مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، فيقول لهم كل ما أمرت به "، فهو صريح في أن النبي الموعود به مثل موسى.
وقد قال في التوراة: " لا يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى أبدا ".
فتعين أن يكون المراد به محمدا -ﷺ-؛ لأنه كفء موسى - ﵇؛ فإنه ماثله في منصب الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، وإجراء النسخ على الشرائع السالفة.
وقوله -تعالى-: " وأجعل كلامي في فمه " صريح في أن المقصود به محمد -ﷺ-؛ لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما سمعه، ولا أنزل عليه صحفا ولا ألواحا؛ لأنه لا يحسن أن يقرأ المكتوب.
ويدل على فساد تأويل اليهود -أيضا- أن (يوشع) ليس كفؤا لموسى - ﵉ - بل كان خادما له في حياته، ومؤكدا لدعوته بعد وفاته. فكيف يصح أن يوصف بأنه مثل موسى؟ !.
وعلى فساد تأويل النصارى قوله: " كل نفس لا تسمع ذلك النبي تستأصل من بين القوم "؛ فإن الذي عليه النصارى ألا يتعرض
[ ١ / ٢٦٤ ]
للنصراني إذا انتقل عن دينه إلى غيره سواء إلى الإسلام أو اليهودية أو غير ذلك. وكذلك المرأة إذا زنت لا يتعرضون لها، ويزعمون أن شريعة المسيح ليس فيها إقامة الحدود، والجهاد ليس مشروعا في ملتهم، بل هم به عصاة.
وهذا كله مناقض لهذا النص، فدل على بطلان كون المراد به المسيح، بل هو مطابق لصفة محمد -ﷺ- وشريعته، فإن مخالفة بعض أوامره يوجب سفك الدم، وإزهاق النفوس؛ فتعين أنه هو المراد.
ومن ذلك ما ورد في " رسالة يهوذا " من الإنجيل، وهو في " صحيفة زكريا " من كتب العهد العتيق الذي عند اليهود، قال: " إن الرب قد جاء أو سيجيء بربوات مقدسة؛ ليقضي على جميع الناس، ويوبخ المنافقين لجميع أعمالهم التي نافقوا بها، وجميع الأقوال الصعبة التي تكلم بها عليه الخاطئون ".
وهذا من الأدلة الواضحة على نبوة محمد -ﷺ - وزعمت النصارى أن المراد به المسيح. وهو زعم باطل، فإنه لا دلالة فيه على المسيح بوجه؛ لأن هذا المنصوص عليه بالإتيان بالربوات المقدسة، والقضاء على جميع الناس، وتوبيخ المنافقين ينبغي أن يقوم بحد الحديد والبأس الشديد، ولا دلالة في شيء من هذه الصفات على المسيح -﵇-؛ لأنه لم يأت إلا في زي يخالف هذا الوصف، ولم يشرع له الجهاد في ملته.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وأما دلالته على نبوة محمد -ﷺ- فواضحة لا تحتاج إلى مزيد تأمل، فإنه هو المتصف بهذه الصفات، كما في الحديث عن عبد الله بن عمر أن: رسول الله -ﷺ- قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» . أخرجه الإمام أحمد في المسند.
وهو الذي وثب بربوات العرب، وقضى على جميع الناس بعموم رسالته، ووبخ المنافقين - والله أعلم - يشمل توبيخه المنافقين من أتباعه، ويشمل -أيضا- توبيخه لليهود والنصارى؛ فإنهم يدعون أنهم يؤمنون بالكتب التي بأيديهم، ويتبعون أنبياءهم، وقد كذبوا في ذلك، بل نقضوا العهود والمواثيق، وكذبوا بالحق المصدق لما في أيديهم، فجاء القرآن بتوبيخهم وعيبهم بالغضب والضلال واللعن: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
ومن ذلك ما ورد في الفصل الحادي والعشرين من "إنجيل متى " وهو -أيضا- في إنجيل مرقس " قال: " ثم طفق يضرب لهم الأمثال ويقول: اغترس رجل كرما، وحوطه بحائط، وبحث فيه معصرة، وبني يرجا، وأجره للفلاحين، وسافر، ولما جاء الموسم أرسل إلى الفلاحين خادما؛ لينال من ثمرة الكرم، شيئا فأخذوه، وضربوه، وردوه خائبا، فأرسل إليهم
[ ١ / ٢٦٦ ]
خادما ثانيا، فرجموه، وشجوه، وردوه محقرا، ثم أرسل ثالثا فقتلوه، وكثيرين آخرين ضربوا بعضهم وقتلوا بعضا، وكان قد بقي له ابن وحيد هو محبوبه، فأرسله إليهم آخر الأمر. وقال: إنهم سيكرمون ابني، فقال الفلاحون فيما بينهم: إن هذا الوارث؛ فهلموا بنا نقتله، فيصير الميراث لنا، فأخذوه، وقتلوه، وأخرجوه خارج الكرم. فماذا يفعل رب الكرم؟ نعم، إنه سيأتي، ويهلك الفلاحين، ويسلم الكرم إلى آخرين. ألم تقرؤوا هذا المرقوم؟. قوله: إن الحجرة التي رفض البناؤون صارت رأس الزاوية. هذا ما وقع عند الرب، وهو في نظركم عجيب ".
فسياق هذا المثل من أظهر الأمثال المضروبة في الإنجيل لنبوة محمد -ﷺ - وهو أول الفصل في إنجيل مرقس ".
وتقرير دلالته أن الغارس هو الباري -تعالى-، والمغرسة الدنيا، والكرم بنو آدم، والحائط الناموس الذي جاءت به الرسل، والمعصرة الأحكام الناموسية، والفلاحون الذين بلغتهم الدعوة. فالذي ضرب به المثل بالخادم الأول يناسب حال موسى -﵇-، والثاني يناسب حال يوشع بن نون، والثالث يناسب حال بعض أكابر الأنبياء بعده، والمجهولون هم المتوسطون من موسى إلى زمان عيسى - ﵈ -، والابن الوحيد يناسب حال عيسى -﵇-، لأنه آخر أنبياء بني إسرائيل، والآخرون الذين يسلم إليهم الكرم هم العرب الذين بعث فيهم محمد -ﷺ-.
وفي قوله: " ويسلم الكرم إلى آخرين " فضيلة عظيمة لهذه الأمة توافق قول الله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
[ ١ / ٢٦٧ ]
وكما في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه، قال رسول الله -ﷺ-: " «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿» ".
وأخرج الترمذي من حديث معاذ وأبي سعيد نحوه، يوضح
[ ١ / ٢٦٨ ]
المعنى الذي قررناه ما ختم به المثل من قوله: " ألم تقرؤوا هذا المرقوم " إلى آخره، فإنه إشارة إلى ما ورد في الفصل الثامن والعشرين من " صحيفة إشعيا " -﵇-. ولفظه كما في بعض التراجم: " أن تلك الحجرة التي رفض البناؤون صارت رأس الزاوية، هذا هو عمل الرب، وهو في أعيننا عجيب ".
وقد ذهب النصارى إلى تأويل هذا النص في شأن المسيح -﵇-، وهي دعوى باطلة؛ فإن سياق الكلام يأباه، والوصف يخالفه؛ فإن المسيح لم يكن في بني إسرائيل محتقرا ولا مرفوضا من حيث كونه من بني إسرائيل، وإنما يدل دلالة ظاهرة على محمد -ﷺ- الذي هو من بني إسماعيل، وهم كانوا مرفوضين عند بني إسرائيل مع كونهم إخوتهم، ولا يرونهم أهلا للفضائل.
وسياق الكلام يدل على أن تلك الحجرة كانت مرفوضة في زمان موسى والأنبياء بعده، والنصارى لا يدعون هذه الصفة في المسيح؛ فدل على ما قلناه.
وقيل: ما عبر عنه بالحجرة المرفوضة من أجل ما جرى لسارة مع إبراهيم - ﵉ - في شأن إسماعيل وأمه من أجل غيرة سارة؛ فنقلهما بأمر الله -تعالى- إلى مكة. فالله أعلم.
[ ١ / ٢٦٩ ]
و"رأس الزاوية" هو ملتقى الخطين فيكون هو الخاتم؛ لأن الخطين يذهبان إلى حيثما يذهبان إليه، فيكون ملتقاهما هو منتهاهما. وهذا هو محمد -ﷺ- الذي ختم الله به رسله.
وفي معنى هذا المثل ما رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة!، فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» . أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وقوله: "هذا ما وقع عند الرب، وهو في نظركم عجيب"، وفي بعض التراجم "هذا هو عمل الرب" جواب سؤال مقدر تقديره: هل يمكن أن تستقر الحجرة المرفوضة في رأس الزاوية؟ أو هل يجوز أن يقوم من أولاد الجارية هاجر نبي؟. فيكون الجواب: هذا هو عمل الرب.
ومما يزيد ذلك بيانا ما جاء في التوراة من بيان ما عهد الله به إلى إبراهيم -﵇- في ابنه إسماعيل كما جاء في "سفر التكوين"، قال فيه: "وأما إسماعيل فإني قد سمعت دعاءك له، وها أنا ذا قد باركت فيه، وجعلته مثمرا، وسأكثره تكثيرا، وسيلد اثني عشر ملكا، وسأصيرهم أمة عظيمة".
[ ١ / ٢٧٠ ]
وقد ذهب اليهود والنصارى إلى أن المراد بالملوك الاثني عشر أولاد إسماعيل الاثني عشر وهو باطل؛ لأنهم لم يتملكوا، ولم يدعوا الملكية.
ولكن هذا مطابق لما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش» .
ولا ريب أن بني إسماعيل إنما صاروا أمة عظيمة بحيث ارتفع شأنهم بين الأمم، وظهرت فيهم الفضائل التي هي ثمرة البركة الموعودة من الله -تعالى- لإبراهيم، إنما حصل ذلك ببعثة محمد -ﷺ-.
وأيضا فلو كان كما يدعي اليهود والنصارى -لعنهم الله- من أن العرب تابعوا متقولا على الله كاذبا عليه، وحاربوا أولياء الله وأتباع رسله، وانتهكوا حرماتهم هذه القرون المتطاولة، لكان ذلك مناقضا
[ ١ / ٢٧١ ]
لذلك الوعد الجميل من الله لإبراهيم -﵇- فقد ظهر أن هذا النص من أوضح الأدلة على نبوة محمد -ﷺ -.
ومن الأدلة في الإنجيل -أيضا- ما جاء في "رسالة بولس إلى أهل رومية"، وهو- أيضا - في "صحيفة إشعيا " من العهد العتيق، قال: "سأدعو الذين ليسوا من شيعتي لي شيعة، والتي ليست بمحبوبتي لي محبوبة".
وقد ادعى النصارى أن ذلك في شأن أتباع المسيح، وادعوا أن رسالته عامة، وهو خلاف ما تواتر عليه نص الإنجيل.
كما ورد في الفصل الخامس عشر من "إنجيل متى"، قال: "إني لم أرسل إلا لغنم بني إسرائيل الضالة".
وفي الفصل العاشر منه -أيضا- أن المسيح لما أرسل الحواريين للدعوة قال: "سيروا إلى غنم بني إسرائيل الضالة".
إلى غير ذلك مما دل على أن رسالته مختصة ببني إسرائيل، وهو موافق لما صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» .
[ ١ / ٢٧٢ ]
إذ عرفت هذا فلا ريب أن ذلك الوصف إنما ينطبق على العرب، فإنهم كانوا قبل مبعث محمد -ﷺ- من أجهل الخلق بالله، وبما جاءت به الرسل، لا يعرفون كتابا، ولا يؤمنون بالرسل، ولا يصدقون بالبعث، فمقتضى هذا النص أن هؤلاء الغافلين الجهال بالله، وما جاءت به رسله سيجعلهم الرب تعالى من شيعة الحق، ويجعلهم له أهلا، وينقلهم إلى القرب منه، ويكونون له أحبابا.
ومما يوافق هذا النص ويوضح دلالته ما ورد في الفصل العاشر من " رسالة بولس إلى أهل رومية "، قال: " إني سأعيركم بأمة أخرى، وأغيظكم بأمة لا فهم لها ". انتهى.
وهذا النص -أيضا- في " سفر الاستثناء " من التوراة، وقد ساقه بولس في جملة ما وعظ به اليهود حتى يرتدعوا عما كانوا عليه، ويذكروا يوم يعيرهم الله بأمة أخرى، ويغيظهم بأمة لا فهم لها.
وهذا الوصف لا ينطبق على غير العرب البتة، وإن حمله النصارى على من دخل في النصرانية من اليونان والروم فهو باطل.
فإن عند أولئك علوما كثيرة وأفهاما قوية، بل هم أعلم من اليهود في جميع العلوم العقلية بكثير، وفيهم الحكماء الذين استنبطوا فنونا كثيرة ودونوها، وعرفت عنهم.
وأما العرب فما كانوا قبل مبعث محمد -ﷺ- يتعاطون شيئا من العلوم العقلية أو النقلية، وغاية ما عندهم علم
[ ١ / ٢٧٣ ]
الشعر والبلاغة، وإن كانوا قد منحوا من صحة الأذهان، وقوة العقول في أصل الجبلة ما فاقوا به غيرهم، لكن غلبت عليهم الغفلة، فاستولى عليهم الجهل، فدل على أنهم المعنيون بهذا النص.
ومن هذا المعنى في صفة هذه الأمة ما جاء من حديث أبي الدرداء -﵁- قال: سمعت أبا القاسم -ﷺ- يقول: «إن الله -تعالى- قال لعيسى ابن مريم: إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا رب كيف ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» . أخرجه البزار في مسنده وغيره.
وأيضا فلم يغظ اليهود أمة كما أغاظهم محمد -ﷺ- وأمته.
ومن ذلك ما ورد في الفصل العاشر من رسالة بولس إلى أهل رومية من كتب النصارى، وهو -أيضا- في " صحيفة إشعياء " من كتب اليهود. " إني وجدت عند من لم يطلبني، وظهرت عند من لم يسأل عني ".
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقد تأول النصارى هذا النص في اليونانيين الذين دخلوا في النصرانية زمن الفترة، وهو من جنس تحريفهم للنص قبله، وإلا فهو صريح في حق العرب كما أشرنا في الذي قبله.
وأيضا فاليونان لهم من الكلام في الإلهيات والبحث عنها ما هو مشهور، لكن بالطرق العقلية، لم يأخذوا ذلك من جهة الأنبياء.
وأما العرب فكانوا في غفلة عن ذلك سوى ما بقي في فطرهم من الإقرار بالله، وأنه خالق كل شيء.
ومما يوضح دلالة هذا النص سياقه في " صحيفة إشعياء "، ولفظه: " إني أصبت عند من لم يسأل عني، ووجدت عند من لم يطلبني، وقلت لأمة لم تدع باسمي: انظري إلي، لأني قد أظهرت يدي طول النهار إلى فئة طاغية سالكة في سبيل سيئ ممتثلة لأهوائها. وفئة أي فئة تغيظني أمام وجهي، وتقرب قرابينها في البساتين، وتبخر في مباخر الشياطين التي تسكن المقابر، وتأكل لحم الخنازير، ومرق النجاسة في أوانيها ".
فمن قوله: " أصبت " إلى قوله: " انظري إلي " إشارة إلى صفة العرب وبعثه محمد -ﷺ- فيهم بالهدى ودين الحق.
ومن قوله: " لأني " إلى قوله: " ممتثلة لأهوائها " إشارة إلى اليهود، وقد جاء القرآن من وصفهم بما يوافق هذا كوصفهم باتباع الأهواء، وتركهم الحق على علم، وغير ذلك من أخلاقهم الذميمة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ومن قوله: " وفئة " إلى قوله: " في أوانيها " إشارة ظاهرة في حق النصارى متضمنة وصفهم بالضلال والجهل بما هو طبق صفتهم في القرآن.
فقد تضمن هذا النص وصف الأمم الثلاث بمثل ما وصفهم القرآن، وجاء به محمد -ﷺ-، فكان دليلا من أدلة نبوته كما هو دليل على صدق من قبله حيث تطابق الوصفان من غير تواطؤ ولا اقتباس.
ومن ذلك ما ورد في الفصل الثالث عشر من " إنجيل متى " والثامن من " إنجيل لوقا ": " انظروا إلى زارع خرج للزرع، وبينما هو يزرع سقط بعض البذر في الطريق، فجاءت الطيور فلقطته، وسقط بعضه على الصخر حيث لم يكن التراب كثيرا، وفي ساعته نبت، لأنه لم يكن له في الأرض عمق، ولما طلعت الشمس احترق، ويبس، لأنه لم يكن له أصل، وسقط بعضه في الشوك، فنما الشوك وخنقه، وسقط بعضه في الأرض الطيبة، فأثمر مائة ضعف وبعضه ستين وبعضه ثلاثين، فمن كانت له أذن سامعة فليسمع ".
وهذا المثل - والله أعلم - يتضمن وصف الأمم الثلاث بما يظهر للمتأمل.
والمقصود منه قوله: " وسقط بعضه في الأرض الطيبة " إلى آخره، فإنه موافق لما أخبر الله به في صفة أصحاب النبي - صلى الله
[ ١ / ٢٧٦ ]
عليه وسلم - في قوله -تعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
فذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل فكان في هذا أعظم البراهين على صدق ما جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم إنهم متغلبون طالبو ملك ودنيا.
ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هديهم وسيرتهم وعدلهم، وعملهم ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة قالوا: " ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء ".
[ ١ / ٢٧٧ ]
فكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضة تصفهم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها!.
فهذه عدة أدلة مما جاء به الإنجيل في البشارة بمحمد -ﷺ- وذكر صفته وصفة أمته.
وقد ذكر العلماء كثيرا في هذا المعنى، اقتصرنا منها على ما قدمناه إيثارا للاختصار.
[ ١ / ٢٧٨ ]