وإذا كنا قد ناقشنا في الأيام الخمسة الماضية قضايا (الثالوث)، (الأقانيم) و(الإله المولود) فلقد ناقشنا في هذه الأيام الخمسة أيضا (قضية الصلب والفداء) وهي قضية عجيبة غريبة، شائكة ومتشابكة، لا ندري ما سرها، وما الهدف منها؟ كل ما ندريه أنها أسطورة في المبدأ، وأسطورة في النتيجة.
ما سر هذه المسرحية الغامضة المملة التي بدأت بالتآمر على المسيح - ﵇ -، ثم بمحاكمته، ثم بصلبه -كما يزعمون- ثم بدفنه- ثم بنزوله إلى الجحيم، ثم بخروجه في قيامة الأموات!!
لماذا هذا كله؟
لماذا جعلوه إلهًا، أو ابن إله وصلبوه؟
إن القرآن الكريم يتحدث عن (قضية الصلب) هذه وينفيها نفيًا مؤكدًا، فهو يقول:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ
[ ٢٧٠ ]
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ . (١) .
ولكن. . .
لماذا ينفي القرآن الكريم صلب المسيح؟
أو بعبارة أخرى. . هل المسيح منزه عن القتل أو الصلب؟
والجواب: لا. . .
فإن القرآن الكريم تحدث عن الرسول الخاتم ﷺ، فقال:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ . (٢) .
فمحمد ﷺ من الممكن أن يموت، ومن الممكن أن يقتل أو يصلب؟ !
وإنما نفى القرآن الكريم حادثة الصلب هذا النفي اليقني المؤكد الذي لاشك فيه. . ليقرر خيبة أمل اليهود. . .!
فهم، يحاسبون في الآخرة، على أنهم قتلة المسيح، وإن لم يقتلوه!!
كيف؟
إن الله ﷾ سجل عليهم عدة أمور:
أولها: أنهم أصحاب (سوابق) في جريمة قتل الأنبياء. . .! ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ .
_________________
(١) سورة النساء، الآيات ١٥٥- ١٥٩.
(٢) سورة آل عمران، آية ١٤٤.
[ ٢٧١ ]
ثانيها: سبق الإصرار والترصد، كما في قوله ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ .
ثالثها: الاعتراف- وهو سيد الأدلة- ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ .
وإذا كان الصلب في حد ذاته أسطورة. . يعتريها الغموض والتناقض من كل أبعادها. .!
فإن ما يترتب على الصلب أسطورة أخرى. . .!
تلك هي أسطورة (ابن الله الفادي) أو (المخلِّص) . . .!
وهذه المقولة. . . الغير معقولة، لا تصلح أساسا للتعامل البشري. . . إذ إنها تنفي (المسؤولية الشخصية) فكيف ارتضاها الله سبحانه، لكي تكون سنته في التعامل مع البشر؟
وتصوروا معي. . .
لو أن واحدًا من البشر، ذهب إلى المحكمة متلبسا بجريمة قتل. . يده ملوثة بالدم. . وثبتت إدانته من كل وجه. . واعترف بأنه القاتل!!
أفيحق له، أو لمحاميه، أن يدافع قائلًا:
أنا قتلت حقًا، وأنا الذي اقتدته إلى ذلك المكان المهجور، وذبحته. . . ولكن (فلانًا) من الناس، أو من غير الناس. . . يتحمل عني هذه المسؤولية، فحاكموه هو. . . وحاسبوه هو. . .
هل هذا يجوز في عرف البشر، وفي منطق البشر؟
فإذا كان البشر لا يرضونه لقضائهم ولا لقضاتهم- مع أن قضاء البشر يحيط به القصور من كل جانب- أفيجوز ذلك أمام عدالة الله ﷾؟
أنرفض أن يكون في قضائنا محسوبيات أو وساطات أو امتيازات أو
[ ٢٧٢ ]
صرخات عرق. . . ثم نقبل بالنسبة لله- وعز في علاه- أن يكون قضاؤه قضاء وساطة ومحسوبية، وامتياز في الدم أو الجنس أو اللون أو العنصر؟ أفترض أن يكون ربنا- سبحانه- ربًا لفريق يحبه ويحنو عليه، ضد فريق يبغضه ويلعنه. . . لا لسبب إلا لاختلاف الدم والجنس؟
أفترض أن يكون ربنا ربًا لإسرائيل. . .
ثم ينبذ الكنعانيين ومن عداهم. . .
وأنقل لكم من (الإنجيل) المتداول اليوم هذا الحديث والحدث بحروفه وانفعالاته:
" وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدًا، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين، أصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب، فقالت: نعم يا سيد، والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، (إنجيل متى ١٥: ٢١-٢٧) .
فهذا المسيح كما تصوره (الأسطورة النصرانية) عندما تأتيه امرأة تطلب منه أن يدعو لابنتها لكي تشفى مما هي فيه- يقول لها: " ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب ".
سبحان الله. . .
أهذا هو المسيح الإله الذي يعبده النصارى؟ ! برأ الله المسيح. . . البشر الإنسان الرسول، من كل ما يفتريه دجال، أو كاهن، أو جهول!!
[ ٢٧٣ ]