فصل
ومن الأدلة الواردة في التوراة:
ما ذكره غير واحد من العلماء منهم ابن قتيبة في " أعلام النبوة ": " تجلى الله - وفي رواية: جاء الله - من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران ".
فسينا: هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى -﵇-. وساعير: هو الجبل الذي أرسل الله فيه عيسى -﵇-، وظهرت فيه نبوته.
وجبال فاران: هو اسم عبراني، وليس ألفه الأولى همزة، وهي جبال بني هاشم التي كان رسول الله -ﷺ- يتحنث في أحدها، وفيه فاتحة الوحي.
قال ابن قتيبة: " وليس بعد هذا غموض، لأن مجيء الله من سينا إنزاله التوراة على موسى -﵇- بطور سيناء، فيجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح -﵇-، والمسيح يسكن من ساعير أرض الخليل بقرية تدعى (ناصرة)، وباسمها سمي من اتبعه " نصارى ".
[ ١ / ٢٧٩ ]
وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى -﵇-، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من فاران بإنزاله القرآن على محمد -ﷺ-، وهي جبال مكة.
وليس بين المسلمين وأهل الكتاب اختلاف أن فاران هي مكة، وإن ادعى مدع أنها غير مكة. قلنا: أليس في التوراة أن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران، وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه، واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح -﵇-! ".
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
وهذه الكتب نور الله، وهداه، ففي الأول جاء، والثاني أشرق والثالث استعلن، فمجيء التوراة كطلوع الفجر، والإنجيل مثل إشراق الشمس، والقرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء، فظهر به نور الله في المشارق والمغارب أعظم مما ظهر بالكتابين، ولهذا سماه الله تعالى سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا، والخلق محتاجون إلى الأول أعظم من الثاني.
وهذه الثلاثة أقسم الله بها في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ .
[ ١ / ٢٨٠ ]
فالأول الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك -ومنها بعث المسيح -، والثاني الجبل الذي كلم الله عليه موسى، والبلد الأمين مكة.
ولما كان ما في التوراة خبرا عنها أخبر بها على الترتيب الزماني، وأما القرآن فأقسم بها تعظيما لشأنها، فأتى بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فهو من باب الترقي إلى الأعلى مما دونه.
ومن ذلك ما جاء في زبور داود -﵇ - في مزمور أربعة وأربعين: "فاضت النعمة من شفتيك، من أجل هذا بارك الله لك إلى آخر الأبد. تقلد أيها الجبار بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك".
فهذا من أظهر الأدلة على نبوة محمد -ﷺ-، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هو القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي سنها، وليس يتقلد بالسيف من الأنبياء بعد داود إلا محمدا -ﷺ-، وقرنت شرائعه بالهيبة كقوله -ﷺ-: «نصرت بالرعب» .
وهو صريح أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه.
[ ١ / ٢٨١ ]
وخاطبه بلفظ " الجبار " إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، وأنه يجبر الخلق بالسيف على الحق، ويصرفهم عن الكفر جبرا - بخلاف المستضعف -، فهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، وأمته أشداء على الكفار رحماء بينهم. بخلاف من كان ذليلا للطائفتين من النصارى أو عزيزا على المؤمنين من اليهود، بل مستكبر.
وجاء في الزبور -أيضا- في صفاتهم: " يكبرون الله بأصوات مرتفعة، ويسبحونه على مضاجعهم بأيديهم سيوف ذات شفرتين ".
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية:
وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد -ﷺ- وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة، في أذانهم، وعلى الأماكن العالية، كما قال جابر: «كنا إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك» .
وهم يكبرون بأصوات مرتفعة، في أعيادهم، وفي أيام منى، وعقيب الصلوات، وعلى قرابينهم، وعلى الصفا والمروة وغير ذلك.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وليس هذا لغيرهم، فإن موسى يجمعهم بالبوق، والنصارى لهم ناقوس، والسيوف ذات الشفرتين هي العربية التي فتح بها الصحابة وأتباعهم البلاد.
وقوله: " يسبحون على مضاجعهم: أي: يذكرون الله حتى في هذه الحال، ويصلون في البيوت على المضاجع - بخلاف أهل الكتاب -، والصلاة أعظم التسبيح.
واليهود لا يكبرون بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين، بل هم مغلوبون مع الأمم، والنصارى تعيب من يقاتل الكفار، وفيهم من يجعله من معايب محمد وأمته.
ومن ذلك ما جاء في كتاب إشعياء -﵇- من البشارة به -ﷺ - يفتح العيون العور، والآذان الصم، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا يعطى أحد، مشفح يحمد الله حمدا جديدا ".
فمشمح: محمد بغير شك، كما قال ابن القيم، قال: " واعتباره أنهم يقولون: شفحا لا ها، إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفح محمد ".
[ ١ / ٢٨٣ ]
والأدلة على نبوته -ﷺ- من الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى أكثر مما ذكرناه، فلو أنهم تركوا الهوى، واتبعوا الهدى، وصدقوا كتب الله لعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن نعوته وصفاته وصفات أمته مسطرة في الكتب التي بأيديهم، وأنه لا عذر لهم في إصرارهم على الكفر به ومخالفته: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ .
على أنا لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، ألم يك فيما أودع الله - ﷿ - القرآن دليل على ذلك؟، وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به دليل على اعترافهم له فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .
ويقول حكاية عن المسيح -﵇-: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
ويقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
[ ١ / ٢٨٤ ]
ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ .
وكما قد كان -ﷺ- يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول: من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ !، أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعدا، وقد كان غنيا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم؟ !. ولو أنهم وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من إتلاف النفوس والأموال، وتخريب الديار!.
وكم أسلم من علمائهم، كعبد الله بن سلام، وابني سعنة، وابن يامين، ومخيريق، وكعب الأحبار، وأشباههم من علماء
[ ١ / ٢٨٥ ]