الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله ﷿ التي يوصف بها لنفسه، وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون
أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة
[ ٤٨٣ ]
ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم جليل في حقيقة القياس.
وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافًا تشتتت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم:
فقال شيخهم أبو الهذيل العلاف أن علم البارئ سبحانه هو هو وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته وكذلك كان قوله في سائر صفات ذاته، وكان يزعم أنه إذا زعم أن البارئ عالم فقد ثبت علمًا هو الله ونفى عن الله جهلًا ودل على معلوم كان أو يكون، وإذا قال أن البارئ قادر فقد ثبت قدرة هي الله ونفى عن الله عجزًا ودل على مقدور يكون أو لا يكون، وكذلك كان قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب، وكان إذا قيل له: حدثنا عن علم الله سبحانه الذي هو الله أتزعم أنه قدرته؟ أبى ذلك، فإذا قيل له: فهو غير قدرته؟ أنكر ذلك، وهذا نظير ما أنكره من قول مخالفيه أن علم الله لا يقال هو الله ولا يقال غيره، وكان إذا قيل له: إذا قلت أن علم الله هو الله فقل أن الله تعالى علم ناقض ولم يقل أنه علم مع قوله أن علم الله هو الله
[ ٤٨٤ ]
وكان يسأل الثنوية فيقول لهم: إذا قلتم أن تباين النور والظلمة هو هما وأن امتزاجهما هو هما فقولوا أن التباين هو الامتزاج، وكان يسأل من يزعم أن طول الشيء هو هو وكذلك عرضه هل طوله هو عرضه، وهذا راجع عليه في
قوله أن علم الله هو الله وأن قدرته هي هو لأنه إذا كان علمه هو هو وقدرته هي هو فواجب أن يكون علمه هو قدرته وإلا لزم التناقض كما لزم أصحاب الاثنين.
وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه أن البارئ علم كله قدرة كله حياة كله سمع كله بصر كله فحسن اللفظ عند نفسه وقال: علمه هو هو وقدرته هي هو.
وكان يقول أن لمقدورات الله ومعلوماته مما يكون ومما لا يكون كلًا وغاية وجميعًا كما أن لما كان كلًا وجميعًا، وأن أهل الجنة تنقطع حركاتهم فيسكنون سكونًا دائمًا لا يتحركون، وكان يقول بانقطاع الأكل والشرب والنكاح.
وكان أبو الهذيل إذا قيل له: أتقول أن لله عالمًا؟ قال: أقول أن له علمًا هو هو وأنه عالم بعلم هو هو وكذلك كان قوله في سائر
[ ٤٨٥ ]
صفات الذات، فنفى أبو الهذيل العلم من حيث أوهم أنه ثبته وذلك أنه لم يثبت إلا البارئ فقط وكان يقول: معنى أن الله عالم معنى أنه قادر ومعنى أنه حي أنه قادر، وهذا له لازم إذا كان لا يثبت للبارئ صفات لا هي هو ولا يثبت إلا البارئ فقط.
وكان إذا قيل له: فلم اختلفت الصفات فقيل عالم وقيل قادر وقيل حي؟ قال: لاختلاف المعلوم والمقدور.
وحكى عنه جعفر بن حرب أنه كان لا يقول أن الله سبحانه لم يزل سميعًا ولا بصيرًا لا على أن يسمع ويبصر لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر.
فأما النظام فإنه كان ينفي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وصفات الذات ويقول أن الله لم يزل عالمًا حيًا قادرًا سميعًا بصيرًا قديمًا بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وقدم وكذلك قوله في سائر صفات الذات، وكان يقول: إذا ثبت البارئ عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا قديمًا أثبت ذاته وأنفي عنه الجهل والعجز والموت والصمم والعمى، وكذلك قوله في سائر صفات الذات على
[ ٤٨٦ ]
هذا
الترتيب، فإذا قيل له: فلم اختلف القول عالم والقول قادر والقول حي وأنت لا تثبت إلا الذات فما أنكرت أن يكون معنى عالم معنى قادر ومعنى حي؟ قال: لاختلاف الأشياء المتضادات المنفية عنه من الجهل والعجز والموت فلم يجب أن يكون معنى عالم معنى قادر ولا معنى عالم معنى حي.
وكان يقول: إن قولي عالم قادر سميع بصير إنما هو إيجاب التسمية ونفي التضاد، وكان إذا قيل له: تقول أن لله علمًا؟ قال: أقول ذلك توسعًا وأرجع إلى تثبيته عالمًا وكذلك أقول لله قدرة وأرجع إلى إثباته قادرًا وكان لا يقول: له حياة وسمع وبصر لأن الله سبحانه أطلق العلم فقال: أنزله بعلمه وأطلق القوة فقال: أشد منهم قوة ولم يطلق الحياة والسمع والبصر.
وكان يقول أن الإنسان حي قادر بنفسه لا بحياة وقدرة كما يقول في البارئ سبحانه ويقول أنه عالم بعلم وأنه قد يدخل في الإنسان آفة فيصير عاجزًا ويدخل عليه آفة فيصير ميتًا.
وأما ضرار بن عمرو فكان يقول: أذهب من قولي أن الله
[ ٤٨٧ ]
سبحانه عالم إلى نفي الجهل ومن قولي قادر إلى نفي العجز، وهو قول عامة المثبتة.
وأما معمر فحكى عنه محمد بن عيسى السيرافي النظامي أنه كان يقول أن البارئ عالم بعلم وأن علمه كان علمًا له لمعنى وكان المعنى لمعنى لا إلى غاية، وكذلك قوله في سائر صفات الذات، فقال في الله ﷿ بالمعاني وأنه عالم لمعان لا نهاية لها قادر حي سميع بصير لمعان لا غاية لها، أخبرني بذلك عن محمد بن عيسى أبو عمر الفراتي.
وقال هشام بن عمرو الفوطي أن الله لم يزل عالمًا قادرًا حيًا، وكان إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل عالمًا بالأشياء؟ أنكر ذلك وقال: أقول أنه لم يزل عالمًا أنه واحد ولا أقول بالأشياء لأن قولي بالأشياء إثبات أنها لم تزل وقولي أيضًا بأن
ستكون الأشياء إشارة إليها ولا يجوز أن أشير إلا إلى موجود.
وكان يقول أن ما عدم وتقضى شيء ولا أقول أن ما لم يكن ولك يوجد شيء.
وكان لا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا يقول أن الله يعذب بالنار.
[ ٤٨٨ ]
وهذه العلة التي اعتل بها هشام في العلم أخذها عن بعض الأزلية لأن بعض الأزلية يثبت قدم الأشياء مع بارئها وقالوا: قولنا لم يزل الله عالمًا بالأشياء يوجب أن تكون الأشياء لم تزل فلذلك قلنا بقدمها، فقال الفوطي: لما استحال قدم الأشياء لم يجز أن يقال لم يزل عالمًا بها، وكان لا يثبت لله علمًا ولا قدرة ولا حياة ولا سمعًا ولا بصرًا ولا شيئًا من صفات الذات.
وأنكر أكثر الروافض أن يكون الله سبحانه لم يزل عالمًا وكانت أقيس لقولها من الفوطي فقالت بحدث العلم.
وقالت عامة الروافض إلا شرذمة قليلة أن الله سبحانه لا يعلم ما يكون قبل أن يكون.
وفريق منهم يقولون: لا يعلم الشيء حتى يؤثر أثره والتأثير عندهم الإرادة فإذا أراد الشيء علمه وإذا لم يرده لم يعلمه، ومعنى أنه أراد عندهم تحرك حركة فإذا تحرك تلك الحركة علم الشيء وإلا لم يجز الوصف له بأنه عالم به، وزعموا أنه لا يوصف بالعلم بما لا يكون.
وفريق منهم يقولون: لا يعلم الله الشيء حتى يحدث له إرادة فإذا
[ ٤٨٩ ]
أحدث له الإرادة لأن يكون كان عالمًا بأنه يكون وإن أحدث الإرادة لأن لا يكون كان عالمًا بأنه لا يكون، وإن لم يحدث الإرادة لأن لا يكون ولا لأن يكون لم يكن عالمًا بأنه يكون ولا عالمًا بأنه لا يكون.
ومنهم من يقول: معنى يعلم هو معنى يفعل فإن قلت لهم: تقولون أنه لم يزل عالمًا بنفسه؟ اختلفوا فمنهم من يقول: لم يكن يعلم نفسه حتى خلق العلم لأنه قد
كان ولما يفعل، ومنهم من يقول: لم يزل يعلم نفسه، فإن قلت لهم: فلم يزل يفعل؟ قالوا: نعم ولا نقول يقدم الفعل.
ومنهم من يقول: العلم صفة لله سبحانه في ذاته وأنه عالم في نفسه غير أنه لا يوصف بأنه عالم حتى يكون الشيء فإذا كان قيل عالم به وما لم يكن الشيء لم يوصف بأنه عالم به لأن الشيء ليس وليس يصح العلم بما ليس، وهذا قول يحكى عن السكاكية.
وفريق يقولون: لم يزل الله عالمًا والعلم صفة له في ذاته ولا يوصف بأنه عالم بالشيء حتى يكون كما أن الإنسان موصوف بالبصر والسمع
[ ٤٩٠ ]
ولا يقال أنه بصير بالشيء حتى يلاقيه الشيء ولا سميع له حتى يرد على سمعه وكما يقال عاقل ولا يقال عقل الشيء ما لم يرد عليه.
وحكى الجاحظ أن هشام بن الحكم قال أن الله سبحانه إنما علم ما تحت الثرى بالشعاع المنفصل منه الذاهب في عمق الأرض فلولا ملامسته لما هناك بشعاعه لما درى ما هناك، فزعم أن بعضه مشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه.
وطائفة يقولون أن معبودهم لا يوصف بأنه لم يزل قادرًا ولا إلهًا ولا ربًا ولا عالمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا حتى يحدث الأشياء لأن الأشياء التي كانت قبل أن تكون ليست بشيء ولن يجوز أن يوصف بالقدرة على غير شيء.
وحكى حاك أن قائلًا قال من المشبهة أن البارئ لم يزل لا حيًا ثم صار حيًا.
وعامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء ويزعمون لأنه تبدو له البدوات.
[ ٤٩١ ]
ويقول بعضهم: قد يأمر ثم يبدو له وقد يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يفعله لما يحدث له من البداء وليس على معنى النسخ ولكن على معنى أنه لم يكن في الوقت الأول عالمًا بما يحدث له من البداء.
وسمعت شيخًا من مشايخ الرافضة وهو الحسن بن محمد بن جمهور يقول: ما علمه الله سبحانه أن يكون ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه فجائز أن يبدو له فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز أن يبدو له فيه.
وقالت طائفة أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون إلا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها لأنه لو علم من يعصي ممن يطيع حال بين العاصي وبين المعصية.
وقالت طائفة من المعتزلة أن الوصف لله بأنه سميع من صفات الذات غير أنه لا يقال يسمع الشيء في حال كونه، وقد ذهب إلى هذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي وزعم أنه يقال أن الله لم يزل سميعًا ولا يقال لم يزل سامعًا ولا يقال لم يزل يسمع، فيلزمه إذا لم
[ ٤٩٢ ]
يقل البارئ لم يزل سامعًا أن يقول: لم يزل لا سامعًا وإذا لم يقل: لم يزل يسمع أن يقول: لم يزل لا يسمع، وإذا لم يقل: لم يزل مبصرًا مدركًا أن يقول: لم يزل لا مبصرًا ولا مدركًا كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالمًا أن يقول: لم يزل لا عالمًا.
وكذلك يلزم عبادًا في إنكاره القول أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا أن يقول أن الله غير سميع ولا بصير كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالمًا قادرًا أن يقول: لم يزل غير عالم ولا قادر، ويقال له: أليس لا تقول أن الله لم يزل سميعًا ولا تلزم نفسك أن يكون له سمع محدث؟ فما الذي تنفصل به من مخالفيك إذا أنكروا القول أن القديم لم يزل عالمًا ولم يقولوا أنه ذو علم محدث.
وقال شيطان الطاق وكثير من الروافض أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما من قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئًا حتى يقدره وينشئه بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة.
وحكى أبو القاسم البلخي عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: محال أن يكون الله لم يزل عالمًا بنفسه وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم
[ ٤٩٣ ]
يكن بها عالمًا وأنه يعلمها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه، ولا يجوز أن يقال في العلم أنه محدث أو قديم لأنه صفة والصفة عنده لا توصف قال: ولو كان لم يزل عالمًا لكان المعلوم لم يزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود، قال: ولو كان عالمًا بما يفعله عباده لم يصح المحنة والاختبار، وليس قول هشام في القدرة والحياة قوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدثهما ولكنه يزعم أنهما صفتان لله لا هما الله ولا هما غيره ولا هما بعضه وإنما نفى أن يكون عالمًا لما ذكرناه، وحكى حاك أن قول هشام في القدرة كقوله في العلم.
وقال جهم أن علم الله محدث هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالمًا بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها.
وحكى عنه حاك خلاف هذا فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول أن الله يعلم الشيء في حال حدوثه ومحال أن يكون الشيء معلومًا وهو معدوم لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود وما ليس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل فألزمه مخالفوه أن لله علمًا محدثًا إذ زعم أن الله
[ ٤٩٤ ]
قد كان غير عالم ثم علم، ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم.
واختلفوا في العلم من وجه آخر:
فقال كثير منهم أن الله لم يزل عالمًا أنه يعذب الكافر إن لم يتب وأنه لا يعذبه إن تاب.
وأنكر ذلك هشام الفوطي ومن ذهب مذهبه وعباد ومن قال بقوله، فقال هؤلاء: لا يجوز لما فيه من الشرط والله تعالى لا يوصف بأنه يعلم على شرط والشرط في المعلوم لا في العالم.
وكان عباد بن سليمان صاحب الفوطي يقول أن الله لم يزل عالمًا قادرًا حيًا وأنه لم يزل عالمًا بمعلومات قادرًا على مقدورات عالمًا بأشياء وجواهر وأعراض وأفعال، فإذا قيل له: تقول أن الله لم يزل عالمًا بالمخلوقات وبالأجسام وبالمؤلفات؟ أنكر ذلك، وكلن يقول أن الأشياء أشياء قبل كونها وأن الجواهر جواهر قبل كونها وأن الأعراض أعراض قبل كونها والمخلوقات كانت بعد أن لم تكن
[ ٤٩٥ ]
ولا أن حقيقته أنه لم يكن ثم كان كما يقول سائر الناس وكان يأبى ذلك ويقول أن حقيقة المحدث أنه مفعول.
وكان إذا قيل له: تقول أن البارئ عالم بنفسه أو يعلم؟ أنكر القول بنفسه أو بعلم وقال: قولكم عالم صواب وقولكم بنفسه خطأ وقولكم بعلم خطأ وكلك القول بذاته خطأ.
وكان ينكر قول من قال أن لله ﷿ وجهًا وينكر القول وجه الله ونفس الله وينكر القول ذات الله وينكر أن يكون الله ذا عين وأن يكون له يدان هما يداه.
وكان يقول أن الله غير لا كالأغيار ولا يقول أنه معنى.
وكان إذا قيل له: تقول أن الله عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل في حقيقة القياس؟ أنكر ذلك ولم يقله.
وكان لا يقول أن البارئ قبل الأشياء ولا يقول أنه أول الأشياء ولا يقول أن الأشياء كانت بعده.
وكان لا يقول أن الله لطيف، وحكى لي حاك أنه كان يطلق ذلك مقيدًا فيقول لطيف بعباده.
[ ٤٩٦ ]
وكان إذا قيل له: أتقول أن لله علمًا؟ قال: خطأ أن يقال له علم وأنه ذو علم وأنه عالم بعلم، فإذا قيل له: تقول أنه لا علم لله؟ قال: خطأ أن يقال لا علم له، وكذلك في سائر ما سمي به البارئ.
وكان يقول أن القديم لم يزل في حقيقة القياس لأن ما لم يزل فقديم والقديم لم يزل، وليس يقال في البارئ عالم قادر في حقيقة القياس لأن هذا يوجب أنه لا عالم قادر إلا هو.
وكان لا يقول أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا ولا يقول لم يزل السميع البصير ويقول أن الله السميع البصير لم يزل ويقول أن الله سميع بصير لم يزل.
وكان إذا سئل عن معنى القول أن الله عالم قال: إثبات اسم لله سبحانه ومعه علم بمعلوم والقول قادر إثبات اسم لله سبحانه ومعه على بمقدور والقول سميع إثبات اسم لله ومعه علم بمسموع والقول بصير إثبات اسم لله سبحانه ومعه علم بمبصر، وكان لا يقول أن له سمعًا ولا يقول أنه ذو سمع قديم ولا أنه ذو سمع محدث وكذلك جوابه
[ ٤٩٧ ]
إذا سئل عن القول بصير، ومعنى القول حي إثبات اسم لله عنده، ومعنى القول في الله أنه قديم أنه لم يزل.
وكان يقول: معنى حي معنى قادر ولا معنى عالم معنى قادر ولا يقول معنى سميع بصير معنى عالم بالمسموعات والمبصرات كما يقول ذلك البغداذيون.
وكان يقول أن صفات البارئ هي الأقوال كنحو القول يعلم ويقدر ويسمع ويبصر وأن الأسماء هي الأقوال كنحو القول عالم قادر حي سميع بصير، وكان يقول: أسماء الله سبحانه ما أجمعت الأمة على تخطئة نافيه وكل اسم أجمعوا على تخطئة نافيه فهو من أسمائه كالقول عالم أجمعت الأمة على تخطئة من قال أن الله سبحانه ليس بعالم وكالقول قادر أجمعت الأمر على تخطئة من قال ليس بقادر وكذلك سائر أسمائه، وما لم يجمعوا على تخطئة نافيه فليس من أسمائه.
وكان عباد لا يقول أن الله سبحانه متكلم ويقول هو مكلم.
وكان لا يقول أن البارئ لم يزل قادرًا على أن يخلق ولا يقول لم يزل قادرًا على الأجسام والمخلوقات ولا يقول أن البارئ لم يزل
[ ٤٩٨ ]
جوادًا محسنًا عادلًا ولا منعمًا
متفضلًا خالقًا مكلمًا صادقًا مختارًا مريدًا راضيًا ساخطًا مواليًا معاديًا ويقول: هذه أسماء يسمى بها البارئ سبحانه لفعله، وزعم أن الأسماء على وجوه منها ما يسمى به البارئ لا لفعله ولا لفعل غيره كالقول عالم قادر حي سميع بصير قديم إله ومنها ما يسمى به لفعله كالقول خالق رازق بارئ متفضل محسن منعم ومنها ما يسمى به لفعل غيره كالقول معلوم ومدعو، وكان إذا قيل له: فتقول أن الله سبحانه لم يزل غير خالق وغير رازق وغير منعم وغير متفضل؟ أنكر ذلك ولم يقل لم يزل خالقًا ولم يقل لم يزل غير خالق، وقد حكي عنه أنه قال: لم يزل رحمانًا.
وكان لا يستدل بالشاهد على الغائب ولا يستدل بالأفعال على أن البارئ عالم حي قادر، وكان ينكر دلالة مجيء الشجرة وكلام الذئب وسائر الأعراض على نبوة رسول الله ﷺ ويقول: لا أقول ذلك يدل ولا أقول لا يدل، وكان لا يستدل على البارئ بالأعراض.
وكان لا يقول أن الله فرد وينكر القول بذلك وكان يقول
[ ٤٩٩ ]
ما حكينا عنه من أنه لا يستدل بالأعراض، وإذا قيل له: من كم وجه يعرف الحق؟ قال: من كتاب الله ﷿ وإجماع المسلمين وحجج العقول، وهذا نقض قوله: لا أقول أن الأعراض تدل على الحق.
وكان الناشي لا يستدل بالأفعال المشتقة في الحكمة من البارئ على أن فاعلها عالم قادر لأنها قد تظهر من الإنسان وليس بعالم في الحقيقة ولا قادر، وكان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم عزيز عظيم جليل كبير في الحقيقة والإنسان يسمى بهذه الأسماء على المجاز، وكان يقول أن الاسم إذا وقع على المسميين لم يخل من أربعة أقسام: إما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ذاتيهما كقولنا جوهر وجوهر وإما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ما احتملته الذاتان كقولنا متحرك
ومتحرك وأسود وأسود أو يكون وقع عليهما لمضاف أضيفا إليه وميزا منه لولاه ما كانا كذلك كقولنا محسوس ومحسوس ومحدث ومحدث أو يكون وقع عليهما وهو في أحدهما بالمجاز وفي الآخر بالحقيقة كقولنا للصندل المجتلب من معدنه صندل وهو واقع عليه في الحقيقة وقولنا للإنسان صندل وهو تسمية له على
[ ٥٠٠ ]
المجاز، قال: فإذا قلنا أن البارئ عالم والإنسان عالم والإنسان قادر والبارئ قادر وكذلك حي وحي فليس هذا واقعًا عليهما لاشتباه ذاتيهما ولا لاشتباه ما احتملته الذاتان ولا لمضاف أضيفا إليه وميزا منه وإنما يقع ذلك عليهما وهو في البارئ سبحانه بالحقيقة وفي الإنسان بالمجاز، وكان يقول أن البارئ سبحانه غير المحدثات في الحقيقة وهي غيره في الحقيقة وهذا نقض دليله هذا، وكان لا يقول أن الإنسان فاعل في الحقيقة ولا محدث في الحقيقة ولا يقول أن البارئ سبحانه أحدث كسبه وفعله.
وأما أبو الحسن محمد بن مسلم المعروف بالصالحي فإنه كان يقول أن البارئ سبحانه لم يزل عالمًا بمعلومات وأجسام مؤلفات ومخلوقات في أوقاتها ولم يزل يعلم موجودًا في وقت كذا ولم يزل عالمًا بأن إذا كان وقت كذا فالمخلوق مخلوق فيه، ولا يثبت المعلومات قبل كونها معلومات ولا مقدورات ولا أشياء قبل كونها.
وكان ينفي العلم والقدرة وسائر الصفات ويقول: معنى أن البارئ شيء لا كالأشياء أنه قادر لا كالقادرين ومعنى أنه حي لا كالأحياء هو معنى أنه عالم لا كالعلماء، وكذلك كان يقول في سائر الأسماء والصفات للذات وإنما هذا بمنزلة قول القائل أقبل وهلم وتعال والمعنى واحد.
[ ٥٠١ ]
وبلغني أن ابن النجراني كان يقول: لا معلوم إلا موجود فقيل له: فكيف تقول في المقدور؟ فقال: لا أقول أن مقدورًا في الحقيقة لأنه كان يحيل القدرة على الموجود، وكان الصالحي يقول: القدرة على الشيء في وقته وقبل وقته ومعه،
وكان يثبته مقدورًا موجودًا في حال كونه.
وكان ابن الراوندي يقول أن المعلومات معلومات قبل كونها وأنه لا شيء إلا موجود وأن المأمور به والمنهي عنه وكذلك كل ما تعلق بغيره يوصف به الشيء قبل كونه وكل ما كان رجوعًا إلى نفس الشيء لم يسم ولم يوصف به قبل كونه.
وكان الصالحي يخطئ من قال: إذا ثبت الله عالمًا نفيت جهلًا وإذا ثبته قادرًا نفيت عجزًا.
وكان يجيز أن يقدر الله ﷿ الميت فيفعل وهو ميت غير حي وإذا جاز أن يقدر منا من ليس بحي ويظهر الفعل منا ممن ليس بحي فقد بطلت دلالة أفعال البارئ على أنه حي وبطل أن يدل أنه حي على أنه قادر إذا جاز أن يقدر عنده من ليس بحي.
[ ٥٠٢ ]
وبلغني أن سائلًا سأله مرة فقال: من أين علمت أن البارئ حي؟ فلم يأت بجواب مقنع، وأن سائلًا سأله فقال: إذا كان معنى أسماء الله لذاته أنه شيء لا كالأشياء فهل يجوز أن يسمي نفسه جاهلًا بدلًا من تسميته عالمًا واللغة بحالها إذا كان لا يرجع بقوله لا كالعلماء إلا إلى معنى أنه شيء لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك، فقال له: وكذلك يسمي نفسه عاجزًا ومواتًا ويسمي نفسه إنسانًا ويسمي نفسه حمارًا ويسمي نفسه فرسًا ومعنى ذلك أنه لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك نعوذ بالله من الخذلان المتهور ومن الحور بعد الكور ومن الكفر بعد الإيمان.
وبلغني أن أبا الحسين سأله سائل فقال له: إذا قلت أن البارئ متكلم بكلام في غيره فقل: يسكت بسكوت في غيره! فقال: كذلك أقول فوصف الله سبحانه بالسكوت.
وأما البغداذيون فيقولون أن البارئ لم يزل عالمًا كبيرًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا إلهًا قديمًا عزيزًا عظيمًا غنيًا جليلًا واحدًا أحدًا فردًا سيدًا مالكًا ربًا قاهرًا رفيعًا
عاليًا كائنًا موجودًا أولًا باقيًا رائيًا مدركًا سامعًا مبصرًا بنفسه لا بعلم وحياة وقدرة وسمع وبصر وإلهية وقدم وعزة وعظم ولا بجلال وكبرياء وعنى ولا سودد وقهر وربوبية
[ ٥٠٣ ]
وبقاء وكذلك سائر صفات الذات، وهم ينفون صفات الذات أجمع، ويقولون البارئ شيء لا كالأشياء، وأنه لم يزل عالمًا بالأشياء قبل كونها أجسامها وأعراضها، وأن الجسم جسم قبل كونه مؤلف قبل كونه.
وغلا بعضهم حتى قال: مؤمن في الصفة قبل كونه كافر في الصفة وأنه ملعون في الصفة ومثاب في الصفة ومعاقب في الصفة قبل كونه وأنه يصرخ ويستغيث من العذاب في الصفات وأن في الصفات مثل هذا العالم عوالم لا يحصيها إلا الله تتحرك وتسكن.
وبلغني أن بعضهم أجاب إلى أن المخلوق مخلوق قبل كونه، وهذا من غريب التجاهل.
وقال بعض الحوادث منهم أن المعلوم معلوم قبل كونه وكذلك المقدور وكل ما كان متعلقًا بغيره كالمأمور به والمنهي عنه، وأنه لا شيء إلا موجود ولا جسم إلا موجود.
ومن البغداذيين من يقول أن المعلومات معلومات قبل كونها والأشياء أشياء قبل كونها ويمنع أجسامًا وجواهر وأعراضًا.
وبعض البصريين وهو الشحام وطوائف من البغداذيين
[ ٥٠٤ ]
يقولون: ما استحال أن يوصف الشيء به في حال وجوده فمستحيل أن يوصف به قبل كونه كالقول متحرك ومؤمن وكافر فأما جسم مؤلف فقد يوصف به في حال كونه، فألزم هؤلاء أن يقولوا موجود قبل كونه فأبوا ذلك.
وأنكروا أن يكون البارئ سبحانه لم يزل مريدًا متكلمًا راضيًا ساخطًا مواليًا معاديًا جوادًا حكيمًا عادلًا محسنًا صادقًا خالقًا رازقًا وزعموا أن هذا أجمع من صفات
الأفعال وزعموا أن الصفات على وجوه فمنها ما يوصف به البارئ لنفسه كالقول عالم قادر حي سميع بصير وشيء يوصف به لفعله كالقول خالق رازق محسن منعم متفضل عادل جواد حكيم متكلم صادق آمر ناه مادح ذام محي مميت ممرض مصح وما أشبه ذلك وشيء يوصف به البارئ لذاته وقد يوصف به لفعله كالقول حكيم بمعنى عليم من صفات النفس والقول حكيم على طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل وكالقول صمد بمعنى سيد يوصف به لذاته وقد يوصف به بمعنى أنه مصمود إليه في النوائب فيوصف به من طريق الاشتقاق من الفعل، ومعنى أن الله عالم عندهم
[ ٥٠٥ ]
أنه متبين للأشياء وأنه لا يخفى عليه شيء، ومعنى أنه قادر أنه يمكنه الفعل ويجوز منه.
وزعم أكثرهم أن معنى القول أنه حي أنه قادر ومعنى أنه سميع أنه لا يخفى عليه الأصوات والكلام ومعنى أنه بصير أنه لا يخفى عليه المبصرات ومعنى أن الله راء عندهم أنه عالم.
وكان الإسكافي يقول أن الله لم يزل سامعًا مبصرًا ببصر وسمع وأنه لم يزل مدركًا.
واختلف البغداذيون في القول أن الله كريم هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل:
فقال عيسى الصوفي: الوصف لله بأنه كريم من صفات الفعل والكرم هو الجود، وكان إذا قيل له: فتقول أن القديم لم يزل غير كريم؟ قال: هذا لا يلزمني كما لا يلزمني إذا كان الإحسان والعدل من صفات الفعل أن أقول: لم يزل البارئ غير صادق ولا عادل ولا محسن لأن ذلك يوهم الذم فكذلك وإن كان الكرم فعلًا فإني لا أقول أن الله لم يزل غير كريم.
وكان الإسكافي يقول: كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة
[ ٥٠٦ ]
فعل إذا كان الكرم
بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء بنفسه، وحجته في ذلك أنه يقال: أرض كريمة يراد بذلك أي هي أرفع الأرضين ويقال: فرس رافع كريم.
وكان الجبائي يقول: كريم بمعنى عزيز من صفات الله لذاته وكريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل، وكان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل فقل أن الله سبحانه لم يزل غير محسن! قال: أقول غير محسن ولا مسيء حتى يزول الإيهام ولم يزل غير عادل ولا جائر ولم يزل غير صادق ولا كاذب وكذلك لم يزل غير حليم ولا سفيه وكذلك يقول: لم يزل لا خالق ولا رازق.
والمعتزلة كلها إلا عبادًا يقولون أن الوصف لله بأنه رحمان وأنه رحيم من صفات الفعل، وكان عباد يقول: لم يزل الله رحمانًا.
وكان حسين النجار يزعم أن الله لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه لا على أنه أثبت جوادًا.
وكافة المعتزلة يقولون أن الوصف لله بأنه حليم جواد كريم
[ ٥٠٧ ]
محسن صادق خالق رازق من صفات الفعل، والبغداذيون يقولون أن الوصف لله بأنه حليم معناه أنه ناه عن السفه كاره له.
وكثير من البغداذيين يعبرون في الصفات وفي معنى القول أن الله عالم قادر بعبارة، وكذلك قول النظام.
وفي البغداذيين من يقول: لله علم بمعنى أنه عالم وله قدرة بمعنى أنه قادر ولا يقولن له حياة بمعنى أنه حي وله سمع بمعنى أنه سميع لأن الله سبحانه أطلق العلم والقوة ولم يطلق الحياة والسمع.
ومنهم من يقول: لله علم بمعنى معلوم كما قال: ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومه وله قدرة بمعنى مقدور كما يقول المسلمون إذا رأوا المطر: هذه قدرة
الله بمعنى مقدوره.
والمعتزلة تفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات لا يجوز أن يوصف البارئ بأضدادها ولا بالقدرة على أضدادها كالقول عالم لا يوصف بالجهل ولا بالقدرة على أن يجهل وصفات الأفعال يجوز أن يوصف البارئ سبحانه بأضدادها وبالقدرة على أضدادها كالإرادة يوصف البارئ بضدها من الكراهة وبالقدرة على
[ ٥٠٨ ]
أن يكره وكذلك الحب يوصف البارئ بضده من البغض وكذلك الرضى والسخط والأمر والنهي والصدق قد يوصف البارئ بالقدرة على ضده من الكذب وإن لم يوصف بالكذب وقد يوصف بالمتضاد من كلامه كالأمر والنهي، وكل اسم اشتق للبارئ من فعله كالقول متفضل منعم محسن خالق رازق عادل جراد وما أشبه ذلك فهو من صفات الفعل وكذلك كل اسم اشتق للبارئ من فعل غيره كالقول معبود من العبادة وكالقول مدعو من دعاء غيره إياه فليس من صفات الذات، وكل ما جاز أن يرغب إلى البارئ فيه ليس من صفات الذات.
وقالت المعتزلة بأسرها أن الوصف لله سبحانه بأنه مريد من صفات الفعل إلا بشر بن المعتمر فإنه زعم أن الله لم يزل مريدًا لطاعته دون معصيته.
وزعم جماعة من البغداذيين من المعتزلة أن الوصف لله بأنه مريد قد يكون بمعنى أنه كون الشيء والإرادة لتكوين الشيء هي الشيء، وقد يكون الوصف لله بأنه مريد للشيء بمعنى أنه أمر بالشيء كنحو الوصف له بأنه مريد بمعنى أنه حاكم بالشيء مخبر عنه وكنحو
[ ٥٠٩ ]
إرادته الساعة أن تقوم القيامة في وقتها ومعنى ذلك أنه حاكم بذلك مخبر عنه، وهذا قول إبراهيم النظام.
وقال أبو الهذيل: إرادة الله سبحانه لكون الشيء هي غير الشيء المكون وهي توجد لا في مكان وإرادته للإيمان غيره وغير الأمر به وهي مخلوقة ولم يجعل الإرادة أمرًا ولا حكمًا ولا خبرًا، وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب
الجبائي إلا أن أبا الهذيل كان يزعم أن الإرادة لتكوين الشيء والقول له كن خلق للشيء وكان الجبائي يقول أن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له ولا جائز أن يقول الله سبحانه للشيء كن، وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق، وكان أبو الهذيل لا يثبت الخلق مخلوقًا.
وكان بشر بن المعتمر يقول: خلق الشيء غيره ويجعل الإرادة خلقًا له وينكر قول أبي الهذيل أن الخلق إرادة وقول وكان ينكر القول.
[ ٥١٠ ]
وكان أبو الهذيل يقول أن الخلق الذي هو إرادة وقول لا يقال أنه مخلوق إلا على المجاز وخلق الله سبحانه للشيء مؤلفًا الذي هو تأليف وخلقه للشيء ملونًا الذي هو لون وخلقه للشيء طويلًا الذي هو طول مخلوق في الحقيقة.
وكان أبو موسى الدردار يقول: خلق الشيء غيره وهو مخلوق لا بخلق.
وحكى زرقان أن بشر بن المعتمر قال: خلق الشيء غيره وهو قبله، وأن معمرًا قال: خلق الشيء غيره وهو قبله وللخلق خلق إلى ما لا نهاية له وهي كلها معًا، وأن هشام بن الحكم قال: خلق الشيء صفة له لا هو هو ولا غيره.
وقال الفوطي: ابتداء ما يجوز أن يعاد غيره وابتداء ما لا يجوز أن يعاد هو هو.
وقال عباد: خلق الشيء غير الشيء وهما معًا وخطأ من قال: الخلق غير المخلوق ومن قال: خلق الشيء غيره لأن القول مخلوق خبر
[ ٥١١ ]
عن شيء وخلق وإذا قلت خلق الشيء غيره أوهم هذا الكلام أنه غير نفسه.
ولم يقل أحد أن الخلق إرادة وقول غير أبي الهذيل.
وقال عبد الله بن كلاب: لا يخلق الله شيئًا حتى يقول له كن وليس القول خلقًا.
وزعمت المعتزلة كلها غير أبي موسى الدردار أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه مريدًا للمعاصي على وجه من الوجوه أن يكون موجودًا ولا يجوز أن يأمر بما لا يريد أن يكون وأن ينهى عما يريد كونه وأن الله سبحانه قد أراد ما لم يكن وكان
ما لم يرد وأنه قادر على المنع مما لا يريد وأن يلجئ إلى ما أراد.
وقال أبو موسى فيما حكى عنه أبو الهذيل أن الله سبحانه أراد المعاصي بمعنى أنه خلى بين العباد وبينها.
وقالت المعتزلة كلها غير بشر وعباد أن الله سبحانه لم يزل غير مريد لما علم أنه يكون ثم أراده.
وقال عباد: لا يجوز أن يقال لم يزل مريدًا ولا يجوز أن يقال لم يزل غير مريد، والوصف له بأنه مريد من صفات الفعل عنده.
[ ٥١٢ ]
وقال بشر بن المعتمر ومن ذهب مذهبه: إرادة الله غير الله والإرادة على ضربين: إرادة وصف بها وهي فعل من فعله وإرادة وصف بها في ذاته وأن إرادته الموصوف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي خلقه وجوز وقوعها على سائر الأشياء.
وقالت الفضلية وهم أصحاب فضل الرقاشي أن أفعال العباد لا يقال أن الله سبحانه أرادها إذا لم تكن ولا يقال لم يردها فإن كانت جاز القول بأنه أرادها، فما كان من فعلهم طاعة قيل أراده الله سبحانه في وقته وإن كان معصية قيل لم يرده، وأجاز القول أن الله يريد أمرًا فلا يكون وجوز أن يكون ما لا يريد وأنكر أن يكون الله سبحانه يريد أن يطيعه الخلق قبل أن يطيعوه أو يريد أن لا يعصوه قبل أن يعصوه، وكل ما كان من فعل الله فإنه قد يكون إذا أراده وإن لم يرده لم يكن وجوز أن يفعل الله الأمور وإن لم يردها، وقد حكي نحو هذا عن غيلان.
واختلفت المعتزلة فقال جعفر بن حرب: قد يجوز القول بأن الله سبحانه أراد الكفر مخالفًا للإيمان وأراد أن يكون قبيحًا غير
[ ٥١٣ ]
حسن ويكون المعنى أنه حكم بذلك كما قلت أنه جعل الكفر مخالفًا للإيمان وجعله قبيحًا.
وأبى ذلك سائر المعتزلة وقالوا: لم نقل أن الله جعل الكفر مخالفًا للإيمان قياسًا
وإنما قلناه اتباعًا فليس يلزمنا أن نقيس عليه، وقول القائل: أراد أن يكون الكفر قبيحًا مخالفًا للإيمان ليس يقع إلا على الكفر لأنه ليس هناك مخالفة ولا قبح وهذا إذا كان هكذا فقد أوجب القائل أن الله سبحانه أراد الكفر بوجه من الوجوه.
وكل المعتزلة إلا الفضلية أصحاب فضل الرقاشي يقولون أن الله سبحانه يريد أمرًا ولا يكون وأنه يكون ما لا يريد.
وقال معمر: إرادة الله سبحانه غير مراده وهي غير الخلق وغير الأمر والإخبار عنه والحكم به.
وقال حسين النجار أن الله لم يزل مريدًا أن يكون ما علم أنه يكون وأن لا يكون ما علم أنه لا يكون بنفسه لا بإرادة بل بمعنى أنه لم يزل غير آب ولا مكره.
وقال سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاب أن الله سبحانه لم يزل مريدًا بإرادة يستحيل أن يقال هي الله أو يقال هي غيره.
[ ٥١٤ ]
وقال ضرار بن عمرو: إرادة الله سبحانه على ضربين: إرادة هي المراد وإرادة هي الأمر بالفعل، وزعم أن إرادته لفعل الخلق هي فعل الخلق وإرادته لفعل العباد هي خلق فعل العباد وخلق فعل العباد هو فعل العباد وذلك أنه كان يزعم أن خلق الشيء هو الشيء.
وقال بشر المريسي وحفص الفرد ومن قال بقولهما: إرادة الله على ضربين: إرادة هي صفة له في ذاته وإرادة هي صفة له في فعله وهي غيره فالإرادة التي زعموا أنها صفة لله سبحانه في فعله وأنها غيره هي أمره بالطاعة والإرادة التي ثبتوها صفة لله في ذاته واقعة على كل شيء سوى الله من فعله وفعل خلقه.
وقال هشام بن الحكم وهشام الجواليقي وغيرهما من الروافض: إرادة الله سبحانه حركة وهي معنى لا هي الله ولا غيره وأنها صفة لله، وذلك أنهم زعموا أن الله إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ووصف أكثر الروافض ربهم بالبداء وأنه يريد الشيء ثم يبدو له فيريد خلافه وذلك أنه يتحرك حركة لخلق شيء ثم يتحرك
[ ٥١٥ ]
خلاف تلك الحركة فيكون ضد ذلك الشيء ولا يكون الذي أراده قبل.
وقال أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم: إرادة الله غيره وهي حركة يتحرك بها تعالى الله عما قالوه.
وأما القول في البارئ أنه متكلم:
فقد اختلفت المعتزلة في ذلك فقال عباد بن سليمان: لا أقول أن البارئ متكلم وأقول أنه مكلم، وهذا خلاف إجماع المسلمين، وزعم أن متكلم متفعل فيلزمه أن لا يقول أن البارئ متفضل لأن متفضل متفعل ولا يقول قيوم لأن قيوم فيعول.
وقال أكثر المعتزلة إلا من قال منها بالطباع أن كلام الله سبحانه فعله وأن لله كلامًا فعله وأنه محال أن يكون الله سبحانه لم يزل متكلمًا.
وقال بعض مشايخ المعتزلة أن الله سبحانه لم يخلق الكلام إلا على معنى أنه خلق ما أوجبه وأن الله لا يكلم أحدًا في الحقيقة ولا يفعل الكلام على التصحيح وأن كلام الله فعل الجسم بطباعه، وحقيقة
[ ٥١٦ ]
قول هؤلاء أنه لا كلام لله في الحقيقة وأن الله ليس بمتكلم في الحقيقة ولا مكلم، وهذا قول معمر وأصحاب الطبائع.
وقالت شرذمة أن الله لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل مقتدرًا على الكلام وأن كلام الله محدث، وافترقوا فرقتين: فقال بعضهم: مخلوق، وقال بعضهم: غير مخلوق.
وقال ابن كلاب أن الله لم يزل متكلمًا والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة، وسنذكر اختلاف الناس في القرآن بعد هذا الموضع من كتابنا.
واختلف المتكلمون في معنى القول أن الله قديم:
فقال بعضهم: معنى أن الله قديم أنه لم يزل كائنًا لا إلى أول وأنه المتقدم لجميع
المحدثات لا إلى غاية، وهذا قول الجبائي.
وقال عباد: معنى قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل أنه قديم.
وقال بعضهم: معنى قديم بمعنى إله.
وقال من ثبت القديم قديمًا بقدم: معنى أن الله قديم إثبات قدم لله كان به قديمًا، وكذلك معنى عالم عندهم إثبات علم وكذلك القول في سائر الصفات.
[ ٥١٧ ]
وقد حكي عن بعض المتفلسفة أنه كان لا يقول أن البارئ قديم.
وحكي عن معمر أنه كان لا يقول أن البارئ قديم إلا إذا أوجد المحدثات.
واختلف المتكلمون هل يسمى البارئ شيئًا أم لا:
فقال جهم بن صفوان أن البارئ لا يقال أنه شيء لأن الشيء عنده هو المخلوق الذي له مثل، وقال أكثر أهل الصلاة أن البارئ شيء.
واختلف القائلون أنه شيء في معنى القول أنه شيء:
فقالت المشبهة: معنى أن الله شيء معنى أنه جسم.
وقال قائلون: معنى أن الله شيء معنى أنه موجود، وهذا مذهب من قال: لا شيء إلا موجود.
وقال قائلون: معنى أن الله شيء هو إثباته، وقد ذهب إلى هذا قوم زعموا أن الأشياء أشياء قبل وجودها وأنها مثبتة أشياء قبل وجودها، وهذا القول مناقضه لأنه لا فرق بين أن تكون ثابتة وبين أن تكون موجودة، وهذا قول أبي الحسين الخياط.
[ ٥١٨ ]
وقال عباد بن سليمان: معنى القول أن الله شيء أنه غير فلا شيء إلا غير ولا غير إلا شيء.
وقال الصالحي: معنى أن الله شيء لا كالأشياء معنى أنه قديم وهو معنى أنه عالم لا كالعلماء قادر لا كالقادرين، وما قال بهذا غيره أحد علمناه.
وقال الجبائي: القول شيء سمة لكل معلوم ولكل ما أمكن ذكره والإخبار عنه فلما كان الله ﷿ معلومًا يمكن ذكره والإخبار عنه وجب أنه شيء.
وكان الجبائي يقول أن البارئ لم يزل غير الأشياء التي يعلم أنها تكون والتي يعلم أنها لا تكون وأنها تعلم أغيارًا له قبل كونها وأن الغيرين لأنفسهما كانا غيرين، ومعنى أنه غير الأشياء أنه يفرق بينه وبين غيره من سائر المعلومات وأنه بمنزلة أنه ليس بعضًا لشيء منها وليس شيء منها بعضًا له، وكذلك كان يقول أن البارئ لم يزل غير الأشياء.
وزعم عباد بن سليمان أن الله يقال أنه قبل ولا يقال قبل الأشياء
[ ٥١٩ ]
فكان لا يقال أول الأشياء ولا يقال أن الأشياء كانت بعده، ولا يقول أن البارئ فرد.
وأما الصالحي فإنه كان يقول أن البارئ لم يزل قبل الأشياء بضم اللام من قبل ولا يقول لم يزل قبل الأشياء بنصب اللام من قبل لأن ذلك لو قيل بنصب اللام لكان قبل ظرفًا.
ومن أهل الكلام من لا يقول أن البارئ غير الأشياء قبل وجودها لأن هذا يوجب أنها غيره قبل كونها وذلك يستحيل عنده، وزعم هذا القائل أن الغير لا يكون غيرًا إلا إذا وجد غيره.
وكان الجبائي لا يجيز قول القائل لم يزل البارئ ولا يزال دون أن يصل ذلك بقول آخر فيقول: لم يزل البارئ عالمًا فإذا وصله بقول يكون خبرًا له جاز.
وأما القول في البارئ أنه موجود:
فزعم الجبائي أن القول في البارئ أنه موجود قد يكون بمعنى معلوم وأن البارئ لم يزل واجدًا للأشياء بمعنى أنه لم يزل عالمًا وأن المعلومات لم تزل موجودات لله معلومات له بمعنى أنه لم يزل يعلمها، وقد يكون موجودًا بمعنى لم يزل معلومًا وبمعنى لم يزل كائنًا.
[ ٥٢٠ ]
وزعم هشام بن الحكم أن معنى موجود في البارئ أنه جسم لأنه موجود شيء.
وأنكر عباد القول في البارئ أنه كائن.
وقال قائلون: معنى أن البارئ موجود معنى أنه شيء.
وقال قائلون: معنى أنه موجود معنى أنه محدود، وهذا قول المشبهة.
وقال قائلون: معنى أنه موجود بنفسه معنى أنه قائم بنفسه.
وقال قائلون: معنى أنه موجود العين لم يزل أنه لم يزل ثابت العين وإنما يرجع بهذا القول إلى إثباته.
وقال عباد: معنى القول أن البارئ موجود إثبات اسم لله، وكان عباد ينكر أن يقال أن البارئ قائم بنفسه وأنه عين وأنه نفس وأن له وجهًا وأن وجهه هو هو وأن له يدين وعينين وجنبًا، ولا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل إلا أن يقرأ القرآن فإما أن يطلق ذلك إطلاقًا فلا، ويتأول ما ذكره الله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك أي تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، وكان لا يقول أن الله كفيل.
وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله ويقول
[ ٥٢١ ]
أن نفس الله سبحانه هي الله وأن الله غير لا كالأغيار وأن له يدين وأيديًا بمعنى نعم وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه ويتأولون قول الله ﷿: لأخذناه منه باليمين أي بالقدرة.
وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.
وقال عباد بن كلاب أن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له وكذلك يداه وعيناه.
وكان الجبائي يقول أن الله لم يزل عالمًا قادرًا على الأشياء قبل كونها بنفسه، وأن الأشياء خطأ أن يقال أشياء قبل كونها لأن كونها هو هي وكان ينكر أن يقال
أشياء قبل أنفسها، ولكنها تعلم أشياء قبل كونها وتسمى أشياء قبل كونها وكذلك الجواهر عنده تسمى جواهر قبل كونها والألوان تسمى ألوانًا قبل كونها، وكان يمنع أن تسمى الهيئات هيئات قبل كونها ويمنع أن تسمى الأجسام أجسامًا قبل كونها وأن تسمى الأفعال أفعالًا قبل كونها.
وكان يزعم أن القول شيء سمة لكل معلوم فلما كانت الأشياء
[ ٥٢٢ ]
معلومات قبل كونها سميت أشياء قبل كونها، وما سمي به الشيء لنفسه فواجب أن يسمى به قبل كونه كالقول جوهر وكذلك سواد وبياض وما أشبه ذلك، وما سمي به لوجود علة لا فيه فقد يجوز أن يسمى به مع عدمه وقبل كونه إذا وجدت العلة التي كان لها مسمى بالاسم كالقول مدعو ومخبر عنه إذا وجد ذكره والإخبار عنه وكالقول فان يسمى به الشيء مع عدمه إذا وجد فناؤه، قال: وما سمي به الشيء لوجود علة فيه فلا يجوز أن يسمى به قبل كونه مع عدمه كالقول متحرك وأسود وما أشبه ذلك، وما سمي به الشيء لأنه فعل وحديث نفسه كالقول مفعول ومحدث لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم قبل كونه، وما سمي به الشيء وسميت به أشياء للتفريق بين أجناسها وغيرها من الأجناس سماها بذلك الاسم قبل كونها، وما سمي به الشيء كان إخبارًا عن إثباته أو دلالة على ذلك القول كائن ثابت وما أشبه ذلك يجوز أن يسمى به قبل كونه، وكان لا يسمى العلم علمًا قبل كونه لأنه اعتقاد الشيء على ما هو به بضرورة أو بدليل ولا يسمى الأمر أمرًا قبل كونه لأنه إنما يكون أمرًا بقصد القاصد إلى ذلك وذلك أنه قد يكون الشيء مخرجه مخرج الأمر وهو تهدد ليس بأمر وكان يقول أن الموجودات التي وجدت هي التي لم تكون قبل كونها
[ ٥٢٣ ]
موجودة وكان لا يمنع من القول لم يزل البارئ عالمًا بالأجسام والمخلوقات لا على أنه يسميها أجسامًا قبل كونها ومخلوقات قبل كونها ولكن على معنى أنه لم يزل عالمًا بأن ستكون أجسامًا مخلوقات.
وكان لا يثبت للبارئ علمًا في الحقيقة به كان عالمًا ولا قدرة في الحقيقة بها كان قادرًا وكذلك جوابه في سائر ما يوصف به القديم لنفسه وكان يفرق بين صفات النفس وصفات الفعل بما حكيناه عن المعتزلة قبل هذا الوضع.
وكان يزعم أن معنى الوصف لله بأنه عالم إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يعلم وإكذاب من زعم أنه جاهل ودلالة على أن له معلومات وأن معنى القول أن الله قادر إثباته والدلالة على أنه بخلاق ما لا يجوز أن يقدر وإكذاب من زعم أنه عاجز والدلالة على أن له مقدورات ومعنى القول أنه حي إثباته واحدًا وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يكون حيًا وإكذاب من زعم أنه ميت، والقول سميع إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع وإكذاب من زعم أنه أصم والدلالة على أن المسموعات إذا كانت سمعها، ومعنى القول بصير إثباته وأنه بخلاف
[ ٥٢٤ ]
ما لا يجوز أن يبصر وإكذاب من زعم أنه أعمى والدليل على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، وقد شرحنا قوله في أنه شيء موجود قديم غير الأشياء قبل هذا الموضع.
وكان يزعم أن العقل إذا دل على أن البارئ عالم فواجب أن نسميه عالمًا وإن لم يسم نفسه بذلك إذا دل العقل على المعنى وكذلك في سائر الأسماء، وأن أسماء البارئ لا يجوز أن تكون على التقليب له.
وخالفه البغداذيون فزعموا أنه لا يجوز أن نسمي الله ﷿ باسم قد دل العقل على صحة معناه إلا أن يسمي نفسه بذلك، وزعموا أن معنى عالم معنى عارف ولكن نسميه عالمًا لأنه سمى نفسه به ولا نسميه عارفًا، وكذلك القول فهم وعاقل معناه عالم ولا نسميه به وكذلك معنى يغضب معنى يغتاظ ولا يقال يغتاظ وكذلك قديم وعتيق معناهما واحد.
وزعم الصالحي أنه جائز أن يسمي الله سبحانه نفسه جاهلًا ميتًا ويسمي نفسه
إنسانًا وحمارًا واللغة على ما هي عليه اليوم ويجوز أن يسمى البارئ على طريق التقليب بهذه الأسماء، وأبى الناس جميعًا هذا.
[ ٥٢٥ ]
واختلفوا هل كان يجوز أن يقلب الله تعالى اللغة فيسمي نفسه جاهلًا بدلًا من تسميته عالمًا:
فجوز ذلك قوم، وقال عباد: لا يجوز أن يقلب الله اللغة ولا يجوز أن يسمي نفسه بغير هذه الأسماء.
وكان الجبائي يزعم أن معنى القول أن الله عالم معنى القول أنه عارف وأنه يدري الأشياء وكان يسميه عالمًا عارفًا داريًا وكان لا يسميه فهمًا ولا فقيهًا ولا موقنًا ولا مستبصرًا ولا مستبينًا لأن الفهم والفقه هو استدراك العلم بالشيء بعد أن لم يكن الإنسان به عالمًا وكذلك قول القائل أحسست بالشيء وفطنت له وشعرت به معناه هذا، واليقين هو العلم بالشيء بعد الشك، ومعنى العقل إنما هو المنع عنده وهو مأخوذ من عقال البعير وإنما سمي علمه عقلًا من هذا، قال: فلما لم يجز أن يكون البارئ ممنوعًا لم يجز أن يكون عاقلًا وليس معنى عالم عنده معنى عاقل، والاستبصار والتحقق هو العلم بعد الشك، وكان يزعم أن البارئ يجد الأشياء بمعنى يعلمها.
وكان يزعم أن البارئ لم يزل عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا ولا
[ ٥٢٦ ]
يقول لم يزل سامعًا مبصرًا ولا يقول لم يزل يسمع ويبصر ويدرك لأن ذلك يعدى إلى مسموع ومبصر ومدرك، وكان يقول أن الوصف لله بأنه سامع مبصر من صفات الذات وإن كان لا يقال لم يزل سامعًا مبصرًا كما أن وصفنا له بأنه عالم بأن زيدًا مخلوق من صفات الذات وإن كان لا يقال لم يزل عالمًا بأنه يخلق، قال: وقد نقول سميع بمعنى يسمع الدعاء ومعناه يجيب الدعاء وهو من صفات الفعل، وكان يقول أن البارئ لم يزل رائيًا بمعنى لم يزل عالمًا ويقول يرى نفسه بمعنى يعلمها،
وكان يزعم أن البارئ لم يزل عالمًا ولا يقول لم يزل رائيًا بمعنى لم يزل مدركًا والرائي عنده قد يكون بمعنى عالم وبمعنى مدرك، وكذلك القول بصير قد يكون عنده بمعنى عالم كالقول: فلان بصير بصناعته أي عالم بها فيقول البارئ لم يزل بصيرًا بمعنى لم يزل عالمًا ويقول لم يزل بصيرًا بمعنى يرى نفسه وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر ونكذب من زعم أنه أعمى وندل بهذا القول على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، فيلزمه أن يقول أن البارئ لم يزل مدركًا على هذا المعنى، وكان يقول أن البارئ لم يزل قويًا قاهرًا عالمًا مستوليًا مالكًا وكذلك القول بأنه متعال على معنى أنه منزه كقوله:
[ ٥٢٧ ]
تعالى الله عما يشركون وأنه لم يزل مالكًا سيدًا ربًا بمعنى أنه لم يزل قادرًا، ولا يقول أن البارئ رفيع شريف في الحقيقة لأن هذا مأخوذ من شرف المكان وارتفاعه، فيلزمه أن لا يقول أنه عال في الحقيقة لأن هذا مأخوذ من علو المكان، وكان يزعم أن معنى عظيم وكبير وجليل أنه السيد ومعنى هذا أنه مالك مقتدر، وكان يقول أن البارئ جبار بمعنى أنه لا يلحقه قهر ولا يناله ذل ولا يغلبه شيء فهذا عنده قريب من معنى عزيز والوصف له بذلك من صفات النفس، ويقول في كريم ما قد شرحناه قبل هذا الموضع، ويقول مجيد بمعنى عزيز ويقول لم يزل البارئ غنيًا بنفسه، فأما القول كريم فقد يكون عنده من صفات النفس إذا كان بمعنى عزيز ويكون عنده من صفات الأفعال إذا كان بمعنى جواد، والقول حكيم بمعنى عليم من صفات النفس عنده، والقول حكيم من طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل، والقول صمد بمعنى سيد من صفات الذات والقول صمد بمعنى أنه مصمود إليه لا من صفات الذات عنده وقد يكون عنده بمعنى أنه عين لا ينقسم ولا يتجزأ، ويكون معنى واحد أنه لا شبه له ولا مثل - وكذلك يقول النجار في معنى واحد -
[ ٥٢٨ ]
ويكون بمعنى أنه لا شريك له في قدمه وإلهيته، والقول إله عنده معناه أنه لا تحق
العبادة إلا له وهو من صفات الذات عنده، ومعنى القول الله أنه الإله فحذفت الهمزة الثانية فلزم إدغام إحدى اللامين في الأخرى ووجب أن يقال أنه الله.
وكان لا يقول أن البارئ معنى لأن المعنى هو معنى الكلام، وكان يقول أن البارئ لم يزل باقيًا في الحقيقة بنفسه لا ببقاء ومعنى أنه باق أنه كائن لا بحدوث، وأنه لا يوصف البارئ بأنه لم يزل دائمًا لا يفنى بل يوصف بأنه لا يزال دائمًا لأن هذا مما يوصف به في المستقبل ويوصف بأنه لم يزل دائمًا لا إلى أول له كما يقال لم يزل دائم الوجود أي لا أول لوجوده، ومعنى قائم وقيوم أي دائم وهو من صفات الذات وكان ينكر قول من قال أن معنى القديم أنه حي قادر وأن معنى سميع أنه يعلم الأصوات والكلام ومعنى بصير أنه يعلم المبصرات، وكان يقول: لم يزل القديم أولًا ولا يزال آخرًا.
وكان يزعم أن الوصف هو الصفة وأن التسمية هي الاسم وهو قولنا: الله عالم قادر، فإذا قيل له: تقول أن العلم صفة والقدرة صفة؟ قال: لم نثبت علمًا فنقول صفة أم لا ولا ثبتنا علمًا في الحقيقة فنقول قديم أو محدث أو هو الله أو غيره، فإذا قيل له: القديم
[ ٥٢٩ ]
صفة؟ قال خطأ لأن القديم هو الموصوف ولكن الصفة قولنا الله وقولنا القديم.
وكان يقول أن الوصف لله بأنه مريد محب ودود راض ساخط غضبان موال معاد حليم رحمان رحيم راحم خالق رازق بارئ مصور محي مميت من صفات الفعل وأن كل ما يحب إلى القديم فيه أو وصف بضده أو بالقدرة على ضده فهو من صفات الفعل، وكان يزعم أن الوصف لله بأنه متكلم أنه فعل الكلام، وكان يزعم أن معنى الإرادة منه كمعنى الإرادة منا وهي محبته للشيء وكذلك الكراهة هي البغض للشيء، وأن الرضى منه هو الرضى عنا ولعملنا ورضاه عنا لهذا العمل معنى واحد وهو أن نكون قد فعلنا ما لم يرد منا أكثر منه وهو كما قال مراده
منا، وكان يقول أن غضبه هو سخطه، وكان يفرق بين الإرادة والشهوة ولا يجوز الشهوة على البارئ، وكان يزعم أن حلم الله سبحانه هو إمهاله لعباده وفعل النعم التي يضاد كونها كون الانتقام وهي صرف الانتقام عنهم وأنه لو يفعل ذلك لم يوصف بالحلم، وكان لا يصف البارئ بالصبر
[ ٥٣٠ ]
والوقار والزراية، وكان لا يزعم أن البارئ حنان لأنه إنما أخذ من الحنين وكان يزعم أن البارئ محبل وأنه لا محبل للنساء في الحقيقة سواه فيلزمه والد في الحقيقة وأنه لا والد سواه، وكان يقول أن البارئ لا يزال خالدًا وأن الوصف له بذلك من صفات الذات ولا يقول لم يزل خالدًا، وكان مرة يقول أن الأجسام إذا تقادم وجودها قيل لها قديمة في الحقيقة إلى غاية وأول ثم رجع عن ذلك.
وكان لا يزعم أن الإنسان باق في الحقيقة لأن الباقي هو الكائن لا بحدوث والإنسان كائن بحدوث.
وكان إذا قيل له: لم اختلفت المسميات والمسمى بها واحد والمعاني والمعنى بها واحد ولم ليس معنى عالم معنى قادر؟
قال: لاختلاف المعلوم والمقدور لأم من المعلومات ما لا يجوز أن يوصف القادر بأنه قادر عليه، وكذلك القول في سميع بصير اختلف القول فيهما لاختلاف المسموعات والمبصرات، وكان يجيب أيضًا بأن الأسماء والصفات اختلفت لاختلاف الفوائد لأني إذا قلت أن البارئ عالم أفدتك علمًا به ودللتك على معلومات وأكذبت من قال أنه جاهل وأفدتك علمًا بأنه خلاف ما لا يجوز أن يعلم، وإذا قلت قادر أفدتك
[ ٥٣١ ]
علمًا به وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يقدر وأكذبت من زعم أنه عاجز ودللت على مقدورات، وإنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف العلوم التي أفدتك لما قلت أنه عالم قادر حي سميع بصير.
وكان يقول أن الوصف للبارئ بأنه سبوح قدوس من صفات النفس ومعنى ذلك
تنزيه الله سبحانه عما جاز على عباده من ملامسة النساء ومن اتخاذ الصاحبة والأولاد وسائر الصفات التي لا تليق به، وكان يقول: معنى الوصف لله بأنه واحد وبأنه متوحد واحد وكذلك الوصف له بأنه جبار ومتجبر وكبير ومتكبر، وزعم أنه لا يجوز أن يوصف البارئ بأنه فوق عباده على الحقيقة فإن وجدنا ذلك في صفات الله تعالى فهو مجاز وقد قال الله سبحانه: وهو القاهر فوق عباده وأراد به القادر المستولي على العباد فجعل قوله فوق بدلًا من قوله مستعل، قال: وقد نقول: فوق عباده في العلم والقدرة أي هو أعلم وأقدر منهم وهو توسع، قال: وقد يوصف البارئ سبحانه بأنه قريب من الخلق توسعًا ومعنى ذلك أنه عالم بنا وبأعمالنا سامع القول من الخلق راء لأعمالهم وكذلك تقرب العباد بالطاعة
[ ٥٣٢ ]
إلى الله هذا مجاز، وزعم أن البارئ لا يوصف بأنه متين لأن المتين في الحقيقة هو الثخين وإنما قال المتين توسعًا وأراد أن يبالغ في وصفه بالقوة، وزعم أنه لا يوصف بالشدة والجلد على التوسع لأن الجلد وشدة البدن ليسا من القدرة في شيء لأن ذلك بمعنى الصلابة والله سبحانه لا يجوز أن يوصف بالصلابة فإن وجدنا ذلك من صفات الله سبحانه فهو على المجاز، وليس يجوز أن يوصف الله سبحانه بأنه شديد العقاب وما أشبه ذلك من صفات الأفعال لأن الشديد من صفات الأفعال إنما هي الأفعال وقول الله ﷿: أشد منهم قوة مجاز معناه أنه أقدر منهم ولو لم يكن ذلك مجازًا لكانت قوته شديدة في الحقيقة وقوته في الحقيقة لا توصف بالشدة.
وكان يزعم أن البارئ مشاهد للأشياء بمعنى أنه راء لها وسامع لها فقيل له من معنى الرؤية والسمع أنه مشاهد على التوسع لأن المشاهد منا للشيء هو الذي يراه ويسمعه دون الغائب منا، وكان يصف البارئ بأنه مطلع على العباد وأعمالهم توسعًا ومعنى ذلك عنده أنه عالم بهم وأعمالهم، وكان يزعم أن الوصف لله بأنه
غني أنه لا يصل إليه
[ ٥٣٣ ]
المنافع والمضار ولا يجوز عليه اللذات والسرور ولا الآلام والغموم ولا يحتاج إلى غيره.
وكان يزعم أن البارئ نور السموات والأرض توسعًا ومعنى ذلك أنه هادي أهل السموات والأرض وأنهم به يهتدون كما يهتدون بالنور والضياء وأنه لا يجوز أن نسميه نورًا على الحقيقة إذ لم يكن من جنس الأنوار لأنا لو سميناه بذلك وليس هو من جنسها لكانت التسمية له بذلك تلقيبًا إذ كان لا يستحق معنى الاسم ولا الاسم من جهة العقول واللغة ولو جاز ذلك لجاز أن يسمى بأنه جسم ومحدث وبأنه إنسان وإن لم يكن مستحقًا لهذه الأسماء ولا لمعانيها من جهة اللغة فلما لم يجز ذلك لم يجز أن يسمى على جهة التلقيب.
وكان الحسين النجار يزعم أنه نور السموات والأرض بمعنى أنه هادي أهل السموات والأرض.
وكان الجبائي يزعم أن معنى وصف الله نفسه بأنه السلام أنه المسلم الذي السلامة إنما تنال من قبله، وكذلك قوله بأن الله هو الحق إنما أراد أن عبادة الله هي الحق، قال: وقد يجوز أيضًا أن يعني بقوله أن الله هو الحق أن الله هو الباقي المحيي المميت المعاقب وأن ما يدعون من دونه الباطل أراد بذلك أنه يبطل ويذهب ولا يملك لأحد ثوابًا ولا عقابًا، وزعم أن الوصف لله بأنه مؤمن أنه
[ ٥٣٤ ]
آمن العباد من أن يأخذ أحدًا منهم بغير حق وأن معنى المهيمن أنه الأمين على الأشياء وأن الهاء التي في المهيمن بدلًا من الهمزة التي في الأمين وكذلك معنى قوله: ومهيمنًا عليه معنى أمينًا عليه وكان يصف البارئ بأنه جواد ولا يصفه بأنه سخي لأن ذلك إنما أخذوه من قولهم أرض سخاوية أي لينة، وكان يقول أن الوصف لله سبحانه بأنه غالب من صفات الذات ومعناه أنه قاهر مقتدر، والوصف له بأنه طالب عنده من صفات الفعل ومعناه أنه يطلب من الظالم حق المظلوم، وكان يزعم أن الوصف
لله سبحانه بأنه راحم من صفات الفعل وأن معناه أنه منعم ناظر محسن.
ويزعم أن البارئ لا يوصف بالإشفاق على عباده لأن معناه الحذر وذلك أن ترك المريض للأغذية الردية إشفاقًا منها إنما هو لحذره من المرض ولا يجوز ذلك على الله، وكان يزعم أن معنى الوصف لله بأنه لطيف قد يكون بمعنى منعم وقد يكون بمعنى أنه لطيف التدبير والصنع لأن تدبيره لا يعرفه العباد للطفه، وكان لا يصف البارئ بأنه رفيق لأن الرفق في الأمور هو الاحتيال لإصلاحها ولإتمامها والتسبب إلى ذلك، وزعم أن الله يوصف بأنه ناظر لعباده بمعنى أنه منعم عليهم ولا يوصف بذلك عنده بمعنى الرؤية لأن النظر في الحقيقة إلى الشيء ليس هو
[ ٥٣٥ ]
الرؤية وإنما هي تحديق العين وتقليبها نحو المرئي وكذلك الاستماع عنده للصوت غير السمع له وغير إدراكه وإنما هو الإصغاء إليه إذا كان سمعه وأدركه ولا يجوز أن يوصف البارئ عنده بالاستماع، وكذلك النظر في الأمر ليقف الناظر على صحته أو بطلانه هو الفكر ولا يجوز الفكر على الله سبحانه، ومعنى الوصف لله بالغفران عنده أنه غفور وأنه يستر على عباده ويحط عنهم عقاب ذنوبهم ولا يفضحهم والمغفر إنما سمي مغفرًا لأنه يستر رأس الإنسان ووجهه في الحرب، وزعم أن الوصف لله بأنه شكور على جهة المجاز لأن الشكور في الحقيقة شكر النعمة التي للمشكور على الشاكر فلما كان مجازيًا للمطيعين على طاعاتهم جعل مجازاته إياهم على طاعاتهم شكرًا على التوسع إذ كان الشكر في الحقيقة هو الاعتراف بنعمة المنعم، وليس الحمد عنده هو الشكر لأن الحمد ضد الذم والشكر ضد الكفر، وزعم أن البارئ يوصف بأنه حميد ومعنى ذلك أنه محمود على نعمه، وكان يزعم أن البارئ إذا فعل الصلاح لم يقل له صالح وإنما الصالح من صلح بالصلاح، وكذلك قول غيره.
وكان لا يسمي الله بما فعل من الفضل فاضلًا لأنه إنما يفضل بذلك
[ ٥٣٦ ]
غيره وهو
﷿ مستغن عن الأفضال أن يفضل بها أو يشرف بها وإنما يشرف ويفضل بالأفضال من تفضل الله بها عليه، وكذلك يقول غيره.
وكان يزعم أن الله خير بما فعل من الخير لأن من كثر منه الشر قيل له شرير، وزعم أن الأمراض والأسقام ليست بشر في الحقيقة وإنما هي شر في المجاز وكذلك كان قوله في جهنم، وكان يزعم أن جمع فاعل الشر أشرار، وكان يقول أن عذاب جهنم ليس بخير ولا شر في الحقيقة لأن الخير هو النعمة وما للإنسان فيه منفعة والشر هو العبث والفساد وعذاب جهنم فليس بصلاح ولا فساد وليس برحمة ولا منفعة ولكنه عدل وحكمة.
وخالفه الإسكافي وغيره في ذلك فزعموا أن عذاب جهنم خير في الحقيقة ومنفعة وصلاح ورحمة بمعنى أنه نظر لعباده إذ كانوا بعذاب جهنم قد رهبوا من ارتكاب الكفر.
وأما أهل الإثبات فيقولون أن عذاب جهنم ضرر وبلاء وشر في الحقيقة وأن ذلك ليس بخير ولا صلاح ولا منفعة ولا رحمة ولا نظر.
وزعم عباد بن سليمان أن الله سبحانه لم يفعل شرًا بوجه من الوجوه ولم يقل أن عذاب جهنم شر في الحقيقة ولا في المجاز
[ ٥٣٧ ]
وكذلك قوله في الأمراض والسقام، وهو يعارض المعتزلة فيقول لهم: إذا قلتم أن البارئ فعل فعلًا هو شر على وجه من الوجوه فما أنكرتم من أن يكون شريرًا؟
واختلفوا هل يقال أن الله يضر أم لا:
فقال أهل الإثبات أن الله ينفع المؤمنين ويضر الكافرين في الحقيقة في دنياهم وفي الآخرة في إتيانهم وأن كل ما فعله بهم فهو ضرر عليهم في الدين لأنه إنما فعله بهم ليكفروا وهم في ذلك فريقان:
فقال بعضهم أن لله نعمًا على الكافرين في دنياهم كنحو المال وصحة البدن وأشباه
ذلك، وأبى ذلك بعضهم لأن كل ما فعله بالكفار إنما فعله بهم ليكفروا.
وقال الجبائي أن الله لا يضر أحدًا في باب الدين ولكنه يضر أبدان الكفار بالعذاب في جهنم وبالآلام التي يعاقبهم بها.
وأنكر ذلك أكثر المعتزلة وقالوا: لا يجوز أن يضر الله أحدًا في الحقيقة كما لا يجوز أن يغر أحدًا في الحقيقة.
واختلف الناس في معنى القول أن الله خالق:
فقال قائلون: معنى أن الخالق خالق أن الفعل وقع منه بقدرة قديمة
[ ٥٣٨ ]
فإنه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق، ومعنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، وهذا قول أهل الحق.
وقال قائلون: معنى الخالق أنه يفعل لا بآلة ولا بجارحة فمن فعل لا بآلة ولا بجارحة فهو خالق، وهذا قول الإسكافي وطوائف من المعتزلة.
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي أن معنى الخالق أنه يفعل أفعاله مقدرة على مقدار ما دبرها عليه وذلك هو معنى قولنا في الله أنه خالق، وكذلك القول في الإنسان أنه خالق إذا وقعت منه أفعال مقدرة، وأبى ذلك سائر المعتزلة.
وزعم عباد أن معنى خالق معنى بارئ ومعنى مخلوق معنى مبري.
واختلفوا هل يقال أن الإنسان فاعل على الحقيقة:
فقالت المعتزلة كلها إلا الناشي أن الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز.
وقال الناشي: الإنسان لا يفعل في الحقيقة ولا يحدث في الحقيقة، وكان لا يقول أن البارئ يحدث كسب الإنسان فلزمه محدث لا لمحدث في الحقيقة ومفعول لا لفاعل في الحقيقة.
[ ٥٣٩ ]
وكثير من أهل الإثبات يقولون أن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى مكتسب ويمنعون أنه محدث، وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة بمعنى مكتسب.
ورأيت منهم من إذا سألوه هل الإنسان فاعل في الحقيقة قال: هذا كلام على أمرين: إن أردتم أنه خالق في الحقيقة فهذا خطأ وإن أردتم أنه مكتسب فهو مكتسب، فإذا قالوا له: فتقول أنه فاعل بمعنى مكتسب؟ قال: إن أردتم أنه مكتسب فنعم هو مكتسب، وكلما سألوه عن لفظة يفعل قسم الأمر على وجهين على سبيل ما حكيناه، وهذا قول الكوشاني.
وبلغني أن يحيى بن أبي كامل قال: لا أقول أن البارئ يفعل إلا على المجاز ولا أقول أن الإنسان يفعل إلا على المجاز والحقيقة في الإنسان أنه مكتسب وفي البارئ أنه خالق.
وبلغني أن برغوثًا قيل له مرة: أتزعم أن البارئ فاعل؟ فقال: لا أقول ذلك لأن يفعل تهجين في الاستعمال يقال للإنسان بئس ما فعلت فألزم أن لا يكون البارئ خالقًا تهجين في نص القرآن قال الله ﷿: وتخلقون إفكًا
[ ٥٤٠ ]
فهجنهم بذلك وما كان تهجينًا في نص القرآن فهو أغلظ مما كان تهجينًا في استعمال العامة.
وسمعت أحمد بن سلمة الكوشاني وكان من أصحاب الحسين النجار يقول لا أزعم أن البارئ يفعل الجور لأن هذا القول يوهم أنه جائر، وهذا القول منه غلط عندي.
ومن أهل الإثبات من يقول أن الله يفعل في الحقيقة بمعنى يخلق وأن الإنسان لا يفعل في الحقيقة وإنما يكتسب في التحقيق لأنه لا يفعل إلا من يخلق إذ كان معنى فاعل في اللغة معنى خالق ولو جاز أن يخلق الإنسان بعض كسبه لجاز أن يخلق كل كسبه كما أن القديم لما خلق بعض فعله خلق كل فعله.
واتفق أهل الإثبات على أن معنى مخلوق معنى محدث ومعنى محدث معنى
مخلوق، وهذا هو الحق عندي وإليه أذهب وبه أقول.
وقال زهير الأثري وأبو معاذ التومني: معنى خالق أنه وقع عن إرادة من الله وقول له كن، وقال كثير من المعتزلة بذلك منهم أبو الهذيل.
وقد قال قائلون: معنى المخلوق أن له خلقًا ولم يجعلوا الخلق قولًا على وجه من الوجوه، منهم أبو موسى وبشر بن المعتمر.
[ ٥٤١ ]
واختلف الناس في معنى مكتسب:
فقال قوم من المعتزلة: معناه أن الفاعل فعل بآلة وبجارحة وبقوة مخترعة.
وقال الجبائي: معنى المكتسب هو الذي يكتسب نفعًا أو ضررًا أو خيرًا أو شرًا أو يكون اكتسابه للمكتسب غيره كاكتسابه للأموال وما أشبه ذلك واكتسابه للمال غيره والمال هو الكسب له في الحقيقة وإن لم يكن له فعلًا.
والحق عندي أن معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته.
واختلف الناس في معنى قول الله ﷿: الأول والآخر فزعم أكثر الناس أن الآخر معناه أن يكون بعد فناء الدنيا وأن الله بعد الخلق فيدخل أهل الجنة الجنة ويدخل الكفار النار وأن أهل الجنة لا يزالون مثابين ولا يزال الكفار معاقبين.
وزعم الجهم بن صفوان أن معنى الآخر أنه لا يزال كائنًا موجودًا ولا شيء سواه ولا موجود غيره وأن الجنة والنار تفنيان ويبيد من فيهما ويفنى.
[ ٥٤٢ ]
وزعمت البطيخية أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأن أهل النار في النار يتنعمون بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل ودود العسل يتلذذ بالعسل.
وقال أبو الهذيل - وقد حكيناه قوله قبل هذا الموضع - أن أهل الجنة تنقطع حركاتهم فيسكنون سكونًا دائمًا ويكونون سكونًا بسكون باق متلذذين بلذات باقية.
وزعم بعض المعتزلة أن معنى أن الله هو الآخر أنه الباقي.
وقال من مال إلى أنه لا شيء إلا موجود أن معنى الأول أنه لم يزل كائنًا ولا شيء سواه وأن الأشياء لو كانت تعلم أشياء غير كائنة لم يصح أن البارئ هو الأول إذ كان لا يصح الوصف له بأنه موجود إلا وهو عالم بأشياء غير كائنة، وقال من خالفهم أن حقيقة الأول أنه لم يزل موجودًا ولا شيء سواه موجود وإن كانت الأشياء يعلمها أشياء غير كائنة.
القول في البارئ أنه كامل:
كان الجبائي لا يزعم أن البارئ يوصف بأنه كامل لأن الكامل هو من تمت خصاله وأبعاضه ولأن الكامل في بدنه هو الذي قد تمت أبعاضه وكذلك الكامل في خصاله من تمت خصاله منا نحو كمال الرجل
[ ٥٤٣ ]
في علمه وعقله ورأيه وقوله وفصاحته فلما كان الله ﷿ لا يوصف بالأبعاض لم يجز أن يوصف بالكمال في ذاته ولا بالنقصان ولما لم يجز أن يشرف بأفعاله لم يجز أن يوصف بالكمال في ذاته من جهة الأفعال وكذلك لا يوصف بأنه وافر لأن معنى ذلك كمعنى الكامل وكذلك لا يقال تام لأن تأويل التام والكامل واحد.
وقال: لا يجوز أن يوصف بالشجاعة لأن الشجاعة هي الجرأة على المكاره وعلى الأمور المخوفة.
وكان يزعم أن الوصف لله سبحانه بأنه مختار معناه أنه مريد إذ لم يكن ملجأً إلى ما أراده ولا مكرهًا ولا مضطرًا إليه والإرادة هي الاختيار وكذلك القول في أن الإنسان مختار عنده وأن الاختيار غير المختار كما أن الإرادة غير المراد وأن اختيار الله للأنبياء هو اختياره لإرسالهم وهو إرادته لذلك، وزعم أن معنى الاصطفاء من الله للأنبياء برسالته هو اختصاصه إياهم بها وليس معنى الاصطفاء معنى الاختيار لأن كل ما يريده الإنسان من غير أن يلجأ إليه فهو مختار له كما يكون مختارًا للأكل والشرب ولا يكون مصطفيًا لذلك، وزعم أن الإرادة ليس هي
الضمير وأن الضمير محل الإرادة.
[ ٥٤٤ ]
وزعم أن معنى أن الله يمتحن عباده ويختبرهم هو أنه يكلفهم وذلك توسع وإنما معنى ذلك أنه يكلفهم طاعته فلذلك لم يجز أن يقال يجربهم وكذلك معنى يبتلي أنه يكلفهم.
فأما الترك فقد اختلف الناس في ذلك:
فجوز قوم على الله سبحانه الترك وأنه فعل شيئًا فقد ترك بفعل الشيء فعل ضده.
وقد قال الحسين بالترك وأن البارئ لم يزل تاركًا.
وقال قائلون: لا يجوز على البارئ الترك وليس الترك منه معنى كما لا يجوز عليه كف النفس ومنعها وكما لا يوصف بالامتناع والكف.
القول أن البارئ لم يزل خالقًا:
قال أكثر أهل الكلام: لا يجوز إطلاق ذلك.
وقال قائلون: قد يجوز أن يقال: لم يزل البارئ خالقًا على أن سيخلق.
وقال قائلون: لم يزل البارئ خالقًا على إثباته لم يزل خالقًا في الحقيقة، وهذا قول بعض الرافضة.
[ ٥٤٥ ]