قال: (حينئذ ثم قيل في أرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين فضة ثمن المثمن الذي أثمنوه من بني إسرائيل، وجعلوها لحقل الفخاري كما أمرني به الرب) . انتهى.
وهذا المذكور لا وجود له في " صحيفة أرميا " التي بأيدي اليهود، كما حقق ذلك من له خبرة بكتبهم. وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون هذا الكلام لا وجود له في " صحيفة أرميا " أصلا، فتكون نسبته إليها من الزيادة في " إنجيل متى ". أو أن يكون قد نقص وحذف من " صحيفة أرميا "، فيكون من تحريف النقصان.
فقد ثبت التحريف إما في العهد العتيق بالنقصان أو في الجديد بالزيادة، وهو المطلوب.
وعندهم مما يدل على التحريف أشياء كثيرة، ولم ينفصلوا عن هذا الإيراد إلا باحتمال أن يكون ذلك من غلط الكاتب، وحينئذ فنقول: إذا احتمل أن يكون من غلط الكاتب، ولم يكن في النصارى إذ ذاك من يبين الغلط، وينفي التحريف، ويصلح التصحيف دل على أنهم قبلوا من ذلك الكاتب ما ألقاه إليهم من هذه الكتب من غير علم بصحتها عمن نسبت إليه، فسقطت الثقة بها.
يقرر ذلك الوجه السابع:
وهو أن هذه الكتب لما لم تتلق إلا من الصحف التي وصفناها كما اعترف به الخصم، وليست بيد من هو معلوم الثقة والأمانة، ولم تنقل
[ ١ / ٢٣٤ ]
من طريق أهل التواتر، الذي ينفي عنها تطرق التهمة، لم يصح أن يستند إليها في دين الله وشرعه، فكيف يعارض بها ما جاء به صاحب المعجزات القاطعة الذي ظهرت أدلة صدقة أعظم من ظهور الشمس، فقد علم يقينا أن كل ما خالف خبر من دلت المعجزة على صدقه فهو كذب مردود.
وأما ما احتج به النصراني من انتشار نسخ هذه الكتب في الآفاق، فهو غير مفيد للعلم بصحة أصلها، لأنا نقول: لما خالف بعض ما فيها خبر صاحب المعجزة، علمنا أن التغيير قد حصل فيها قبل الانتشار المانع من حصول التواطؤ على الكذب.
وهذا بخلاف ما وقع في نقل القرآن العزيز، فإن الله - تعالى، وله الحمد - قيض له من أسباب الحفظ والضبط ما لم يقع نظيره لغيره من الكتب، حتى حصل تمام اليقين الذي لا يخالجه شك، ولا يرد عليه شبهة أن القرآن الذي تضمنه المصحف هو القرآن الذي جاء به محمد -ﷺ-، وهذا مما يعترف به الموافق والمخالف.
والقول بخلاف ذلك قدح في الضروريات، لأنه من المعلوم بالتواتر الذي لا مرية فيه أن الصحابة تلقوه عن نبيهم، وكتبوه في الصحف في حياته، وإن لم يكن إذ ذاك مجموعا في مصحف واحد.
[ ١ / ٢٣٥ ]