو يرى وأجاز على أركان الجسم ذلك والركن ستة أجزاء عنده والجسم من ستة أركان وقد حكينا ذلك فيما تقدم عند وصفنا أقاويل الناس في الجسم.
[ ٣١٥ ]
وحكى النظام في كتابه الجزء أن زاعمين زعموا أن الجزء الذي لا يتجزأ شيء لا طول له ولا عرض ولا عمق وليس بذي جهات ولا مما يشغل الأماكن ولا مما يسكن ولا مما يتحرك ولا يجوز عليه أن ينفرد، وهذا القول يذهب إليه عباد بن سليمان ويقول أن الجزء لا يجوز عليه الحركة والسكون والكون والإشغال للأماكن وليس بذي جهات ولا يجوز عليه الانفراد ويقول معنى الجزء أن له نصفًا وأن النصف له نصف.
وحكى النظام أن قائلين قالوا أن الجزء له جهة واحدة وكنحو ما يظهر من الأشياء وهي الصفحة التي تلقاك منها.
وحكى النظام أيضًا أن قائلين قالوا: الجزء له ست جهات هي أعراض فيه وهي غيره وهو لا يتجزأ وأعراضه غيره وعليه وقع العدد وهو لا يتجزأ من جهاته الأعلى والأسفل واليمين والشمال والقدام والخلف.
وحكى أن آخرين قالوا أن الجزء قائم إلا أنه لا يقوم بنفسه ولا يقوم بشيء من الأشياء أقل من ثمانية أجزاء لا تتجزأ، فمن سأل عن جزء منها فإنما يسأل عن
إفراده وهو لا ينفرد ولكنه يعلم والكلام على الثمانية وذلك أن الثمانية لها طول وعرض وعمق فالطول جزءان
[ ٣١٦ ]
والطول إلى الطول بسيط له طول وعرض والبسيط إلى البسيط جهة لها طول وعرض وعمق.
وحكى أن آخرين قالوا: تتجزأ الأجزاء حتى تنتهي إلى جزأين فإذا هئت لقطعهما أفناهما القطع، وإن توهمت واحدًا منهما لم تجده في وهمك ومتى فرقت بينهما بالوهم وغير ذلك لم تجد إلا فناءهما هذا آخر ما حكاه النظام.
وقال صالح قبة بإثبات الجزء الذي لا يتجزأ وأحال أن يلقي الجزء ستة أمثاله أو مثليه وقال: يستحيل أن يلقى الجزء الواحد جزأين، وجوز أن يحله جميع الأعراض إلا التركيب وحده.
وجوز أبو الحسين الصالحي على الجزء الذي لا يتجزأ الأعراض كلها وأنه قد يحله المعنى الذي إذا جامع غيره سمي المعنى تركيبًا ولكن لا نسميه تركيبًا اتباعًا للغة.
وزعم ضرار وحفص الفرد والحسين النجار أن الأجزاء هي اللون والطعم والحر والبرد والخشونة واللين، وهذه الأشياء المجتمعة هي الجسم وليس للأجزاء معنى غير هذه الأشياء وأن قل ما يوجد من الأجزاء
[ ٣١٧ ]
عشرة أجزاء وهو أقل قليل الجسم، وأن هذه الأشياء متجاورة ألطف مجاورة وأنكروا المداخلة.
وقال معمر أن الإنسان جزء لا يتجزأ وأجاز أن يحل فيه العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة ولم يجز أن يحل فيه المماسة والمباينة والحركة والسكون واللون والطعم والرائحة.
وقال النظام: لا جزء لا وله جزء ولا بعض إلا وله بعض ولا نصف إلا وله نصف وأن الجزء جائز تجزئته أبدًا ولا غاية له من باب التجزؤ.
وقال بعض المتفلسفة أن الجزء يتجزأ ولتجزئته غاية في الفعل فأما في القوة
والإمكان فليس لتجزئته غاية.
وشك شاكون فقالوا: لا ندري أيتجزأ الجزء أم لا يتجزأ.
وقال قائلون ممن أثبت الجزء الذي لا يتجزأ: للجزء طول في نفسه بقدره ولولا ذلك لم يجز أن يكون الجسم طويلًا أبدًا لأنه إذا جمع بين ما لا طول له وبين ما لا طول له لم يحدث له طول أبدًا.
[ ٣١٨ ]
واختلفوا في الجزء الواحد هل يجوز أن يحله حركتان أم لا وهل يجوز أن يحله لونان وقوتان أم لا:
فقال قائلون: لا يجوز أن يحل الجزء الواحد حركتان، وهذا قول أبي الهذيل وأكثر من يثبت الجزء الذي لا يتجزأ.
وقال قائلون: الجزء الواحد قد يجوز أن يحله حركتان وذلك إذا دفع الحجر دافعان حل كل جزء منه حركتان معًا، والقائل بهذا القول هو الجبائي.
وقال أبو الهذيل أنها حركة واحدة تنقسم على الفاعلين فهي حركة واحدة لأجزاء كثيرة فعلان متغايران، وزعم أن الأعراض تنقسم بالمكان أو بالزمان أو بالفاعلين فزعم أن حركة الجسم تنقسم على عدد أجزائه وكذلك لونه فما حل هذا الجزء من الحركة غير ما حل الجزء الآخر، وأن الحركة تنقسم بالزمان فيكون ما وجد في هذا الزمان غير ما يوجد في الآخر، وأن الحركة تنقسم بالفاعلين فيكون فعل هذا الفاعل غير فعل الفاعل الآخر.
وأنكر الجبائي وغيره من أهل النظر أن تكون الحركة الواحدة تنقسم أو تتجزأ أو أن تتبعض أو أن يكون حركة أو لون أو قوة
[ ٣١٩ ]
لأحد الأشياء وقال أن الجسم إذا تحرك ففيه من الحركات بعدد أجزاء المتحرك في كل جزء حركة، وكذلك قوله في اللون وفي سائر الأعراض.
وقد أنكر قوم أن يحل الجزء الواحد حركتان وطولان وجوزوا أن يحله لونان،
منهم الإسكافي وجوز الإسكافي أن يحل الجزء الذي لا يتجزأ لونان وقوتان حتى جوز أن يحل الجزء الذي لا يتجزأ لون السماء بكمالها.
وقال قائلون: قد يجوز أن يحله لونان وقوتان على ما يحتمل فأما لون السماء فلا يحتمله.
وقال قائلون: محال أن يكون عرضان في موضع واحد وهما في الجسم على المجاورة، وزعموا أن القوة والحركة عرضان في موضع واحد.
وقال قائلون: لا يجوز أن يحل الجزء الواحد حركتان ولا يجوز أن يحله لونان وكذلك قالوا في سائر الأعراض، ولا يجوز أن يحل الجزء الواحد الذي لا يتجزأ من جنس واحد عرضان.
وقال قائلون: يجوز أن يحل الجزء الواحد قدرتان على مقدور واحد، وأنكر ذلك غيرهم.
[ ٣٢٠ ]
وقال عباد بن سليمان أنه قد يجوز أن يجتمع في الجسم ألمان ولذتان وأنه قد يجوز أن يحله تأليفان وأكثر من ذلك فيكون هو بأحدهما مؤلفًا مع غيره وبالآخر مؤلفًا مع غيره.
وأنكر قوم أن يحل الجزء الواحد عرضان.
واختلف الناس في الطفرة:
فزعم النظام أنه قد يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكان ثم يصير إلى المكان الثالث ولم يمر بالثاني على جهة الطفرة، واعتل في ذلك بأشياء منها الدوامة يتحرك أعلاها أكثر من حركة أسفلها ويقطع الحز أكثر مما يقطع أسفلها وقطبها قال: وإنما ذلك لأن أعلاها يماس أشياء لم يكن حاذى ما قبلها.
وقد أنكر أكثر أهل الكلام قوله، منهم أبو الهذيل وغيره وأحالوا أن يصير الجسم إلى مكان لم يمر بما قبله وقالوا: هذا محال لا يصح، وقالوا أن الجسم قد يسكن
بعضه وأكثره متحرك وأن للفرس في حال سيره وقفات خفية وفي شدة عدوه مع وضع رجله ورفعها ولهذا
[ ٣٢١ ]
كان أحد الفرسين أبطأ من صاحبه، وكذلك الحجر في حال انحداره وقفات خفية بها كان أبطأ من حجر آخر أثقل منه أرسل معه، وقد أنكر كثير من أهل النظر أن تكون للحجر في حال انحداره وقفات من الفلاسفة وغيرهم وقالوا أن الحجرين إذا أرسلا سبق أثقلهما لأن أخف الحجرين يعترض له من الآفات أكثر مما يعترض على الحجر الأثقل فيتحرك في جهة اليمين والشمال والقدام والخلف ويقطع الحجر الآخر في حال العوائق التي تلحق هذا الحجر في جهة الانحدار فيكون هذا أسرع.
وكان الجبائي يقول أن للحجر في حال انحداره وقفات، وكان يقول أن القوس الموترة فيها حركات خفية وكذلك الحائط المبني وتلك الحركات هي التي تولد وقوع الحائط والحركات التي في القوس والوتر هي التي يتولد عنها انقطاع الوتر.
واختلف المتكلمون في الجسم يكون ملازمًا لمكان ومكانه سائر متحرك هل الجسم الملازم لذلك المكان متحرك أم لا على مقالتين:
فزعم كثير من المتكلمين منهم الجبائي وغيره أن الجسم إذا كان مكانه متحركًا فهو متحرك وهذه حركة لا عن شيء، وجوزوا أن يتحرك
[ ٣٢٢ ]
المتحرك لا عن شيء ولا إلى شيء وأن يحرك الله سبحانه العالم لا في شيء.
وقد كان أبو الهذيل يقول: يجوز أن يتحرك الجسم لا عن شيء ولا إلى شيء.
وقال قائلون: إذا تحرك مكان الشيء والشيء لازم لمكان واحد فهو ساكن غير متحرك، وأحال هؤلاء أن يتحرك المتحرك لا عن شيء ولا إلى شيء.
وكان النظام ممن يحيل أن يتحرك المتحرك لا في شيء ولا إلى شيء.
واختلفوا هل يجوز أن يتحرك الشيء في حال حركة مكانه فيكون يقطع مكانًا ويتحرك إلى مكان آخر ومكانه متحرك على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز ذلك لأنه إذا تحرك مكانه نحو بغداذ فتحرك هو في ذلك الوقت نحو البصرة وجب أن يكون متحركًا في جهتين في وقت واحد وذلك محال، وهؤلاء هم الذين قالوا أن الشيء إذا تحرك مكانه فهو متحرك.
وقال قائلون: ذلك جائز لأنه ليس إذا تحرك مكانه كان متحركًا بل يكون مكانه متحركًا وهو ساكن.
واختلف المتكلمون هل يكون الساكن في حال سكونه متحركًا على وجه من الوجوه على مقالتين:
[ ٣٢٣ ]
فقال قائلون: لا يجوز ذلك، وقال قائلون: ذلك جائز وذلك أن الصفحة العليا من رأس ابن آدم إذا أزال الإنسان رأسه عما كان يماسه من الجو وماس شيئًا آخر فهي متحركة لمماستها شيئًا من الجو بعد شيء وهي ساكنة على الصفحة الثانية التي تحتها فهي متحركة عن شيء وساكنة على شيء آخر، وهذا زعم لا يتناقض كما لا يتناقض أن تكون مماسة لشيء مفارقة لشيء آخر في وقت واحد ويتناقض أن تكون ساكنة على شيء متحركة عن ذلك الشيء في وقت واحد كما يتناقض أن تكون مماسة لشيء مفارقة لذلك الشيء في وقت واحد.
واختلفوا هل الأجسام كلها متحركة أم كلها ساكنة أم كيف القول في ذلك على مقالات:
فقال النظام: الأجسام كلها متحركة والحركة حركتان حركة اعتماد وحركة نقلة فهي كلها متحركة في الحقيقة وساكنة في اللغة، والحركات هي الكون لا غير ذلك، وقرأت في كتاب يضاف إليه أنه قال: لا أدري ما السكون إلا أن يكون يعني كان الشيء
[ ٣٢٤ ]
في المكان وقتين أي تحرك فيه وقتين، وزعم أن الأجسام في حال خلق الله سبحانه لها متحركة حركة اعتماد.
وقال بعض المتفلسفة: الجسم في حال ما خلقه الله سبحانه يتحرك حركة هي
الخروج من العدم إلى الوجود.
وقال معمر: الأجسام كلها ساكنة في الحقيقة ومتحركة على اللغة، والسكون هو الكون لا غير ذلك، والجسم في حال خلق الله له ساكن.
وقال أبو الهذيل: الأجسام قد تتحرك في الحقيقة وتسكن في الحقيقة والحركة والسكون هما غير الكون والجسم في حال خلق الله سبحانه له لا ساكن ولا متحرك.
وقال الجبائي أن الحركات والسكون أكوان للجسم والجسم في حال خلق الله له ساكن.
وكان عباد يقول أن الحركات والسكون مماسات والجسم في حال خلق الله له ساكن، وأبى كثير من أهل النظر أن تكون الأكوان مماسات وقالوا أنها غير مماسات.
[ ٣٢٥ ]
واختلفوا في وقوف الأرض:
فقال قائلون من أهل التوحيد منهم أبو الهذيل وغيره أن الله سبحانه سكنها وسكن العالم وجعلها واقفة لا على شيء.
وقال قائلون: خلق الله سبحانه تحت العالم جسمًا صعادًا من طبعه الصعود فعمل ذلك الجسم في الصعود كعمل العالم في الهبوط فلما اعتدل ذلك وتقاوم وقف العالم ووقفت الأرض.
وقال قائلون أن الله سبحانه يخلق تحت الأرض في كل وقت جسمًا ثم يفنيه في الوقت الثاني ويخلق في حال فنائه جسمًا آخر فتكون الأرض واقفة على ذلك الجسم وليس يجوز أن يهوى ذلك الجسم في حال حدوثه ولا يحتاج إلى مكان يقله لأن الشيء يستحيل أن يتحرك في حال حدوثه ويسكن.
وقال قائلون أن الله سبحانه خلق الأرض من جسمين أحدهما ثقيل والآخر خفيف
على الاعتدال فوقفت الأرض لذلك.
وقد ذكرنا قول المتقدمين في ذلك في الموضع الذي وصفنا فيه قول الناس في الفلك وفي وقوف الأرض في كتاب مقالات الملحدين.
[ ٣٢٦ ]
واختلف الناس في الحركة هل تكون سكونًا أم لا:
فقال أكثر أهل النظر: ذلك لا يجوز، وقال قائلون: إذا صار الجسم إلى المكان فبقي فيه وقتين صارت حركته سكونًا.
واختلف الناس في المداخلة والمكامنة والمجاورة:
فقال إبراهيم النظام أن كل شيء قد يداخل ضده وخلافه فالضد هو الممانع المفاسد لغيره مثل الحلاوة والمرارة والحر والبرد والخلاف مثل الحلاوة والبرودة والحموضة والبرد، وزعم أن الخفيف قد يداخل الثقيل ورب خفيف أقل كيلًا من ثقيل وأكثر قوة منه فإذا داخله شغله يعني أن القليل الكيل الكثير القوة يشغل الكثير الكيل الثقيل القوة، وزعم أن اللون يداخل الطعم والرائحة وأنها أجسام ومعنى المداخلة أن يكون حيز أحد الجسمين حيز الآخر وأن يكون أحد الشيئين في الآخر، وسنذكر قوله في الإنسان، وقد أنكر الناس جميعًا أن يكون جسمان في موضع واحد في حين واحد، أنكر ذلك جميع المختلفين من أهل الصلاة ومن قال بقوله.
وقال أهل التثنية أن امتزاج النور بالظلمة على المداخلة التي ثبتها إبراهيم.
[ ٣٢٧ ]
وقال ضرار أن الجسم من أشياء مجتمعة على المجاورة فتجاورت ألطف المجاورة وأنكر المداخلة وأن يكون شيئان في مكان واحد عرضان أو جسمان.
وقال أكثر أهل النظر أنه قد يكون عرضان في مكان واحد ولا يجوز كون جسمين في مكان واحد منهم أبو الهذيل وغيره.
وحكى زرقان أن ضرار بن عمرو قال: الأشياء منها كوامن ومنها غير كوامن فأما اللواتي هن كوامن فمثل الزيت في الزيتون والدهن في السمسم والعصير في
العنب وكل هذا على غير المداخلة التي ثبتها إبراهيم، وأما اللواتي ليست بكوامن فالنار في الحجر وما أشبه ذلك ومحال أن تكون النار في الحجر إلا وهي محرقة له فلما رأيناها غير محرقة له علمنا أنه لا نار فيه.
وقد قال كثير من أهل النظر أن النار في الحجر كامنة حتى زعم أنها في الحطب كامنة الإسكافي وغيره.
وحكى زرقان أن أبا بكر الأصم قال: ليس في العالم شيء كامن في شيء مما قالوا.
[ ٣٢٨ ]
وقال أبو الهذيل وإبراهيم ومعمر وهشام بن الحكم وبشر بن المعتمر: الزيت كامن في الزيتون والدهن في السمسم والنار في الحجر.
وقال كثير من الملحدين أن الألوان والطعوم والأراييح كامنة في الأرض والماء والهواء ثم يظهرن في النسرة وغيرها من الثمار بالانتقال واتصال الأشكال بعضها ببعض، وشبهوا ذلك بحبة زعفران قذفت في نعارة ماء ثم غذي بأشكالها فتظهر.
واختلف الناس في الإنسان ما هو:
فقال أبو الهذيل: الإنسان هو الشخص الظاهر المرئي الذي له يدان ورجلان، وحكي أن أبا الهذيل كان لا يجعل شعر الإنسان وظفره من الجملة التي وقع عليها اسم الإنسان.
وحكي أن قومًا قالوا أن البدن هو الإنسان وأعراضه ليست منه وليس يجوز إلا أن يكون فيه عرض من الأعراض.
وقال بشر بن المعتمر: الإنسان جسد وروح وأنهما جميعًا إنسان وأن الفعال هو الإنسان الذي هو جسد وروح.
[ ٣٢٩ ]
وكان أبو الهذيل لا يقول أن كل بعض من أبعاض الجسد فاعل على الانفراد ولا
أنه فاعل مع غيره ولكنه يقول الفاعل هو هذه الأبعاض.
وقال ضرار بن عمرو: الإنسان من أشياء كثيرة لون وطعم ورائحة وقوة وما أشبه ذلك وأنها الإنسان إذا اجتمعت وليس ها هنا جوهر غيرها.
وأنكر حسين النجار أن تكونالقوة بعض الإنسان، وأنكر ذلك أكثر أهل النظر.
وقال عباد بن سليمان: الإنسان معناه أنه بشر فمعنى إنسان معنى بشر ومعنى بشر معنى إنسان في حقيقة القياس، وزعم أن الإنسان جواهر وأعراض.
وقال برغوث أن الإنسان هو الأخلاط من اللون والطعم والرائحة وما أشبه ذلك وأن الإنسان إذا تحرك بعضه وسكن بعضه فعل البعض الساكن الحركة لا من جهة ما فعله المتحرك وفعل البعض المتحرك السكون لا من جهة ما فعله الساكن، وأن
[ ٣٣٠ ]
كل بعض من أبعاض الإنسان يفعل فعل الآخر لا من جهة ما فعله الآخر.
وحكى زرقان أن هشام بن الحكم قال: الإنسان اسم لمعنيين لبدن وروح فالبدن موات والروح هي الفاعلة الحساسة الدراكة دون الجسد وهو نور من الأنوار.
وقال أبو بكر الأصم: الإنسان هو الذي يرى وهو شيء واحد لا روح له وهو جوهر واحد ونفى إلا ما كان محسوسًا مدركًا.
وقال النظام: الإنسان هو الروح ولكنها مداخلة للبدن مشابكة له وأن كل هذا في كل هذا، وأن البدن آفة عليه وحبس وضاغط له، وحكى زرقان عنه أن الروح هي الحساسة الدراكة وأنها جزء واحد وأنها ليست بنور ولا ظلمة.
وقال معمر: الإنسان جزء لا يتجزأ وهو المدبر في العالم والبدن الظاهر آلة له وليس هو في مكان في الحقيقة ولا يماس
[ ٣٣١ ]
شيئًا ولا يماسه ولا يجوز عليه الحركة والسكون والألوان والطعم ولكن يجوز عليه العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة وأنه يحرك هذا البدن بإرادته ويصرفه ولا يماسه.
وقال قائلون: الإنسان جزء لا يتجزأ وقد يجوز عليه المماسة والمباينة والحركة
والسكون وهو جزء في بعض هذا البدن حال ومسكنه القلب، وأجازوا عليه جميع الأعراض، وهذا قول الصالحي.
وكان ابن الراوندي يقول: هو في القلب وهو غير الروح والروح ساكنة في هذا البدن.
وقال قائلون: الإنسان هو الحواس الخمس وهي أجسام وهم المنانية، وأنه لا شيء غير الحواس الخمس.
وقال آخرون: الإنسان هو الروح والحواس الخمس أجزاء منه والإنسان جنس واحد غير مختلف إلا أن إدراكه اختلف فكان يدرك بكل جهة ما لا يدركه بالأخرى لأن الآفة قد خالطته من جهة على خلاف ما خالطته من جهة أخرى فاختلف الإدراك لاختلاف الأخلاط والامتزاج، وهم الديصانية.
[ ٣٣٢ ]
وحكي عن المرقونية أنهم يزعمون أن البدن فيه حواس خمس وروح وأن الروح هي الإنسان وأن الحواس ليست منه إلا أنها إرادات تؤدي إليه وهو غير البدن وجعلوه جنسًا ثالثًا ليس بنور ولا ظلمة. وقال أصحاب الطبائع: الإنسان هو الحر والبرد واليبس والبلة اختلط بهذا الضرب من الاختلاط وكذلك سمعه وسائر حواسه وكذلك جثته ولحمه ودمه، وجميع هذه الأمور هي الإنسان.
وقال أصحاب الهيولى أقاويل مختلفة: فزعم بعضهم أن الإنسان هو الجوهر الحي الناطق الميت وأنه إنسان في حال نطقه وحياته وجوزوا الموت عليه وقد كان قبل ذلك لا إنسانًا، وقال بعضهم: الإنسان هو الحي الناطق وهو الجوهر وأعراضه، وقال آخرون: بل في الجوهر شيء ليس بمماس ولا مباين ولا أحد منهما مختلط بصاحبه وهو في الجوهر على أنه مدبر له.
واختلف الناس في الروح والنفس والحياة وهل الروح هي الحياة أو غيرها وهل الروح جسم أم لا:
فقال النظام: الروح هي جسم وهي النفس وزعم أن الروح
[ ٣٣٣ ]
حي بنفسه وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنى غير الحي القوي وأن سبيل كون الروح في هذا البدن على جهة أن البدن آفة عليه وباعث له على الاختيار ولو خلص منه لكانت أفعاله على التولد والاضطرار، وقد حكينا قوله في الإنسان فيما تقدم من كتابنا.
وقال قائلون: الروح عرض، وقال قائلون منهم جعفر بن حرب: لا ندري الروح جوهر أو عرض واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى: يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ولم يخبر عنها ما هي لا أنها جوهر ولا أنها عرض، وأظن جعفرًا ثبت الحياة غير الروح وثبت الحياة عرضًا.
وكان الجبائي يذهب إلى أن الروح جسم وأنها غير الحياة والحياة عرض ويعتل بقول أهل اللغة: خرجت روح الإنسان، فزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض.
[ ٣٣٤ ]
وقال قائلون: ليس الروح شيئًا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع ولم يرجعوا من قولهم اعتدال إلا إلى المعتدل ولم يثبتوا في الدنيا شيئًا إلا الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.
وقال قائلون أن الروح معنى خامس غير الطبائع الأربع وأنه ليس في الدنيا إلا الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والروح.
واختلفوا في أعمال الروح فثبتها بعضهم طباعًا، وثبتها بعضهم اختيارًا، وقال قائلون: الروح الدم الصافي الخالص من الكدر والعفونات وكذلك قالوا في القوة، وقال قائلون: الحياة هي الحرارة الغريزية، وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح.
وكان الأصم لا يثبت الحياة والروح شيئًا غير الجسد ويقول: ليس أعقل إلا الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده، وكان يقول: النفس هي هذا البدن
بعينه لا غير وإنما جرى عليها
[ ٣٣٥ ]
هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد لحقيقة الشيء لا على أنها معنى غير البدن.
وذكر عن أرسطاطاليس أن النفس معنى مرتفع عن الوقوع تحت التدبير والنشوء والبلى غير داثرة وأنها جوهر بسيط منبث في العالم كله من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير وأنه لا تجوز عليه صفة قلة ولا كثرة وهي على ما وصفت من انبساطها في هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير.
وقال آخرون: بل النفس معنى موجود ذات حدود وأركان وطول وعرض وعمق وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق فكل واحد منهما يجمعهما صفة الحد والنهاية، وهذا قول طائفة من الثنوية يقال لهم المنانية.
وقالت طائفة أن النفس توصف بما وصفها هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم من معنى الحدود والنهايات إلا أنها غير مفارقة لغيرها مما لا
[ ٣٣٦ ]
يجوز أن يكون موصوفًا بصفة الحيوان، وهؤلاء الديصانية.
وحكى الحريري عن جعفر بن مبشر أن النفس جوهر ليس هو هذا الجسم وليس بجسم ولكنه معنى بين الجوهر والجسم.
وقال آخرون: النفس معنى غير الروح والروح غير الحياة والحياة عنده عرض، وهو أبو الهذيل وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس والروح دون الحياة واستشهد على ذلك بقول الله ﷿: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها.
وقال جعفر بن حرب: النفس عرض من الأعراض يوجد في هذا الجسم وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبههما وأنها
غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام.
واختلف الناس في الحواس:
فقالت المنانية: الإنسان هو الحواس الخمس وأنها أجسام وأنه لا شيء غير الحواس لأن الأشياء عندهم شيئان نور وظلمة
[ ٣٣٧ ]
وأن النور خمس حواس وأن الظلام خمس حواس سمع وبصر وحاسة الذوق والشم وحاسة اللمس.
وقالت الديصانية أن الظلام موات جاهل لا حس له وأن النور حي بنفسه حساس وأن سمع النور هو بصره وهو ذائقه وهو شامه وإنما اختلف إدراكه فصار يدرك بجهة ما لا يدرك بالجهة الأخرى لأن الآفة خالطته من جهة خلاف ما خالطته من الجهة الأخرى فاختلف الإدراك لاختلاف الأعراض، وزعموا أن النور بياض كله وأن الظلام سواد كله وإنما اختلفت الألوان فصار منها صفرة وخضرة إلى غير ذلك لاختلاف اختلاط هذين اللونين، وزعموا أن اللون هو الطعم.
وحكي عن المرقونية أنهم يزعمون أن البدن فيه روح وحواس خمس وأن الروح غير الحواس وغير البدن.
وقد أنكر كثير من الناس الحواس وهم الذين ينفون الأعراض وزعموا أنه ليس إلا السميع البصير الذائق الشام اللامس وليس ها هنا سمع وبصر وحاسة ذوق وحاسة شم وحاسة يكون بها اللمس غير الجسد فدفعوا الحواس وأنكروها.
[ ٣٣٨ ]
وحكى زرقان عن أبي الهذيل ومعمر أنهما ثبتا الحواس الخمس أعراضًا غير البدن وأنهما ثبتا النفس عرضًا غيرها وغير البدن.
وثبت عباد بن سليمان الإنسان ست حواس السمع والبصر وحاسة الذوق وحاسة الشم وحاسة اللمس وثبت الفرج حاسة سادسة.
وحكى الجاحظ أن النظام قال أن النفس تدرك المحسوسات من هذه الخروق التي هي الأذن والفم والأنف والعين لا أن للإنسان سمعًا هو غيره وبصرًا هو غيره
وأن الإنسان يسمع بنفسه وقد يصم لآفة تدخل عليه وكذلك يبصر بنفسه وقد يعمى لآفة تدخل عليه.
واختلفوا هل يوصف البارئ ﷿ بالقدرة على أن يخلق حاسة سادسة غير هذه الحواس لمحسوس سادس أم لا يوصف بالقدرة على ذلك وهل يوصف بالقدرة على أن يخلق لبعض عبيده قدرة على خلق الأجسام أم لا:
فزعم زاعمون منهم ضرار بن عمرو وحفص الفرد وسفيان بن سحبان في رجال غيرهم أن البارئ ﷿ يوصف بالقدرة
[ ٣٣٩ ]
على ذلك وأنه يخلق لعباده في المعاد حاسة سادسة يدركون بها ماهيته أي يدركون بها ما هو، وأبى أكثر أهل الكلام من المعتزلة والخوارج وكثير من الشيع وكثير من المرجئة ذلك.
وقال قائلون أن البارئ قادر أن يقدر عباده على خلق الأجسام، وأبى أكثر الناس ذلك.
واختلفوا في الحواس الخمس هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة:
فقال قائلون: هي أجناس مختلفة جنس السمع غير جنس البصر وكذلك حكم كل حاسة: جنسها مخالف لسائر أجناس الحواس وهي على اختلافها أعراض غير الحساس، وهذا قول كثير من المعتزلة منهم الجبائي وغيره.
وقال قائلون: كل حاسة خلاف الحاسة الأخرى ولا نقول هي مخالفة لها لأن المخالف هو ما كان مخالفًا بخلاف، وهذا قول أبي الهذيل.
وزعم عمرو بن بحر الجاحظ أن الحواس جنس واحد وأن حاسة البصر من جنس حاسة السمع ومن جنس سائر الحواس وإنما يكون الاختلاف في جنس المحسوس وفي موانع الحساس والحواس لا غير ذلك لأن النفس
[ ٣٤٠ ]
هي المدركة من هذه الفتوح ومن هذه الطرق وإنما اختلفت فصار واحد منها سمعًا وآخر بصرًا وآخر شمًا على قدر ما مازجها من الموانع، فأما جوهر الحساس فلا يختلف ولو اختلف
جوهر الحساس لتمانع ولتفاسد كتمانع المختلف وتفاسد المتضاد، وزعم أن اختلاف المحسوس من اللون والصوت في جنسهما وأنفسهما واو كان يدل على اختلاف جنس البصر والسمع لكان ينبغي أن يكون بعض البصر أشد خلافًا لبعض من السمع للبصر لأن السواد وإن كان مرئيًا فهو أشد مخالفة لجنس البياض من جنس الحموضة للسواد قال فلما كان ذلك فاسدًا لم يجب أن تختلف الحواس لاختلاف المحسوسات، قال الجاحظ: فالحساس ضرب واحد والحس ضرب واحد والمحسوسات ثلاثة أضرب: مختلف كالطعم واللون ومتفق ك. . . ومتضاد كالسواد والبياض، وكان يجيب عن قول من قال: هل يقدر الله سبحانه أن يخلق حاسة سادسة لا تعقل كيفيتها لمحسوس سادس لا تعلم كيفيته؟ بأنه وإن كان لا تعلم كيفية ذلك المحسوس فقد علم أنه لا يخلو من أن يدرك بالمجاورة أو بالمداخلة أو بالاتصال ولا بد لتلك الحاسة من أن
[ ٣٤١ ]
تكون من جنس الحواس الخمس كما أن حاسة البصر من جنس حاسة السمع.
وزعم الجاحظ أن أصحابه اختلفوا في اختلاف طرق الحواس وشوائبها ومن أي شيء موانعها:
فزعم قوم أن الذي منع السمع من وجود اللون أن شائبه ومانعه من جنس الظلام الذي يمنع من درك اللون ولا يمنع من درك الصوت وأن الذي منع البصر من وجود الأصوات أن شائبه من جنس الزجاج الذي يمنع من درك الصوت ولا يمنع من درك اللون، قال وعلى مثل هذا رتبوا اختلاف موانع الحواس وشوائب هذه الطرق والفتوح.
قال: وزعم آخرون أنه إنما صار الفم يجد الطعوم دون الأراييح والأصوات والألوان لأن الغالب على شوائبه الطعوم دون غيرها، وأن كل شيء منها ما سوى الطعوم فقليل ممنوع ومستفرغ القوى مشغول، وكذلك الغالب على شوائب الأسماع
الأصوات وعلى شوائب الأنوف الأراييح.
قال: وزعم آخرون أن البصر إنما أدرك الألوان دون الطعوم والأراييح والأصوات لقلة الألوان فيه ولو كانت كثيرة لكان منعها
[ ٣٤٢ ]
أشد ولو أفرطت عليه لما وجد لونًا رأسًا لأن الألوان هي التي تمنع من الألوان فلقلة الموانع من اللون أدرك اللون، وكذلك الذائق والشام والسامع، وزعم الجاحظ أن هذا هو القياس على أصول النظام وأن النظام كان يعتل للقولين الأولين.
واختلف الناس هل الشم والذوق واللمس إدراك للمشموم والمذوق والملموس أم لا على مقالتين:
فزعم زاعمون أن ذلك إدراك للملموس والمذوق والمشموم، وقال آخرون أن ذلك ليس بإدراك للملموس والمذوق والمشموم وأن الإدراك للملموس والمذوق والمشموم غير الذوق واللمس والشم منهم الجبائي وغيره.
واختلف الناس في الحركات والسكون والأفعال:
فقال الأصم: لا أثبت إلا الجسم الطويل العريض العميق، ولم يثبت حركة غير الجسم ولا يثبت سكونًا غيره ولا فعلًا غيره ولا قيامًا غيره ولا قعودًا غيره ولا افتراقًا ولا اجتماعًا ولا حركة ولا سكونًا ولا لونًا غيره ولا صوتًا ولا طعمًا غيره ولا رائحة غيره.
[ ٣٤٣ ]
فأما بعض أهل النظر ممن يزعم أن الأصم قد علم الحركات والسكون والألوان ضرورة وإن لم يعلم أنها غير الجسم فإنه يحكى عنه أنه كان لا يثبت الحركة والسكون وسائر الأفعال غير الجسم ولا يحكى عنه أنه كان لا يثبت حركة ولا سكونًا ولا قيامًا ولا قعودًا ولا فعلًا.
فأما من زعم أن الأصم كان لا يعلم الأعراض على وجه من الوجوه فإنه يحكى عنه أنه كان لا يثبت حركة ولا سكونًا ولا قيامًا ولا قعودًا ولا اجتماعًا ولا افتراقًا
على وجه من الوجوه وكذلك يقول في سائر الأعراض.
وقال هشام بن الحكم: الحركات وسائر الأفعال من القيام والقعود والإرادة والكراهة والطاعة والمعصية وسائر المثبتون الأعراض أعراضًا أنها صفات الأجسام لا هي الأجسام ولا غيرها أنها ليست بأجسام فيقع عليها التغاير.
وقد حكي هذا عن بعض المتقدمين وأنه كان يقول كما حكينا عن هشام وأنه لم يكن يثبت أعراضًا غير الأجسام.
وحكي عن هشام أنه كان لا يزعم أن صفات الإنسان أشياء
[ ٣٤٤ ]
لأن الأشياء هي الأجسام عنده، وكان يزعم أنها معان وليست بأشياء.
وحكى زرقان عن هشام بن الحكم أنه كان يزعم أن الحركة معنى وأن السكون ليس بمعنى، فإن لم يكن ما حكاه من ذلك صحيحًا فقد كان بعض المتقدمين يزعم أن العالم كان ساكنًا متحركًا وأن الحركة معنى وأن السكون ليس بمعنى حكاه أبو عيسى عن أصحاب الطبائع.
وقال قائلون منهم أبو الهذيل وهشام وبشر بن المعتمر وجعفر بن حرب والإسكافي وغيرهم: الحركات والسكون والقيام والقعود والاجتماع والافتراق والطول والعرض والألوان والطعوم والأراييح والأصوات والكلام والسكوت والطاعة والمعصية والكفر والإيمان وسائر أفعال الإنسان والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة أعراض غير الأجسام.
وقال ضرار بن عمرو: الألوان والطعوم والأراييح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والزنة أبعاض الجسم وأنها متجاورة، وحكي عنه مثل ذلك في الاستطاعة والحياة، وزعم أن الحركات والسكون وسائر الأفعال التي تكون من الأجسام أعراض لا أجسام، وحكي عنه في التأليف أنه كان يثبته بعض الجسم، فأما غيره ممن كان
[ ٣٤٥ ]
يذهب إلى قوله في الأجسام فإنه يثبت التأليف والاجتماع
والافتراق والاستطاعة غير الأجسام.
وقال قائلون: السواد هو غير السواد وكذلك الحلاوة هي غير الحلو وكذلك الحموضة هي غير الشيء الحامض ولم يثبتوا اللون غير الملون ولا يثبتون طعم الشيء غيره.
وحكى زرقان عن جهم بن صفوان أنه كان يزعم أن الحركة جسم ومحال أن تكون غير جسم لأن غير الجسم هو الله سبحانه فلا يكون شيء يشبهه.
وحكي عن الجواليقية وشيطان الطاق أن الحركات هي أفعال الخلق لأن الله ﷿ أمرهم بالفعل ولا يكون مفعولًا إلا ما كان طويلًا عريضًا عميقًا وما كان غير طويل ولا عريض ولا عميق فليس بمفعول.
وقال إبراهيم النظام: أفاعيل الناس كلها حركات وهي أعراض وإنما يقال سكون في اللغة: إذا اعتمد الجسم في المكان وقتين قيل سكن في المكان لا أن السكون معنى غير اعتماده، وزعم أن الاعتمادات
[ ٣٤٦ ]
والأكوان هي الحركات وأن الحركات على ضربين: حركة اعتماد في المكان وحركة نقلة عن المكان، وزعم أن الحركات كلها جنس واحد وأنه محال أن يفعل الذات فعلين مختلفين.
وكان النظام فيما حكي عنه يزعم أن الطول هو الطويل وأن العرض هو العريض وكان يثبت الألوان والطعوم والأراييح والأصوات والآلام والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أجسامًا لطافًا، ويزعم أن حيز اللون هو حيز الطعم والرائحة وأن الأجسام اللطاف قد تحل في حيز واحد، وكان لا يثبت عرضًا إلا الحركة فقط.
وقال معمر: الأكوان كلها سكون وإنما يقال لبعضها حركات في اللغة وهي كلها سكون في الحقيقة، وكان يثبت الألوان والطعوم والأراييح والأصوات والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة غير الأجسام.
وكان عباد بن سليمان يثبت الأعراض غير الأجسام فإذا قيل له: تقول الحركة غير المتحرك والأسود غير السواد؟ امتنع من ذلك وقال: قولي في الجسم متحرك إخبار عن جسم وحركة
[ ٣٤٧ ]
فلا يجوز أن أقول الحركة غير المتحرك إذ كان قولي متحرك إخبارًا عن جسم وحركة ولكن أقول الحركة غير الجسم.
وقال قائلون من أصحاب الطبائع أن الأجسام كلها من أربع طبائع حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وأن الطبائع الأربع أجسام ولم يثبتوا أشياء إلا هذه الطبائع الأربع، وأنكروا الحركات وزعموا أن الألوان والطعوم والأراييح هي الطبائع الأربع.
وقال قائلون منهم أن الأجسام من أربع طبائع وأثبتوا الحركات ولم يثبتوا عرضًا غيرها وثبتوا الألوان والأراييح من هذه الطبائع.
وقال قائلون: الأجسام من أربع طبائع وروح سابحة فيها وأنهم لا يعقلون جسمًا إلا هذه الخمسة الأشياء، وأثبتوا الحركات أعراضًا.
وقال قائلون بإبطال الأعراض والحركات والسكون وأثبتوا السواد وهو عين الشيء الأسود لا غيره وكذلك البياض وسائر الألوان وكذلك الحلاوة والحموضة وسائر الطعوم، وكذلك قولهم في الأراييح وفي الحرارة أنها عين الشيء الحار لا غيره وكذلك قولهم في الرطوبة والبرودة واليبوسة وكذلك قولهم في الحياة أنها هي الحي،
[ ٣٤٨ ]
وهؤلاء منهم من يثبت حركة الجسم وفعله غيره ومنهم من لا يثبت عرضًا غير الجسم على وجه من الوجوه.
وحكي عن بعض أهل التثنية من المنانية أنهم يزعمون أن الأجسام من أصلين وأن كل واحد من الأصلين من خمسة أجناس: من سواد وبياض وصفرة وخضرة وحمرة وأنهم لا يعقلون جسمًا إلا ما كان كذلك وأنهم دانوا بإبطال الأعراض.
وحكي عن بعض أهل التثنية من الديصانية أنهم ثبتوا الأجسام من أصلين وأنهم
زعموا أن أحد الأصلين سواد كله والآخر بياض كله وأن النور هو البياض وأن الظلام هو السواد وأن سائر الألوان من هذين اللونين وإنما اختلفت الألوان فصار منها صفرة وحمرة وخضرة لاختلاف امتزاج هذين اللونين وأنهم أنكروا الأعراض.
فأما أبو عيسى الوراق فإنه حكى أن من أهل التثنية من يثبت الأعراض من الحركات والسكون وسائر الأفعال غير الأجسام، وأن منهم من يزعم أنها صفات الأجسام لا هي الأجسام ولا غيرها، وأن منهم من نفاها وأبطلها وزعم أنه لا حركة ولا سكون ولا فعل غير الأصلين.
واختلفوا في اللون هل هو الطعم أم غيره وهل الطعم هو الرائحة أم هو غيرها:
[ ٣٤٩ ]
فقال قائلون: اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو الصوت والجو وكذلك قولهم في السمع والبصر والذائق والشام، وهؤلاء هم الديصانية.
وقال قائلون: اللون غير الطعم والطعم غير الرائحة والرائحة غير الجو والجو غير الصوت، وهذا قول أكثر أهل النظر.
واختلف الذين أثبتوا الحركات أعراضًا غير الأجسام في الحركات هل هي مشتبهة أم لا وهل هي جنس واحد أم أجناس كثيرة أم ليست بأجناس:
فقال أبو الهذيل: الحركة لا يجوز أن تشبه الحركة وكذلك العرض لا يجوز أن يشبه العرض لأن المشتبهين يشتبهان باشتباه ولكن قد يقال أن الحركة شبه الحركة، وزعم أن الإنسان يقدر على حركة وسكون فإن فعل الحركة في الوقت الثاني من وقت قدره وفعل معها كونًا يمنة فهي حركة يمنة وإن فعل معها كونًا يسرة فهي حركة يسرة، وكذلك القول في سائر الجهات لأنا إذا قلنا: حركة يمنة فقد ذكرنا الحركة وكونًا يمنة، وكذلك إذا قلنا الحركة يسرة فإنما ثبتنا الحركة وكونًا يسرة.
[ ٣٥٠ ]
والحركات عنده غير الأكوان والمماسات وكذلك السكون عنده غير الأكوان والمماسات، ولم يكن يزعم أنه قادر أن يفعل في الوقت الأول حركات في الثاني وإنما يقدر على حركة وسكون فأي الأكوان فعله وهي الثاني فالحركة حركة في تلك الجهة مع الكون، ولم يكن يجعل حركة خلافًا لحركة وكان أيضًا لا يزعم أن الأعراض لا تختلف لأن المختلف باختلاف يختلف عنده، وكان لا يزعم أن الخلاف ما كان الشيئان به مختلفين وكذلك الوفاق ما كانا به متفقين، وكان يزعم أن شيئًا يخالف شيئًا بنفسه أو يشبهه ويوافقه بنفسه وكان لا يقول البارئ مخالف للعالم.
وقال إبراهيم النظام: حركات الإنسان وأفعاله كلها جنس واحد وأن الحركات هي الأكوان وأن الجنس الواحد لا يفعل شيئين متضادين كما لا يكون بالنار تبريد وتسخين، وزعم أن التصاعد من جنس الانحدار والتيامن من جنس التياسر والطاعة من جنس المعصية والكفر من جنس الإيمان والصدق من جنس الكذب.
[ ٣٥١ ]
وقال قائلون: الحركات أجناس وأنها متضادات والتيامن ضد التياسر والقيام ضد القعود والتقدم ضد التأخر والتصاعد ضد الانحدار، وأن هذه المتضادات من الأعراض مختلفة فمنها ما يختلف بنفسه كالسواد والبياض ومنها ما يختلف لعلة هي غيره ك. . . ومنها ما يختلف لا لنفسه ولا لعلة هي غيره كالتيامن والتياسر وما أشبه ذلك، وأن الحركة والسكون هي الأكوان وأن الإنسان يقدر أن يفعل السكون في الثاني وحركات مختلفات متضادات على البدل.
وقد تكون الطاعة عند هؤلاء القائلين من جنس المعصية كالحركتين في الجهة الواحدة يؤمر بإحداهما فتكون طاعة وينهى عن الأخرى فتكون معصية فقد تكون الطاعة من جنس المعصية وقد تكون ضدها كالحركتين في جهتين مختلفتين، وقد يفعل الفاعل الواحد أفعالًا متضادة كالحركة والسكون.
وزعم صاحب هذا القول أن الأعراض تشتبه بأنفسها كالسوادين والبياضين وأنها تتفق بأنفسها وأن الجواهر مشتبهة بأنفسها وكذلك الأعراض المختلفة تختلف بأنفسها كالسواد والبياض.
[ ٣٥٢ ]
وكان يزعم مرة أن الذهاب يمنة من جنس الذهاب يمنة ثم رجع عن هذا وزعم أن الذهاب يمنة إذا كان في مكان فهو ضد الذهاب يمنة في مكان آخر لأن الكون في مكان يضاد الكون في غيره، وكان لا يثبت متفقين مشتبهين يتفقان بغيرهما وإنما يتفق المتفقان بأنفسهما وكذلك المشتبهان، وهذا قول محمد بن عبد الوهاب الجبائي.
وزعم بعض المتكلمين أن الأعراض تشتبه بغيرها وأن الأعراض مختلفة بأنفسها والأجسام تختلف بغيرها، وهذا قول البغداذيين الخياط وغيره.
وزعم البغداذيون من المعتزلة أن الطاعة لا تكون من جنس المعصية وأن الكفر لا يكون من جنس الإيمان وأن الحركة لا تكون من جنس السكون.
وقال حسين النجار ومن قال بقوله أن الأشياء المحدثات كلها مشتبهة في باب الحدث متفقة فيه أجسامها وأعراضها وأنه لا يشبه المخلوق إلا مخلوق لأنه لو جاز أن يشبه المخلوق ما ليس بمخلوق لجاز أن يشبه الخالق ما ليس بخالق.
واختلف المتكلمون في معنى الحركة والسكون وأين محل ذلك في الجسم هل هو في المكان الأول أو الثاني:
[ ٣٥٣ ]
فقال قائلون: معنى الحركة معنى الكون والحركات كلها اعتمادات ومنها انتقال ومنها ما ليس بانتقال، والقائل بهذا القول النظام وزعم أن الجسم إذا تحرك من مكان إلى مكان فالحركة تحدث في الأول وهي اعتماداته التي توجب الكون في الثاني وأن الكون في الثاني هو حركة الجسم في الثاني.
وكان محمد بن شبيب يثبت الحركة والسكون ويزعم أنهما الأكوان وأن الأكوان
منها حركة ومنها سكون وأن الإنسان إذا تحرك إلى الثاني فاعتماده في المكان الأول الذي يوجب الكون في الثاني ونقله وزوال إذا صار الجسم إلى الثاني لأن أهل اللغة لم يسموا الجسم زائلًا منتقلًا متحركًا عن الأول إلا إذا صار إلى المكان الثاني فالمعنى حدث فيه وهو في المكان الأول وسمي زوالًا في حال كونه في المكان الثاني لاتساع اللغة ونتكلم بكلام الناس على سبيل ما تكلموا به، وقد يكون الكون في المكان الثاني حركة ويكون سكونًا، فإن كان حركة أوجب كونًا في المكان الثالث وكان سكونًا في الثاني.
[ ٣٥٤ ]
وقال معمر: معنى السكون أنه الكون ولا سكون إلا كون ولا كون إلا سكون.
وقال أبو الهذيل: الحركات والسكون غير الأكوان والمماسات، وحركة الجسم عن المكان الأول إلى الثاني تحدث فيه وهو في المكان الثاني في حال كونه فيها وهي انتقاله عن المكان الأول وخروجه عنه، وسكون الجسم في المكان هو لبثه فيه زمانين فلا بد في الحركة عن المكان من مكانين وزمانين ولا بد للسكون من زمانين.
وقال عباد: الحركات والسكون مماسات وزعم أن معنى حركة معنى زوال.
وقال بشر بن المعتمر: الحركة تحدث لا في المكان الأول ولا في الثاني ولكن يتحرك بها الجسم عن الأول إلى الثاني.
وكان الجبائي يزعم أن الحركة والسكون أكوان وأن معنى الحركة معنى الزوال فلا حركة إلا وهي زوال وأنه ليس معنى الحركة معنى الانتقال وأن الحركة المعدومة تسمى زوالًا قبل كونها ولا تسمى انتقالًا فقلت له: فلم لا تثبت كل حركة انتقالًا كما تثبت كل حركة زوالًا؟ فقال: من قبل أن حبلًا لو كان معلقًا بسقف فحركه إنسان
[ ٣٥٥ ]
لقلنا: زال واضطرب وتحرك ولم نقل أنه انتقل، فقلت له: ولم لا يقال انتقل في الجو كما قيل تحرك وزال واضطرب؟ فلم يأت بشيء يوجب
التفرقة.
واختلف المتكلمون فيما يوصف به الشيء: لنفسه يوصف أو لعلة وفي الطاعة حسنت لنفسها أو لعلة.
فقال قائلون: كل معصية كان يجوز أن يأمر الله سبحانه بها فهي قبيحة للنهي، وكل معصية كان لا يجوز أن يبيحها الله سبحانه فهي قبيحة لنفسها كالجهل به والاعتقاد بخلافه، وكذلك كل ما جاز أن لا يأمر الله سبحانه فهو حسن للأمر به وكل ما لم يجز إلا أن يأمر به فهو حسن لنفسه، وهذا قول النظام.
وقال الإسكافي في الحسن من الطاعات حسن لنفسه والقبيح أيضًا قبيح لنفسه لا لعلة، وأظنه كان يقول في الطاعة أنها طاعة لنفسها وفي المعصية أنها معصية لنفسها.
وقال قائلون: الطاعة إنما سميت طاعة لله لأنه أمر بها لا لنفسها.
وقال قائلون: الطاعة لله إنما هي طاعة له لأنه أرادها والمعصية سميت معصية له لأنه كرهها.
[ ٣٥٦ ]
وقال قائلون: كل ما يوصف به الشيء فلنفسه وصف به وأنكروا الأعراض والصفات.
وقال قائلون: كل ما وصف به الشيء فإنما وصف به لمعنى هو صفة له، وهو قول ابن كلاب وكان يقول: كل معنى وصف به الشيء فهو صفة له.
وقال قائلون: ما وصف به الشيء قد يكون لنفسه لا لمعنى كالقول سواد وبياض وكالقول في القديم أنه قديم عالم وقد يكون لعلة كالقول متحرك ساكن من غير أن تكون الحركة صفة له أو السكون، وثبتوا أن الصفات هي الأقوال والكلام كقولنا عالم قادر فهي صفات أسماء وكالقول يعلم ويقدر فهذه صفات لا أسماء وكالقول شيء فهذا اسم لا صفة.
وقال قائلون: قد يوصف الشيء بصفة لنفسه كقولنا سواد وبياض وقد يوصف لعلة كقولنا متحرك ساكن وقد يوصف لا لنفسه ولا لعلة كقولنا محدث.
[ ٣٥٧ ]
واختلف الناس في الأعراض هل تبقى أم لا:
فقال قائلون: الأعراض كلها لا تبقى وقتين لأن الباقي إنما يكون باقيًا بنفسه أو ببقاء فيه فلا يجوز أن تكون باقية بأنفسها لأن هذا يوجب بقاءها في حال حدوثها ولا يجوز أن تبقى ببقاء يحدث فيها لأنها لا تحتمل الأعراض، والقائل بهذا أحمد بن علي الشطوي وقال به أبو القاسم البلخي ومحمد بن عبد الله بن مملك الأصبهاني، وزعم هؤلاء أن الألوان والطعوم والأراييح والحياة والقدرة والعجز والموت والكلام والأصوات أعراض وأنها لا تبقى وقتين وهو يثبتون الأعراض كلها ويزعمون أنها لا تبقى زمانين.
وقال قائلون أنه لا عرض إلا الحركات وأنه لا يجوز أن تبقى، والقائل بهذا النظام.
وقال أبو الهذيل: الأعراض منها ما يبقى ومنها ما لا يبقى والحركات كلها لا تبقى والسكون منه ما يبقى ومنه ما لا يبقى، وزعم أن سكون أهل الجنة سكون باق وكذلك أكوانهم وحركاتهم منقطعة
[ ٣٥٨ ]
متقضية لها آخر، وكان يزعم أن الألوان تبقى وكذلك الطعوم والأراييح والحياة والقدرة تبقى ببقاء لا في مكان، ويزعم أن البقاء هو قول الله ﷿ للشيء ابقه وكذلك في بقاء الجسم وفي بقاء كل ما يبقى من الأعراض، وكذلك كان يزعم أن الآلام تبقى وكذلك اللذات فآلام أهل النار باقية فيهم ولذات أهل الجنة باقية فيهم.
وكان محمد بن شبيب يزعم أن الحركات لا تبقى وكذلك السكون لا يبقى.
وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يقول: الحركات كلها لا تبقى والسكون على ضربين: سكون الجماد وسكون الحيوان فسكون الحي المباشر الذي يفعله في نفسه
لا يبقى وسكون الموات يبقى، وكان يقول أن الألوان والطعوم والأراييح والحياة والقدرة والصحة تبقى ويقول ببقاء أعراض كثيرة، وكان يقول أن كل ما فعله الحي في نفسه مباشرًا من الأعراض فهو غير باق، وكذلك يقول أن الباقي من الأعراض يبقى لا ببقاء وكذلك يقول في الأجسام أنها تبقى لا ببقاء وكذلك يجيز بقاء الكلام.
وقال قائلون في الحركة أنها لا يجوز أن تبقى ولا يجوز أن تعاد.
وقال ضرار بن عمرو والحسين بن محمد النجار أن الأعراض
[ ٣٥٩ ]
التي هي غير الأجسام يستحيل أن تبقى زمانين، وكان ضرار والحسين النجار يقولان: البقاء للجسم الذي هو أبعاض منها كذا ومنها كذا.
وكان النجار ينكر بقاء الاستطاعة لأنها ليست بداخلة في جملة الجسم وهي غيره ويستحيل أن يكون في غيرها لأنه يستحيل لأن يبقى الشيء ببقاء في غيره.
وقال بشر بن المعتمر: السكون يبقى ولا يتقضى إلا بأن يخرج الساكن منه إلى حركة وكذلك السواد يبقى ولا يتقضى إلا بأن يخرج منه الأسود إلى ضده من بياض أو غيره وكذلك في سائر الأعراض على هذا الترتيب.
واختلفوا هل تفنى الأعراض أم لا:
فقال قائلون: الأعراض كلها لا يقال أنها تفنى لأن ما جاز أن يفنى جاز أن يبقى، وقال قائلون: هي تفنى بمعنى تعدم، وقال قائلون: ما يجوز أن يبقى منها يجوز أن يفنى وما لا يجوز أن يبقى منها لا يجوز أن يفنى.
[ ٣٦٠ ]
واختلفوا هل لها بقاء أم لا:
فقال قائلون: تبقى ببقاء الجسم، وقال قائلون: تبقى لا ببقاء، وقال قائلون: تبقى ببقاء لا في مكان.
واختلفوا في فنائها:
فقال قائلون: تفنى بفناء لا في مكان، وقال قائلون: تفنى بفناء في غيرها والسواد فناء للبياض إذا حدث بعهده، وقال قائلون: تفنى لا بفناء.
واختلف الناس في رؤية الأعراض والأجسام:
فقال أبو الهذيل: الأجسام ترى وكذلك الحركات والسكون والألوان والاجتماع والافتراق والقيام والقعود والاضطجاع، وأن الإنسان يرى الحركة إذا رأى الشيء متحركًا ويرى السكون إذا رأى الشيء ساكنًا برؤيته له ساكنًا، وكذلك القول في الألوان والاجتماع والافتراق والقيام والقعود والاضطجاع، وكل شيء إذا رأى الرائي الجسم عليه فرق بينه وبين غيره إذا كان على غير تلك المنظرة وفرق بينه وبين غيره مما ليس على منظرة فهو راء لذلك الشيء.
وكان يزعم أن الإنسان يلمس الحركة والسكون بلمسه للشيء
[ ٣٦١ ]
متحركًا أو ساكنًا لأنه قد يفرق بين الساكن والمتحرك بلمسه له ساكنًا ومتحركًا كما يفرق بين الساكن والمتحرك برؤيته لأحدهما ساكنًا والآخر متحركًا، وكذلك كل شيء من الأجسام إذا لمسه الإنسان فرق بينه وبين غيره مما ليس على هيئته بلمسه إياه فهو يلمس ذلك العرض، وكان يزعم أن الألوان لا تلمس لأن الإنسان لا يفرق بين الأسود والأبيض باللمس.
وكان الجبائي يوافقه في رؤية الأجسام والأعراض وكان يخالفه في لمس الأعراض.
وكان بعض أهل الكلام ينكر أن يكون الإنسان يلمس الحرارة والبرودة ويزعم أنه يجدها لا بأن يلمسها.
وقال النظام: الأعراض محال أن ترى وأنه لا عرض إلا الحركة ومحال أن يرى الإنسان إلا الألوان والألوان أجسام ولا جسم يراه الرائي إلا لون.
وقال عباد بن سليمان: الأعراض لا ترى ولا يرى الرائي
[ ٣٦٢ ]
إلا الأجسام ولا يرى إلا
وهو ذو جهات وأنكر أن يرى أحد لونًا أو حركة أو سكونًا أو عرضًا.
وقال قائلون: الأجسام لا ترى ولا يرى إلا لون والألوان أعراض، وهو أبو الحسين الصالحي ومن قال بقوله.
وقال قائلون: يرى اللون والملون ولا ترى الحركات والسكون وسائر الأعراض.
وقال معمر: إنما تدرك أعراض الجسم فأما الجسم فلا يجوز أن يدرك.
واختلف الناس في خلق الشيء هل هو الشيء أم غيره:
فقال أبو الهذيل: خلق الشيء الذي هو تكوينه بعد أن لم يكن هو غيره وهو إرادته له وقوله له: كن، والخلق مع المخلوق في حاله وليس بجائز أن يخلق الله سبحانه شيئًا لا يريده ولا يقول له كن، وثبت خلق العرض غيره وكذلك خلق الجوهر، وزعم أن الخلق الذي هو إرادة وقول لا في مكان، وزعم أن التأليف هو خلق الشيء مؤلفًا وأن الطول هو خلق الشيء طويلًا وأن اللون خلقه له ملونًا، وابتداء الله
[ ٣٦٣ ]
الشيء بعد أن لم يكن هو خلقه له وهو غيره وإعادته له غيره وهو خلقه له بعد فنائه، وإرادة الله سبحانه للشيء غيره وإرادته للإيمان غير أمره به، وكان يثبت الابتداء غير المبتدأ والإعادة غير المعاد والابتداء خلق الشيء أول مرة والإعادة خلقه مرة أخرى.
وقال هشام بن عمرو الفوطي: ابتداء الشيء مما يجوز أن يعاد غيره وابتداؤه مما لا يجوز أن يعاد ليس بغيره والإرادة المراد.
وكان عباد بن سليمان إذا قيل له: أتقول أن الخلق غير المخلوق؟
قال: خطأ أن يقال ذلك لأن المخلوق عبارة عن شيء وخلق، وكان يقول: خلق الشيء غير الشيء ولا يقول الخلق غير المخلوق، وكان يقول أن خلق الشيء قول كما كان يقول أبو الهذيل ولا يقول أن الله قال له كن كما كان أبو الهذيل يقول.
وحكى زرقان عن معمر أنه كلن يزعم أن خلق الشيء غيره وللخلق خلق إلى ما
لا نهاية له وأن ذلك يكون في وقت واحد معًا.
وحكي عن هشام بن الحكم أن خلق الشيء صفة له لا هو هو ولا غيره.
وقال بشر بن المعتمر: خلق الشيء غيره والخلق قبل المخلوق وهو الإرادة من الله للشيء.
[ ٣٦٤ ]
وقال إبراهيم النظام: الخلق من الله سبحانه الذي هو تكوين هو المكون وهو الشيء المخلوق، وكذلك الابتداء هو المبتدأ والإعادة هي المعاد، والإرادة من الله سبحانه تكون إيجادًا للشيء وهي الشيء وتكون أمرًا وهي غير المراد كنحو إرادة الله للإيمان هي أمره به وتكون حكمًاُ وإخبارًا وهي غير المحكوم والمخبر عنه وكان إرادة الله سبحانه أن يقيم القيامة يعني أنه حاكم بذلك مخبر به، والابتداء هو المبتدأ والإعادة هي المعاد وهي خلق الشيء بعد إعدامه.
وقال الجبائي: الخلق هو المخلوق والإرادة من الله غير المراد وفعل الإنسان هو مفعوله وإرادته غير مراده، وكان يزعم أن إرادة الله سبحانه للإيمان غير أمره به وغير الإيمان وإرادته لتكوين الشيء غيره.
وأظن أن مثبتًا ثبت الخلق هو المخلوق والإعادة غير المعاد.
واختلف الذين قالوا أن خلق الشيء غيره في الخلق هل هو مخلوق أم لا:
فقال أبو موسى الدردار أن الخلق غير المخلوق والخلق مخلوق في الحقيقة وليس له خلق.
[ ٣٦٥ ]
وقال أبو الهذيل: الخلق الذي هو تأليف والذي هو لون والذي هو طول والذي هو كذا كل ذلك مخلوق في الحقيقة وهو واقع عن قول وإرادة، والخلق الذي هو قول وإرادة ليس بمخلوق في الحقيقة وإنما يقال: مخلوق في المجاز.
وقال قائلون: لا يقال الخلق مخلوق على وجه من الوجوه.
وقال زهير الأثري: الخلق غير المخلوق وهو إرادة وقول وهو محدث ليس
بمخلوق.
وقال أبو معاذ التومني: الخلق حدث وليس بمحدث ولا مخلوق وأن الإرادة من الله سبحانه تكون إيجادًا وهي خلق وتكون أمرًا، وكان يزعم أن القرآن حدث ليس بمخلوق ولا محدث.
واختلف المتكلمون في البقاء والفناء:
فقال قائلون ممن يثبت خلق الشيء غيره أن الباقي باق لا ببقاء.
وزعم قوم ممن يثبت الخلق هو المخلوق أن الباقي يبقى ببقاء.
وقال أبو الهذيل: خلق الشيء غيره والبقاء غير الباقي والفناء غير الفاني، والقباء قول الله ﷿ للشيء ابق والفناء قوله افن.
[ ٣٦٦ ]
وقال قائلون من البغداذيين: بقاء الشيء غيره وليس للفاني فناء والفاني يفنى لا بفناء.
وقال قائلون منهم الجبائي وغيره: الباقي باق لا ببقاء والفاني يفنى لا بفناء غيره.
وقال معمر أن للفاني فناء وللفناء فناء لا إلى غاية ومحال أن يفني الله الأشياء كلها.
وقال النظام: الباقي يبقى لا ببقاء والفاني فان لا بفناء.
وحكى زرقان أن هشام بن الحكم قال: البقاء صفة للباقي لا هو هو ولا غيره وكذلك الفناء.
واختلفوا في البقاء والفناء أين يوجدان وهل يوجدان وقتًا واحدًا أو أكثر من ذلك:
فقال أبو الهذيل: البقاء والفناء يوجدان لا في مكان وكذلك الخلق وكذلك الوقت لا في مكان ولا يجوز أن يوجد أكثر من وقت واحد.
وقال قائلون: بقاء الشيء يوجد معه وهو غيره يوجد فيه ما دام باقيًا.
وقال محمد بن شبيب: المعنى الذي هو فناء ومن أجله يعدم الجسم لا يقال له فناء
حتى يعدم الجسم وأنه حال في الجسم في حال وجوده فيه ثم يعدم بعد وجوده.
[ ٣٦٧ ]
وقال الجبائي: فناء الجسم يوجد لا في مكان وهو مضاد له ولكل ما كان من جنسه، وزعم أن السواد الذي كان في حال وجوده بعد البياض هو فناء للبياض وكذلك كل شيء في وجوده عدم شيء فهو فناء ذلك الشيء وأن فناء العرض يحل في الجسم والفناء لا يفنى.
واختلفوا في معنى الباقي:
فقال قائلون: معنى الباقي أن له بقاء وكذلك قولهم في القديم والمحدث، وهو قول عبد الله بن كلاب.
وقال قائلون: القديم باق بنفسه وغير باق ببقاء ومعنى القول في المحدث إنه باق أن له بقاء لأنه يجوز أن يوجد غير باق.
وقال قائلون ممن يذهب إلى أن كل باق فهو باق لا ببقاء: معنى الباقي أنه كائن لا بحدوث وأن القديم لم يزل باقيًا لأنه لم يزل كائنًا لا بحدوث، والمحدث في حال كونه بالحدوث ليس بباق وفي الوقت الثاني هو باق لأنه كائن في الوقت الثاني لا بحدوث.
وقال آخرون منهم الإسكافي: معنى القول في المحدث إنه باق أنه وجد حالين ومر عليه زمانان، فأما القديم فليس ذلك معنى القول فيه أنه باق لأنه لم يزل باقيًا على الأوقات والأزمان.
[ ٣٦٨ ]
واختلف الناس في المعاني القائمة بالأجسام كالحركات والسكون وما أشبه ذلك هل هي أعراض أو صفات:
فقال قائلون: نقول أنها صفات ولا نقول هي أعراض، ونقول هي معان ولا نقول هي الأجسام ولا نقول غيرها لأن التغاير يقع بين الأجسام، وهذا قول هشام بن الحكم.
وقال قائلون: هي أعراض وليست بصفات لأن الصفات هي الأوصاف وهي القول والكلام كالقول: زيد عالم قادر حي، فأما العلم والقدرة والحياة فليست بصفات وكذلك الحركات والسكون ليست بصفات.
واختلفوا لم وقال قائلون: هي أعراض وليست بصفات لأن الصفات هي الأوصاف وهي القول والكلام كالقول: زيد عالم قادر حي، فأما العلم والقدرة والحياة فليست بصفات وكذلك الحركات والسكون ليست بصفات. سميت المعاني القائمة بالأجسام أعراضًا:
فقال قائلون: سميت بذلك لأنها تعترض في الأجسام وتقوم بها، وأنكر هؤلاء أن يوجد عرض لا في مكان أو يحدث عرض لا في جسم، وهذا قول النظام وكثير من أهل النظر.
وقال قائلون: لم تسم الأعراض أعراضًا لأنها تعترض في الأجسام لأنه يجوز وجود أعراض لا في جسم وحوادث لا في مكان كالوقت والإرادة من الله سبحانه والبقاء والفناء وخلق الشيء الذي هو قول وإرادة من الله تعالى، وهذا قول أبي الهذيل.
[ ٣٦٩ ]
وقال قائلون: إنما سميت الأعراض أعراضًا لأنها لا لبث لها وإن هذه التسمية إنما أخذت من قول الله ﷿: قالوا هذا عارض ممطرنا فسموه عارضًا لأنه لا لبث له وقال: تريدون عرض الدنيا فسمى المال عرضًا لأنه إلى انقضاء وزوال.
وقال قائلون: سمي العرض عرضًا لأنه لا يقوم بنفسه وليس من جنس ما يقوم بنفسه.
وقال قائلون: سميت المعاني القائمة بالأجسام أعراضًا باصطلاح من اصطلح على ذلك من المتكلمين فلو منع هذه التسمية مانع لم نجد عليه حجة متن كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة وأهل اللغة، وهذا قول طوائف من أهل النظر منهم جعفر بن
حرب.
وكان عبد الله بن كلاب يسمي المعاني القائمة بالأجسام أعراضًا ويسميها أشياء ويسميها صفات.
واختلفوا في قلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا:
فقال قائلون منهم حفص الفرد وغيره: جائز أن يقلب الله الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا لأنه خلق الجسم جسمًا والعرض عرضًا وإنما كان العرض عرضًا بأن خلقه الله عرضًا وكان الجسم
[ ٣٧٠ ]
جسمًا بأن خلقه الله جسمًا فجائز أن يكون الذي خلقه الله عرضًا يخلقه جسمًا والذي خلقه جسمًا يخلقه عرضًا وكذلك زعم أن الله خلق اللون لونًا والطعم طعمًا وكذلك قوله في سائر الأجناس وأن الأشياء إنما هي على ما هي عليه بأن خلقت كذلك وأن الإنسان لم يفعل الأشياء على ما هي عليه ولم تكن على ما هي عليه بأن فعلها كذلك.
وقال أكثر أهل النظر بإنكار قلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا وقال: ذلك محال لأن القلب إنما هو رفع الأعراض وإحداث أعراض والأعراض لا تحتمل أعراضًا واعتلوا بعلل كثيرة.
وقال كثير من الذين لم يقولوا بجواز قلب الأعراض منهم الجبائي: لا نقول أن الله خلق الجوهر جوهرًا واللون لونًا والشيء شيئًا والعرض عرضًا لأنه الله يعلمه جوهرًا قبل أن يخلقه وكذلك اللون يعلمه لونًا قبل أن يخلقه، وكذلك قوله فيما سمي به الشيء قبل كونه.
وقال قائلون من المعتزلة وغيرهم أن الله تعالى خلق الجوهر جوهرًا واللون لونًا والشيء شيئًا والحركة حركة ولو لم يخلق الجوهر جوهرًا ويحدثه جوهرًا لكان قديمًا جوهرًا فلما استحال ذلك صح أنه خلقه جوهرًا ولو لم يخلقه جوهرًا لم يكن الجوهر بالله كان جوهرًا.
[ ٣٧١ ]
واختلف الناس في المعاني:
فقال قائلون أن الجسم إذا سكن فإنما يسكن لمعنى هو الحركة لولاه لم يكن بأن يكون متحركًا أولى من غيره ولم يكن بأن يتحرك في الوقت الذي يتحرك فيه أولى منه بالحركة قبل ذلك، قالوا: وإذا كان ذلك كذلك فكذلك الحركة لولا معنى له كانت حركة للمتحرك لم تكن بأن تكون حركة له أولى منها أن تكون حركة لغيره، وذلك المعنى كان معنى لأن كانت الحركة حركة للمتحرك لمعنى آخر وليس للمعاني كل ولا جميع وأنها تحدث في وقت واحد، وكذلك القول في السواد والبياض وفي أنه سواد لجسم دون غيره وفي أنه بياض لجسم دون غيره، وكذلك القول في مخالفة السواد والبياض وكذلك القول في سائر الأجناس والأعراض عندهم، وأن العرضين إذا اختلفا أو اتفقا فلا بد من إثبات معان لا كل لها، وزعموا أن المعاني التي لا كل لها فعل للمكان الذي حلته، وكذلك القول في الحي والميت إذا أثبتناه حيًا وميتًا فلا بد من إثبات معان لا نهاية لها حلت فيه لأن الحياة لا تكون حياة
[ ٣٧٢ ]
له دون غيره إلا لمعنى وذلك المعنى لمعنى ثم كذلك لا إلى غاية، وهذا قول معمر.
وسمعت بعض المتكلمين وهو أحمد الفراتي يزعم أن الحركة حركة للجسم لمعنى وأن المعنى الذي كانت له الحركة حركة للجسم حدث لا لمعنى.
وقال أكثر أهل النظر: إذا ثبتنا الجسم متحركًا بعد أن كان ساكنًا فلا بد من حركة لها تحرك، والحركة حركة للجسم لا من أجل حدوث معنى له كانت حركة له، وكذلك القول في سائر الأعراض.
واختلف هؤلاء في الحركة إذا كانت حركة للجسم لا لمعنى هل هي حركة له لنفسها ولا لمعنى:
فقال الجبائي أنها حركة له لا لنفسها ولا لمعنى، وقال قائلون: هي حركة له
لنفسها.
واختلف المتكلمون في الأعراض هل يجوز إعادتها أم لا:
فقال كثير من المتكلمين منهم محمد بن شبيب بإعادة الحركات، وحكى زرقان عن بعض المتقدمين أن الحركة في الوقت الثاني هي الحركة في الوقت الأول معادة.
[ ٣٧٣ ]
وقال قائلون: الأعراض كلها لا يجوز إعادتها.
وقال قائلون منهم الإسكافي: ما يبقى من الأعراض يجوز أن يعاد وما لا يبقى منها لا يجوز أن يعاد.
وقال قائلون: ما لا نعرف كيفيته كالألوان والطعوم والأراييح والقوة والسمع والبصر وما أشبه ذلك فجائز أن يعاد وما يعرف الخلق كيفيته كالحركات والسكون وما يتولد عنها كالتأليف والتفريق والأصوات وسائر ما يعرفون كيفيته فلا يجوز أن يعاد، وهذا قول أبي الهذيل.
وقال قائلون: ما يعرف الخلق كيفيته أو يقدرون على جنسه أو لا يجوز أن يبقى فليس بجائز أن يعاد وما كان غير ذلك من الأعراض فجائز أن يعاد، وهذا قول الجبائي وزعم أن ما يجوز أن يعاد فجائز عليه التقديم في الوجود والتأخير، وأن الحركات وما أشبه ذلك مما لا يجوز أن يعاد لو أعيد لكان يجوز عليه التقديم في الوجود والتأخير ولو جاز ذلك على الحركات لكان ما يقدر أن يفعل بعد عشرة أوقات يجوز أن يقدم قبل ذلك أو كان ما يقدر عليه أن يفعل في الوقت الثاني
[ ٣٧٤ ]
يجوز أن يفعل في الوقت العاشر معادًا، ولو كان ذلك جائزًا - وليس لما يقدر عليه البارئ من حركات الأجسام نهاية - لكان جائزًا أن يفعل ذلك في وقتنا هذا، ولو جاز ذلك لجاز أن يقدم الإنسان ما يقدر أن يفعله في أوقات لا تتناهى فيفعله في هذا الوقت ولو كان ذلك جائزًا لكان الإنسان لو لم يفعل ذلك في هذا الوقت لكان يفعل لها تروكًا لا كل لها وذلك فاسد فلما فسد ذلك فسد أن تعاد الحركات
وكان يعتل بهذا في وقت كان يزعم أن ترك كل شيء غير ترك غيره وأن تركًا واحدًا يكون لشيئين.
واختلف القائلون أن الأجسام تعاد في الآخرة هل الذي ابتدئ في الدنيا هو الذي يعاد في الآخرة أم لا:
فقال قائلون وهم أكثر المسلمين أن المبتدأ في الدنيا هو المعاد في الآخرة.
وقال عباد بن سليمان: لا أقول المعاد هو المبتدأ ولا أقول هو غيره، وكذلك كان يقول: لا أقول المتحرك هو الساكن ولا أقول هو غيره إذا تحرك الشيء ثم سكن، وكذلك كان يقول: لا أقول أن المحدث هو الذي لم يكن ولا أقول أن ما يوجد هو الذي يعدم.
[ ٣٧٥ ]
واختلف المتكلمون في الأضداد:
فقال أبو الهذيل: هو ما إذا لم يكن كان الشيء وإذا كان لم يكن الشيء، وزعم أن الأجسام لا تتضاد وأحال تضادها.
وقال قائلون: الضدان هما المتنافيان اللذان ينفي أحدهما الآخر، وأنكر أبو الهذيل هذا القول لأن الحرفين يتنافيان ولا يتضادان.
وقال النظام: الأعراض لا تتضاد والتضاد إنما هو بين الأجسام كالحرارة والبرودة والسواد والبياض والحلاوة والحموضة وهذه كلها أجسام متفاسدة يفسد بعضها بعضًا وكذلك كل جسمين متفاسدين فهما متضادان.
وقال قائلون: الضدان هما اللذان لا يجتمعان فمعنى أن الشيئين ضدان أنهما لا يجتمعان، وهذا قول عباد بن سليمان.
وزعم زاعمون أن الشيئين قد يتضادان في المكان الواحد كالحركة والسكون والقيام والقعود والحرارة والبرودة واجتماع الشيئين وافتراقهما، ويتضادان في الوقت كالفناء الذي لا يجوز وجوده مع المفنى في وقت واحد، ويتضادان في
الوصف كنحو إرادة القديم للشيء وكراهته له يتضاد الوصف له بهما، وأن معنى التضاد التنافي فإن كان الشيء مما يحل الأماكن فتضاد الشيئين في المكان الواحد تنافي
[ ٣٧٦ ]
وجودهما فيه وتضادهما في الوقت تنافي وجودهما فيه وتضادهما في الوصف تنافي الوصف للموصوف بهما.
وزعم زاعمون أن الضد هو الترك وأن ضد الشيء هو تركه.
واختلفوا هل يوصف البارئ بالترك أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: قد يوصف البارئ ﷿ بالترك، وفعله للحركة في الجسم تركه لفعل السكون فيه، وقال قائلون: لا يجوز أن يوصف البارئ بالترك على وجه من الوجوه.
واختلفوا هل يوصف البارئ بالقدرة على أن يقدر خلقه على الحياة والموت أم لا وعلى فعل الأجسام أم لا:
فقال قائلون: البارئ قادر أن يقدر عباده على فعل الأجسام والألوان والطعوم والأراييح وسائر الأفعال، وهذا قول أصحاب الغلو من الروافض.
وقال قائلون: لا يوصف البارئ بالقدرة على أن يقدر عباده على فعل الأجسام ولكنه قادر أن يقدرهم على فعل جميع الأعراض من الحياة والموت والعلم والقدرة وسائر أجناس الأعراض، وهذا قول الصالحي.
وقال قائلون: البارئ قادر أن يقدر عباده على الألوان والطعوم والأراييح والحرارة والبرودة
والرطوبة واليبوسة وقد أقدرهم على
[ ٣٧٧ ]
ذلك، فأما القدرة على الحياة والموت فليس يجوز أن يقدرهم على شيء من ذلك، وهذا قول بشر بن المعتمر.
وقال قائلون: لا عرض إلا والبارئ سبحانه جائز أن يقدر على ما هو من جنسه، ولا عرض عند هؤلاء إلا الحركة فأما الألوان والأراييح والحرارة والبرودة
والأصوات فإنهم أحالوا أن يقدر الله عباده عليها لأنها أجسام عندهم وليس بجائز أن يقدر الخلق إلا على الحركات، وهذا قول النظام.
وقال قائلون: جائز أن يقدر الله عباده على الحركات والسكون والأصوات والآلام وسائر ما يعرفون كيفيته، فأما الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها كالألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يوصف البارئ بالقدرة على أن يقدرهم على شيء من ذلك، وهذا قول أبي الهذيل.
واختلف المتكلمون في الترك للشيء والكف هل هو معنى غير التارك على أربعة أقاويل:
فقال قائلون بإثبات الترك وأنه معنى غير التارك وأنه كف النفس عن الشيء.
وقال قائلون بنفي الترك وأنه ليس بشيء إلا التارك وليس له ترك.
[ ٣٧٨ ]
وقال قائلون: ترك الإنسان للشيء معنى لا هو الإنسان ولا هو غيره.
وقال عباد بن سليمان: أقول أن ترك الإنسان غير الإنسان ولا أقول الترك غير التارك لأني إذا قلت: الإنسان تارك فقد أخبرت عنه وعن ترك.
واختلف المثبتون للترك هل ترك الشيء هو أخذ ضده أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: ترك كل شيء غير أخذ ضده وترك السكون هو الإقدام على الحركة، وقال قائلون: ترك الشيء هو أخذ ضده.
واختلفوا هل يكون الترك الواحد لمتروكين أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: الترك الواحد يكون لمتروكين ويخرج منهما وأن المتروكين يتركان بترك واحد، وهؤلاء الذين زعموا أن ترك كل شيء غير أخذ ضده.
وقال قائلون: ترك كل شيء فعل سوى ترك غيره كما أن الإقدام عليه سوى الإقدام على غيره وأكثر هؤلاء القائلين هم الذين يقولون أن ترك الشيء هو فعل ضده، وزعم بعض القائلين بهذا القول أنه قد يترك أفعالًا كثيرة بترك واحد.
[ ٣٧٩ ]
واختلفوا في الأفعال المتولدة هل يجوز أن يتركها الإنسان أم لا وهي كنحو الألم الحادث عن الضرب وذهاب الحجر الحادث عن دفعة الدافع على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز على الأفعال المتولدة الترك، وهذا قول عباد والجبائي.
وقال قائلون: قد يجوز أن تترك الأفعال المتولدة وأن الإنسان قد يترك الكثير من الأفعال في غيره بتركه لسببه.
واختلفوا فيه من وجه آخر وهو اختلافهم في الترك هل يترك الإنسان ما لا يخطر بباله أم لا:
فزعم بعض المتكلمين أنه قد يترك ما لم يخطر بباله.
وقال بعضهم: لست أكف إلا بعد داع إلى الكف ولا أقدم إلا بعد داع إلى الإقدام.
وقال بعضهم: من الإقدام ما يحتاج إلى خاطر وهو المباشر وكثير من المتولدات، وأكثر المتولدات يستغني عن الخاطر، ولكن قد أترك لا لخاطر يدعو إلى الترك، وزعموا أيضًا أنهم يتركون ما لا يعرفونه قط ولم يذكروه.
[ ٣٨٠ ]
وزعم بعضهم أن الإرادة لا تقع بخاطر ولا يدعو إليها داع.
واختلفوا في التروك هل هي أفعال القلب على مقالتين:
فزعم بعضهم أن التروك كلها من أفعال القلوب، وزعم بعضهم في الإقدام مثل ذلك، وزعم سائرهم أن الترك والإقدام يكونان بغير القلب كما يكونان بالقلب.
واختلفوا في الترك من وجه آخر:
فقال بعضهم: الإقدام يحتاج إلى إرادة والكف لا يحتاج إلى إرادة، وأبى ذلك أكثرهم، وزعمت جماعة منهم أن كثيرًا من الإقدام يستغني عن الإرادة وأبوا أن يكون الكف مستغنيًا عنها.
واختلفوا في الترك هل هو باق أم لا:
فقال بعضهم أن الترك لا يجوز عليه البقاء وقد يجوز البقاء على غير الترك من
الأعراض، وقال قائلون: الأعراض كلها لا تبقى لا الترك ولا غيره، وزعم بعضهم أنه قد يبقى وأن أكثر ما يقدم عليه كذلك.
واختلفوا فيه من وجه آخر:
فقال بعضهم: قد يجوز أن أفعل ما تركته بعد أن تركته، وقال بعضهم: هذا محال ممتنع.
[ ٣٨١ ]
واختلفوا فيه من وجه آخر:
فزعم بعضهم أنه قد يترك فعلين وأكثر من ذلك في حالة واحدة، وقال بعضهم: ليس يتهيأ في حال إلا ترك فعل واحد فقط.
واختلفوا فيه من وجه آخر:
فقال بعضهم: قد أترك الكون في المكان العاشر بترك متولد، وأبى هذا حذاقهم.
واختلف المتكلمون فيما يقع بالحواس من إدراك المحسوسات:
فقال بعضهم: إن كانت أسبابه من ذوي الحواس فهو له وإن كانت من الله سبحانه فهو له، وإن كانت من غير الله سبحانه وغير ذوي الحواس فهو له، وكل من ادعى فعله ممن ذكرنا فليس يفعله بزعمه إلا اختيارًا لجملة قولهم أنهم جعلوا الإدراك تابعًا لأسبابه.
وقال بعضهم: هو من ذوي الحواس وله إلا أنه ليس باختيار ولكنه فعل طباع، وتحقيق قول أصحاب الطبائع أن الإدراك فعل لمحله الذي هو قائم به، وهم أصحاب معمر.
وقال بعضهم: هو لله دون غيره بإيجاب خلقه للحواس وليس يجوز منه فعل إلا كذلك، وهذا قول إبراهيم النظام.
[ ٣٨٢ ]
وقال بعضهم: هو لله لطبيعة يحدثها في الحاسة مولدة له، وهذا قول محمد بن حرب الصيرفي وكثير من أهل الإثبات.
وقال بعضهم: هو لله يبتدئه ابتداء ويخترعه اختراعًا إن شاء أن يرفعه والبصر صحيح والفتح واقع والشخص محاذ والضياء متوسط وإن شاء أن يخلقه في الموات فعل، وهذا قول صالح قبة.
وقال قائلون: الإدراك فعل الله يخترعه ولا يجوز أن يفعله الإنسان ولا يجوز أن يكون البصر صحيحًا والضياء متصلًا ولا يفعل الله سبحانه الإدراك ولا يجوز أن يجعل الله سبحانه الإدراك مع العمى ولا يجوز أن يفعله مع الموت.
وقال ضرار: الإدراك كسب للعبد خلق لله.
وقال بعض البغداذيين: الإدراك فعل للعبد ومحال أن يكون فعلًا لله ﷿.
واختلف القائلون أن الإنسان قد يفعل الإدراك مختارًا له في سبب الإدراك:
فقال قائلون: سبب الإدراك متقدم له وللفتح وهو الإرادة الموجبة للفتح والفتح والإدراك يكونان معًا.
[ ٣٨٣ ]
وقال قائلون: الفتح سبب الإدراك وليس يقع إلا بعد فتح البصر وكذلك الإحراق يكون بعد مماسة النار للشيء.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون اعتماد الجفن الأعلى على الجفن الأسفل لارتفاع غيره وهو الذي يوجب الإدراك وليس يوجب الفتح قبله وليس يقع الفتح قبله.
وقالت طائفة أخرى غير هذه الطائفة: الفتح سببه ومعه يقع لا قبله ولا بعده.
واختلفوا كيف يدرك المدرك للشيء ببصره:
فقال قائلون: لا يدرك الندرك للشيء ببصره إلا أن يطفر البصر إلى المدرك فيداخله، وزعم صاحب هذا القول أن الإنسان لا يدرك المحسوس بحاسة إلا بالمداخلة والاتصال والمجاورة، وهذا قول النظام.
وحكى عنه زرقان أنه قال أن الأشياء تدرك على المداخلة الأصوات والألوان وزعم أن الإنسان لا يدرك الصوت إلا بأن يصاكه وينتقل إلى سمعه فيسمعه،
وكذلك قوله في المشموم والمذوق.
[ ٣٨٤ ]
وقال قائلون: لا يجوز على الحواس المداخلة والمجاورة والاتصال لأنها أعراض، وزعموا أن البصر محال أن يطفر وكذلك سائر الحواس ولكن الرائي لا يرى الشيء إلا بأن يتصل الضياء والشعاع بينه وبينه ولا يشم الشيء ولا يذوقه حتى تنتقل إلى ذائقه وشامه أجزاء يقوم بها الطعم والرائحة، وإذا سمع الشيء فمحال أن ينتقل سمعه إليه أو ينتقل إلى سمعه بل يتصل الضياء والشعاع بينه وبينه من غير أن يطفر إليه وبداخله وكذلك سمع الشيء من غير أن ينتقل إليه أو ينتقل سمعه إليه أو ينتقل إلى سمعه لأن المسموع عرض لا يجوز عليه الانتقال وكذلك شمه للرائحة وذوقه الطعم لا بأن ينتقل إليه الطعم والرائحة.
وقال قائلون: محال أن تدرك الأعراض بالاتصال أو تسمع بالآذان أو تشم أو تذاق أو تلمس لأنه لا يرى عنده إلا جسم ولا يسمع إلا جسم لأن الأصوات أجسام عنده قائل هذا القول، وكذلك لا يذاق ويشم ويلمس عند قائل هذا القول إلا جسم، والقائل بهذا القول النظام.
[ ٣٨٥ ]
وقال قائلون: لا يذاق ويرى ويشم ويلمس إلا جسم وقد يسمع ما ليس بجسم، والقائل بهذا القول بعض أهل النظر.
وقال قائلون: قد يجوز أن ترى الأعراض وتسمع وتشم وتذاق وتلمس.
واختلفوا في الإدراك من وجه آخر:
فقال بعضهم: محله القلب وهو علم بالمدرك وليس في الحدقة إلا انتصاب العين حيال المدرك إذا قابله بها الإنسان أو القلب إذا قابلها وسمى بعضهم هذا الفعل رؤية.
وقال بعضهم: بل الرؤية والإدراك واحد وفي العين يكون وهو غير العلم، وقالوا في إدراك سائر الحواس على هذا النحو.
وقال بعضهم: الإدراك يكون في بعض الحدقة وهي جنسه والعلم في القلب دون غيره، وقالوا في سائر الأجناس كقولهم في هذا.
واختلفوا في الإدراك هل يجوز أن يكون فعلًا للشيء الذي أدركه المدرك على مقالتين:
فقال أكثر المتكلمين: لا يجوز أن يكون الإدراك فعلًا للشيء الذي أدركه المدرك.
وقال قائلون: قد يكون الإدراك فعلًا للشيء الذي أدركه كالرجل يكون فاتحًا لبصره فيرد عليه الشيء فيراه فالرؤية فعل للوارد.
[ ٣٨٦ ]
ولبعض الناس في الإدراك قول ليس من جنس هذه الأقاويل وهو أنه زعم أن البصر قائم في الإنسان وإن كان مطبق الأجفان لأنه بصير وإن كان كذلك وإذا قابل الشخص بصره وارتفعت الموانع عنه وقع عليه ووقع العلم به في تلك الحال، والعلم عنده قد كان قبل ذلك مستورًا في القلب ممنوعًا من الوقوع بالمعلوم فلما زال مانعه وقع ولم يحدث لأنه قد كان قبل ذلك موجودًا كما وصفنا وكذلك قوله في البصر.
واختلف المتكلمون في المحال ما هو:
فقال قائلون: هو معنى تحت القول لا يمكن وجوده، ثم اختلف هؤلاء، فقال قائلون: هو اجتماع الضدين وكل مذكور لا يتهيأ كونه، وقال بعضهم: هو الضدان يجتمعان، وقال قوم سوى هؤلاء: هو القول المتناقض.
ثم اختلفوا في ماهية القول المتناقض:
فقال قوم: هو قولك فلان قائم قاعد وما كان في نجاره.
وقال بعضهم: ليس هذا هكذا لأن قاعدًا لإثبات كما أن قائمًا إثبات والإثباتان لا يتناقضان وإن فسدا أو فسد أحدهما وإنما يقع
[ ٣٨٧ ]
التناقض والتنافي في قولك فلان قائم لا قائم وليس بقائم وهو قائم لأن الثاني نفي لمعنى الأول.
وقال قوم آخرون: كل كلام لا معنى له فهو محال.
وقال قوم آخرون: كل قول أزيل عن منهاجه واتسق على غير سبيله وأحيل عن جهته وضم إليه ما يبطله ووصل به ما لا يتصل به مما يغيره ويفسده ويقصر به عن موقعه وإفهام معناه فهو محال، وذلك كقول القائل أتيتك غدًا وسآتيك أمس، وهذا قول ابن الراوندي.
واختلفوا في باب آخر من هذا الكلام:
فقال قائلون: المحال لا يكون كذبًا والكذب لا يكون محالًا، وقال قائلون: كل كذب محال وكل محال كذب، وقال قائلون: من الكذب ما ليس بمحال والمحال كله كذب، ومنهم من يقول: إذا قال العاجز فلم يحل ولكنه كذب إلا أن يكون قد وصفه بالقدرة على ما لا يجوز أن يقدر عليه، فإذا قال: الغائب حاضر فكذلك وإذا قال: القديم محدث فهذا محال لأنه هذا مما لا يجوز أن يكون وقد كان يمكن أن يكون العاجز قادرًا والغائب حاضرًا.
[ ٣٨٨ ]
واختلفوا في العلل على عشرة أقاويل:
فقال بعضهم: العلة علتان فعلة مع المعلول وعلة قبل المعلول فعلة الاضطرار مع المعلول وعلة الاختيار قبل المعلول، فعلة الاضطرار بمنزلة الضرب والألم إذا ضربت إنسانًا فألم فالألم مع الضرب وهو الاضطرار وكذلك إذا دفعت حجرًا فذهب فالدفع علة للذهاب والذهاب ضرورة وهي معه، وقالوا: الأمر علة الاختيار وهو قبله والعلة علة الفعل وهي قبله.
وقال بعضهم: علة كل شيء قبله ومحال أن تكون علة الشيء معه، وجعل قائل هذا القول نفسه على أنه إذا حمل شيئًا فعلمه بأنه حامل له بعد حمله يكون بلا فصل وعلى أن عداوة الله سبحانه للكافرين تكون بعد الكفر بلا فصل، وهذا قول بشر بن المعتمر والأول قول الإسكافي.
وقال بعضهم: العلة قبل المعلول حيث كانت والعلة علتان علة موجبة وهي قبل الموجب وهي التي إذا كانت لم يكن من فاعلها تصرف في معناها ولم يجز منه ترك لها أراده بعد وجودها، وعلة قبل معلولها وقد يكون معها التصرف والاختيار للشيء وخلافه وذلك لأني قد أقول:
[ ٣٨٩ ]
أطعت الله لأن الله أمرني أعني لأجل الأمر ورغبت في طاعة الله وآثرتها وقد تمكنني مخالفة الأمر وترك المأمور به قد كان ذلك من كثير من الخلق، ومثله قوله: إنما جئناك لأنك دعوتنا وجئتك لأنك أرسلت إلي.
وقال قائلون: العلة علتان علة قبل المعلول وهي متقدمة بوقت واحد وما جاز أن يتقدم الشيء أكثر من وقت واحد فليس بعلة له ولا يجوز أن يكون علة له، وعلة أخرى تكون مع معلولها كالضرب والألم وما أشبه ذلك، وهذا قول الجبائي.
وقال قائلون: العلة لا تكون إلا مع معلولها وما تقدم وجوده وجود الشيء فليس بعلة له، وزعم هؤلاء أن الاستطاعة علة للفعل وأنها لا تكون إلا معه.
واختلفوا فيما بينهم: فمنهم من زعم أن العجز يوجب الضرورة كما أن الاستطاعة توجب الاختيار، وهذا قول إبراهيم النجاري، ومنهم من زعم أن العجز لا يوجب الضرورة وإن كانت الاستطاعة توجب الاختيار، وقال بعض هؤلاء: في المدرك للشيء طبيعة تولد الإدراك، وأبى ذلك بعضهم.
وقال قائلون: العلة لا تكون إلا مع معلولها وأنكروا أن تكون الاستطاعة علة، وهذا قول عباد بن سليمان.
[ ٣٩٠ ]
وقال قائلون: العلل منها ما يتقدم المعلول كالإرادة الموجبة وما أشبه ذلك مما يتقدم المعلول وعلة يكون معلولها معها كحركة ساقي التي أبني عليها حركتي وعلة تكون بعد وهي الغرض كقول القائل: إنما بنيت هذه السقيفة لأستظل بها والاستظلال يكون فيما بعد، وهذا قول النظام.
واختلف الناس في المعلوم والمجهول:
فقال قائلون: الإنسان إذا علم شيئًا - قديمًا كان ذلك الشيء أو محدثًا - لم يجز أن يجهله في حال علمه على وجه من الوجوه.
وقال آخرون: كل ما علمه الإنسان فقد يجوز أن يجهله في حال علمه من وجه من الوجوه.
وقال آخرون: كل ما علمه الإنسان فقد يجوز أن يجهله في حال علمه من غير الوجه الذي علمه منه كالرجل الذي يعرف الحركة ولا يعلم أنها لا تبقى وأنها من فعل المختار وأنها تحدث في المكان الثاني وكالإنسان الذي يعرف الأجسام ويجهل أنها محدثة، قالوا: ومن المحال الممتنع أن يكون الإنسان عالمًا بأن الجسم موجود وهو يجهل أنه موجود أو يكون عالمًا بأن الحركة لا تبقى وهو جاهل بأنها لا تبقى، ولكن ليس بمحال أن يعلم الحركة موجودة من يجهل أنها محدثة في المكان
[ ٣٩١ ]
الثاني وأنها من فعل الله سبحانه أو مما أقدر عليه الحيوان، وهذا قول أبي الهذيل وبشر بن المعتمر.
وقال النجار وأصحابه: أما المحدثات فقد يجوز أن تجهل وتعلم من وجهين في حال واحد وأما القديم فلن يجوز أن يعرفه من يجهله على وجه من الوجوه، واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن للمحدثات أمثالًا ونظائر وأنها من جنس ونوع وجهات مختلفة كالبياض الذي هو نوع من أنواع الألوان وله أمثال ونظائر فقد يجوز أن يعرفه لونًا من لا يدري من أي أنواع الألوان هو، قالوا: وقد يجوز أن يعرفه بالخبر العام من لا يعرفه من جهة الحس والخبر الخاص، وقد يجوز أن يعرفه بالخبر من لا يعرفه من جهة الحس، والخبر العام هو قول النبي ﷺ: اعلموا لونًا قد حدث في يومنا هذا، والخبر الخاص هو قوله: اعلموا أن ذلك اللون بياض، وقد قال بهذا القول قوم غير النجار وأصحابه.
ثم اختلفوا في معرفته من جهة الحس:
فقال بعضهم: إذا رأى الملون بالبصر أبيض علم أن فيه بياضًا هو غيره والبياض لا يجوز عليه الحس بوجه من الوجوه.
[ ٣٩٢ ]
وقال بعضهم: بل قد يحس البياض والأبيض جميعًا في حال واحدة ومحال أن يرى أحدهما من لا يرى الآخر.
فأما الذين زعموا أن اللون هو الذي يرى دون الملون فإنهم أبوا المجهول والمعلوم وأنكروه إنكارًا شديدًا، وهذا قول النظام.
وزعم بعضهم أن الشيء لا يعلم بعلمين فيحال واحدة، قالوا: وما علم باضطرار فمحال أن يعرف باختيار وما عرف باختيار فمحال أن يعرف باضطرار.
وقال بعضهم: قد يجوز أن يعلم الشيء بعلمين في حال واحدة وقد يجوز أن يكون العلمان جميعًا اضطرارًا وقد يجوز أن يكونا اختيارًا، قالوا: فإن كان المعلوم جسمًا فقد يجوز أن يعلم بعلوم كثيرة بعضها اضطرارًا وبعضها اختيارًا وإن كان عرضًا فلن يعلم إلا باختيار ولكنه قد يجوز أن يعلم بعلوم كثيرة في حال، وهذا قول بشر بن المعتمر.
وزعم بعضهم أنه قد يعرف العرض باضطرار كما يعرف باختيار وأن العلمين جميعًا قد يجوز اجتماعهما في حال.
وزعم بعضهم أن القديم لا يعلم بعلم واحد ولكن بعلوم كثيرة ولا يجوز انفراد بعضها من بعض، وزعم صاحب هذه المقالة أنه لا يعرف
[ ٣٩٣ ]
الله سبحانه من يجهل أنه يعرف الأشياء قبل كونها وأن الأبصار لا تقع عليه وأن التحرك ليس بجائز عليه وأنه أحدث طعم الطبيخ والحلواء، هذا قول النظام، قال: وكل من علم أن الله أحدثه فهو يعلم أنه ليس بجسم وأن الأبصار لا تقع عليه وأنه خلق طعم البطيخ ورائحته فمن جهل شيئًا من ذلك فقد انسلخ من العلم بأن له محدثًا وأنه محدث
وأنه مربوب وأن له ربًا، وقد يجوز في زعمه أن يعرف الحركة من يجهل أنها لا تبقى وأن الإعادة لا تجوز عليها، وصاحب هذه المقالة قد قاس بعض ما بقي على من أنكر المعلوم والمجهول وأنكر بقي عليه وعليهم إكفار المتأولين جميعًا وتجهيلهم، وهذا قول أكثر البغداذيين.
وزعم بعض الذين أنكروا المعلوم والمجهول أنه قد يعرف الله سبحانه من لا يعرف أنه أحدث شيئًا ومن يعتقد أن الأجسام من فعل غيره وأنه يرى بالأبصار وأنه في مكان دون مكان، قالوا: من قبل أن الدليل الذي دل على أنه موجود هو الدليل الذي دل على أنه لا يرى بالأبصار وأنه بكل مكان والوجه الذي من قبله
[ ٣٩٤ ]
يعلم أنه موجود هو الذي من قبله يعلم أن الحيز لا يقع عليه والوجه الذي من قبله عرف أنه أحدث جسمًا واحدًا هو الوجه الذي من قبله يعرف أنه أحدث جميعها، وهذا قول البغداذيين.
وزعم الإسكافي أن الوجه الذي من قبله يعلم أن الله قادر على العدل هو الوجه الذي من قبله يعلم أنه قادر على الجور وأن الدليل الذي دل على ذلك واحد.
وزعموا جميعًا أن الدليل الذي دل على أنه خلق واحدًا من القوى وواحدًا من الألوان هو الدليل الذي دل على أنه خلق جميعها وأنه قد يجوز أن يعلم أن الله قادر على العدل من لا يعلم أنه قادر على الجور، وزعموا أيضًا أنه قد يجوز أن يعلم أن الله سبحانه خلق ألوان الزرنيخ من يجهل أنه خلق ألوان البطيخ والحلواء.
وزعم كثير منهم أنه لا يقدر على فعل الإيمان والكفر إلا محدث وأن الأبصار لا تقع إلا على محدث، ثم زعموا أنه قد يجوز أن يعرف الله سبحانه من يعتقد أنه يقدر على فعل الكفر والإيمان وإن كان لا يقدر عليهما إلا محدث ومحال أن يعرفه من يعتقد أن الأبصار تقع عليه من أجل أن الأبصار لا تقع إلا على محدث، قال: ومن زعم أن الله سبحانه يقدر أن يتحرك فهو لا يعرفه لأنه لا يقدر
على التحرك إلا
[ ٣٩٥ ]
محدث وقد يجوز أن يعرفه من يعتقد أنه يقدر على كلام الخلق وما توجبه أفعالهم وإن كان ذلك لا يقدر عليه إلا محدث.
وكان أبو الحسين الصالحي يزعم أن العلم بأن الجسم موجود يصير علمًا بأنه محدث إذا علم الإنسان محدث الجسم لا من أجل حدوث معنى غير العلم ولكن بحدوث العلم بالمحدث كالرجل لا يكون له أخ ثم يكون له أخ فيصير أخًا لحدوث أخيه لا لحدوث معنى فيه، وأن العلم بالله علم واحد والعلم بأنه موجود لا كالموجودين هو العلم بأنه شيء لا كالأشياء عالم لا كالعلماء حي لا كالأحياء قادر لا كالقادرين وأن معنى ذلك أنه شيء لا كالأشياء، وكان يزعم أن البارئ لا يعلم بعلمين وأنه لا يجوز أن يجهل البارئ من علمه من وجه من الوجوه في حال علمه به، وأجاز أن يكون شيء معلومًا مجهولًا من وجهين قديمًا كان أو محدثًا.
وزعم المنكرون للمعلوم والمجهول أن العلم بأن الجسم محدث علم بمحدثه وكذلك الجهل بأنه محدث جهل بمحدثه لا به.
وقال من جوز أن يكون الشيء معلومًا مجهولًا من وجهين:
العلم بأن الجسم محدث علم به والجهل بأنه محدث جهل به.
وذكر بعض أهل النظر أنه قد يجوز أن يعلم الشيء موجودًا
[ ٣٩٦ ]
من جهة من يجهله موجودًا من جهة أخرى كالرجل يعلم الشيء خبرًا ويجهله حسًا قول النبي وأما أهل النظر كلهم هذا ممن جوز المعلوم والمجهول وقال يجوز أن يعلم الشيء موجودًا من يجهله موجودًا ويعلمه محدثًا من يجهله محدثًا من وجه آخر فهذا ما لا يجوز.
واختلفوا هل يكون علم واحد بمعلومين أم لا:
فأنكر ذلك منكرون، وأجازه مجيزون، وقال بعض من أجاز علم واحد بمعلومين: يجوز أن يكون علم واحد بما لا كل له وهو كعلمنا أن معلومات الله لا كل لها
وهو علم الجملة.
ذكر اختلاف الناس في النفي والإثبات وفي الأمر هل يكون نهيًا على وجه من الوجوه وفي الإرادة هل تكون كراهة على وجه من الوجوه وفي الأخذ هل يكون تركًا.
اختلف الناس في النفي والإثبات وهل يكون المثبت منفيًا على مقالتين:
فقال قائلون: قد يثبت الشيء على وجه وينفى على غيره وذلك
[ ٣٩٧ ]
كالجسم يكون موجودًا ويكون غير متحرك فيثبته الإنسان موجودًا وينفيه أن يكون متحركًا فالنفي والإثبات واقعان عليه.
واختلف هؤلاء فيما بينهم: فمنهم من أجاز أن يكون الشيء معلومًا مجهولًا من وجهين، ومنهم من أنكر أن يكون معلومًا مجهولًا من وجهين مع إقراره بأنه يكون مثبتًا منفيًا من وجهين.
وقال قائلون: محال أن يكون المثبت منفيًا والمنفي مثبتًا على وجه من الوجوه لأن المثبت هو الكائن الثابت الغابر والمنفي هو الذي ليس بكائن ولا موجود فمحال أن يكون الشيء كائنًا لا كائنًا في وقت واحد، وزعموا أن إثبات الجسم متحركًا إثبات حركته وكذلك إثباته ساكنًا إثبات سكونه، والنفي لأن يكون متحركًا نفي لحركته والنفي لأن يكون ساكنًا نفي لسكونه، وكذلك إثبات العالم منا عالمًا والجاهل منا جاهلًا والفاعل فاعلًا، والنفي لأن يكون فاعلًا على هذا الترتيب.
واختلف هؤلاء فيما بينهم: فمنهم من أنكر أن يكون الشيء معلومًا مجهولًا من وجهين كما أنكر أن يكون مثبتًا منفيًا من وجهين، ومنهم من أجاز أن يكون مجهولًا معلومًا من وجهين مع إنكاره أن يكون مثبتًا منفيًا، وهو الجبائي ومن قال بقوله.
[ ٣٩٨ ]
واختلفوا في الأمر بأن يكون متحركًا والنهي عن أن يكون متحركًا على ثلاثة
أقاويل:
فقال قائلون: الأمر للإنسان بأن يكون متحركًا أمر بغيره وهو حركته، ومن هؤلاء من زعم أن إثباته متحركًا إثبات عينه مع قوله أن الأمر له بأن يكون متحركًا أمر بحركته.
وقال قائلون: الأمر له بأن يكون متحركًا أمر بنفسه أن تكون متحركة والنهي له عن أن يكون متحركًا نهي عن نفسه أن تكون متحركة لا عن غيره، وكذلك الأمر له بأن يكون فاعلًا، قال: ولا أقول: أمر بنفسه وأسكت لئلا يوهم أنه أمر بنفسه أن يكون موجودًا ولكني أقول: أمر بنفسه أن تكون متحركة.
وقال قائلون: لا أقول أن الإنسان أمر بأن يكون متحركًا على الحقيقة ولكن أقول: أمر في الحقيقة بالحركة، وكذلك قوله في السكون وفي سائر ما يقع الأمر به، وهذا قول بعض الحوادث.
واختلف الناس في الأمر بالشيء هل يكون نهيًا على وجه من الوجوه على مقالتين:
[ ٣٩٩ ]
فقال قائلون: الأمر بالشيء نهي عن تركه وكذلك الإرادة لكون الشيء كراهة لكون تركه ولأن لا يكون، ومنعوا أن يكون العلم بشيء جهلًا بغيره والقدرة على الشيء عجزًا عن تركه.
وقال قائلون: الأمر بالشيء غير النهي عن تركه وكذلك الإرادة للشيء غير الكراهة لتركه.
فأما اختلافهم في أخذ الشيء هل يكون تركًا لضده فقد ذكرناه عند ذكرنا اختلافهم في الترك.
واختلف المتكلمون في الأعراض هل هي عاجزة جاهلة وموات أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: هي جاهلة بمعنى أنها ليست بعالمة وهي عاجزة بمعنى أنها ليست بقادرة وهي موات بمعنى أنها ليست بحية، حكي ذلك عن العطوي، وأبى أكثر أهل الكلام أن يطلقوا ذلك فيها على وجه من الوجوه.
واختلف المتكلمون في باب التولد كنحو ذهاب الحجر الحادث
[ ٤٠٠ ]
عند دفعة الدافع له وكنحو انحداره الحادث عند طرحه وكنحو الألم الحادث عند الضرب وخروج الروح الحادث عند الوجبة والألوان الحادثة عند الضربة وما أشبهها من الأسباب والطعوم الحادثة والأراييح وما أشبه ذلك.
فقال قائلون: ما تولد عن فعلنا كنحو الأحر الحادث من البياض والحمرة وطعم الفالوذج عند جمع النشأ والسكر وإنضاجه وكنحو الرائحة الحادثة والألم الحادث عند الضرب واللذة الحادثة عند أكل الشيء وخروج الروح الحادث عند الوجبة وخروج النطفة الحادث عند الحركة وذهاب الحجر عند الدفعة وذهاب السهم عند الإرسال والإدراك الحادث إذا فتحنا أبصارنا كل ذلك فعلنا حادثعن الأسباب الواقعة منا، وكذلك انكسار اليد والرجل الحادث عند السقوط فعل من أتى بسببه وكذلك صحة اليد بالجبر وصحة الرجل بالجبر فعل الإنسان وكذلك زمانة الرجل إذا كسرها الإنسان أو أوهاها حتى تزمن، وكذلك إدراك جميع الحواس فعل الإنسان، وزعم قائل هذا القول أنه إذا ضرب الإنسان غيره فعلم بضربه فالعلم فعل الضارب وأنه قد يفعل
[ ٤٠١ ]
في غيره العلم، وإذا فتح بصره غيره بيده فأدرك فالإدراك زعم فعل فاتح البصر وكذلك إذا عمى الإنسان غيره فأعمى فعله في غيره، وزعم قائل هذا القول أن الإنسان يفعل في غيره بسبب يحدثه في نفسه ويفعل في نفسه أفعالًا متولدة وأفعالًا غير متولدة، وزعم قائل هذا القول أن الناس يفعلون لون الناطف وبياضه وحلاوة الفالوذج ورائحته والألم واللذة والصحة والزمانة والشهوة، وهذا قول بشر بن المعتمر رئيس البغداذيين من المعتزلة.
وقال أبو الهذيل ومن ذهب إلى قوله أن كل ما تولد عن فعله مما يعلم كيفيته فهو فعله وذلك كالألم الحادث عن الضرب وذهاب الحجر عند دفعه له وكذلك انحداره عند زجة الزاج به من يده وتصاعده عند رمية الرامي به صعدًا وكالصوت الحادث عند اصطكاك الشيئين وخروج الروح إن كانت الروح جسمًا أو بطلانها إن كانت عرضًا فذلك كله فعله، وزعم أنه قد يفعل في نفسه وفي غيره بسبب يحدثه في نفسه، فأما اللذة والألوان والطعوم والأراييح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والجبن والشجاعة والجوع والشبع والإدراك والعلم الحادث في غيره عند فعله فذلك أجمع عنده فعل الله سبحانه، وكان
[ ٤٠٢ ]
بشر بن المعتمر يجعل ذلك أجمع فعلًا للإنسان إذا كان سببه منه، وكان أبو الهذيل يزعم أن ذلك أجمع لا يتولد عن فعله ولا يعلم كيفيته وإنما فعله في نفسه الحركة والسكون والإرادة والعلم وما يعرف كيفيته وما يتولد عن الحركة والسكون في نفسه أو في غيره وما يتولد عن ضربه والاصطكاك الذي يفعله بين الشيئين، وكان يزعم أن الإنسان يفعل في غيره الأفعال بالأسباب التي يحدثها في نفسه وأن إنسانًا لو رمى إنسانًا بسهم ثم مات الرامي قبل وصول السهم إلى المرمي ثم وصل السهم إلى المرمي فآلمه وقتله أنه يحدث الألم والقتل الحادث بعد حال موته بالسبب الذي أحدثه وهو حي وكذلك لو عدم لكان يفعل في غيره وهو معدوم لسبب كان منه وهو حي، وليس يجوز عنده ولا عند بشر بن المعتمر أن يفعل الإنسان قوة ولا حياة ولا جسمًا.
وقال إبراهيم النظام: لا فعل للإنسان إلا الحركة وأنه لا يفعل الحركة إلا في نفسه وأن الصلاة والصيام والإرادات والكراهات والعلم والجهل والصدق والكذب وكلام الإنسان وسكوته وسائر أفعاله حركات وكذلك سكون الإنسان في المكان إنما معناه أنه كائن
[ ٤٠٣ ]
فيه وقتين أي تحرك فيه وقتين، وكان يزعم أن الألوان والطعوم
والأراييح والحرارات والبرودات والأصوات والآلام أجسام لطيفة ولا يجوز أن يفعل الإنسان الأجسام، واللذة أيضًا ليست من فعل الإنسان عنده، وكان يقول أن ما حدث في غيره حيز الإنسان فهو فعل الله سبحانه بإيجاب خلقه للشيء كذهاب الحجر عند دفعة الدافع وانحداره عند رمية الرامي به وتصاعده عند زجة الزاج به صعدًا وكذلك الإدراك من فعل الله سبحانه بإيجاب الخلقة ومعنى ذلك أن الله سبحانه طبع الحجر طبعًا إذا دفعه دافع أن يذهب وكذلك سائر الأشياء المتولدة.
وكان يقول فيما حكي عنه أن الله سبحانه خلق الأجسام ضربة واحدة وأن الجسم في كل وقت يخلق.
وكان يزعم أن الإنسان هو الروح وأنه يفعل في نفسه، واختلف عنه هل يفعل في ظرفه وهيكله فالحكاية الصحيحة عنه أنه يفعل في ظرفه، ومن الناس من يحكي عنه أنه يفعل في هيكله وظرفه.
وقال غيره من المتكلمين أن الإرادات والكراهات والعلم والجهل
[ ٤٠٤ ]
والصدق والكذب والكلام والسكوت غير الحركات والسكون، وهو أبو الهذيل.
وقال معمر: الإنسان لا يفعل في نفسه حركة ولا سكونًا وأنه يفعل في نفسه الإرادة والعلم والكراهة والنظر والتمثيل وأنه لا يفعل في غيره شيئًا وأنه جزء لا يتجزأ ومعنى لا ينقسم وأنه في هذا البدن على التدبير له لا على المماسة والحلول، وزعم أن المتولدات وما يحل في الأجسام من حركة وسكون ولون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة فهو فعل للجسم الذي حل فيه بطبعه وأن الموات يفعل الأعراض التي حلت فيه بطبعه وأن الحياة فعل الحي وكذلك القدرة فعل القادر وكذلك الموت فعل الميت، وزعم أن الله سبحانه لا يفعل عرضًا ولا يوصف بالقدرة على عرض ولا على حياة ولا على موت ولا على سمع ولا على بصر وأن السمع فعل السميع وكذلك البصر فعل البصير وكذلك الإدراك فعل
المدرك وكذلك الحس فعل الحساس وكذلك القرآن فعل الشيء الذي سمع منه إن كان ملكًا أو شجرة أو حجرًا وأنه لا كلام لله ﷿ في الحقيقة تعالى ربنا عن قوله علوًا كبيرًا، وزعم أن الله سبحانه إنما يفعل التلوين والإحياء والإماتة وليس ذلك أعراضًا لأن البارئ ﷿ إذا لون الجسم فلا يخلو
[ ٤٠٥ ]
أن يكون من شأنه أن يتلون أم لا فإن كان من شأنه أن يتلون فيجب أن يكون اللون بطبعه وإذا كان اللون بطبع الجسم فهو فعله ولا يجوز أن يكون بطبعه ما يكون تبعًا لغيره كما لا يجوز أن يكون كسب الشيء خلقًا لغيره وإن م يكن طبع الجسم أن يتلون جاز أن يلونه البارئ فلا يتلون.
وقال صالح قبة أن الإنسان لا يفعل إلا في نفسه وأن ما حدث عند فعله كذهاب الحجر عند الدفعة واحتراق الحطب عند مجامعة النار والألم عند الضربة فالله سبحانه الخالق له وكذلك المبتدئ له، وجائز أن يجامع الحجر الثقيل الجو الرقيق ألف عام فلا يخلق الله فيه هبوطًا ويخلق سكونًا، وجائز أن يجتمع النار والحطب أوقاتًا كثيرة ولا يخلق الله احتراقًا وأن توضع الجبال على الإنسان فلا يجد ثقلها، وأن يخلق سكون الحجر الصغير عند دفعة الدافع له ولا يخلق إذهابه ولو دفعه أهل الأرض جميعًا واعتمدوا عليه، وجائز أن يحرق الله سبحانه إنسانًا بال نار ولا يألم بل يخلق فيه اللذة، وجائز أن يضع الله سبحانه الإدراك مع العمى والعلم مع الموت، وكان يجوز أن يرفع الله سبحانه ثقل السموات والأرضين حتى يكون ذلك أجمع أخف من ريشة ولم ينقص ذلك
[ ٤٠٦ ]
من أجزائه شيئًا، وبلغني أنه قيل له: فما تنكر أن تكون في هذا الوقت بمكة جالسًا في قبة قد ضربت عليك وأنت لا تعلم ذلك لأن الله سبحانه لم يخلق فيك العلم به هذا وأنت صحيح سليم غير مأوف؟ قال: لا أنكر فلقب بقبة، وبلغني أنه قيل له في أمر الرؤيا إذا كان بالبصرة فرأى كأنه بالصين أنه قال: أكون في الصين إذا رأيت أني في الصين،
فقيل له: فلو ربطت رجلك برجل إنسان بالعراق فرأيت كأنك في الصين؟ قال: أكون في الصين وإن كانت رجلي مربوطة برجل الإنسان الذي بالعراق.
وقال ثمامة: لا فعل للإنسان إلا الإرادة وأن ما سواها حدث لا من محدث كنحو ذهاب الحجر عند الدفعة وما أشبه ذلك، وزعم أن ذلك يضاف إلى الإنسان على المجاز.
وقال الجاحظ: ما بعد الإرادة فهو للإنسان بطبعه وليس باختيار له وليس يقع منه فعل باختيار سوى الإرادة.
وقال ضرار وحفص الفرد: ما تولد من فعلهم مما يمكنهم
[ ٤٠٧ ]
الامتناع منه متى أرادوا فهو فعلهم وما سوى ذلك مما لا يقدرون على الامتناع منه متى أرادوا فليس بفعلهم ولا وجب لسبب وهو فعلهم.
وكان ضرار بن عمرو يزعم أن الإنسان يفعل في غير حيزه وأن ما تولد عن فعله في غيره من حركة أو سكون فهو كسب له خلق لله ﷿، وكل أهل الإثبات غير ضرار يقولون: لا فعل للإنسان في غيره ويحيلون ذلك.
واختلفت المعتزلة هل المقتول ميت أم لا:
فقال قائلون: كل مقتول ميت وكل نفس ذائقة الموت، وقال قائلون: المقتول ليس بميت.
واختلفوا في القتل أين يحل:
فقال قائلون: يحل في القاتل، وقال قائل: حل في المقتول.
واختلفت المعتزلة في المتولد ما هو:
فقال بعضهم: هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري، وقال بعضهم: هو الفعل الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري.
[ ٤٠٨ ]
وقال بعضهم: هو الفعل الثالث الذي يلي مرادي مثل الألم الذي يلي الضربة ومثل الذهاب الذي يلي الدفعة.
وقال الإسكافي: كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه والإرادة له فهو متولد وكل فعل لا يتهيأ إلا بقصد ويحتاج كل جزء منه إلى تجديد وعزم وقصد إليه وإرادة له فهو خارج من حد التولد داخل في حد المباشر.
واختلفوا في الشيء المتحرك إذا حركه اثنان:
فقال من نفى التولد: فيه حركة واحدة الله فاعلها إلا معمرًا فإنه يزعم أن الشيء المتحرك يفعله في نفسه.
وقال من أثبت التولد قولين: قال بعضهم: فيه حركة فعلها اثنان فهي حركة واحدة لفاعلين غيرين، وقال بعضهم: هي حركتان فعلان للمحركين للشيء المحرك.
واختلفوا هل يجوز أن يترك المتولد إذا ترك سببه أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: إنما يترك السبب فأما المسبب فمحال أن يكون الترك لسببه تركًا له، وهذا قول عباد والجبائي.
وقال قائلون: قد نترك المسبب بتركنا للسبب.
[ ٤٠٩ ]
واختلف مثبتو التولد هل يجوز أن يفعل الإنسان في غير علمًا أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز أن يفعل الإنسان في غيره علمًا ولا يجوز أن يفعل في نفسه إدراكًا ولا في غيره إدراكًا، وهذا قول أبي الهذيل والجبائي.
وقال قائلون: قد يجوز أن يفعل الإنسان في غيره علمًا وذلك أني إذا ضربت عبدي فعلمي بأني قد ضربته علم بالألم فعلمه بالألم فعلي كما أن الألم فعلي.
واختلفوا هل يفعل الإنسان في الشيء من غير أن يماسه أو يماس ما يماسه على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز أن يفعل الإنسان في شيء إلا بأن يماسه أو يماس ما
يماسه.
وقال قائلون: قد يجوز أن يفعل الإنسان فعلًا متولدًا في جسم من الأجسام من غير أن يماسه ولا يماس ما يماسه كنحو الإنسان الذي يهجم على الرجل الفاتح بصره فيكون إدراكه فعلًا للهاجم.
[ ٤١٠ ]
واختلفوا في المتولد إذا بعد من السبب هل يكون هو المسبب الأول كالإنسان يرمي نفسه في نار أضرمها غيره أو يطرح نفسه على حديدة نصبها غيره أو يعترض سهمًا قد رمى به غيره بطفل حتى يدخل فيه:
فقال كثير من المثبتين للتولد: الإحراق فعل لمن رمى بنفسه في النار والقتل لمن وقع على الحديدة المنصوبة والقتل فعل لمن اعترض السهم بالطفل، وعبر بعض هؤلاء عن دخول السهم في جسدالإنسان فقال: أنا حركة السهم في نفسه ففعل الرامي وأم الشق الحادث في الصبي ففعل من اعترض السهم به إلا أن يكون المعترض للسهم بالطفل أزال السهم عن جهته التي كانت يهذب فيها موضعه فذلك فعله، وإن لم يكن منه إلا نصب الصبي فحركة السهم فعل الرامي، قال: فإن نفذ السهم الصبي فأصاب شيئًا آخر كان الشيء الآخر قصته كقصة الصبي الذي اعترض السهم به من غير قصد الرامي فحكمه حكم واحد، وإن كان السهم نفذ وأصاب شيئًا قد كان في ذلك المكان قبل إرسال السهم فذلك فعل الرامي، وهذا قول الإسكافي.
وقال قائلون: ذلك فعل للرامي بالسهم والمضرم للنار والناصب للحديدة، وأفرط بعض هؤلاء في القول حتى زعموا أن إنسانًا لو هجم
[ ٤١١ ]
عليه إنسان وهو فاتح لبصره فأدركه أن الإدراك فعل للهاجم عليه دون الفاتح لبصره.
وقال قائلون: دخول السهم في جسد المعترض له فعل للرامي فأما الإحراق فهو فعل لمن زج نفسه في النار والقتل لمن رمى بنفسه على الحديدة المنصوبة.
واختلف مثبتو التولد من المعتزلة في الأسباب التي تكون عنها المسببات هل هي متقدمة لها أو موجودة مع وجودها:
فقال قائلون: السبب مع المسبب لا يجوز أن يتقدمه، وقال قائلون: السبب الذي يتولد عنه المسبب لا يكون إلا قبله، وقال قائلون: من الأسباب ما يكون مع مسبباتها المتولدة عنها ومنها ما يتقدم المسببات بوقت فأما ما كان قبل المسبب بوقتين فليس ذلك المسبب متولدًا عنه، وجوز بعضهم أن يتقدم السبب المسبب أكثر من وقت واحد.
واختلفوا في السبب هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين:
فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها،
[ ٤١٢ ]
وقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجبًا للمسبب وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده.
واختلفوا في التوجه مما يتولد من الفعل إذا حدث سببه ولما يقع المتولد:
فأوجب ذلك قوم ونفاه آخرون.
واختلفوا في توليد الحركة للسكون والطاعة للمعصية:
فنفى ذلك قوم وأن تولد الحركة سكونًا والسكون حركة وقالوا في المعصية أنها تولد ما ليس بطاعة ولا معصية ولا تولد الطاعة، هذا قول البغداذيين.
وحكي عن بشر بن المعتمر أنه جوز أن يولد الحركة سكونًا والسكون حركة والحركة حركة والسكون سكونًا.
وقال الجبائي: لا يجوز أن يولد السكون شيئًا والحركة قد تولد حركة وتولد سكونًا وزعم أن في الحجر إذا وقف في الجو حركات خفية تولد انحداره بعد ذلك وأن في القوس الموتر حركات خفيات تولد قطع الوتر إذا انقطع وفي الحائط حركات خفية يتولد عنها وقوعه
[ ٤١٣ ]
واختلفوا في الأفعال كلها سوى الإرادات هل يجوز أن
تقع متولدة وأجمعوا أن الإرادات لا تقع متولدة، واختلفوا فيما بعدها:
فقال قوم: قد يجوز أن تكون كلها متولدة، وقال قوم: المتولد منها ما حل في الفاعل وما فعل في نفسه فليس بمتولد، وقال قوم أن المتولد هو ما جاز أن يقع على طريق السهو والخطأ وما سوى ذلك فليس بمتولد، وقال قوم: قد تحدث في الإنسان أفعال غير الإرادة متولدة وأفعال غير متولدة.
واختلفوا في القديم هل يجوز أن يقع الفعل منه متولدًا عن سبب على مقالتين:
فقال قائلون: لا يقع الفعل من القديم على طريق التولد ولا يقع منه عن سبب ولا يقع منه إلا على طريق الاختراع، وقال قائلون: قد يفعل القديم على طريق التولد فأما الأجسام فلا تقع منه متولدة.
واختلفوا في الشيء المولد للفعل ما هو على مقالتين:
فقال قائلون: المولد للفعل المتولد هو الفاعل للسبب، وقال قائلون: المولد للفعل المتولد هو السبب دون الفاعل.
[ ٤١٤ ]
واختلفوا في القدرة على الفعل المتولد على مقالتين:
فقال أكثر أهل النظر: هو مقدور عليه ما لم يقع سببه فإذا وقع سببه خرج من أن يكون مقدورًا، وقال قائلون: هو مقدور مع وجود سببه.
واختلفت المعتزلة في الإرادة هل تكون موجبة لمرادها أم لا:
فقال أبو الهذيل وإبراهيم النظام ومعمر وجعفر بن حرب والإسكافي والآدمي والشحام وعيسى الصوفي: الإرادة التي يكون مرادها بعدها بلا فصل موجبة لمرادها، وزعم الإسكافي أنه قد تكون إرادة غير موجبة فإذا لم توجب وقع مرادها في الثالث.
وقال بشر بن المعتمر وهشام بن عمرو الفوطي وعباد بن سليمان وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الوهاب الجبائي: الإرادة لا تكون موجبة.
وأجاز أكثر الذين قالوا بالإرادة الموجبة أن يمنع الإنسان من مرادها وحكى الحسين بن محمد النجار أن قومًا ممن قاولا بالإرادة الموجبة قالوا: لن يجوز أن يمنعه الله من المراد وذلك أن الموت لا يكون إلا عن معاينة فإذا أراد أن يفعل الإنسان في أقرب الأوقات إليه لم يجز
[ ٤١٥ ]
أن يموت في ثانية لأنه لا يموت إلا بمعاينة وليس يجوز أن يريد في حال المعاينة أن يفعل في الثاني لأن حال المعاينة لا رجاء فيها لأن يبقى فيحدث الإرادة أن يفعل في الثاني، قال: ولم يجيزوا فناء الجوارح في الثاني إذا أحدث الإرادة في الحال الأول.
واختلفت المعتزلة في الإنسان في حال إرادته الموجبة هل يقدر على خلاف المراد أم لا على خمسة أقاويل:
فقال بعضهم أنه قد يقدر على خلاف المراد ولكنه لا يفعل إلا المراد وشبهوا ذلك بالفعل المعلوم من العبد أنه يكون وهو يقدر على خلافه ولا يكون إلا المعلوم لأنه لا يختار غيره وقالوا: ليس بمحال إذا أراد الإنسان أن يتحرك في الثاني أن يسكن في الثاني ولو سكن في الثاني لم يسكن إلا بإرادة متقدمة، فمثلوا بالمعلوم أنه لو كان ما علم أنه يكون مما لا يكون لم يكن العلم سابقًا بأنه يكون ولكان العلم سابقًا بأنه لا يكون.
وقال بعضهم أن المريد إذا أراد أن يتحرك في أقرب الأوقات إليه فهو قادر على الحركة وعلى السكون ولو سكن في الثاني كان يسكن بعد إرادة.
[ ٤١٦ ]
وقال بعضهم أن الإنسان إذا أحدث الإرادة لأن يتحرك إلى أقرب الأوقات إليه جاز أن يجيء الوقت الثاني فيكون ساكنًا فيه ولا يكون ذلك السكون فعلًا مكتسبًا ولا تركًا لتلك الحركة التي تقدمت إرادتها ولكن يكون تركًا للحركة في الوقت الثالث، ويجعلون السكون الذي يكون في الثاني سكون بنية كالإحراق الذي يكون من بنية النار، وزعم هؤلاء أن الأفعال التي تكون بالبنية ليست خلقًا لله ﷿،
وهذا قول معمر.
وقال بعضهم: إذا أحدث الإرادة الموجبة لأقل قليل الفعل وهو زعموا أقل من ألف جزء من كلمة وذلك أنهم قالوا أن الكلمة الواحدة تكون بإرادات كثيرة والخطوة الواحدة تكون بإرادات كثيرة وذلك أن الإنسان يريد إرادة اجتماع أن يزول إلى موضع فيأتي بجزء من الذهاب ثم يدع الإرادة فيقطع المراد فإن أدام المرادات أدام المراد، وقالوا: إنما نحيل قول القائل يقدر على خلاف المراد إذ كان قد جاء بعلته ولكنه يقدر على المراد لأن فيه قدرة في حال الإرادة لها يكون المراد.
[ ٤١٧ ]
وقال بعضهم: محال قول القائل يقدر عليه أو على خلافه لأنا فيه بمنزلة رجل أرسل نفسه من شاهق في الهواء فلا يقال أنه يقدر على الذهاب ولا على الكف عنه، وإن كانت فيه قدرة فهي لغير هذا الفعل الذي أوجبه بإدخاله نفسه في علته الموجبة له.
وأجمعت المعتزلة إلا الجبائي أن الإنسان يريد أن يفعل ويقصد إلى أن يفعل وأن إرادته لأن يفعل لا تكون مع مراده ولا تكون إلا متقدمة للمراد.
وزعم الجبائي أن الإنسان إنما يقصد الفعل في حال كونه وأن القصد لكون الفعل لا يتقدم الفعل وأن الإنسان لا يوصف بأنه في الحقيقة مريد أن يفعل، وزعم أن إرادة البارئ مع مراده.
وقال أبو الهذيل أن إرادة البارئ مع مراده ومحال أن تكون إرادة الإنسان لكون الفعل مع الفعل.
واختلف الذين أنكروا الإرادة الموجبة في الإرادة للفعل هل تجامع المراد أم لا على مقالتين:
فمنهم من زعم أن الإرادة وإن كانت غير موجبة فلا تكون إلا قبل المراد، وزعم الجبائي أن الإرادة التي هي قصد للفعل مع الفعل لا قبله.
[ ٤١٨ ]
واختلفت المعتزلة في الإرادة التي هي تقرب بالفعل هل تكون قبل الفعل أو مع الفعل على مقالتين:
فمنهم من زعم أنها قبل الفعل كما أن الإرادة لأن يفعل الفعل قبله، وقال الإسكافي: قد يجوز أن تكون مع الفعل.
واختلفت المعتزلة في إرادة العباد هل لها إرادة على مقالتين:
فقال بعضهم: لا يجوز أن تكون للإرادة إرادة لأنها أول الأفعال وأجاز الجبائي أن يريد الإنسان إرادته في بعض ما دار بيني وبينه من المناظرة.
واختلفوا هل تدعو النفس إلى الإرادة ويدعو إليها الخاطر على مقالتين:
فأجاز ذلك قوم وأباه آخرون.
واختلفوا في الإرادة هل هي مختارة أم اختيار ليست بمختارة على مقالتين:
فقال قوم: هي مختارة كما أنها اختيار ولم يجيزوا أن تكون مرادة كما أنها مختارة، وقال قائلون: هي اختيار وليست بمختارة.
[ ٤١٩ ]
واختلفوا في أفعال الله ﷿ هل هي كلها مختارة أم لا على أربعة أقاويل:
فقال قائلون: منها ما هو اختيار ومنها ما هو مختار.
وقال بعضهم: كلها مختارة لا باختيار غيرها بل هي اختيار كما كانت مرادة لا بإرادة غيرها، وهذا قول البغداذيين.
وقال قائلون: ما كان من أفعال الله له ترك كالأعراض فهو مختار وما لا ترك له كالأجسام فهو اختيار وليس بمختار.
وقال قائلون: ليس كل أفعال العباد مختارة بل منها ما لا يقال أنه مختار وجميعًا لا يقال له اختيار.
واختلفوا في الإيثار:
فقال قوم: الإيثار هو الاختيار والإرادة والمراد لا يكون إيثارًا ولا اختياراُ، وقال
قوم: الإيثار هو الإرادة والاختيار قد يكون إرادة وقد يكون مرادًا.
واختلفت المعتزلة في الثقل والخفة هل هما الشيء أو غيره:
فقال قائلون: الثقل هو الثقيل وكذلك الخفة هو الخفيف وإنما
[ ٤٢٠ ]
يكون الشيء أثقل بزيادة الأجزاء، وهذا قول جمهور المعتزلة وهو قول الجبائي.
وقال قائلون منهم الصالحي: الثقل غير الثقيل والخفة غير الخفيف.
واختلف هؤلاء فيما بينهم هل يجوز أن يرفع الله ثقل السموات والأرضين حتى تكون أخف من الريشة على مقالتين:
فجوز ذلك بعضهم وأنكره بعضهم.
وقال ضرار بن عمرو: ثقل الشيء بعضه وخفته بعضه.
واختلفوا في ظل الشيء هل هو الشيء أم غيره على مقالتين:
فقال قائلون: ظل الشيء غيره، وكان الجبائي يزعم أن الظل ليس بمعنى وإنما معنى الظل أن الشيء يستر لا أن الظل معنى.
واختلفوا في القتل ما هو:
فقال قائلون: القتل هو الحركة التي تكون من الضارب كنحو الموجبة والرمية وما أشبه ذلك التي يكون بعدها خروج الروح وأنها لا تسمى قتلًا ما لا تخرج الروح فإذا خرجت الروح سميت قتلًا، قالوا: وهذا كالحالف يحلف فيقول: إن قدم زيد فامرأتي طالق فإذا قدم زيد كان قوله الأول طلاقًا، وزعموا أن الانقتال حل
[ ٤٢١ ]
في المقتول وكذلك قاولا: ذبح وانذباح وشجة وانشجاج على مثل قوله القتل والانقتال وأن الشجة في الشجاج وكذلك الذبح في الذابح والانذباح في المذبوح والانشجاج في المنشج، والقائل بهذا إبراهيم النظام.
وقال قائلون: الحركة التي تخرج بعدها الروح عند الله قتل لأنه يعلم أن الروح بعدها تخرج وهي قتل في الحقيقة ولكن لا يعلم أنه قتل حتى تخرج، وأبى هذا
القول أصحاب القول الأول، وزعم الفريقان أن القتل قائم بالقاتل وأن المقتول مقتول بقتل في غيره.
وقال قائلون من المعتزلة: القتل هو خروج الروح عن سبب من الإنسان وخروج الروح لا عن سبب يكون من الإنسان موت وليس بقتل، وزعم هؤلاء أن القتل يحل في المقتول لا في القاتل.
وقال قائلون: القتل إبطال البنية وهو كل فعل لا تكون الحياة في الجسم إذا وجد كنحو قطع الرأس وفلق الحنجرة وكل فعل لا يكون الإنسان حيًا مع وجوده وهو يحل في المقتول.
وقال ابن الراوندي: فاعل القتل قاتل في حال فعله والمقتول
[ ٤٢٢ ]
مقتول في حال وقوع القتل به عند من عرف أن القاتل استعمل السيف بضرب ما يقع بعده خروج الروح، قال: وليس يكون الإنسان قاتلًا على الحقيقة إلا لمن خرج روحه مع ضربته لأنه يعلم حينئذ أنه هو الذي استفعله الخروج بضربته وأن الروح لم يكن ليخرج بهوى نفسه دون أن يضطره الضارب بالسيف ويكرهه ولا نعرف شيئًا حدث في وقت خروجه إلا الضربة والقضاء على الظاهر وكل ما جرت العادة في إحكام الأفعال والفاعلين، فأما من تأخر خروج روحه فليس الضارب قاتلًا له إلا بأن عرض روحه للخروج وسلط عليه ضدًا يخرجه ويغمره، قال: فإن قال لنا قائل: فمن القاتل له في الحقيقة؟ قلنا لهم: ليس بمقتول في الحقيقة فيكون له قاتل في الحقيقة وليس يضاف قتله إلا إلى الضارب ولكن الضد الذي دخل عليه هو الذي منعه من الحس وغمره وأخرج روحه عن جسده، قال: ولو قال قائل: الضد قتله كما يقتله السم لجاز ذلك له، وزعم أن الله سبحانه خص إخراجه لروح غيره بأن سماه موتًا، قال: ومما يجاب به أيضًا أن يقال: الضارب قاتل بالتعريض والضد قاتل على الحقيقة، ووصف ابن الراوندي في القتل فزعم
أنه ينفصل من آلة الضارب إلى جسد المضروب ضد للروح
[ ٤٢٣ ]
ولولا موضع ذلك الضد لم يقصد تلك الآلة فإذا حلت عليه جاهضته فأجهضها، فإن غلب الروح الضد فلا قتل وإن غلب الضد غمر وجاءت تلك الحال التي يعرف عندها أن الإنسان مقتول عند أهل التولد وعندنا، قال ابن الراوندي: وقد زعم أصحاب التولد أنه يحدث عن الضربة في بدنه شيء هو الألم والقتل قال: وذلك الحادث في قولهم منتقل عندنا إلا عمل الضد وعمل الروح فإنهما يحدثان منهما طباعًا.
واختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا على مقالتين:
فزعم بعضهم أن القتل يضاد الحياة، وقال قائلون: لا يضاد الحياة.
واختلف هؤلاء في الحياة على مقالتين:
فمنهم من يثبت الحياة عرضًا والموت عرضًا.
ومنهم من زعم أن القتل عرض يحل في القاتل والحياة جسم لطيف يحل في جسد المقتول وإنما يضاد الحياة الموت الذي هو جسم يمنعها من الحس الذي هو خاصتها فبهذا سمي موتًا وهو موت وميت كما أنها حياة وحي، وزعم أن الإماتة التي هي إدخال الله ﷿ الجسم المضاد لها عليها تكون وحسها قائم كما أن القتل الذي هو إدخال ذلك الجسم أيضًا عليها يكون وحسها قائم.
[ ٤٢٤ ]
واختلفوا في كلام الإنسان هل هو صوت أو ليس بصوت وهل الصوت جسم أو عرض:
فقال قائلون: كلام الإنسان صوت وهو عرض وقد يكون باللسان مسموعًا وفي القرطاس مكتوبًا وفي القلوب محفوظًا فهو حال في هذه الأماكن بالكتابة والحفظ والتلاوة.
وقال قائلون: كلام الإنسان ليس بصوت وهو عرض وكذلك الصوت عرض ولا يوجب إلا باللسان.
وقال قائلون: الصوت جسم لطيف وكلام الإنسان هو تقطيع الصوت وهو عرض، وهذا قول النظام.
وقال قائلون: هو معنى قائم بالنفس لا يحل في اللسان وهو عرض وهو غير الصوت.
واختلفوا في الكلام هل يوصف بأنه مؤلف أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: قد يوصف بذلك وهو مؤلف في الحقيقة.
وقال قائلون: لا يوصف بذلك ومن قال: هذا كلام مؤلف فإنما يقوله اتساعًا.
واختلفوا في الصوت كيف يسمع وهل يجوز عليه الانتقال أم لا:
فقال قائلون: الصوت ينتقل في الجو فيصاك الأسماع
[ ٤٢٥ ]
ويؤلمها ولا يسمع إلا باتصال السمع أو مداخلته إياه، وهذا قول النظام.
وقال قائلون: لا يجوز عليه الانتقال بل يسمع في مكانه الذي يحل فيه يسمعه ألف إنسان وأكثر.
وقال قائلون: لا يسمع الصوت إذا كان مكانه بائنًا عن سمع الإنسان وإنما يسمع الإنسان ما يوجد في سمعه، وقال هؤلاء في الصدى أن الإنسان إذا فتح فاه وقصد الصياح فدافع الجو فيحدث الصوت في المكان الذي يحله على طريق التولد.
وأبى ذلك آخرون وقالوا: الصوت موجود فيظهر ولا يحدث.
وقال قائلون أن الصوت لا يسمع وكذلك الكلام وإنما يسمع الجسم مصوتًا والجسم متكلمًا.
واختلفوا في الصوت هل يبقى أم لا على مقالتين:
فقال قوم أنه يبقى وقال قائلون أن الصوت لا يبقى، ومنهم من قال: من الصوت ما يبقى ومنه ما لا يبقى.
واختلفوا هل يكون صوت واحد في مكانين:
فأنكر ذلك منكرون وأجازه مجيزون.
[ ٤٢٦ ]
واختلفوا في الصوت هل هو جسم:
فقال النظام: هو جسم، وقال غيره: هو عرض، وقال قائلون: ليس بجوهر ولا عرض، وأنكر منكرون الصوت وقالوا: لا صوت في الدنيا وليس إلا المصوت.
واختلفوا هل يكون صوت لا لمصوت على مقالتين:
فمنهم من قال: لا يكون صوت إلا لمصوت، ومنهم من أجاز صوتًا لمصوت.
واختلفت المعتزلة إذا قال جماعة: يا زيد! فتكلم أحدهم بالياء والآخر بالألف والأخر بالزاي والآخر بالياء والآخر بالدال على مقالتين:
فقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: كل حرف من هذا كلمة يتكلم بها صاحبها وخبر يخبر به صاحبه فهو إخبار وكلمات.
وقال أحمد بن علي الشطوي المعروف بنوقة: ليس كل حرف من هذا كلمة وليس الجميع كلامًا ولا خبرًا ولا إخبارًا.
واختلفت المعتزلة في الخواطر:
فقال إبراهيم النظام: لا بد من خاطرين أحدهما يأمر بالإقدام
[ ٤٢٧ ]
والآخر يأمر بالكف ليصح الاختيار، وحكى عنه ابن الراوندي أنه كان يقول أن خاطر المعصية من الله إلا أنه وضعه للتعديل لا ليعصي، وحكى عنه أنه كان يقول أن الخاطرين جسمان وأظنه غلط في الحكاية الأخيرة عنه.
وقال بشر بن المعتمر: قد يستغني المختار في فعله وفيما يختاره عن الخاطرين، واحتج في ذلك بأول شيطان خلقه الله وأنه لم ينقل شيطان يخطر.
وقال قوم أن الأفعال التي من شأن النفس أن تفعلها وتجمعها وتميل إليها وتحبها فليس تحتاج إلى خاطر يدعوها إليها وأما الأفعال التي تكرهها وتنفر منها فإن الله ﷿ إذا أمر بها أحدث لها من الدواعي مقدار ما يوازي كراهتها لها ونفارها
منها وإن دعاه الشيطان إلى ما تميل إليه وتحبه زادها من الدواعي والترغيب ما يوازي داعي الشيطان ويمنعه من الغلبة، وإن أراد الله سبحانه أن يقع من النفس فعل ما تكرهه وينفر طباعها منه جعل الدواعي والترغيب والترهيب والتوفير يفضل ما عندها من الكراهة لذلك منه فتميل النفس إلى ما دعيت إليه ورغبت فيه طباعًا، وذكر ابن الراوندي أن هذا القول قوله.
[ ٤٢٨ ]
وقال أبو الهذيل وسائر المعتزلة: الخاطر الداعي إلى الطاعة من الله وخاطر المعصية من الشيطان وثبتوا الخواطر أعراضًا إلا أن أبا الهذيل يقول: قد تلزم الحجة المتفكر من غير خاطر وإبراهيم وجعفر يقولان: لا بد من خاطر.
فأنكر منكرون الخواطر وقالوا: لا خاطر.
واختلف الناس في العامة والنساء الذين على جملة الدين إذا خطر ببالهم التشبيه على مقالتين:
فقال قائلون: عليهم أن يتفكروا في ذلك ويتبعوا في ذلك حجة.
وقال قوم: ليس ذلك بواجب عليهم وقد يجوز أن يعرضوا عنه فلا يعتقدوا فيه شيئًا ولكن عليهم أن يعتقدوا إن كان ناقضًا للجملة التي هم عليها فهو باطل.
القول بطاعة لا يراد الله بها:
اختلفت المعتزلة في ذلك فزعم زاعمون منهم أنه لا يجوز أن يطيع الله من لم يرده بطاعة ولم يقترب إليه بها وأنكر أن يكون
[ ٤٢٩ ]
في الدهرية طاعة لله أو معرفة أمر، والقدرية يعيرون من خالفهم في القدر وأهل الحق يسمونهم قدرية ويسمونهم مجبرة وهم أولى بأن يكونوا قدرية من أهل الإثبات.
وقال قائلون منهم ممن أنكر القول بطاعة لا يراد الله بها: ليس في المشبهة معرفة بالله ولا يكونون مطيعين له ولكن في القدرية معرفة بالله إذا كانت موجودة وكذلك فيهم طاعة لله ﷿.
وقال قائلون ممن أنكر القول بطاعة لا يراد الله بها أن أفعال الجاهل بالله كلها جهل بالله وليس أحد من الجهال لله مطيعًا، وهذا قول عباد.
واختلفوا في عذاب القبر:
فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبته وهم أكثر أهل الإسلام، ومنهم من زعم أن الله ينعم الأرواح ويؤلمها فأما الأجساد التي في قبورهم فلا يصل ذلك إليها وهي في القبور.
واختلفوا هل يجوز أن يخلق العالم لا في مكان أو يوجد لا في مكان على مقالتين:
[ ٤٣٠ ]
فقال قائلون: كان جائزًا أن يخلق الله العالم لا في مكان ويوجده لا في مكان ويوجده لا في شيء، وأحال ذلك محيلون وقالوا: لا يجوز وجود العالم لا في مكان وخلقه لا في شيء.
واختلفوا هل يجوز أن يتحرك الجسم الموات إذا كان ساكنًا من غير دافع:
فأجاز ذلك مجيزون أن يكون البارئ يحركه من غير دافع، وأنكر ذلك منكرون وقالوا: لا يجوز أن يتحرك إلا أن يدفعه دافع، وهذا قول أصحاب الطبائع.
واختلفوا هل الحركة يمنة هي الحركة يسرة أم لا:
فقال قائلون: إنما يقدر الإنسان على سكون وحركة فإن فعل مع تلك الحركة كونًا يمنة فهي حركة يمنة وإن فعل معها كونًا يسرة فهي حركة يسرة: وهو قول أبي الهذيل.
وقال قائلون: الحركة يمنة غير الحركة يسرة.
واختلفوا هل تكون حركة أخف من حركة:
فأجاز ذلك مجيزون ومنعه آخرون.
[ ٤٣١ ]
واختلفوا في أفعال القلوب من الإرادات والكراهات والعلوم والنظر والفكر وما أشبه ذلك هل هي حركات أم لا:
فقال قائلون: كلها حركات، وقال قائلون: هي سكون كلها، وقال قائلون: ليست بحركات ولا سكون.
واختلفوا هل يجوز أن يخلق العلم بالألوان في قلب الأعمى أم لا:
فأجاز ذلك مجيزون وأنكره آخرون.
واختلفوا في كلام العباد هل يبقى أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: كلام العباد لا يبقى، وقال قائلون: الكلام قد يبقى، وهذا قول أبي الهذيل وغيره.
واختلفوا هل يفعل الكلام بغير اللسان:
فأجاز ذلك مجيزون وأنكره منكرون.
واختلفوا في الهواء هل هو معنى:
فقال قائلون: ليس بجسم، وقال قائلون: هو جسم رقيق.
واختلفوا هل يجوز رفعه من حيز الأجسام حتى لا يكون:
فأجاز ذلك مجيزون، وأنكره منكرون وقالوا: لو ارتفع ما بين الحائطين من الجو لالتقت الحيطان وتلاصقت.
[ ٤٣٢ ]
واختلفوا فيمن مد يده وراء العالم على مقالتين:
فقال قائلون: يمتد مع يده فهذا يكون مكانًا ليده لأن المتحرك لا يتحرك إلا في شيء، وقال قائلون: يمد يده وتتحرك لا في شيء.
واختلف الناس في الرؤيا على ستة أقاويل:
فزعم النظام ومن قال بقوله فيما حكى عنه زرقان أن الرؤيا خواطر مثل ما يخطر البصر وما أشبهها ببالك فتمثلها وقد رأيتها.
وقال معمر: الرؤيا من فعل الطبائع وليس من قبل الله.
وقالت السوفسطائية: سبيل ما يراه النائم في نومه كسبيل ما يراه اليقظان في
يقظته وكل ذلك على الخيلولة والحسبان.
وقال صالح قبة ومن قال بقوله: الرؤيا حق وما يراه النائم في نومه صحيح كما أن ما يراه اليقظان في يقظته صحيح فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بإفريقية وهو ببغداذ فقد اخترعه الله سبحانه بإفريقية في ذلك الوقت.
وقال بعض المعتزلة: الرؤيا على ثلاثة أنحاء منها ما هو من قبل الله كنحو ما يحذر الله سبحانه الإنسان في منامه من الشر ويرغبه في الخير
[ ٤٣٣ ]
ونحو منها من قبل الإنسان ونحو منها من قبل حديث النفس والفكر يفكر الإنسان في منامه فإذا انتبه فكر فيه فكأنه شيء قد رآه.
وقال أهل الحديث: الرؤيا الصادقة صحيحة وقد يكون من الرؤيا ما هو أضغاث.
واختلف الناس في الذي يراه الرائي في المرآة:
فقال قائلون: الذي يرى الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله، وهذا قول صالح.
وقال أبو الحسين الصالحي: لا مرئي إلا لون وأن الشعاع ينفصل من وجه الإنسان وله لون كلون الإنسان فيرى الإنسان لون الشعاع المنتقل من وجهه إذا اتصل بالمرآة ولونه كلون وجهه.
وقال السوفسطائية على أصل قولهم: إنما هو على الحسبان.
وقال قائلون: الإنسان إنما يرى وجهه بانعكاس الشعاع عليه من جهة المرآة.
وقال قائلون: الذي يراه الرائي في المرآة هو ظل الوجه.
وقال ضرار بن عمرو أن الإنسان يرى مثاله ومثال غيره.
واختلف الناس في الجن هل يدخلون في الناس على مقالتين:
فقال قائلون: محال أن يدخل الجن في الناس.
[ ٤٣٤ ]
وقال قائلون: يجوز أن يدخل الجن في الناس لأن أجسام الجن أجسام رقيقة فليس
بمستنكر أن يخلوا في جوف الإنسان من خروقه كما يدخل الماء والطعام في بطن الإنسان وهو أكثف من أجسام الجن وقد يكون الجنين في بطن أمه وهو أكثف جسمًا من الشيطان وليس بمستنكر أن يدخل الشيطان إلى جوف الإنسان.
واختلفوا هل المصروع يرى الشيطان أم لا على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: الجن لا يخبطون الناس ولا يستهلكونهم وإنما ذلك من جهة اختلاط الطبائع وغلبة بعض الأخلاط من المرة أو البلغم.
وقال قائلون: الشيطان يخبط الإنسان ويستهلكه ويراه الإنسان وما يسمع منه فهو كلام الشيطان.
وقال قائلون: بل يخبط الإنسان ويصرعه ويوسوسه ولا يراه الإنسان وليس الكلام المسموع في وقت الصرع والاختباط كلام الشيطان.
واختلفوا في شر وسواس الشيطان كيف يوسوس:
فقال قائلون: أنهم يوسوسون وقد يجوز أن يكون الله تعالى جعل الجو أداة لهم أو جعل لهم أداة ما غير الجو وذلك متصل بالقلب فيحرك
[ ٤٣٥ ]
الشيطان تلك الآلة من جهة بعض خروق الإنسان فيوصل الوسوسة إلى قلبه بتلك الآلة، مثال ذلك أنك تأخذ الرمح وبينك وبين الإنسان عشرة أذرع فتكلم فيه فيسمع الإنسان إذا كان الرمح مجوفًا وكان متصلًا بسمعه.
وقال قائلون: جسم الشيطان أرق من أجسامنا وكلامه أخفى من كلامنا فيجوز أن يصل إلى سمع الإنسان فيتكلم بكلامه الخفي فيكون ذلك هو وسوسته.
وقال قائلون: بل يدخل إلى قلب الإنسان بنفسه حتى يوسوس فيه.
واختلفوا هل يعلم الشيطان ما في القلوب أم لا على ثلاث مقالات:
فقال إبراهيم ومعمر وهشام ومن اتبعهم أن الشياطين يعلمون ما يحدث في القلوب وليس ذلك بعجيب لأن الله ﷿ قد جعل عليه دليلًا ومحال أن يدخل الشيطان
قلب الإنسان، ومثال ذلك أن تشير إلى الرجل: أقبل أو أدبر فيعلم ما تريد فكذلك إذا فعل فعلًا عرف الشيطان كيف ذلك الفعل فإذا حدث نفسه بالصدقة والبر عرف ذلك الشيطان بالدليل فنهى الإنسان عنه، هكذا حكى زرقان.
[ ٤٣٦ ]
قال: وقال آخرون من المعتزلة وغيرهم أن الشيطان لا يعرف ما في القلب فإذا حدث الإنسان نفسه بصدقة أو بشيء من أفعال البر نهاه الشيطان عن ذلك على الظن والتخمين، وقال قائلون أن الشيطان يدخل في قلب الإنسان فيعرف ما يريد بقلبه.
واختلفوا في الجن هل يخبرون الناس بشيء أو يخدمونهم على مقالتين:
فقال النظام وأكثر المعتزلة وأصحاب الكلام: لا يجوز ذلك لأن في ذلك فساد دلائل الأنبياء لأن من دلالتهم أن ينبئوا بما نأكل وندخر، وقال قائلون: جائز أن يخدم الجن الناس وأن يخبروهم ما لا يعلمون.
واختلفوا هل يطيق الشيطان على حمل ما يطيق البشر حمله:
فقال قائلون: جائز ذلك وأن يحمل الأشياء الكثيرة.
وأنكر ذلك منكرون وقالوا: في هذا بطلان دلائل الرسل، وهذا قول الجبائي.
واختلفوا هل يجوز أن ينقلب الشياطين عن صورها:
فأجاز ذلك قوم وأنكر آخرون.
[ ٤٣٧ ]
واختلفوا هل يجوز أن تظهر الأعلام على غير الأنبياء:
فقال قائلون: لا يجوز أن تظهر الأعلام المعجزات على غير الأنبياء.
وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الأيمة وينزل الملائكة عليهم، وهذا قول طوائف من الروافض، وقد أفرط بعضهم في القول حتى زعم أنه جائز أن ينسخوا الشرائع، وقد أفرط قوم من جنس هؤلاء من الخرمدينية حتى زعموا أن الرسل يأتون تترى بعد رسول الله ﷺ وأنهم لا ينقطعون.
وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الصالحين الذين لا يدعون النبوة ولا يجوز أن تظهر على المبطلين.
وقال قائلون: قد يجوز أن تظهر المعجزات على الكذابين الذين يدعون الإلهية ولا يجوز أن تظهر على الكذابين الذين يدعون النبوة قال: لأن من يدعي الإلهية ففي بنيته ما يكذبه في دعواه وليس من ادعى النبوة في بنيته ما يكذبه أنه نبي، فهذا قول حسين النجار.
وقد جوز قوم من الصوفية ظهور المعجزات على الصالحين وأن تأتيهم ثمار الجنة في الدنيا فيأكلونها ويواقعون الحور العين في الدنيا
[ ٤٣٨ ]
ويظهر لهم الملائكة ويظهر لهم الشياطين فيحاربونهم ولم يجوزوا رؤية الله في الدنيا، وزعموا أن هذه مواريث الأعمال.
وجوز آخرون كل ما حكيناه عن المتقدمين منهم وجوزوا أن يروا الله سبحانه في الدنيا وأن يباشروه ويجالسوه.
وقال قائلون: جائز أن تظهر المعجزات على الصالحين وأن تبلغ بهم مواريث الأعمال حتى تسقط عنهم العبادات وتكون الدنيا لهم مباحة وكل ما فيها ويسقط عنهم النهي ويحل لهم النساء وسائر الأشياء، وهذا قول أصحاب الإباحة وزعموا أن العبادة تبلغ بهم حتى لا يهموا بشيء إلا كان كما يريدون وإن أرادوا أن تحدث لهم دنانير حدثت وكل ما أرادوا من شيء لم يستعصب عليهم، وقد زعم بعضهم أن العبادة تبلغ بهم حتى يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين.
واختلف الناس هل الملائكة أفضل من الأنبياء:
فقال قائلون: الملائكة أفضل من الأنبياء.
وقال قائلون: الأنبياء أفضل من الملائكة والأيمة أفضل من الملائكة أيضًا، وهذا قول الروافض.
[ ٤٣٩ ]
وقال قوم من المتنسكين أنه جائز أن يكون في الناس غير الأنبياء والأيمة من هو أفضل من الملائكة.
واختلف الناس في الجن هل هم مكلفون أم مضطرون:
فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهيون قد أمروا ونهوا لأن الله ﷿ يقول: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض وأنهم مختارون، وزعم زاعمون أنهم مضطرون مأمورون، وكذلك اختلافهم في الملائكة وفي أنهم مأمورون أو مختارون على سبيل اختلافهم في الجن.
واختلفوا في الشياطين هل يرون في الدنيا أم لا:
فقال قوم: لا يجوز إلا أن يريهم الله سبحانه نبيًا أو يجعل رؤيتهم علمًا ودليلًا على نبوة نبي وقد يقدر الله سبحانه أن يري عباده الملائكة والشياطين من غير أن يقلب خلقهم وقد يرى الإنسان الملائكة في حال المعاينة.
وقال قائلون: لا يجوز أن يروا بحال إلا أن يقلب الله خلقهم ويخرجهم عما هم عليه.
[ ٤٤٠ ]
وقال قائلون: جائز أن يروا في الدنيا من غير أن يقلب الله خلقهم ومن غير أن يجعل ذلك دليلًا على نبوة نبي.
وذهب إلى إنكار الجن والشياطين ذاهبون وزعموا أنه ليس في الدنيا شيطان ولا جن غير الإنس الذين نراهم.
واختلفوا هل يجوز أن ينقلب الشياطين في صور الإنس أو في غير ذلك من الصور إذا أرادوا ذلك أم لا:
فقال قائلون: جائز أن ينقلبوا إلى أي صورة شاءوا من الصور فيكون الشيطان مرة في صورة إنسان ومرة في صورة حية.
وقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: ذلك غير جائز ولم يجعل الله سبحانه إليهم أن ينقلبوا متى أرادوا.
واختلف الناس هل إبليس من الملائكة أم لا:
فقال قائلون: هو منهم ولكنه أخرج عن جملتهم لما استكبر على الله ﷿، وقال قائلون: ليس هو من الملائكة.
واختلفوا هل الملائكة جن أم ليسوا بجن:
فقال قائلون: هم جن لاستتارهم عن الأبصار ومن هذا قيل للجنين أنه جنين، وقال قائلون: ليسوا بجن.
[ ٤٤١ ]
واختلفوا في السحر:
فقال المعتزلة وغيرهم من أهل الإسلام: السحر هو التمويه والاحتيال وليس يجوز أن يبلغ الساحر بسحره أن يقلب الأعيان ولا أن يحدث شيئًا لا يقدر غيره على إحداثه.
وقال قائلون: يجوز أن يقلب الساحر بسحره الإنسان حمارًا وأن تذهب المرأة إلى الهند في ليلة وترجع.
وقال قائلون: السحر ليس على قلب الأعيان ولكنه أخذ بالعيون كنحو ما يفعله الإنسان مما يتوهمه المتوهم على خلاف حقيقته.
واختلفوا في المكان:
فقال قائلون: مكان الشيء ما يقله ويعتمد عليه ويكون الشيء متمكنًا فيه.
وقال آخرون: مكان الشيء ما يماسه فإذا تماس الشيئان فكل واحد منهما مكان لصاحبه.
وقال قائلون: مكان الشيء ما يمنعه منالهوى معتمدًا كان الشيء عليه أو غير معتمد.
وقال قائلون: مكان الأشياء هو الجو وذلك أن الأشياء كلها فيه.
وقال قائلون: مكان الشيء هو ما يتناهى إليه الشيء، وإنما ذكرنا قول المنتحلين الإسلام في المكان دون غيرهم من الأوائل.
[ ٤٤٢ ]
واختلفوا في الوقت:
فقال قائلون: الوقت هو الفرق بين الأعمال وهو مدى ما بين عمل إلى عمل وأنه يحدث مع كل وقت فعل، وهذا قول أبي الهذيل.
وقال قائلون: الوقت هو ما توقته للشيء فإذا قلت: آتيك قدوم زيد فقد جعلت قدوم زيد وقتًا لمجيئك، وزعموا أن الأوقات هي حركات الفلك لأن الله ﷿ وقتها للأشياء، هذا قول الجبائي.
وقال قائلون: الوقت عرض ولا نقول ما هو ولا نقف على حقيقته.
واختلفوا هل يكون وقت لشيئين أم لا:
فأجاز ذلك مجيزون وأنكره منكرون.
واختلفوا هل يجوز وجود أشياء لا في أوقات:
فجوز ذلك مجيزون وأنكره منكرون، وهذا الذي حكينا في الوقت أقاويل المنتحلين للإسلام.
واختلفوا في الدنيا ما هي:
فقال قائلون: هي الهواء والجو، وهذا قول زهير الأثري.
وقال قائلون: قول القائل دنيا واقع على كل ما خلقه الله سبحانه من الجواهر والأعراض وجميع ما خلقه الله سبحانه قبل مجيء الآخرة وورودها.
[ ٤٤٣ ]
واختلف المتكلمون في الخبر ما هو:
فقال قائلون: كل ما وقع فيه الصدق والكذب، وهو مع هذا يشتمل على ضروب شتى منها النفي والإثبات والمدح والذم والتعجب، وليس منه الاستفهام والأمر
والنهي والأسف والتمني والمسألة لأنه ليس يقال لمن ينطق بشيء من ذلك صدقت ولا يقال له كذبت.
وقال قائلون: الخبر هو الكلام الذي يقتضي مخبرًا وإنما سمي خبرًا من أجل المخبر به فإذا لم يكن مخبر لم يسم الكلام خبرًا، وأبى هذا القائلون الذين حكينا قولهم آنفًا.
واختلفوا في الكلام ما هو:
فقال قائلون: الكلام هو ما لا يخرج من أن يكون أمرًا أو نهيًا أو خبرًا أو استخبارًا أو تمنيًا أو تعجبًا أو سؤالًا وهو بمخرج الأمر إلا أنه يسمى سؤالًا إذا كان لمن فوقك.
وقال قائلون: الكلام هو القول وقد يخرج من هذه الأقسام كلها لأنه أمر لعلة المأمور نهي لعلة المنهي خبر لعلة المخبر تمن لعلة المتمني وهو كلام وقول لا لعلة، وهذا قول ابن كلاب.
[ ٤٤٤ ]
واختلفوا في الصدق والكذب:
فقال بعضهم: الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو به والكذب الإخبار عنه بخلاف حقيقته بعلم وقع أم بغير علم.
وقال بعضهم: الصدق الخبر عن الشيء على ما هو به إذا كان معه علم الحقيقة.
ثم اختلفوا في الكذب:
فقالت جماعة منهم: الكذب هو الإخبار عنه بخلاف حقيقته، وزاد سائرهم في الكذب الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه بغير علم.
وقال بعضهم: الصدق ذو شروط شتى منها صحة الحقيقة ومنها العلم بها ومنها أمر الله به والكذب ذو شروط أيضًا منها علم الحقيقة والعلم باعتماد نفيها ومنها النهي من الله عنه فأما ما وقع بغير علم فهو خبر عاثر لا يسمى صدقًا ولا كذبًا.
واختلفوا هل يسمى الخبر صدقًا قبل وقوع مخبره أم لا على مقالتين:
فمنهم من سماه صدقًا قبل وقوع مخبره، ومنهم من امتنع من ذلك.
واختلفوا في الخاص والعام:
فزعم زاعمون أن الخبر قد يكون خاصًا كالخبر عن الواحد
[ ٤٤٥ ]
من النوع المذكور اسمه في الخبر أو بعضه فيكون عامًا والعام ما عم اثنين فصاعدًا، ويكون عامًا خاصًا وهو ما كان في اثنين من النوع المذكور اسمه في الخبر أو فيما هو أكثر من ذلك بعد أن يكون دون الكل، وهذا قول ابن الراوندي والمرجئة.
وقال قائلون: الخبر الخاص لا يكون عامًا والعام لا يكون خاصًا والخاص ما كان خبرًا عن الواحد والعام ما عم اثنين فصاعدًا، وهذا قول عباد بن سليمان وغيره.
واختلفوا في قول الله ﷿: افعلوا! هل يكون أمرًا من غير أن يقارنه نهي عن ترك ما قال افعلوه.
فقال قائلون: هو أمر لازم وإن لم يظهر النهي.
وقال آخرون: لا يكون أمرًا حتى يقارنه النهي عن ترك ما قال: افعلوه، وقول القائل: افعلوا! هو أمر لمن دونك وهو سؤال لمن هو فوقك.
واختلفوا في الإثبات والنفي ما هو:
فقال قائلون: النفي متصل بالإثبات في العقل لأنك لا تنفي شيئًا إلا وقد أثبته على وجه آخر كقولك: ليس زيد متحركًا أنت تثبت زيدًا
[ ٤٤٦ ]
غير متحرك وأنت نفيت أن يكون ساكنًا، وأحال قائل هذا أن ينفى إلا ما هو شيء ثابت كائن موجود.
وقال قائلون: النفي كل قول واعتقاد دل على عدم شيء أو كان خبرًا عن عدمه ولا يجوز أن يكون المثبت منفيًا على وجه من الوجوه وكذلك المنفي ليس بمثبت على وجه من الوجوه، وكذلك الإثبات كل قول واعتقاد دل على وجود شيء أو كان خبرًا عن وجوده، ثم زعم صاحب هذا القول أن الإثبات في الحقيقة هو ما به
كان الشيء ثابتًا والنفي ما كان الشيء به منتفيًا في الحقيقة، وهذا القول هو قول الجبائي.
وقال قائلون: المثبت قد يكون منفيًا على وجه والمنفي قد يكون مثبتًا على وجه كما تثبت زيدًا موجودًا وتنفيه متحركًا وليس بمستحيل أن ينتفي الشيء بأن لا يكون موجودًا ولا يكون ثابتًا.
واختلفوا هل يكون فعل للإنسان لا طاعة ولا معصية أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: لا فعل للإنسان البالغ إلا وهو لا يخلو من أن يكون طاعة أو معصية، وقال قائلون أن الأفعال منها طاعات ومنها معاص ومنها مباحات لم يأمر الله بها ليست بطاعة ولا معصية.
[ ٤٤٧ ]
واختلف الناس هل يقال لم يزل الله خالقًا:
فأجاز ذلك قوم ومنعه آخرون.
واختلف الذين منعوا من ذلك هل يقال لم يزل الخالق أم لا:
فقال قائلون: نقول لم يزل الخالق ولا نقول لم يزل خالقًا.
وقال آخر: يقال لم يزل الخالق واحدًا عالمًا وما أشبه ذلك ولا يقال لم يزل الخالق لأن القول لم يزل الخالق كالقول لم يزل خالقًا ونقول: الخالق لم يزل وخالق لم يزل، والقائل بهذا عباد بن سليمان.
واختلفوا في النبوة هل هي ثواب أو ابتداء:
فقال قائلون: هي ابتداء، وقال قائلون: هي جزاء على عمل الأنبياء، هذا قول عباد، وقال الجبائي: يجوز أن تكون ابتداء.
واختلفوا هل يجوز أن توجد في الإنسان قوة ولا يقال قوي:
فقال قائلون: إذا كانت القوة في بعض أجزائه فهو القوي ولا جائز أن يكون قوة ولا قوي.
وقال قائلون: إذا كانت القوة في بعض أجزائه لم نقل أن الإنسان
[ ٤٤٨ ]
قوي إلا أن تجامع القوة أمرًا أو نهيًا أو إباحة أو ترغيبًا أو إطلاقًا فالأمر والنهي والإباحة والترغيب للبالغين والإطلاق للأطفال والبهائم والهوام والمجانين وكل من كانت له قوة معها هذا فهو قوي، والقائل بهذا عباد بن سليمان.
القول في المقطوع والموصول:
زعم عباد أن أصل الموصول هو كل فعل من الفرض أو النفل لا يفعل بعضه ويترك بعضه تركًا لضد ذلك فإذا دخل فيه فاعله لم يدع منه ما يخرجه منه فكل ما كان من ذلك أو من جنس ذلك فهو يفعل إلى آخره فإذا دخل في أوله بلغ إلى آخره ولا يفعل بعضه ويدع بعضه ولا يفعل ثلثه ويدع ثلثيه فهذا أصل ذلك، وزعم أن رجلًا لو دخل عند نفسه في الظهر فلما صلى ركعتين نظر إلى طفل يغرق فقد فرض عليه أن يخلص الطفل ولا يصلي قال: وليس ما صلى طاعة وصلها ووصلها طاعة فيكون قد حرمت عليه الطاعات وذلك فاسد، وزعم أن إنسانًا لو أمسك في رمضان إلى نصف النهار ثم أكل أن إمساكه المتقدم طاعة لله لا صوم، وزعم أن من أحرم ثم غشي
[ ٤٤٩ ]
امرأته قبل انقضاء الحج أن إحرامه طاعة لله ووقوفه طاعة مفترضة وعليه أن يقف بعد ذلك في المواقيت إلى انقضاء وقت الحج وليس ما فعل من الحج طاعة وعليه الحج من قابل.
وقال أكثر أهل الكلام أن من صلى ركعتين من الظهر ثم رأى طفلًا إن لم يخلصه غرق أنه إذا قطع صلاته فخلصه أن ما مضى من صلاته طاعة لله ﷿ وقد أتى ببعض الصلاة، وكذلك القول فيمن أمسك عن الأكل بعض يوم أنه قد صام بعض يوم وأن صومه بعض اليوم طاعة لله وكذلك القول فيمن أتى ببعض الحج.
واختلفوا في الصلاة في الدار المغصوبة على مقالتين:
فقال أكثر أهل الكلام: صلاته ماضية وليس عليه إعادة.
وقال أبو شمر: عليه إعادة الصلاة لأنه إنما يؤديها إذا كانت طاعة لله وكونه في الدار واعتماده فيها وحركته وقيامه وقعوده فيها عصية ولا تكون صلاته مجزية معصية لله، وهذا قول الجبائي.
واختلفوا في الصلاة خلف الفاجر هل على فاعلها إعادة أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز صلاة الجمعة ولا شيء من الصلوات خلف
[ ٤٥٠ ]
الإمام الفاجر وعلى من فعل ذلك الإعادة، وهذا قول أكثر المعتزلة.
وقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: الصلاة جائزة خلف البار والفاجر وليس على من صلى خلف الفاجر إعادة.
واختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل:
فقالت المعتزلة والزيدية والخوارج وكثير من المرجئة: ذلك أوجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، واعتلوا بقول الله ﷿: وتعاونوا على البر والتقوى: وبقوله: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله واعتلوا بقول الله ﷿: لا ينال عهدي الظالمين.
وقالت الروافض بإبطال السيف ولو قتلت حتى يظهر الإمام فيأمر بذلك.
وقال أبو بكر الأصم ومن قال بقوله: السيف إذا اجتمع على إمام عادل يخرجون معه فيزيل أهل البغي.
وقال قائلون: السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية وأن الإمام قد يكون عادلًا ويكون غير عادل وليس لنا إزالته وإن
[ ٤٥١ ]
كان فاسقًا وأنكروا الخروج على السلطان ولم يروه، وهذا قول أصحاب الحديث.
واخلفوا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف بغير السيف:
فقال قائلون: تغير بقلبك فإن أمكنك فبلسانك فإن أمكنك فبيدك وأما السيف فلا يجوز، وقال قائلون: يجوز تغيير ذلك باللسان والقلب فأما باليد فلا.
واختلف الناس في الحكمين:
فقالت الخوارج: الحكمان كافران وكفر علي حين حكم، واعتلوا بقول الله ﷿: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقوله: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله قالوا: فأمر الله ﷿ وحكم بقتال أهل البغي وترك علي قتالهم لما حكم وكان تاركًا لحكم الله سبحانه مستوجبًا للكفر لقول الله ﷿: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.
واختلفت الخوارج في كفر علي والحكمين:
فمنهم من قال: هو كفر شرك وهم الأزارقة، ومنهم
[ ٤٥٢ ]
من قال: هو كفر نعمة وليس بكفر شرك وهم الإباضية.
وقالت الروافض: الحكمان مخطئان وعلي مصيب لأنه حكم للتقية لما خاف على نفسه.
وقال قائلون من الروافض: تحكيم علي لا على طريق التقية وهو صواب.
وقالت الزيدية وكثير من المرجئة وإبراهيم النظام وبشر بن المعتمر أن عليًا رضوان الله عليه كان مصيبًا في تحكيمه الحكمين وأنه إنما حكم لما خاف على عسكره الفساد وكان الأمر عنده واضحًا فنظر للمسلمين ليتألفهم وإنما أمرهما أن يحكما بكتاب الله ﷿ فخالفا فهما المخطئان وعلي مصيب.
ووقف واقفون في هذا وقالوا: نحن لا نتكلم فيه ونرد أمرهم إلى الله ﷿ فإن كان حقًا فالله أعلم به حقًا كان أو باطلًا.
وقال الأصم: إن كان تحكيمه ليحوز الأمر إلى نفسه فهو خطأ وإن كان ليتكاف الناس حتى يصطلحوا على إمام فهو صواب وقد أصاب أبو موسى حين خلعه حتى يجتمع الناس على إمام.
وقال قائلون بتصويب علي في تحكيمه وأنه اجتهد.
[ ٤٥٣ ]
وقال قائلون بتصويب الحكمين وتصويب علي ومعاوية وجعلوا أمرهم من باب الاجتهاد.
وزعم عباد بن سليمان أن عليًا رضوان الله عليه لم يحكم وأنكر التحكيم.
واختلفوا في إمامة عثمان وقتله:
فقال أهل الجماعة: كان أبو بكر وعمر إمامين وكان عثمان إمامًا إلى أن قتل رحمة الله عليه ورضوانه وقتله قاتلوه ظلمًا.
وقال قائلون: لم يكن إمامًا منذ يوم قام إلى أن قتل وهؤلاء هم الروافض وأنكروا إمامة أبي بكر وعمر.
وقال قائلون: كان مصيبًا في السنة الأولى من أيامه ثم أنه أحدث أحداثًا وجب بها خلعه وإكفاره، وهؤلاء هم الخوارج.
فمنهم من قال: كان كافرًا مشركًا، ومنهم من قال: كان كفر نعمة وثبتوا إمامة أبي بكر وعمر.
وقال قائلون: كان إمامًا إلى أن أحدث أحداثًا استحق بها أن يكون مخلوعًا وأنه فسق وبطلت إمامته، وهذا قول كثير من الزيدية وقد ذكرنا عند شرحنا قول الزيدية كيف قولهم في إمامة
[ ٤٥٤ ]
أبي بكر وعمر وأنه وقف في أمره واقفون ولم يقدموا عليه بتخطئة ولا بلعن.
وقال أبو الهذيل: لا ندري قتل عثمان ظالمًا أو مظلومًا.
واختلفوا في إمامة علي:
فقال قائلون: كان علي إمامًا في أيام أبي بكر وعمر وأن الأمر كان له بنص النبي ﷺ وأن الأمة ضلت حين بايعت غيره.
وقال قائلون: كان أبو بكر الإمام بعد النبي ﷺ ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأن الخلافة بعد النبوة ثلاثون سنة، وهذا قول أهل السنة والاستقامة.
واختلف هؤلاء في إمامة أبي بكر كيف كانت:
فقال قائلون: بأن وقف النبي ﷺ ونص على إمامته.
وقال قائلون: لا بل دل على إمامته بأمره أن يصلي بالناس وبقوله: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس وبقوله: افتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا: قد دل الله سبحانه على إمامة أبي بكر في كتابه بقوله:
[ ٤٥٥ ]
ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فجعل توبتهم مقرونة بدعوة الداعي لهم إلى قتال القوم وهم أهل اليمامة وأبو بكر دعاهم أو فارس فعمر دعاهم، وفي ثثبيت إمامة عمر ثثبيت إمامة أبي بكر.
وقال قائلون: كان أبو بكر إمامًا بعقد المسلمين له الإمامة وإجماعهم على إمامته وكان عمر إمامًا بنص أبي بكر على إمامته وكان عثمان إمامًا باتفاق أهل الشورى عليه وكان علي إمامًا بعقد أهل العقد له بالمدينة.
وقال قائلون: كان أبو بكر إمامًا ثم عمر ثم عثمان وأن عليًا لم يكن إمامًا لأنه لم يجتمع عليه وأن معاوية كان إمامًا بعد علي لأن المسلمين اجتمعوا على إمامته في ذلك الوقت، وهذا قول الأصم.
وقال قائلون بإمامة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأنكروا إمامة معاوية وقالوا: لم يكن إمامًا بحال.
واختلفوا في قتال علي وطلحة وفي قتال علي ومعاوية:
فقالت الروافض والزيدية وبعض المعتزلة إبراهيم النظام وبشر بن المعتمر وبعض المرجئة أن عليًا كان مصيبًا في حروبه وأن من قاتله كان على الخطأ فخطئوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية.
[ ٤٥٦ ]
وقال ضرار وأبو الهذيل ومعمر: نعلم أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ فنحن نتولى كل واحد من الفريقين على الانفراد وأنزلوا الفريقين منزلة المتلاعنين الذين
يعلمون أن أحدهما مخطئ ولا يعلمون المخطئ منهما، هذا قولهم في علي وطلحة والزبير وعائشة فأما معاوية فهم له مخطئون غير قائلين بإمامته.
وقال قائلون: سبيل علي وطلحة والزبير وعائشة في حربهم سبيل الاجتهاد وأنهم جميعًا كانوا مصيبين وكذلك قول هؤلاء في قتال معاوية وعلي، وهذا قول حسين الكرابيسي.
وقال بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد أن عليًا وطلحة والزبير مشركون منافقون وهم في الجنة لقول النبي ﷺ أن الله سبحانه اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وقالت الخوارج بتصويب علي في قتال طلحة والزبير ومعاوية.
وقال الأصم في قتال علي وطلحة والزبير: إن كان قاتلهما ليتكاف الناس حتى يصطلحوا على إمام فقتاله لهما على هذا الوجه صواب وكذلك قال في قتالهما إياه وقال: إن كان معاوية قاتل عليًا ليحوز الأمر إلى نفسه فهو ظالم وإن كان قاتل ليتكاف الناس حتى يصطلحوا
[ ٤٥٧ ]
على إمام فقتاله على هذا الوجه صواب وإن كان قتاله لئلا يسلم ما في يديه إليه لم يتفق على إمامته فقتاله على هذا الوجه صواب.
وقال قائلون: نزعم أن عليًا وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم وأن المصيبين هم القعود ونتولاهم جميعًا ونبرأ من حربهم ونرد أمرهم إلى الله.
وقال عباد: لم يكن بين طلحة والزبير وعلي قتال.
واختلفوا في التفضيل:
فقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.
وقال قائلون: نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت بعد ذلك.
وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ علي ثم بعده أبو بكر.
وأجمع من ثبت فضل أبي بكر وعمر أن أبا بكر أفضل من عمر، وأجمع من ثبت فضل عمر وعثمان أن عمر أفضل من عثمان.
وقال قائلون: لا ندري أبو بكر أفضل أم علي فإن كان أبو بكر
[ ٤٥٨ ]
أفضل فيجوز أن يكون عمر أفضل من علي ويجوز أن يكون علي أفضل من عمر وإن كان علي أفضل من عمر فهو أفضل من عثمان لأن عمر أفضل من عثمان وإن كان عمر أفضل من علي فيجوز أن يكون علي أفضل من عثمان ويجوز أن يكون عثمان أفضل من علي، وهذا قول الجبائي.
واختلفوا في الإمامة هل هي بنص أم قد تكون بغير نص:
فقال قائلون: لا تكون إلا بنص من الله سبحانه وتوقيف وكذلك كل إمام ينص على إمام بعده فهو بنص من الله سبحانه على ذلك وتوقيف عليه.
وقال قائلون: قد تكون بغير نص ولا توقيف بل بعقد أهل العقد.
واختلفوا هل يكون بعد علي إمام:
فقال أكثر الناس: قد يكون بعد علي إمام، وقال عباد بن سليمان: لا يجوز أن يكون بعد علي إمام واعتل بأنهم أجمعوا في عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنه جائز أن يكون إمام واختلفوا بعد علي هل يجوز أن يكون إمام أم لا فلو جاز أن يكون بعد علي إمام لم يختلفوا في أن يكون بعده إمام أو لا يكون كما لم يختلفوا في ذلك في عصره لأن الأمة لا تجتمع على شيء تختلف في مثله.
[ ٤٥٩ ]
واختلفوا في كم تنعقد الإمامة من رجل:
فقال قائلون: تنعقد برجل واحد من أهل العلم والمعرفة والستر.
وقال قائلون: لا تنعقد الإمامة بأقل من رجلين، وقال قائلون: لا تنعقد بأقل من أربعة يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بخمسة رجال يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بجماعة لا يجوز عليهم أن يتواطؤا على الكذب ولا تلحقهم الظنة، وقال الأصم: لا تنعقد إلا بإجماع المسلمين.
واختلفوا في وجوب الإمامة:
فقال الناس كلهم إلا الأصم: لا بد من إمام.
وقال الأصم: لو تكاف الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام.
واختلفوا هل يكون الإمام أكثر من واحد:
فقال قائلون: لا يكون في وقت واحد أكثر من إمام واحد.
وقال قائلون: يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد أحدهما صامت والآخر ناطق فإذا مات الناطق خلفه الصامت، وهذا قول
[ ٤٦٠ ]
الرافضة، وجوز بعضهم ثلاثة أيمة في وقت واحد أحدهم صامت، وأنكر أكثرهم ذلك.
واختلفوا هل يجوز أن يخلو الناس من إمام:
فقالت الروافض: لا تخلو الأرض من إمام، وقال غيرهم: قد يجوز أن تخلو الأرض من إمام حتى يعقد لواحد.
واختلفوا في إمامة المفضول على مقالتين:
فقالت الزيدية وكثير من المعتزلة: جائز أن يكون في رعية الإمام من هو أفضل منه وجوزوا أن يكون الإمام مفضولًا كما يكون الأمير مفضولًا في رعيته من هو خير منه.
وقال قائلون: لا يكون الإمام إلا أفضل الناس.
واختلفوا هل يجوز أن يكون الأيمة في غير قريش على مقالتين:
فقال قائلون من المعتزلة والخوارج: جائز أن يكون الأيمة في غير قريش، وقال
قائلون من المعتزلة وغيرهم: لا يجوز أن يكون الأيمة إلا من قريش.
[ ٤٦١ ]
واختلف الذين قالوا لا يكون الأيمة إلا من قريش في أي قريش تكون على مقاليتن:
فقالت الروافض: لا يكون الأيمة من قريش إلا في بني هاشم خاصة، وقال قائلون: قد يكون الأيمة من غيرها من قريش.
واختلف الذين قالوا لا يكون الأيمة إلا من بني هاشم في أي بني هاشم على مقالتين:
فقال قائلون: في العباس بن عبد المطلب وفي ولده لا تكون في غيرهم، وهم الراوندية، وقال قائلون: هي في علي وولده لا تكون في غيرهم.
واختلفوا إذا اجتمع قرشي وأعجمي وتساويا في الفضل أيهما أولى على مقالتين:
فقال ضرار بن عمرو: يولى الأعجمي لأنه أقلهما عشيرة، وقال سائر الناس: يولى القرشي فهو أولى بها.
واختلفوا في الإمام إذا مات ببلده فبايع من بحضرته رجلًا وبايع غيرهم آخر في وقته أو قبله:
[ ٤٦٢ ]
فقال قائلون: الإمام هو الذي عقد له في بلد الإمام دون غيره، وقال قائلون: هو الذي عقد له أولًا ببلد الإمام كان أم بغيره.
واختلفوا إذا بايع قوم إمامًا وبايع آخرون إمامًا آخر في وقت واحد:
فقال قائلون: يقرع بينهما فأيهما خرجت قرعته كان إمامًا دون الآخر، وقال آخرون: يقال لهما أن يعتزلا ثم يعقد لأحدهما أو لغيرهما، وقال آخرون: أيهما امتنع من أن يعتزل لم يكن إمامًا فإذا قيل له اعتزل فلم يعتزل لم يكن إمامًا وكان الإمام الذي يقال له اعتزل ولم يأب ذلك.
واختلفوا في الإمامة هل تتوارث:
فقال قائلون: هي وراثة، وقال آخرون: ليست بوراثة.
واختلفوا هل للإمام أن يوصي إلى غيره في جهة وجوب الإمامة:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا هل الدار دار إيمان أم لا:
فقال أكثر المعتزلة والمرجئة: الدار دار إيمان.
وقالت الخوارج من الأزارقة والصفرية: هي دار كفر وشرك.
وقالت الزيدية: هي دار كفر نعمة.
[ ٤٦٣ ]
وقال جعفر بن مبشر ومن وافقه: هي دار فسق.
وقال الجبائي: كل دار لا يمكن فيها أحدًا أن يقيم بها أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر أو بإظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار كفر وكل دار أمكن القيام بها والاجتياز بها من غير إظهار ضرب من الكفر أو إظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار إيمان، وبغداذ على قياس الجبائي دار كفر لا يمكن المقام بها عنده إلا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر أو الرضى كنحو القول أن القرآن غير مخلوق وأن الله سبحانه لم يزل متكلمًا به وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها لأن هذا كله عنده كفر، وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله وفي سائر أمصار المسلمين، وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر ومعاذ الله من ذلك.
وقال بعضهم: الدار دار هدنة ولم يقولوا أنها دار إيمان ولا قالوا أنها دار كفر، وهذا قول بعض الروافض.
واختلفوا في أحكام الجائر على مقالتين:
فقال قائلون: هي جائزة لازمة إذا كانت على الحق وإن كان جائرًا.
وقال قائلون: لا تلزم أحكامه ولا يلتفت إليها.
[ ٤٦٤ ]
واختلفوا في الإمام إذا أخطأ في الحكم على مقالتين:
فقال قائلون: يمضي حكمه، وقال قائلون: لا بل يرجع عنه ويرد إلى الصواب.
واختلفوا في قتال البغاة على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: لا يتبع من يولى منهم ولا يغنم أموالهم ولا يجاز على جرحاهم، وقال قائلون: بل يتبع من ولي منهم ويجاز على جرحاهم ويغنم أموالهم، وقال قائلون: يغنم ما حوى عسكرهم وما لم يكن في عسكرهم من أموالهم لم يغنم.
واختلفوا في دفن البغاة وتكفينهم والصلاة عليهم وسبي ذراريهم:
فقال قائلون: يدفن قتلاهم ويكفنون ويصلى عليهم ولا تسبى ذراريهم، وقال قائلون: لا يدفنون ولا يصلى عليهم ولا يكفنون وتسبى ذراريهم، وهذا قول الخوارج وغيرهم.
واختلفوا في قتل البغاة غيلة:
فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من لم يجز الغيلة، وكان في المعتزلة رجل يقال له عباد بن سليمان يرى قتل الغيلة في مخالفيه إذا لم يخف شيئًا، وقد ذهب إلى هذا قوم من الخوارج وقوم من غلاة الروافض
[ ٤٦٥ ]
حتى استحلوا خنق المخالفين لهم وأخذ أموالهم وإقامة شهادة الزور عليهم واستباحوا الزنا بنساء مخالفيهم.
واختلفوا في المقدار الذي يجوز إذا بلغوا إليه أن يخرجوا على السلطان ويقاتلوا المسلمين:
فقالت المعتزلة: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا عقدنا للإمام ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد وفي قولنا في القدر وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه.
وقال قائلون من الزيدية: أقل المقدار الذي يجوز لهم الخروج أن يكونوا كعدة أهل
بدر فيعقدون الإمامة للإمام ثم يخرجون معه على السلطان.
وقال قائلون: أي عدد اجتمع عقدوا للإمام ونهضوا إذا كان من أهل الخير ذلك واجب عليهم.
وقال قائلون: إذا كان مقدار أهل الحق كمقدار أهل البغي لزمهم قتالهم لقول الله تعالى: الآن خفف الله عنكم.
[ ٤٦٦ ]
واختلفوا هل يكون الظهور إلا مع إمام وهل يكون قطع السارق وأخذ القود وإنفاذ الأحكام إلا بإمام:
فقال عباد بن سليمان: لا يجوز أن يكون بعد علي إمام وأن المسلمين إذا أمكنهم الخروج خرجوا فأنفذوا الأحكام وقطعوا السراق وأقادوا وفعلوا ما كان يلزم الأيمة فعله.
وقال الأصم وابن علية: إذا كانوا جماعة لا يجوز على مثلهم أن يتواطئوا ولم تلحقهم ظنة ولا تهمة لكثرتهم جاز لهم أن يقيموا الأحكام.
وقال قائلون وهم أكثر المعتزلة: لا يكون الخروج إلا مع إمام عادل ولا يتولى إنفاذ الأحكام وقطع السارق والقود إلا الإمام العادل أو من يأمر الإمام العادل لا يجوز غير ذلك.
وقالت الروافض: لا يجوز شيء من ذلك إلا للإمام أو من يأمره.
واختلفوا في المكاسب هل هي جائزة أم لا:
فقال قائلون بتحريم المكاسب والتجارات وقالوا: لا يجوز بيع ولا شرىً حتى يظهر الإمام على الدار ويقسمها لأن الأشياء التي فيها لا ملك للناس عليها لفسادها ولكون الغصب والظلم فيها، وهم يرون أن يسألوا الناس ما يكفيهم لقوتهم وما فضل عن ذلك لم يروا أخذه
[ ٤٦٧ ]
وليس يسألون الناس على أن الناس يملكون شيئًا عندهم ولكنهم إذا نظروا إلى أنفسهم تتلف سألوا الناس شيئًا وأقاموا ما يأخذونه
مقام الميتة للمضطر، وهذا قول طوائف من المعتزلة وهو مذهب قوم تكاسلوا عن التجارات، وقد جرى مجراهم قوم من أهل لتوكل وتركوا الأعمال وتكاسلوا عنها وقالوا: إذا توكلنا حقيقة التوكل جاءتنا أرزاقنا واستغنينا عن الاضطراب.
فقال أكثر الناس أن المكاسب من وجهها جائزة والبيع والشرى جائز إلا فيما عرفناه حرامًا بعينه فأما ما لم نعرفه حرامًا ورأيناه في أيدي قوم جائز لنا أن نشتري منهم وجائز لنا البيع والتجارة والأشياء على ظاهرها والدار دار إيمان لا يحرم فيها شيء إلا ما عرفناه حرامًا.
واختلف الناس في مبايعة القاطع الباغي:
فقال قوم: يجوز أن نبايعه ونشتري منه إلا ما كان من آلات الحرب، وقال قوم: لا يجوز لنا مبايعته ولا الشرى إلا أن يرجع عن الفتة حتى نلجئه بذلك إلى ترك البغي.
واختلفوا فيمن اشترى جارية بمال حرام بعينه:
فقال قائلون: إذا اشترى بذلك المال الحرام بعينه كان البيع منتقضًا لا يجوز ولكن إذا اشترى لا بذلك المال بعينه كان البيع منعقدًا وكان
[ ٤٦٨ ]
المال في ذمة المشتري، وقال قائلون: جائز البيع والشرى وإن كان اشترى بعين ذلك المال.
واختلفوا فيمن حج أو قضى فرضًا من مال حرام:
فقال قائلون: لا يكون مؤديًا للحج ولا للفرض إذا كان المال الذي حج به حرامًا، وقال قائلون: حجه ماض وكذلك الفرض الذي قضاه والمال في ذمته.
واختلفوا إذا ذبح بسكين مغتصبة:
فقال قائلون: لا تكون الذبحية ذكية، وقال قائلون: هي ذكية.
واختلفوا في الطلاق لغير العدة:
فقال أكثر الناس: عصى ربه وبانت منه امرأته وكذلك إذا طلقها ثلاثًا فقد لحقها
الطلاق ثلاثًا.
وقال قائلون: لا يقع الطلاق لغير العدة وليس طلاق الثلاث شيئًا ولا يقع الطلاق حتى يطلقها واحدة للعدة وهي طاهر من غير جماع ويشهد على ذلك شاهدين ولا يكون غضبانًا ويكون قاصدًا إلى الطلاق راضيًا به، وقال قائلون: إذا طلقها ثلاثًا كانت واحدة.
[ ٤٦٩ ]
واختلفوا في المسح على الخفين:
فقال أكثر أهل الإسلام بالمسح على الخفين، وأنكر المسيح على الخفين الروافض والخوارج.
واختلفوا في الفرائض هل فرضت لعلل أو لا لعلل:
فقال قائلون: فرض الله الفرائض وشرع الشرائع لا لعلة وإنما يكون الشيء محرمًا بتحريم الله إياه محللًا بتحليله له مطلقًا بإطلاقه له لا لعلة غير ذلك وأنكر هؤلاء القياس في الأحكام.
وقال قائلون: إن الله سبحانه حرم أشياء عبادات وحرم أشياء لعلل يجب عليها وأنه لا قياس يقاس إلا على أصل معلول فيه علة يجب أن تطرد في الفرع.
وقال قائلون: الأشياء حرمها الله سبحانه وأحلها لعلة المصحة لا غير ذلك وإنما يقع القياس إذا اشتبه شيئان في معنى قيس أحدهما على الآخر لاشتباههما في ذلك المعنى.
واختلفوا في التقية:
فزعمت الروافض أنه جائز أن يظهر الإمام الكفر والرضى به والفسق على طريق التقية وجوزوا ذلك على الرسول ﵇،
[ ٤٧٠ ]
وقال قائلون: لا يجوز ذلك على الرسول ﵇ ولا يجوز أيضًا على الإمام.
واختلفوا في إمامة يزيد:
فقال قائلون: كان إمامًا بإجماع المسلمين على إمامته وبيعتهم له غير أن الحسين أنكر عليه أشياء مثلها ينكر، وقال قائلون بإمامته وتخطئة الحسين في إنكاره عليه، وقال قائلون: لم يكن إمامًا على وجه من الوجوه.
واختلفوا في ول النبي ﷺ عشرة في الجنة:
فقال قائلون بإنكار هذا الخبر وإبطاله وهم الروافض.
وقال قائلون: هو فيهم على شريطة إن لم يتغيروا عما كانوا عليه حتى يموتوا وإن ماتوا على الإيمان.
وقال قائلون وهم أهل السنة والجماعة: هو في العشرة وهم في الجنة لا محالة.
واختلف الناس في المعارف والعلوم هل هي العالم منا أو غيره:
فقال قائلون: معارفنا وعلومنا غيرنا، وقال قائلون بنفي العلوم
[ ٤٧١ ]
والمعارف وقالوا: ليس إلا العالم العارف، وقال قائلون: صفات العالم منا لا هو ولا غيره.
واختلفوا في الصراط:
فقال قائلون: هو الطريق إلى الجنة وإلى النار ووصفوه فقالوا: هو أدق من الشعر وأحد من السيف ينجي الله عليه من يشاء.
وقال قائلون: هو الطريق وليس كما وصفوه بأنه أحد من السيف وأدق من الشعر ولو كان كذلك لاستحال المشي عليه.
واختلفوا في الميزان:
فقال أهل الحق: له لسان وكفتان توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات فمن رجحت حسناته دخل الجنة ومن رجحت سيئاته دخل النار ومن تساوت حسناته وسيئاته تفضل الله عليه فأدخله الجنة.
وقال أهل البدع بإبطال الميزان وقالوا: موازين وليس بمعنى كفات وألسن ولكنها المجازاة يجازيهم الله بأعمالهم وزنًا بوزن، وأنكروا الميزان وقالوا: يستحيل وزن
الأعراض لأن الأعراض لا ثقل لها ولا خفة.
[ ٤٧٢ ]
وقال قائلون بإثبات الميزان وأحالوا أن توزن الأعراض في كفتين ولكن إذا كانت حسنات الإنسان أعظم من سيئاته رجحت إحدى الكفتين على الأخرى فكان رجحانها دليلًا على أن الرجل من أهل الجنة وكذلك إذا رجحت الكفة الأخرى السوداء كان رجحانها دليلًا على أن الرجل من أهل النار.
وحقيقة قول المعتزلة في الموازنة أن الحسنات تكون محبطة للسيئات وتكون أعظم منها وأن السيئات تكون محبطة للحسنات وتكون أعظم منها.
القول في الحوض:
قال أهل السنة والاستقامة أن للنبي ﷺ حوضًا يسقي منه المؤمنين ولا يسقي منه الكافرين، وأنكر قوم الحوض ودفعوه.
واختلفوا في منكر ونكير هل يأتيان الإنسان في قبره:
فأنكر ذلك كثير من أهل الأهواء، وثبته أهل الاستقامة.
[ ٤٧٣ ]
واختلفوا في شفاعة رسول الله ﷺ هل هي لأهل الكبائر:
فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله، وقال بعضهم: الشفاعة من النبي ﷺ للمؤمنين أن يزادوا في منازلهم من باب التفضيل، وقال أهل السنة والاستقامة بشفاعة رسول الله ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
واختلفوا في تخليد الفساق في النار:
فقالت المعتزلة الخوارج بتخليدهم وأن من دخل النار لا يخرج منها، وقال أهل السنة والاستقامة أن الله يخرج أهل القبلة الموحدين من النار ولا يخلدهم فيها.
القول في دوام نعيم أهل الجنة ودوام عذاب أهل النار:
أجمع أهل الإسلام جميعًا إلا الجهم أن نعيم أهل الجنة دائم لا انقطاع له وكذلك عذاب الكفار في النار.
وقال جهم بن صفوان أن الجنة والنار تفنين وتبيدان ويفنى من فيهما حتى لا يبقى إلا الله وحده كما كان وحده لا شيء معه.
[ ٤٧٤ ]
وقال أبو الهذيل بانقطاع حركات أهل الجنة والنار وأنهم يسكنون سكونًا دائمًا.
وقال قوم أن أهل الجنة ينعمون فيها وأن أهل النار ينعمون فيها بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل ودود العسل يتلذذ بالعسل، وهم البطيخية.
واختلفوا في الجنة والنار أخلقتا أم لا:
فقال أهل السنة والاستقامة: هما مخلوقتان، وقال كثير من أهل البدع: لم تخلقا.
واختلفوا هل تفنيان إذا أفنى الله الأشياء:
فثبت ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا في الإرجاء هل يجوز أن يتعبد الله سبحانه به:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا في الصغائر هل كان يجوز أن يأتي فيها وعيد فأجاز ذلك أبو الهذيل وغيره، وقال قائلون: لم يكن يجوز أن يأتي فيها وعيد لأنها مغفورة باجتناب الكبائر باستحقاق.
واختلفوا هل كان يجوز أن يعفو عن الكبائر لولا الأخبار:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
[ ٤٧٥ ]
واختلفوا في غفران الصغائر بأي شيء هو:
فقال قائلون: يغفرها الله سبحانه تفضلًا بغير توبة، وقال قائلون: يغفرها لمجتنبي الكبائر باستحقاق، وقال قوم: لا يغفرها إلا بالتوبة، وقد ذكرنا اختلافهم قبل هذا في ماهية الصغائر.
واختلفوا فيما يقع من الإنسان على طريق السهو والخطأ هل يكون معصية:
فقال قائلون: قد يكون ذلك معصية، وقال قائلون: لا يكون ذلك معصية إلا أن يقع
بقصده.
واختلفوا في وجوب التوبة:
فقال قائلون: التوبة من المعاصي فريضة، وأنكر ذلك آخرون.
واختلف الناس في إكفار المتأولين وتفسيقهم:
فحكى زرقان أن المرجئة كلها لا تفسق أهل التأويل لأنهم تأولوا فأخطئوا، وهذا غلط منه في الحكاية لأن الأكثر من المرجئة يقولون: كل معصية فسق ويفسقون الخوارج بسفكهم الدماء وسبيهم النساء وأخذ الأموال وإن كانوا متأولين، فكيف يحكى عنهم أنهم
[ ٤٧٦ ]
لا يفسقون أحدًا من المتأولين وزعم أكثر المرجئة أنهم لا يكفرون أحدًا من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.
وزعم الجهم أنه لا كفر إلا الجهل ولا كافر إلا جاهل بالله سبحانه وأن قول القائل ثلاث ثلاثة ليس بكفر ولا يظهر إلا من كافر لأنا وقفنا على أن من قال ذلك فكافر.
وقال أكثر المرجئة: كل مرتكب معصية بتأويل أو بغير تأويل فهو فاسق.
وزعم أبو شمر أن المعرفة بالله وبما جاء من عنده والإقرار بذلك ومعرفة التوحيد والعدل - يعني قوله في القدر لأنه كان قدريًا - ما كان من ذلك منصوصًا عليه أو مستخرجًا بالعقول مما فيه إثبات عدل الله سبحانه ونفي التشبيه عنه كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر.
وقال أبو الهذيل: من شبه الله سبحانه بخلقه أو جوره في حكمه أو كذبه في خبره فهو كافر.
[ ٤٧٧ ]
واختلف الناس هل يعد خلاف أهل الأهواء إذا خالفوا في الأحكام خلافًا:
فقال قائلون أنهم يكونون خلافًا، وقال قائلون: لا يكونون خلافًا.
واختلفوا في الأمة تختلف في الشيء في وقت وتجتمع عليه بعد الاختلاف:
فقال قائلون: جائز أن نأخذ بالأمر الأول إذا كان مردودًا إلى أصل وجائز أن نأخذ بالإجماع، وقال قائلون: نأخذ بما أجمعوا عليه.
واختلفوا في الأمة هل يجوز أن تجتمع على أمر تختلف في مثله أم لا:
فقال أكثر الناس: ذلك جائز، وقال عباد: لا يجوز أن تجمع الأمة على أمر تختلف في مثله كما لا يجوز أن تجتمع على شيء تختلف فيه.
واختلف الناس في الناسخ والمنسوخ هل يجوز أن يكون في الأخبار ناسخ ومنسوخ أم لا يجوز ذلك:
فقال قائلون: الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
[ ٤٧٨ ]
وغلت الروافض في ذلك حتى زعمت أن الله سبحانه يخبر بالشيء ثم يبدو له فيه تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
واختلفوا في القرآن هل ينسخ بالسنة أم لا على ثلاث مقالات:
فقال قائلون: لا ينسخ القرآن إلا قرآن وأبوا أن تنسخه السنة.
وقال قائلون: السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخها، وقال قائلون: القرآن ينسخ السنة والسنة تنسخ القرآن.
واختلفوا هل يكون قول الله ﷿: افعلوا! أمرًا بنفس ظاهره أم لا:
فثبت ذلك مثبتون، وقال قائلون: لا حتى يدل على أنه فرض ذلك الشيء.
القول فيمن له أن يجتهد:
قال أهل الاجتهاد: لا يجوز الاجتهاد إلا لمن علم ما أنزل الله ﷿ في كتابه من الأحكام وعلم السنن وما أجمع عليه المسلمون حتى يعرف الأشياء والنظائر ويرد الفروع إلى الأصول وقالوا في المستفتي أن له أن يفتي فيقلد بعض المفتين.
[ ٤٧٩ ]
وقال بعض أهل القياس: ليس للمستفتي أن يقلد وعليه أن ينظر ويسأل عن الدليل والعلة حتى يستدل بالدليل ويضح له الحق.
القول فيما يعلم بالاجتهاد هل يكون دينًا:
قال قائلون: هو دين، وقال قائلون: ليس بدين.
واختلف الناس في البلوغ:
فقال قائلون: لا يكون البلوغ إلا بكمال العقل، ووصفوا العقل فقالوا: منه علم الاضطرار الذي يفرق الإنسان به بين نفسه وبين الحمار وبين السماء وبين الأرض وما أشبه ذلك ومنه القوة على اكتساب العلم، وزعموا أن العقل الحس نسميه عقلًا بمعنى أنه معقول، وهذا قول أبي الهذيل.
وقال قائلون: البلوغ هو تكامل العقل والعقل عندهم هو العلم وإنما سمي عقلًا لأن الإنسان يمنع نفسه به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه وأن ذلك مأخوذ من عقال البعير وإنما سمي عقاله عقالًا لأنه يمنع به، وزعم صاحب هذا القول أن هذه العلوم كثيرة منها اضطرار وأنه قد يمكن أن يدركه الإنسان قبل تكامل العقل فيه بامتحان الأشياء واختبارها والنظر فيها وفي بعض ما هو داخل في جملة العقل
[ ٤٨٠ ]
كنحو تفكر الإنسان إذا شاهد الفيل أنه لا يدخل في خرق إبرة بحضرته فنظر في ذلك وفكر فيه حتى علم أنه يستحيل دخوله في خرق إبرة وإن لم يكن بحضرته، فإذا تكاملت هذه العلوم في الإنسان كان بالغًا، ومن لم يمتحن الأشياء فجائز أن يكمل الله سبحانه له العقل ويخلقه فيه ضرورة فيكون بالغًا كامل العقل مأمورًا مكلفًا.
ومنع صاحب هذا القول أن تكون القوة على اكتساب العلم عقلًا غير أنه وإن لم تكن عنده عقلًا فليس بجائز أن يكلف الإنسان حتى يتكامل عقله ويكون مع تكامل عقله قويًا على اكتساب العلم بالله وزعم صاحب هذا القول أنه لا يجب على الإنسان التكليف ولا يكون كامل العقل ولا يكون بالغًا إلا وهو مضطر إلى العلم بحسن النظر وأن التكليف لا يلزمه حتى يخطر بباله أنك لا تأمن إن لم تنظر أن
يكون للأشياء صانع يعاقبك بترك النظر أو ما يقوم مقام هذا الخاطر من قول ملك أو رسول أو ما أشبه ذلك فحينئذ يلزمه التكليف ويجب عليه النظر، والقائل بهذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي.
وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغًا كاملًا داخلًا في حد التكليف إلا مع الخاطر والتنبيه وأنه لا بد في العلوم التي في الإنسان
[ ٤٨١ ]
والقوة التي فيه على اكتساب العلوم من خاطر وتنبيه وإن لم يكن مضطرًا إلى العلم بحسن النظر، وهذا قول بعض البغداذيين.
وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغًا إلا بأن يضطر إلى علوم الدين فمن اضطر إلى العلم بالله وبرسله وكتبه فالتكليف له لازم والأمر عليه واجب، ومن لم يضطر إلى ذلك فليس عليه تكليف وهو بمنزلة الأطفال، وهذا قول ثمامة بن أشرس النميري.
وأكثر المتكلمين متفقون على أن البلوغ كمال العقل.
وقال كثير من المتفقهة: لا يكون الإنسان بالغًا إلا بأحد شيئين إما أن يبلغ الحلم مع سلامة العقل أو تأتي عليه خمس عشرة سنة، وذهب ذاهبون إلى سبع عشرة سنة.
وقد شذ عن جملة الناس شاذون فقالوا: لا يكون الإنسان بالغًا ولو أتت عليه ثلاثون سنة وأكثر منها مع سلامة العقل حتى يحتلم.
[ ٤٨٢ ]