واختلفت الروافض أصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق:
الهشامية ١:
١ - فالفرقة الأولى الهشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي.
يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد طويل عريض عميق طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه لا يوفي بعضه على بعض ولم يعينوا طولًا غير الطويل وإنما قالوا: "طوله مثل عرضه" على المجاز دون التحقيق وزعموا أنه نور ساطع له قدر من الأقدار في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وطعمه هو رائحته ورائحته هي مجسته وهو نفسه لون ولم يعينوا لونًا ولا طعمًا هو غيره وزعموا أنه هو اللون وهو الطعم وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك البارئ فحدث المكان بحركته فكان فيه وزعم أن المكان هو العرش.
وذكر أبو الهذيل٢ في بعض كتبه إن هشام بن الحكم قال له: إن ربه جسم ذاهب جاء فيتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه
_________________
(١) ١ الهشامية: التنبيه: ٢٦ الفرق بين الفرق: ٢٢ و٤٩ - ٥٢، ١٥٧ التبصير: ٤٢ الملل والنحل: ١/ ١٤٩ - ١٥١ منهاج السنة النبوية: ١/ ٢٠٣ اعتقادات فرق المسلمين: ٤٣، ٦٣ الفرق الإسلامية: ٤٤ - ٤٥ الخطط المقريزية: ٢/ ٢٥٣ وعن اختلاف الروافض انظر منهاج السنة النبوية: ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨. ٢ أبو الهذيل: اسمه محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي كان شيخ المعتزلة في البصرة كان يحسن الجدال وصاحب حجة قوية يكثر من استعمال الأدلة والإلزامات اختلف في ميلاده فمن قائل: سنة ١٣١هـ وسنة ١٣٤هـ و١٣٦هـ وكان الاختلاف في سنة وفاته أيضا فمن قائل: ٢٢٦هـ أو ٢٢٧هـ أو ٢٣٥هـ و٢٣٩هـ انظر وفيات الأعيان برقم ٥٧٨ العبر طبقات المعتزلة والفرق بين الفرق ٩٢ شذرات الذهب ونكت الهمين في نكت العميان للصفدي: ٢٢٧ - ٢٧٩.
[ ١ / ٤٤ ]
طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال فقلت له: فأيما أعظم إلهك أم هذا الجبل وأومأت إلى أبي قبيس١ قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه.
وذكر أيضًا "ابن الراوندي" أن هشام بن الحكم كان يقول: إن بين إلهه وبين الأجسام المشاهدة تشابهًا من جهة من الجهات لولا ذلك ما دلت عليه.
وحكي عنه خلاف هذا أنه كان يقول إن جسم ذو أبعاض [] ٢ لا يشبهها ولا تشبهه.
وحكى الجاحظ٣ عن هشام بن الحكم في بعض كتبه أنه كان يزعم أن الله جل وعز إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض ولولا ملابسته لما وراء ما هناك لما دري ما هناك وزعم أن بعضه يشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه ولو زعم هشام أن الله تعالى يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه بالمشاهدة وقال بالحق.
وذكر عن هشام انه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل زعم مرة انه كالبلورة وزعم مرة انه كالسبيكة وزعم مرة انه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام.
وزعم الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله -﷿- على العرش مماس له وأنه لا يفضل عن العرش ولا يفضل العرش عنه.
٢ - والفرقة الثانية من الرافضة: يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم أنه جسم إلى أنه موجود ولا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله -﷿- على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
_________________
(١) ١ أبو قبيس: بالتصغير جبل مشرف على مكة كناه آدم ﵇ بذلك حين اقتبس منه هذه النار التي بأيدي الناس إلى اليوم من فرختين نزلتا من السماء على أبي قبيس فاحتكتا فأورتا نارا اقتبس منها آدم. ٢ هنا بياض في الأصل ولكن الشهرستاني ذكر في الملل والنحل: ١/ ١٤٩ ما يلي: وحكى الكعبي انه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء. ٣ الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري أبو عثمان الجاحظ كاتب فحل إلى جانب كونه بحرا من بحور العلم كان متكلما وشيخا من شيوخ المعتزلة له التصانيف المشهورة وكتبت حوله العديد من الدراسات والبحوث توفي سنة ٢٥٠هـ في قول وفي آخر سنة ٢٥٥هـ.
[ ١ / ٤٥ ]
٣ - والفرقة الثالثة من الرافضة: يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان ويمنعون أن يكون جسما.
الهشامية أيضا:
٤ - والفرقة الرابعة من الرافضة: الهشامية أصحاب هشام بن سالم الجواليقي.
يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا ويقولون هو نور ساطع يتلألأ بياضًا وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم.
وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء١ وأن ذلك نور أسود.
٥ - والفرقة الخامسة من الرافضة: يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
٦ - والفرقة السادسة من الرافضة: يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس.
وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج.
وهؤلاء قوم من متأخريهم فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
_________________
(١) ١ الوفرة: -بفتح أوله وسكون ثانيه- الشعر الذي يجتمع على الرأس للإنسان وغيره أو ما تدلى على الأذنين منه وقد يتجاوز شحمة الأذن.
[ ١ / ٤٦ ]