تعدد زوجات الرسول ﷺ
يحلو لبعض الكتاب والمتحدثين الدينيين من غير المسلمين، أن يتهموا محمدًا ﷺ بأنه كان رجلًا شهوانيًا، بدليل أنه تزوج نحو من ثلاث عشرة زوجة، وتوفي عن تسع!!
وهم بهذا قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، وتجنوا -عن قصد وسوء نية- على الحق والحقيقة، والبحث العلمي المنصف!
لقد زعموا أن النبي -ﷺ - كاذب في دعواه للرسالة لأنه تزوج من نساء متعددات!
أما نحن فنؤكد، أن من أمارات صدقه، ودلائل نبوته زواجه ﷺ من نساء متعددات! ذلك أن هؤلاء النسوة -﵅- روين حياته المنزلية وسيرته في بيته وبين أهله، فإذا بها أتقى سيرة، وأنقى سريرة!
إن هؤلاء (الضرائر) -إن صح هذا التعبير- قدمن لنا حياته الخاصة بكل وضوح، فما وجدنا فيها شائبة ولا عائبة!
وهكذا تواطأت حياته مع أهله، مع حياته بين الناس، على الصدق والأمانة والرحمة والتقوى والبر والإحسان!
إن كثيرًا من الناس -إلا من رحم ربك- يتخلقون بأخلاق المنافقين، ويتسمون بسماتهم، فهم يتظاهرون بالصدق والإصلاح والمروءة وهم في الواقع كاذبون مفسدون سفهاء ولكن لا يشعرون ولا يعلمون!
وهؤلاء المنافقون المتظاهرون المختفون وراء الأقنعة، لا يستطيعون أن يحتفظوا بهذا السمت المزور طويلًا. . . فتبدو ملامحهم واضحة، وبخاصة في بيوتهم، وبين زوجاتهم وأولادهم.! !
[ ٣٧٠ ]
فإذا كان في بيته زوجة واحدة. . لا زوجات، فإنها سوف تخرج أخباره وأسراره، وتشيعها بين الناس!!
وانطلاقًا من هذا المعنى، نقول:
إن الرسول ﷺ لم يكن في بيته زوجة واحدة. . بل كن زوجات كثيرات!!
فلو كان كاذبًا -حاشاه، وأعاذه الله- لظهرت بادرات كذبه، وبدرات لسانه بين هؤلاء الزوجات!
ولقامت كل واحدة منهن بإشاعة ذلك بين الجارات والقريبات. . وبين غير الجارات والقريبات!!
وبين أيدينا مصداق ذلك. . وهي حادثة ذكرها القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١) .
إنه سر بسيط، أفضى به النبي ﷺ إلى اثنتين من أفضل نسائه، هن (عائشة وحفصة) ﵄! وأمرهما بكتمانه، ولكن الذي حدث أن السر ذاع وشاع وانتشر،. . وتناقلته الألسنة، والآذان. . . وامتلأت به كتب التفسير وغيرها فيما بعد!!
إن هذا يجعلنا نقرر: أن الرسول ﷺ كان طاهر السيرة والسريرة، في داخل بيته وخارجه على السواء!!
ثم نقول لهؤلاء الكتاب، ولهؤلاء المتحدثين الدينيين من غير المسلمين،
_________________
(١) سورة التحريم، آية ٣.
[ ٣٧١ ]
إن تعدد النبي لزوجاته لم يكن سلوكًا شهوانيًّا، كما تتصورون، وتصوِّرون. . .!
ويكفي أن تعلموا: أن النبي ﷺ قد تزوج أولى نسائه، أمنا وأم المؤمنين (خديجة ﵂) وهو شاب مكتمل في الخامسة والعشرين من عمره. . وكانت هي ﵂، في الأربعين من عمرها. . ولقد عاش معها نحوًا من ست وعشرين سنة!!
أي أنها ظلت معه حتى تجاوزت السادسة والستين!!
ولم يتزوج عليها في حياتها!
وظل وفيًا لها بعد مماتها، حتى إن عائشة ﵂ كانت تغار منها، مع أنها لم تجتمع بها، ولم ترها. . .!
ولقد تجرأت مرة عند ذكر النبي ﷺ لها، فقالت له: " وهل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها، - تعني نفسها -؟ ".
فغضب النبي ﷺ، وقال لها:
«لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» .
قالت: " فلم أذكرها بسوء بعدها أبدًا ".
وروى الشيخان «عن عائشة ﵂، أنها قالت:
" ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد» .
[ ٣٧٢ ]
ولما توفيت خديجة ﵂، تزوج النبي ﷺ، وعدد أزواجه. ولنا أن نسأل: في أي فترة من سني حياته ﷺ كان ذلك التعدد؟
وعلينا أن نجيب: إن الفترة التي عدد فيها النبي ﷺ الزوجات، هي -باعتراف الموافق والمخالف- أكثر فترات عمره ﷺ، عملًا وتضحية وجهادًا وتعليمًا وأعباء!
ثم. . أية شهوانية، في رجل بعيد عن الدنيا وزينتها، ويريد الله لزوجاته -أيضًا- أن يكن بعيدات عن الدنيا وزينتها، إذ يقول الله له، لكي يبلغهن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) .
إن الرجل الشهواني يريد لزوجته، أو زوجاته، أن يتزيَّن بأبدع الحلي، وأروع الحلل!!
كذلك فإن الدارس المنصف لأسباب ذلك التعدد يجد أن له مقاصد وأهدافًا جليلة ونبيلة!!
منها: أن زوجة لبعض أصحابه الذين جاهدوا معه قد مات زوجها حال الهجرة وأن أهلها ما زالوا على الشرك، فإما أن تعود إليهم فتتعرض للعذاب والفتنة، وإما أن تترك بلا زوج يحميها، ويقف إلى جانبها لمواجهة ظروف الحياة لأنها غير مرغوب فيها لسنها، أو لقلة جمالها.
ومنها: أن يكون الهدف ربط العلاقات وتوطيدها مع من يعينه على تبليغ الدعوة. . . فيؤكد معه رباط الإيمان برباط المصاهرة. . ولم يكن -ﷺ- في
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآيتان ٢٨، ٢٩.
[ ٣٧٣ ]