قال عبد الله بن كلاب: لم يزل الله عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا عزيزًا عظيمًا جليلًا متكبرًا جبارًا كريمًا جوادًا واحدًا صمدًا فردًا باقيًا أولًا ربًا إلهًا مريدًا كارهًا راضيًا عمن يعلم أنه يموت مؤمنًا وإن كان أكثر عمره كافرًا، ساخطًا على من يعلم أنه يموت كافرًا وإن كان أكثر عمره مؤمنًا، محبًا مبغضًا مواليًا معاديًا قائلًا متكلمًا رحمانًا بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وعزة وعظمة وجلال وكبرياء وجود وكرم وبقاء وإرادة وكراهة ورضىً وسخط وحب وبغض ومولاة ومعاداة وقول وكلام ورحمة وأنه قديم لم يزل بأسمائه وصفاته، وكان يقول أن أسماء الله وصفاته لذاته لا هي الله ولا هي غيره وأنها قائمة بالله ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول أن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له وكذلك يداه وعينه وبصره صفات له لا هي هو ولا غيره وأن ذاته هي هو
[ ١٦٩ ]
ونفسه هي هو وأنه موجود لا بوجود وشيء لا بمعنى له كان شيئًا، وكان يزعم أن صفات البارئ لا تتغاير وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها وكذلك كل صفة من صفات الذات لا هي الصفة الأخرى ولا غيرها.
واختلفت أصحاب عبد الله بن كلاب في القول بأن الله قديم بقدم أم لا بقدم على مقالتين:
فمنهم من زعم أن الله قديم لا بقدم، ومنهم من زعم أنه قديم بقدم.
واختلفوا هل يطلق في الصفات أنها لا هي الموصوف ولا غيره أم لا يطلق ذلك:
فقال قائلون: ليست الصفات هي الموصوف ولا غيره.
وقال قائلون: لا يقال للصفات هي الموصوف ولا يقال هي غيره وامتنعوا من أن يقولوا أن الصفات لا هي الموصوف ولا هي غيره.
واختلف من يثبت الصفات ولم يقل هي البارئ ولم يقل هي غيره هل الصفات تتغاير وهل كل صفة منها هي غير الصفة الأخرى أم ليست غيرها على ثلاث مقالات:
فقال بعضهم: الصفات تتغاير وهي أغيار وليس هي مع ذلك
[ ١٧٠ ]
غير البارئ، وقال قائلون: كل صفة لا هي البارئ ولا هي غيره، وقال قائلون: كل صفة لا يقال هي الأخرى ولا يقال هي غيرها ولم يقولوا: لا هي الأخرى ولا غيرها.
واختلف المثبتون لعلم البارئ سبحانه ووجهه أهو هو أم ليس هو على مقالتين:
فقال سليمان بن جرير: وجه الله هو الله وعلمه ليس هو، وقال بعضهم: وجه الله صفة لا يقال هي هو ولا يقال غيره وامتنعوا أن يقولوا لا هي هو ولا غيره.
واختلفوا في صفات البارئ سبحانه هل يقال أنها أشياء أو لا يقال أنها أشياء على ثلاث مقالات:
فقال سليمان بن جرير: علم البارئ شيء وقدرته شيء وحياته شيء ولا أقول: صفاته أشياء، وقال بعض أصحاب الصفات: صفات البارئ أشياء، وقال بعضهم: لا أقول العلم شيء ولا أقول الصفات أشياء لأني إذا قلت البارئ شيء بصفاته استغنيت عن أن أقول صفاته أشياء.
واختلف أصحاب الصفات في صفات البارئ هل هي قديمة أو محدثة على مقالتين:
[ ١٧١ ]
فقال قائلون: إن صفات البارئ قديمة، وقال قائلون: إذا قلنا أن البارئ قديم بصفاته استغنينا عن أن نقول أن الصفات قديمة وقالوا: لا يقال أن الصفات قديمة ولا يقال أنها محدثة.
واختلفوا في اسم البارئ جل وعز هل هو البارئ أم غيره على أربع مقالات:
فقال قائلون: أسماؤه هي هو وإلى هذا القول يذهب أكثر أصحاب الحديث، وقال قائلون من أصحاب ابن كلاب أن أسماء البارئ لا هي البارئ ولا غيره، وقال قائلون من أصحابه: أسماء البارئ لا يقال هي البارئ ولا يقال هي غيره وامتنعوا من أن يقولوا: لا هي البارئ ولا غيره، وقال قائلون: أسماء البارئ هي غيره وكذلك صفاته، وهذا قول المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية.
واختلف الذين لم يقولوا الأسماء والصفات هي البارئ في الأسماء والصفات ما هي على مقالتين:
فقالت المعتزلة والخوارج: الأسماء والصفات هي الأقوال وهي قولنا: الله عالم الله قادر وما أشبه ذلك.
[ ١٧٢ ]
وقال عبد الله بن كلاب: أسماء الله هي صفاته وهي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر صفاته.
واختلف الناس في القول أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا على أربع مقالات:
فحكى جعفر بن حرب عن أبي الهذيل أنه قال: لا أقول أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا لا على أن يسمع ويبصر لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر، وأظن الحاكي هذا عن أبي الهذيل كان غالطًا.
وقال عباد بن سليمان: لا أقول أن البارئ لم يزل سميعًا بصيرًا لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر لأن قولي أن الله سميع إثبات اسم لله ومعه علم بمسموع والقول بصير إثبات اسم لله ومعه علم بمبصر، وكان يقول: السميع لم يزل وسميع لم يزل قال ولا أقول: لم يزل السميع ولا أقول لم يزل سميعًا.
وقال النظام وأكثر المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية وعبد الله بن كلاب وأصحابه أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا، ومن ثبت من المعتزلة علم البارئ هو البارئ وإن معنى قولي
[ ١٧٣ ]
عالم إثبات علم هو الله وأنفي عن الله جهلًا فكذلك يقول في سمعه وبصره وإن معنى قولي سميع أني أثبت سمعًا هو الله وأنفي عن الله الصمم، وإن معنى قولي بصير أني أثبت بصرًا هو الله وأنفي عن الله العمى.
ومن قال أن البارئ عالم بنفسه فكذلك يقولسميع بصير لا بسمع وبصر.
ومن قال أن القول عالم إثبات اسم الله ومعه علم بمعلوم فكذلك يقول قولي سميع إثبات اسم الله ومعه علم بمسموع وقولي بصير إثبات اسم الله ومعه علم بمبصر.
ومن قال: معنى عالم إثبات ذات البارئ ونفي الجهل عنها فكذلك يقول: معنى سميع بصير إثبات ذات البارئ ونفي الصمم والعمى عنها.
ومن قال: معنى عالم أنه ليس بجاهل فكذلك يقول: معنى سميع بصير أنه ليس أصم ولا أعمى.
ومن قال: اختلف القول عالم قادر لاختلاف ما نفينا عن الله
[ ١٧٤ ]
من الجهل والعجز فكذلك يقول: اختلف القول سميع بصير لاختلاف ما نفينا عن الله من الصمم والعمى.
ومن قال: اختلف القول عالم قادر لاختلاف المعلوم والمقدور لا لاختلاف القول به فكذلك يقول: اختلف القول سميع بصير لاختلاف المسموع والمبصر أو
لاختلاف الفوائد التي تقع عند قولنا سميع بصير.
واختلف الذين قالوا أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا هل يقال لم يزل سامعًا مبصرًا أم لا يقال ذلك على مقالتين:
فقال الإسكافي والبغداذيون من المعتزلة أن الله لم يزل سميعًا بصيرًا سامعًا مبصرًا يسمع الأصوات والكلام ومعنى ذلك أنه يعلم الأصوات والكلام وأن ذلك لا يخفى عليه لأن معنى سميع وبصير عنده وعند من وافقه أنه لا تخفى عليه المسموعات والمبصرات.
وقال الجبائي: لم يزل الله سميعًا بصيرًا وامتنع من أن يكون م يزل سامعًا مبصرًا ومن أن يكون لم يزل يسمع لأن سامعًا مبصرًا
[ ١٧٥ ]
يعدى إلى مسموع ومبصر فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمبصرات لم تزل موجودات لم يجز أن يكون لم يزل سامعًا مبصرًا، وسميع بصير لا يعدى زعم إلى مسموع ومبصر لأنه يقال للنائم سميع بصير وإن لم يكن بحضرته ما يسمعه ويبصره ولا يقال للنائم أنه سامع مبصر.
وكان يقول: معنى قولي أن الله سميع إثبات لله وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع ودلالة على أن المسموعات إذا كانت سمعها وإكذاب لمن زعم أنه أصم، وكان يقول: القول في الله أنه بصير على وجهين: يقال بصير بمعنى عليم كما يقال رجل بصير بصناعته أي عالم بها وبصير بمعنى أنا نثبت ذاته ونوجب أنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر وندل على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، ونكذب من زعم أنه أعمى.
واختلف الناس في معنى القول في الله سبحانه أنه حي هل هو معنى أنه قادر أم لا على مقالتين:
فقالت المعتزلة من البصريين وأكثر الناس: ليس معنى القول أن الله حي معنى
القول أنه قادر.
[ ١٧٦ ]
وقالت طوائف من معتزلة البغداذيين منهم الإسكافي وغيره: معنى القول فيه أنه حي أنه قادر.
واختلف الذين قالوا لم يزل الله غنيًا عزيزًا عظيمًا جليلًا كبيرًا سيدًا مالكًا قاهرًا عاليًا في القول أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد مالك رب قاهر عال هل قيل ذلك لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وملك وربوبية وقهر وعلو أم لم يقل ذلك على خمس مقالات:
فقالت المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد جبار مبصر رب مالك قاهر عال لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وربوبية وقهر، وكذلك قالوا في القول أنه واحد فرد موجود باق رفيع أنه لم يوصف بذلك لإلهية وبقاء ووحدانية ووجود، وكذلك سائر الصفات التي ليست صفاته ولم يوصف بها لمعان.
وأما أبو الهذيل من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه وقال:
هي البارئ كما قال في العلم والقدرة، فإذا قيل له: العلم هو القدرة؟ قال: خطأ أن يقال هو القدرة وخطأ أن يقال هو غير القدرة، وهذا نحو ما أنكر من قول عبد الله بن كلاب.
[ ١٧٧ ]
وأما النظام فإنه رجع من إثباته أن البارئ عزيز إلى إثبات ذاته ونفي الذلة عنه، وكذلك قوله في سائر ما يوصف به البارئ لذاته على هذا الترتيب.
وأما عباد فكان إذا سئل عن القول عزيز قال: إثبات اسم لله ولم يقل أكثر من هذا، وكذلك جوابه في عظيم مالك سيد.
وقال ابن كلاب ما حكيناه عنه قبل هذا الموضع، واختلف عنه في الإلهية فمن
أصحابه من يثبت الإلهية معنىً، ومنهم من لا يثبتها معنىً.
واختلفوا في القول أن الله كريم هل هو من صفاته لنفسه أم لا على أربع مقالات:
فقال عيسى الصوفي في الوصف لله بأنه كريم أنه من صفات الفعل والكرم هو الجود، وكان إذا قيل له: أفتقول أنه لم يزل غير كريم؟ امتنع من ذلك، وكذلك كان يقول في الإحسان أنه من صفات الفعل ويمتنع من القول أنه لم يزل غير محسن وكذلك جوابه في العدل والحلم.
وقال الإسكافي: الوصف لله بأنه كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة فعل إذا كان الكرم بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء لنفسه.
[ ١٧٨ ]
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: الوصف لله بأنه كريم على وجهين: فالوصف له بأنه كريم بمعنى عزيز من صفات الله لنفسه والوصف له بأنه كريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل.
وقال ابن كلاب: الوصف لله بأنه كريم ليس من صفات الفعل واختلفوا في صفات الفعل عندهم من الإحسان والعدل وما أشبه ذلك هل يقال لم يزل الله غير محسن إذ كان للإحسان فاعلًا غير عادل إذ كان للعدل فاعلًا على مقالتين:
فمنهم من كان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل وقلت أن العدل فعل فقل أن الله لم يزل غير محسن ولا عادل! قال: نقول أنه لم يزل غير محسن ولا مسيء وغير عادل ولا جائر حتى يزول الإيهام ولم يزل غير صادق ولا كاذب، وهذا قول الجبائي.
وكان عباد إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل محسنًا عادلًا؟ قال: لا أقول ذلك، فإن قيل له: فلم يزل غير محسن ولا عادل؟ قال: لا أقول ذلك، وكذلك إذا قيل له: لم يزل خالقًا؟ أنكر ذلك، وإذا قيل له: لم يزل غير خالق؟ أنكر ذلك.
وجميع المعتزلة لا ينكر أن يكون الله لم يزل غير خالق ولا رازق
[ ١٧٩ ]
ولا فاعل وكذلك كل ما ليس في نعته إيهام من صفات الفعل لا يمتنعون منه كالقول محي مميت باعث وارث وما أشبه ذلك.
واختلف المتكلمون في معنى القول في الله أنه قديم
فقال بعضهم: معنى القول أن الله قديم أنه لم يزل كائنًا لا إلى أول وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية.
وقال عباد بن سليمان: معنى قولنا في الله أنه قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل هو أنه قديم، وأنكر عباد القول بأن الله كائن متقدم للمحدثات وقال: لا يجوز أن يقال ذلك.
وقال بعض البغداذيين: معنى قديم أنه إله.
وقال عبد الله بن كلاب: معنى قديم أن له قدمًا.
وقال أبو الهذيل: معنى أن الله قديم إثبات قدم لله هو الله.
وحكي عم معمر أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم إلا إذا حدث المحدث.
وحكي عن بعض المتقدمين أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم على وجه من الوجوه.
[ ١٨٠ ]
واختلف المتكلمون هل يسمى البارئ شيئًا أم لا على مقالتين:
فقال جهم وبعض الزيدية أن لبارئ لا يقال أنه شيء لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل، وقال المسلمون كلهم أن البارئ شيء لا كالأشياء.
واختلفت المعتزلة في القول أن الله غير الأشياء على أربع مقالات:
فقال قائلون أن البارئ غير الأشياء وزعموا أن معنى القول في الله أنه شيء أنه غير الأشياء بنفسه ولا يقال أنه غيرها لغيرية، والقائل بهذا القول عباد بن سليمان.
وقال قائلون: البارئ غير الأشياء والأشياء غيره فهو غير الأشياء لنفسه وأنفسها، والقائل بهذا القول الجبائي.
وقال قائلون أن البارئ غير الأشياء لغيرية لا لنفسه، وزعم صاحب هذا القول أن الغيرية صفة للبارئ لا هي البارئ ولا هي غيره، والقائل بهذا القول هو الحلقاني، وكان يزعم أن الجواهر تتغاير بغيرية يجوز ارتفاعها فلا تتغاير وأن الأعراض لا تتغاير،
[ ١٨١ ]
وكان يقول في صفات الإنسان أنها ليست هي الإنسان ولا هي غيره كما يقول ذلك في صفات البارئ.
وقال قائلون: قولنا البارئ غير الأشياء إنما معناه أنه ليس هو الأشياء.
واختلفوا في معنى القول أن الله جواد وهل الوصف له بذلك من صفات النفس أو من صفات الفعل على ثلاث مقالات:
فقال قائلون وهم المعتزلة وطوائف من غيرهم أن الوصف لله بالجود من صفات الفعل وأن الله فاعل لجوده وقد كان غير فاعل له.
وقال الحسين بن محمد النجار: الله تعالى لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه ولم يثبت لله جودًا كان به جوادًا.
وقال عبد الله بن كلاب: لم يزل الله جوادًا وأثبت الجود صفة لله لا هي هو ولا هي غيره.
واختلف المتكلمون أن يكون؟ علم الله على شرط على مقالتين:
فقال كثير من المتكلمين من معتزلة البصريين والبغداذيين إلا هشامًا وعبادًا أن الله يعلم أنه يعذب الكافر إن لم يتب من كفره
[ ١٨٢ ]
وأنه لا يعذبه إن تاب من كفره ومات تائبًا غير متجانف لاثم.
وقال هشام الفوطي عباد: لا يجوز ذلك لما فيه من الشرط والله ﷿ لا يجوز أن يوصف بأنه يعلم على شرط ويخبر على شرط، وجوز مخالفوهم أن يوصف
الله بأنه بخير على شرط والشرط في المخبر عنه ويعلم على شرط والشرط في المعلوم.
واختلفوا في القول أن الله عالم حي قادر سميع بصير وهل يقال ذلك في الله على الحقيقة أم لا وهل يقال ذلك في الإنسان في الحقيقة أم لا على ست مقالات:
فقال أكثر المعتزلة أن الله عالم قادر سميع بصير في الحقيقة ولم يمتنعوا أن يقولوا أنه موصوف بهذه الصفات في حقيقة القياس.
وقال عباد: لا أقول أن الله عالم في حقيقة القياس لأني لو قلت أنه عالم في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو وكذلك قوله في قادر حي سميع بصير، وكان يقول: القديم لم يزل في حقيقة القياس لأن القياس ينعكس لأن القديم لم يزل ومن لم يزل فقديم فلو كان البارئ عالمًا في حقيقة القياس لكان لا عالم إلا هو.
وحكي عن بعض الفلاسفة أنه لا يشرك بين البارئ وغيره
[ ١٨٣ ]
في هذه الأسماء ولا يسمى البارئ عالمًا ولا يسميه قادرًا ولا حيًا ولا سميعًا ولا بصيرًا ويقول أنه لم يزل.
وقال بعض أهل زماننا وهو رجل يعرف بابن الإيادي أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير في المجاز والإنسان عالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة وكذلك في سائر الصفات.
وقال الناشئ: البارئ عالم قادر حي سميع بصير قديم عزيز عظيم جليل كبير فاعل في الحقيقة والإنسان عالم قادر حي سميع بصير فاعل في المجاز، وكان يقول أن البارئ شيء موجود في الحقيقة والإنسان شيء موجود في المجاز، وكان يزعم أن البارئ غير الأشياء والأشياء غيره في الحقيقة ويزعم أن النبي ﷺ صادق في الحقيقة فاعل في المجاز، وكان يقول أن الاسم إذا وقع على المسميين فلا يخلو أن يكون وقع عليهما لاشتباههما كقولنا جوهر
وجوهر وماء وماء أو لاشتباه ما احتملته ذاتهما من المعنى كقولنا متحرك ومتحرك وأسود وأسود أو لمضاف أضيفا إليه وميزا منه لولاه ما كانا كذلك نحو محسوس ومحسوس ومحدث ومحدث أو لأنه في أحدهما بالمجاز وفي الآخر بالحقيقة كقولنا للصندل المجتلب من معدنه صندل وكتسميتنا للإنسان
[ ١٨٤ ]
بهذا الاسم فإذا قلنا أن البارئ عالم قادر سميع بصير فلا يجوز أن تكون وقعت هذه الأسماء عليه لمشابهته لغيره ولا يجوز أن تكون وقعت عليه لمعان قامت بذاته ولا يجوز أن تكون وقعت عليه لمضاف أضيف البارئ إليه لأنه لم يزل عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا قبل كون الأشياء فلم يبق إلا أن الأسماء وقعت عليه وهي فيه بالحقيقة وفي الإنسان بالمجاز، وكان لا يستدل بالأفعال الحكمية على أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير لأن الإنسان قد تظهر منه الأفعال الحكمية وليس بعالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة.
وقال أكثر أهل الكلام أن البارئ عالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة والإنسان أيضًا يسمى بهذه الأسماء في الحقيقة.
القول في البارئ أنه متكلم:
اختلفت المعتزلة في ذلك فمنهم من أثبت البارئ متكلمًا، ومنهم من امتنع أن يثبت البارئ متكلمًا وقال: لو ثبته متكلمًا لثبته متفعلًا والقائل بهذا الإسكافي وعباد بن سليمان.
وأنكرت المعتزلة بأسرها أن يكون الله سبحانه لم يزل مريدًا للمعاصي وأنكروا جميعًا أن يكون الله لم يزل مريدًا لطاعته، وأنكرت
[ ١٨٥ ]
المعتزلة بأسرها أن يكون الله لم يزل متكلمًا راضيًا ساخطًا محبًا مبغضًا منعمًا رحيمًا مواليًا معاديًا جوادًا حليمًا عادلًا محسنًا صادقًا خالقًا رازقًا بارئًا مصورًا محييًا مميتًا آمرًا ناهيًا مادحًا ذامًا، وزعموا بأجمعهم أن ذلك أجمع من صفات الله التي يوصف بها لفعله، وزعموا أن
ما يوصف به البارئ لنفسه كالقول قادر حي وما أشبه ذلك لم يجز أن يوصف بضده ولا بالقدرة على ضده لأنه لما وصف بأنه عالم لم يجز أن يوصف بأنه جاهل ولا بالقدرة على أن يجهل، وما وصف البارئ بضده أو بالقدرة على ضده فهو من صفات الأفعال وذلك أنه لما وصف بالإرادة وصف بضدها من الكراهة، وزعموا أنه لما وصف بالبغض وصف بضده من الحب ولما وصف بالعدل وصف بالقدرة على ضده من الجور.
واختلفت المعتزلة في صفات الأفعال كالقول خالق رازق محسن جواد وما أشبه ذلك هل يقال أن البارئ لم يزل غير خالق ولا رازق ولا جواد أم لا على ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنه لا يقال أن البارئ لم يزل خالقًا ولا يقال لم يزل غير خالق ولا يقال لم يزل رازقًا ولا يقال لم يزل غير رازق، وكذلك قولهم في سائر صفات الأفعال، والقائل بهذا
[ ١٨٦ ]
عباد بن سليمان.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن البارئ لم يزل غير خالق ولا رازق، فإذا قيل لهم: فلم يزل غير عادل؟ قالوا: لم يزل غير عادل ولا جائر ولم يزل غير محسن ولا مسيء ولم يزل غير صادق ولا كاذب، قالوا: لأنا إذا قلنا لم يزل غير صادق وسكتنا أوهمنا أنه كاذب وكذلك إذا قلنا لم يزل غير حليم وسكتنا أوهم أنه سفيه ولكن نقيد فيما يقع عنده الإيهام فنقول: لم يزل لا حليمًا ولا سفيهًا فأما ما لا يقع عنده الإيهام كالقول خالق رازق فإنا نقول لم يزل غير خالق ولا رازق، والقائل بهذا الجبائي.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن البارئ ﷿ لم يزل غير خالق ولا رازق ولا يقولون: لم يزل غير عادل ولا محسن ولا جواد ولا صادق ولا حليم لا على تقييد ولا على إطلاق لما في ذلك زعموا من الإيهام، وهذا قول معتزلة البغداذيين
وطوائف من معتزلة البصريين.
واختلفت المعتزلة هل يقال لله علم وقدرة أم لا وهم أربع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنا نقول للبارئ علمًا ونرجع إلى أنه عالم ونقول له قدرة ونرجع إلى أنه قادر لأن الله سبحانه
[ ١٨٧ ]
أطلق العلم فقال: أنزله بعلمه وأطلق القدرة فقال: أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، ولم يطلقوا هذا في شيء من صفات الذات ولم يقولوا حياة بمعنى حي ولا سمع بمعنى سميع وإنما أطلقوا ذلك في العلم والقدرة من صفات الذات فقط، والقائل بهذا النظام وأكثر معتزلة البصريين وأكثر معتزلة البغداذيين.
والفرقة الثانية منهم يقولون: لله علم بمعنى معلوم وله قدرة بمعنى مقدور وذلك أن الله قال: ولا يحيطون بشيء من علمه أراد: من معلومه، والمسلمون إذا رأوا المطر قالوا: هذه قدرة الله أي مقدوره، ولم يقولوا ذلك في شيء من صفات الذات إلا في العلم والقدرة.
والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن لله علمًا هو هو وقدرة هي هو وحياة هي هو وسمعًا هو هو، وكذلك قالوا في سائر صفات الذات، والقائل بهذا القول أبو الهذيل وأصحابه.
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أنه لا يقال لله علم ولا يقال قدرة ولا يقال سمع ولا بصر ولا يقال لا علم له ولا لا قدرة له وكذلك
[ ١٨٨ ]
قالوا في سائر صفات الذات، والقائل بهذه المقالة العبادية أصحاب عباد بن سليمان.
واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهًا هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعًا ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهًا هو هو وذلك أن العرب تقيم الوجه مقام الشيء فيقول القائل: لولا وجهك لم
أفعل أي لولا أنت لم أفعل، وهذا قول النظام وأكثر المعتزلة البصريين وقول معتزلة البغداذيين.
والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه فإذا قيل لهم: أليس قد قال الله سبحانه: كل شيء هالك إلا وجهه قالوا: نحن نقرأ القرآن فأما أن نقول من غير أن نقرأ القرآن أن لله وجهًا فلا نقول ذلك، والقائلون بهذه المقالة العبادية أصحاب عباد.
القول في أن الله مريد:
اختلفت المعتزلة في ذلك على خمسة أقاويل:
فالفرقة الأولى منهم أصحاب أبي الهذيل يزعمون أن إرادة الله غير مراده وغير أمره وأن إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة
[ ١٨٩ ]
بل هي مع قوله لها كوني خلق لها وإرادته للإيمان ليست بخلق له وهي غير الأمر به وإرادة الله قائمة به لا في مكان، وقال بعض أصحاب أبي الهذيل: بل إرادة الله موجودة لا في مكان ولم يقل هي قائمة بالله تعالى.
والفرقة الثانية منهم أصحاب بشر بن المعتمر يزعمون أن إرادة الله على ضربين إرادة وصف بها الله في ذاته وإرادة وصف بها وهي فعل من أفعاله وأن إرادته التي وصف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي العباد.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب أبي موسى المردار فيما حكى أبو الهذيل عن أبي موسى أنه كان يزعم أن الله أراد معاصي العباد بمعنى أنه خلي بينهم وبينها، وكان أبو موسى يقول: خلق الشيء غيره والخلق مخلوق لا يخلق.
والفرقة الرابعة منهم أصحاب النظام يزعمون أن الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء معناه أنه كونها وإرادته للتكوين هي التكوين، والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده معناه أنه آمر بها والأمر بها غيرها، قال: وقد نقول أنه مريد
الساعة أن يقيم القيامة ومعنى ذلك أنه
[ ١٩٠ ]
حاكم بذلك مخبر به، وإلى هذا القول يميل البغداذيون من المعتزلة.
والفرقة الخامسة منهم أصحاب جعفر بن حرب يزعمون أن الله أراد أن يكون الكفر مخالفًا للإيمان وأراد أن يكون قبيحًا غير حسن والمعنى أنه حكم أن ذلك كذلك.
القول في كلام الله ﷿:
اختلفت المعتزلة في كلام الله سبحانه هل هو جسم أم ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم.
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه وإنما يفعل الإنسان القراءة والقراءة حركة وهي غير القرآن، وهذا قول النظام وأصحابه، وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلقه الله فيه
[ ١٩١ ]
والفرقة الثالثة من المعتزلة يزعمون أن القرآن مخلوق لله وهو عرض وأبوا أن يكون جسمًا وزعموا أنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد: إذا تلاه تال فهو يوجد مع تلاوته وكذلك إذا كتبه كاتب وجد مع كتابته وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال، وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه، وكذلك قوله في كلام الخلق أنه جائز وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد
في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره، وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداذيين.
والفرقة الخامسة منهم أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء وقسم منها يفعله الأموات محال أن يكون ما يفعله الأموات فعلًا للأحياء، والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلًا لله، وزعموا أن القرآن فعل للمكان
[ ١٩٢ ]
الذي يسمع منه إن سمع من شجرة فهو فعل لها وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه.
والفرقة السادسة يزعمون أن كلام الله عرض مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد، وهذا قول الإسكافي.
واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى أم لا يبقى:
فمنهم من قال: هو جسم باق والأجسام يجوز عليها البقاء وكلام المخلوقين لا يبقى، وقالت طائفة أخرى: كلام الله تعالى عرض وهو باق وكلام غيره يبقى، وقالت طائفة أخرى: كلام الله عرض غير باق وكلام غيره لا يبقى وقالت في كلامه تعالى أنه لا يبقى وأنه إنما يوجد في وقت ما خلقه الله ثم عدم بعد ذلك.
واختلفت المعتزلة هل مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلام غيرهما على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلامًا غيرهما، وزعمت فرقة أخرى منهم أن القراءة هي الكلام.
واختلف الذين زعموا أن مع القراءة كلامًا على مقالتين:
[ ١٩٣ ]
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن القراءة كلام لأن القارئ يلحن في قراءته وليس يجوز اللحن إلا في كلام وهو أيضًا متكلم وإن قرأ كلام غيره ومحال أن يكون
متكلمًا بكلام غيره فلا بد من أن تكون قراءته هي كلامه.
وقالت الفرقة الثانية: القراءة صوت والكلام حروف والصوت غير الحروف.
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو حروف أم لا على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن كلام الله سبحانه حروف، وزعم آخرون منهم أن كلام الله سبحانه ليس بحروف.
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو موجود مع كتابته أم لا على مقالتين:
فزعمت فرقة منهم أن الكلام يوجد مع كتابته في مكانها كما يجامع القراءة في موضعها، وزعمت فرقة أخرى منهم أن الكتابة رسوم تدل عليه وليس بموجود معها.
واختلفت المعتزلة هل يقال أن البارئ محبل أم لا وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أن البارئ بخلق الحبل محبل، والقائل بهذا
[ ١٩٤ ]
القول الجبائي ومن قال بقوله، وزعمت فرقة أخرى منهم أن البارئ لا يجوز أن يكون محبلًا بخلق الحبل كما لا يكون والدًا بخلق الولد.
واختلفت المعتزلة في معنى القول أن الله خالق وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أن معنى القول في الله أنه خالق أنه فعل الأشياء مقدرة وأن الإنسان إذا فعل أفعالًا مقدرة فهو خالق، وهذا قول الجبائي وأصحابه.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أن معنى القول في الله سبحانه أنه خالق أنه فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فمن فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فهو خالق لفعله، ومن فعل بقوة مخترعة فليس بخالق لفعله.
وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين:
فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يدًا وأن له يدين وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة وذهب في
معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم وتأول قول الله ﷿: ولتصنع على عيني أي بعلمي.
[ ١٩٥ ]
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يقال أنه وكيل وأنه لطيف على مقالتين:
فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال أنه وكيل، وأنكر قائل هذا القول أن يقول حسبنا الله ونعم الوكيل من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضًا أن يقال لطيف دون أن يوصل ذلك فيقال لطيف بالعباد، والقائل بهذا القول عباد بن سليمان.
ومنهم من أطلق وكيل وأطلق لطيف وإن لم يقيد.
واختلفت المعتزلة هل يقال أن البارئ قبل الأشياء أو يقال قبل ويسكت على ذلك على ثلاث مقالات:
فزعمت الفرقة الأولى منهم وهم العبادية أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ يقال أنه قبل ولا يقال أنه قبل الأشياء ولا يقال بعد الأشياء كما لا يقال أنه أول الأشياء.
وزعمت الفرقة الثانية منهم وهم أصحاب أبي الحسين الصالحي أن البارئ لم يزل قبل الأشياء برفع اللام، قالوا: ولا نقول لم يزل قبل الأشياء بنصب اللام.
[ ١٩٦ ]
وزعمت الفرقة الثالثة منهم وهم الأكثرون عددًا أن البارئ لم يزل قبل الأشياء وأن ذلك يطلق بنصب اللام من قبل.
واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسمى البارئ عالمًا من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا على مقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من
دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء.
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يقلب الله الأسماء فيسمي العالم جاهلًا والجاهل عالمًا أم لم يكن ذلك جائزًا على مقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لم يكن جائزًا ولا يجوز على وجه من الوجوه، وهذا قول عباد.
وزعم آخرون أن ذلك جائز ولو قلب الله سبحانه الأسماء لم يكن ذلك مستنكرًا.
[ ١٩٧ ]
واختلفت المعتزلة هل يجوز اليوم قلب الأسماء واللغة على ما هي عليه أم لا على مقالتين:
فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من أنكره.
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يسمي الله سبحانه نفسه جاهلًا ميتًا عاجزًا على طريق التقليب واللغة على ما هي عليه وهم فرقتان:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لا يجوز وأنه لا يجوز أن يسمي الله نفسه على طريق التقليب.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أن ذلك جائز ولو فعل ذلك لم يكن مستنكرًا، وهو قول الصالحي.
وأجمعت المعتزلة على أن صفات الله سبحانه وأسماءه هي أقوال وكلام فقول الله أنه عالم قادر حي أسماء لله وصفات له وكذلك أقوال الخلق ولم يثبتوا صفة له علمًا ولا صفة قدرة وكذلك قولهم في سائر صفات النفس.
واختلفت المعتزلة هل البارئ قادر على خلق الأعراض وهم فرقتان:
فزعم فريق منهم أن الله يقدر على خلق الأعراض وإنشائها،
[ ١٩٨ ]
وزعمت فرقة أخرى منهم وهم أصحاب معمر أنه لا يجوز أن يخلق الله عرضًا ولا يوصف بالقدرة
على خلق الأعراض.
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده أم لا وهم فرقتان:
فزعم أكثرهم أن البارئ لا يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده على وجه من الوجوه.
وزعم بعضهم وهو الشحام أن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده وأن حركة واحدة تكون مقدورة لله وللإنسان فإن فعلها الله كانت ضرورة وإن فعلها الإنسان كانت كسبًا.
واختلفت المعتزلة هل يوصف الله بالقدرة على جنس ما أقدر عليه عباده أم لا وهم فرقتان:
فزعمت فرقة منهم أنه إذا أقدر عباده على حركة أو سكون أو فعل من الأفعال لم يوصف بالقدرة على ذلك ولا على ما كان من جنس ذلك، وأن الحركات التي يقدر البارئ عليها ليست من جنس الحركات التي أقدر عليها غيره من العباد.
وزعمت فرقة أخرى منهم أن الله إذا أقدر عباده على حركة
[ ١٩٩ ]
أو سكون أو فعل من الأفعال فهو قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده، وهذا قول الجبائي وطوائف من المعتزلة.
واختلفت المعتزلة في البارئ سبحانه هل يوصف بالقدرة على الجور والظلم أم لا يوصف بالقدرة على ذلك وهم فرقتان:
فزعم أكثر الزاعمين أن البارئ قادر على الظلم والجور أنه قادر على أن يظلم ويجور.
وزعمت فرقة منهم وهم أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ قادر على الظلم والجور ولا نقول على أن يظلم وهو قادر على الجور ولا نقول على أن يجور.
واختلفت المعتزلة في الجواب عمن سأل عن البارئ سبحانه لو فعل ما يقدر عليه من الظلم والجور على سبعة أقاويل:
فقال أبو الهذيل في جواب من سأله: إن فعل البارئ ما يقدر عليه من الجور والظلم كيف كان يكون الأمر؟ فقال: محال أن يفعل البارئ ذلك لأن ذلك لا يكون إلا عن نقص ولا يجوز النقص على البارئ.
[ ٢٠٠ ]
وقال أبو موسى المردار في الجواب عن ذلك: إطلاق هذا الكلام على البارئ ﷿ قبيح لا يستحسن إطلاقه في رجل من المسلمين فكيف يطلق في الله فمنع أن يقال: لو فعل البارئ الظلم لقبح ذلك لا لاستحالته، وكان أبو موسى إذا جدد الكلام عليه قال: لو فعل الله الظلم لكان ظالمًا ربًا إلهًا قادرًا، ولو ظلم مع وجود الدلائل على أنه لا يظلم لكان يدل بدلائل على أنه يظلم.
وكان بشر المعتمر يقول أن الله يقدر أن يعذب الأطفال، فإذا قيل له: فلو عذب الطفل؟ قال: لو عذبه لكان يكون بالغًا كافرًا مستحقًا للعذاب.
وكان محمد بن شبيب يزعم أن الله يقدر أن يظلم ولكن الظلم لا يكون إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من الله سبحانه فلا معنى لقول من قال: لو فعله.
وكان بعضهم يزعم أن الله يقدر أن يفعل العدل وخلافه والصدق وخلافه ولا يقول: يقدر أن يظلم ويكذب، قال صاحب هذا الجواب: إن قال قائل: هل معكم أمان من أن يفعله؟ قال: نعم هو
[ ٢٠١ ]
ما أظهر من أدلته على أنه لا يفعله، فإذا قيل له: أفيقدر أن يفعله مع الدليل على أن لا يفعله؟ أجاب بأنه قادر على أن يفعله مع الدليل مفردًا من الدليل لئلا يتوهم الدليل دليلًا والظلم واقعًا، وكذلك إذا قيل له: لو فعله مع الدليل على أنه لا يفعله وفعل الظلم، وزعم أن الظلم لو وقع لكانت العقول بحالها وكانت الأشياء التي يستدل بها أهل العقول غير هذه الأشياء الدالة في يومنا هذا وكانت تكون هي هي ولكن على خلاف هيئاتها ونظمها واتساقها التي هي
اليوم عليه، وهذا قول جعفر بن حرب.
وكان الإسكافي يقول: يقدر الله على الظلم إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه على أن الله لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن الله ليس بظالم وليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظلم لا يقع من الله، وكان إذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القصة؟ قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وأعينها على أن الله لا يظلم.
وكان هشام الفوطي وعباد بن سليمان إذا قيل لهما: لو فعل
[ ٢٠٢ ]
الله سبحانه الظلم كيف كانت تكون القصة؟ أحالا هذا القول وقالا: إن أراد القائل بقوله لو الشك فليس عندنا شك في أن الله لا يظلم وإن أراد بقوله لو النفي فقد قال أن الله لا يجور ولا يظلم فليس يسوغ أن يقال لو ظلم البارئ ﷻ.
القول في أن الله قادر على ما علم أنه لا يكون:
اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل:
فقال أبو الهذيل ومن اتبعه وجعفر بن حرب ومن وافقه: البارئ قادر على ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون، ولو كان ما علم أنه لا يكون مما يكون كان عالمًا أنه يفعله لكان الخبر بأنه يكون سابقًا.
وكان علي الأسواري يحيل أن يقرن القول أن الله يقدر على الشيء أن يفعله بالقول أنه عالم أنه لا يكون وأنه قد أخبر أنه لا يكون، وإذا أفرد أحد القولين من الآخر كان الكلام صحيحًا وقيل أن الله سبحانه قادر على ذلك الشيء أن يفعله.
وقال عباد بن سليمان: ما علم أنه لا يكون لا أقول أنه قادر على أن يكون ولكن أقول: قادر عليه كما أقول: الله عالم به ولا أقول أنه عالم بأنه يكون لأن إخباري بأن الله قادر على أن يكون
[ ٢٠٣ ]
ما علم أنه لا يكون إخبار أنه يقدر وأنه يكون، وكان إذا قيل له: فهل يفعل الله ما علم أنه لا يفعله؟ أحال القول.
وكان الجبائي إذا قيل له: لو فعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون كيف كان يكون العلم والخبر؟ أحال ذلك، وكان يقول مع هذا أنه لو آمن من علم الله أنه لا يؤمن لأدخله الجنة، وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بمقدور صح الكلام كقوله: لو آمن الإنسان لأدخله الله الجنة وإنما الإيمان خير له، ولو ردوا لعادوا فالرد مقدور عليه فقال: لو كان الرد مقدورًا منهم لكان عود مقدور، وكان يزعم أنه إذا وصل محال بمحال صح الكلام كقول القائل: لو كان الجسم متحركًا ساكنًا في حال لجاز أن يكون حيًا ميتًا في حال وما أشبه ذلك، وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بما هو مستحيل استحال الكلام كقول القائل: لو آمن من علم الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان يكون العلم والخبر؟ وذلك أنه إن قال: كان لا يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقًا بأن لا يكون كان الخبر الذي قد كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالمًا استحال الكلام لأنه يستحيل
[ ٢٠٤ ]
أن لا يكون ما قد كان بأن لا يكون كان ويستحيل أن لا يكون البارئ عالمًا بما لم يزل عالمًا به بأن لا يكون لم يزل عالمًا، وإن قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون والعلم بأنه لا يكون ثابتًا صحيحًا وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون استحال الكلام، وإن قال: كان الصدق ينقلب كذبًا والعلم ينقلب جهلًا استحال الكلام، فلما كان المجيب على هذه الوجوه على أي وجه أجاب عن السؤال استحال كلامه لم يكن الوجه في الجواب إلا نفس إحالة سؤال السائل.
واختلفت المعتزلة في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون على أربعة أقاويل:
فقال أكثر المعتزلة: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون لاستحالته أو العجز عنه فلا يجوز كونه مع استحالته ولا مع العجز عنه ومن قال: يجوز أن يكون المعجوز عنه بأن يرتفع العجز عنه وتحدث القدرة عليه فيكون الله عالمًا بأنه يكون يذهب هذا القائل بقوله يجوز إلى أن الله قادر على ذلك فقد صدق، وما علم الله سبحانه
أنه لا يكون لترك فاعله له فمن قال: يجوز أن يكون بأن لا يتركه فاعله ويفعل آخذه بدلًا من تركه ويكون الله عالمًا بأنه يفعله يريد بقوله يجوز يقدر فذلك صحيح.
[ ٢٠٥ ]
وقال علي الأسواري: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون لم نقل أنه يجوز أن يكون إذا قرنا ذلك بالعلم بأنه لا يكون.
وقال عباد: قول من قال يجوز أن يكون ما علم الله سبحانه أنه لا يكون فهو كقوله: يكون ما علم الله أنه لا يكون أو من قال: يجوز أن يكون ما علم الله أنه لا يكون لأن معنى يجوز عنده معنى الجواز.
وقال الجبائي: ما علم الله سبحانه أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون فلا يجوز أن يكون عند من صدق بأخبار الله، وما علم أنه لا يكون ولم يخبر بأنه لا يكون فجائز عندنا أن يكون وتجويزنا لذلك هو الشك في أن يكون أو لا يكون لأن يجوز عنده في اللغة على وجهين: بمعنى الشك وبمعنى يحل.
واتفقت المعتزلة على أن البارئ سبحانه ليس بذي علم محدث يعلم به، ولا يجوز أن تبدو له البدوات، ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئًا يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذبًا، قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
وأجمعت المعتزلة على إنكار القول بالماهية وأن لله ماهية لا يعلمها العباد وقالوا: اعتقاد ذلك في الله سبحانه خطأ وباطل.
[ ٢٠٦ ]