واختلف الذين قالوا: لم يزل الله عالمًا قادرًا حيًا من المعتزلة فيه أهو عالم قادر حي بنفسه أم بعلم وقدرة وحياة وما معنى القول عالم قادر حي.
١ - فقال أكثر المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وبعض الزيدية أن الله عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة وأطلقوا أن لله علمًا بمعنى أنه عالم
[ ١ / ١٣٥ ]
وله قدرة بمعنى أنه قادر ولم يطلقوا ذلك على الحياة ولم يقولوا: له حياة ولا قالوا: سمع ولا بصر وإنما قالوا: قوة وعلم لأن الله - سبحانه - أطلق ذلك.
٢ - ومنهم من قال: له علم بمعنى معلوم وله قدرة بمعنى مقدور ولم يطلقوا غير ذلك.
٣ - وقال أبو الهذيل: هو عالم بعلم هو هو وهو قادر بقدرة هي هو وهو حي بحياة هي هو وكذلك قال في سمعه وبصره وقدمه وعزته وعظمته وجلاله وكبريائه وفي سائر صفاته لذاته وكان يقول: إذا قلت: أن الله عالم ثبت له علمًا هو الله ونفيت عن الله جهلًا ودللت على معلوم كان أو يكون وإذا قلت قادر نفيت عن الله عجزًا وأثبت له قدرة هي الله - سبحانه - ودللت على مقدور وإذا قلت: لله حياة أثبت له حياة وهي الله ونفيت عن الله موتًا وكان يقول: لله وجه هو هو فوجهه هو هو ونفسه هي هو ويتأول ما ذكره الله - سبحانه - من اليد أنها نعمة ويتأول قول الله -﷿-: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٥] أي بعلمي.
٤ - وقال عباد: هو عالم قادر حي ولا أثبت له علمًا ولا قدرة ولا حياة ولا أثبت سمعًا ولا أثبت بصرًا وأقول: هو عالم لا بعلم وقادر لا بقدرة حي لا بحياة وسميع لا بسمع وكذلك سائر ما يسمى به من الأسماء التي يسمى بها لا لفعله ولا لفعل غيره.
وكان ينكر قول من قال: أنه عالم قادر حي لنفسه أو لذاته وينكر ذكر النفس وذكر الذات وينكر أن يقال أن لله علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا أو حياة أو قدمًا وكان يقول: قولي عالم إثبات اسم لله ومعه علم بعلوم وقولي قادر إثبات اسم لله ومعه علم بمقدور وقولي حي إثبات اسم لله وكان ينكر أن يقال للبارئ وجهًا ويدين وعينين وجنبًا١. وكان يقول: أقرأ القرآن وما قال الله من ذلك فيه ولا أطلق ذلك بغير قراءة وينكر أن يكون معنى القول في البارئ أنه عالم معنى القول فيه أنه قادر وأن يكون معنى القول فيه أنه قادر معنى القول فيه أنه حي وكذلك صفات الله التي يوصف بها لا لفعله كالقول: سميع ليس معناه أنه بصير ولا معناه عالم.
_________________
(١) ١ هذه المقولة تشير إلى الآية ٥٦ من سورة الزمر: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
[ ١ / ١٣٦ ]
٥ - وقال ضرار: معنى أن الله عالم أنه ليس بجاهل ومعنى أنه قادر أنه ليس بعاجز ومعنى أنه حي أنه ليس بميت.
٦ - وقال النظام: معنى قولي: عالم إثبات ذاته ونفي الجهل عنه ومعنى قولي قادر إثبات ذاته ونفي العجز عنه ومعنى قولي: حي إثبات ذاته ونفي الموت عنه وكذلك قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب.
وكان يقول: أن الصفات للذات إنما اختلفت لاختلاف ما ينفى عنه من العجز والموت وسائر المتضادات من العمى والصمم وغير ذلك لا لاختلاف ذلك في نفسه.
وقال غيره من المعتزلة: إنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف المعلوم والمقدور لا لاختلاف فيه.
وكان يقول: ذكر الله - سبحانه - الوجه على التوسع لا لأنه له وجهًا في الحقيقة وإنما معنى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ويبقى ربك ومعنى اليد النعمة.
وقال آخرون من المعتزلة: إنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف الفوائد التي تقع عندها وذلك أنا إذا قلنا: "إن الله عالم" أفدناك علمًا به وبأنه خلاف ما لا يجوز أن يعلم وأفدناك إكذاب من زعم أنه جاهل ودللناك على أن له معلومات هذا معنى قولنا: "إن الله عالم" فإذا قلنا: "إن الله قادر" أفدناك علمًا بأنه لا خلاف ما لا يجوز أن يقدر وإكذاب من زعم أنه عاجز ودللناك على أن له مقدورات وإذا قلنا: "إنه حي" أفدناك علمًا بأنه بخلاف ما لا يجوز أن يكون حيًا وأكذبنا من زعم أنه ميت وهذا معنى القول أنه حي وهذا قول الجبائي قاله لي.
٧ - وقال أبو الحسين الصالحي: معنى قولي: "إن الله عالم لا كالعلماء قادر لا كالقادرين حي لا كالأحياء"، أنه شيء لا كالأشياء وكذلك كان قوله في سائر صفات النفس.
وكان إذا قيل له: أفتقول أن معنى أنه عالم لا كالعلماء معنى أنه قادر لا كالقادرين؟ قال: نعم ومعنى ذلك أنه شيء لا كالأشياء وكذلك قوله في سائر صفات النفس.
وكان يقول: إن معنى شيء لا كالأشياء معنى عالم لا كالعلماء.
٨ - وحكي عن معمر أنه كان يقول: أن البارئ عالم بعلم وأن علمه كان علمًا
[ ١ / ١٣٧ ]
له لمعنى والمعنى كان لمعنى لا إلى غاية وكذلك كان قوله في سائر الصفات أخبرني بذلك أبو عمر الفراتي عن محمد بن عيسى السيرافي أن معمرًا كان يقوله.
٩ - وقال قائلون من البغداديين: ليس معنى أن البارئ عالم معنى قادر ولا معنى حي ولكن معنى أن البارئ حي معنى أنه قادر ومعنى أنه سميع معنى أنه عالم بالمسموعات ومعنى أنه بصير معنى أنه عالم بالمبصرات وليس معنى قديم عند هؤلاء معنى حي ولا معنى عالم قادر وكذلك ليس معنى القول في البارئ أنه قديم معنى أنه عالم ولا معنى أنه حي قادر.
[ ١ / ١٣٨ ]